منْ أنا؟

منْ أنا؟

52 0

من أنا؟

«كح... كح... كح... أين أنا؟»

فتحت تلك العيون الدامية ببطء، وانسدل ذلك الشعر الأبيض على خصرها بانسيابية. كانت تلك هي روبينا بلاكيو، فتاة بلغت سن الرشد قبل بضعة أيام، بجمالٍ خارق وشخصية لطيفة... أو ربما كذلك.

«آه... اللعنة، كيف وصلتُ إلى هذا المكان اللعين؟»

تمتمت لنفسها بصوتٍ هادئ، ثم رفعت بصرها نحو السقف المزخرف بطريقةٍ مبالغ فيها، برسوماتٍ تاريخية تعبّر عن دهرٍ من الدماء.

«آه نعم... لقد تذكرت. من اليوم أنا ابنة تلك العجوز.»

فجأة نهضت من فراشها الكبير متجهة نحو الباب، وما إن فتحته حتى وجدت تلك العجوز منتصبة هناك.

«آهه! اللعنة، لقد أخفتِني!»

قفزت روبينا من مكانها، ورفعت يديها إلى قلبها، ومثّلت أنها كادت تموت من الخوف.

«لقد أخفتِني يا أيتها الهيكل العظمي.»

ثم تمتمت لنفسها:

«سحقًا... لقد أفزعتني.»

نظرت إليها تلك المرأة، التي لم تكن عجوزًا أبدًا، بنظرة انزعاج.

«من العجوز يا قبيحة؟ أنا؟»

فجأة سقطت إحدى الخادمات من كثرة التعرق.

«هل يعقل أن وصفها بالعجوز يجعل المرء يُغمى عليه؟ يا له من مكانٍ غريب...»

لكن عيني روبينا توسعتا حتى كادتا تنفجران، فقد رأت وراء الدوقة خادمة بسيطة المظهر كالمعتاد؛ شعرٌ بني، وعيون بنية، وقامة قصيرة. لكن وعلى غير العادة، كانت تبتسم ابتسامة معتوهة مخيفة للبعض.

«آه سيدتي، يا للهول! ماذا فعلتِ لها؟»

لقد قصدت بكلامها الدوقة سيليفيا فراكون، صاحبة أعظم مكانة في إمبراطورية بالجيريا في الكوكب السابع؛ امرأة وقف لها النبلاء رهبة، وارتجفت لها القلوب خشيةً من عظمتها وروعتها.

لقد كانت حقًا امرأة رائعة، ووصفت بأنها جميلة جدًا، رغم أنها تخفي عينيها تحت عصابة بيضاء تتدلى منها مجوهرات كثيرة. كان شعرها تركوازيًا فاتحًا، وبشرتها بيضاء كاليشم، ويصل طولها إلى خمسة أقدام.

هل كانت هادئة؟ ربما كذلك... وربما لا.

ما يهم أنها جميلة وذكية.

«ابتعدي.»

قالت روبينا بصوتٍ هادئ.

«لكنها...»

«ألا تفهمين هذه اللغة؟ أيجب أن أتحدث بطريقة وضيعة مثلك؟»

نظرت إليها الخادمة بنظرة احتقار واشمئزاز، ثم ابتعدت... لكن ليس إلى الخلف، بل إلى الأمام.

قفزت قفزةً سريعة، وكان بيدها فأس ضخم لامع صوبته نحو روبينا.

«بفتههههههه...»

شق وجه الأخيرة ابتسامة كبيرة.

«أستقتلينني بهذا يا غبية؟»

«أجل، سأفعل!»

«حقًا؟»

«أجل!»

«أحبك.»

«ماذا؟ آسفة، لكنني لا أحبك. أنتِ قبيحة.»

احمرت وجنتا الخادمة فجأة، ثم شق بطنها خط وهمي حاد، قطع جسدها إلى جزيئات صغيرة اختفت في لحظة.

«لقد قلتِ إنكِ لا تحبينني، لذا تستحقين هذا. لقد آلمتِ مشاعري.»

صوّبت روبينا بصرها نحو الدوقة.

«ألن توقفي تمثيليتكِ الآن؟ هل آل فراكون مخلوقون من الإيبونيت أم الكعك؟»

جلست الدوقة ببطء وابتسمت بلطف.

«حسنًا، أردتُ اختبارك فقط. أنتِ خيبتِ ظني.»

«حقًا؟ ومن أنتِ لتحكمي علي؟»

مدت روبينا يديها للأعلى وتثاءبت.

«أنا أمكِ... ربما؟»

«ربما؟ ههههه... أنتِ أمي؟ يا للروعة! كلماتكِ جعلت قلبي ينبض. لا تنسي لماذا أنا هنا، ولماذا أنتِ هنا، ولماذا نحن هنا.»

«مملة، أتعلمين؟»

«ليس أكثر منكِ.»

«ألن تحترمي أمكِ؟»

«نعم.»

نهضت الدوقة ببطء، وفجأة انقلبت الموازين. لم يعد المكان قصرًا ولا غرفة، بل بُعدًا أسود لا بداية له ولا نهاية.

تغير شكل الدوقة من لطيفة إلى مرعبة، وبدأت شرارات السحر تنطلق من جسدها.

«إذًا... لنرَ كيف يمكنني تأديبك.»

بدأت بإطلاق سحرٍ أسود نحو روبينا، لكن يا للروعة، لقد امتصت روبينا كل شيء، وقالت بلطافة تتناقض مع الموقف:

«ألن تتوقف عن اتخاذ شكل خالتك، يا ابن أخت أمي بالتبني؟»

«أوه... يبدو أنكِ اكتشفتِ أمري.»

«بالطبع. فكيف يمكن لامرأة مثل الدوقة سيليفيا أن تكون وضيعة مثلك؟»

«آه... لقد آلمني ذلك.»

فجأة تحول شكله إلى فتى بعمر السادسة عشرة؛ شعره تركوازي، وعيناه جمريتان، ووجهه يشبه شخصيته تمامًا.

«فلتموتي، من فضلك.»

«إنه طلب صعب قليلًا، خاصة للآنسات الجميلات مثلي.»

«إذًا سأجعلكِ تموتين.»

«اذهب إلى الجحيم أنت وأقاويلك.»

تحول المكان من بُعدٍ أسود إلى جحيمٍ أحمر، وكانت خلف سيكسيف نار ملتهبة بشدة.

تعثر بحجرة وسقط في النيران.

لوحت له روبينا بيديها وابتسمت بإشراق.

«باي باي... أتمنى لك أن تُسلق جيدًا.»

ثم غادرت المكان.

حين وصلت إلى القصر، استقبلتها خادمتان.

«سيدتي، تفضلي، الدوقة تنتظرك.»

«لن أذهب، لا أطيق رؤية وجهها.»

قالتها ببرود، لكنها تبعتهما في النهاية.

وحين وصلت، كان المكان عبارة عن حديقة كبيرة جدًا، تكسوها الخضرة من كل جانب، تتوسطها نافورة ضخمة تنساب مياهها بهدوء. جلست الدوقة على حافة رخامها، مرتدية فستانًا بلونٍ عاجي أنيق.

اقتربت منها روبينا وقالت:

«لِمَ طلبتِ رؤيتي؟»

رفعت الدوقة نظرها نحوها بهدوء.

«هل قتلتِ ابن أختي؟»

قهقهت روبينا بخفة.

«ههههه... ابن أختك؟ آسفة، لكنكِ أضحكتِني. كيف لذلك الشيطان أن يكون ابن أختك؟»

أمسكت وجه الدوقة بيديها البيضاء وقالت بنبرة ساخرة:

«أنا أعلم أنكِ تعلمين أني أعلم أنكِ تعلمين أن سيكسيف شيطان متنكر، وأن ابن أختك العزيز فارق الحياة منذ زمن طويل... أم أنكِ تتغابين فقط؟»

أغمضت الدوقة عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء:

«حسنًا، أعلم ذلك. لكن بما أنه كان يستعمل جسده، فإن قتله كان أمرًا عسيرًا عليّ. لذا... شكرًا لكِ.»

وضعت روبينا يدها على صدرها بتمثيل مبالغ فيه.

«أنتِ شكرتِني؟ أولالا... سأرقص من الفرح.»

«حسنًا، الشكر واجب، وقبوله اختيار، وأنا أرفضه.»

ابتسمت الدوقة ابتسامة خفيفة وأردفت:

«وبعد كل شيء، أنا أختار أنني لن أقبل رفضكِ له.»

ضحكت روبينا بخفوت.

«هههه... أتعلمين؟ أنتِ غبية. فرغم أنكِ بالكاد تحافظين على هدوئك، إلا أن الغبي، الذي هو من نسل الحمار فقط، لن يفهم حزنك. وكما تعلمين، أنا من نسل الحمير، لذا لن أفهم الأمر.»

اقتربت منها قليلًا ثم أكملت بنبرة هادئة:

«فرغم أنكِ حزينة، فكل ما أشعر به تجاهك هو التقزز... لكنكِ أكثر شخص أحترمه بعده.»

لوحت روبينا بيدها بلا مبالاة ثم غادرت المكان.

راقبتها الدوقة بصمت وهي تبتعد، قبل أن تضحك بخفوت.

«هههه... إنها تشبهه.»

ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، ثم غادرت هي الأخرى.

فرغم أنهما تعيشان تحت سقف القصر ذاته، فإن لكل واحدةٍ منهما قلبًا وعقلًا يسيران في طريق مختلف... ولكلتيهما مصير مجهول.

حين وصلت الدوقة إلى غرفتها، أغلقت الباب بقوة، ثم سقطت على الأرض، وقد كسى الدموع المالحة وجهها. أمسكت بملابسها بقوة وهمست بصوتٍ مرتجف:

«آهه... فلذة كبدي... إنها تشبههم.»

لقد قصدت أطفالها، أولئك الصغار اللطفاء.

أكبرهم ثيودور، ذو السبعة عشر عامًا، وأصغرهم لوسيا، ذات الأعوام الثلاثة.

لكن ما فائدة العمر وهم قد ماتوا بسببها؟ بسبب غبائها؟ بسبب عدم اهتمامها؟ لأنها كانت غبية؟

«أجل... أنا أتغابى.»

بدأ جسدها يرتجف بعنف.

«ليتني مت معهم... لماذا أنا حية؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟»

بدأت بصفع نفسها بقوة، والصراخ حتى بدأ صوتها يختفي تدريجيًا.

«آه... إنه مؤلم! لماذا ذهبتم بسببي؟ آه... إنه بسببي! لماذا أسأل أصلًا؟ أطفالي... أطفالي...»

فقدت وعيها محاولة الهرب من ألمها، لكنها استيقظت داخل حلمٍ مرعب؛ كانت النيران تلتهم القصر، وصرخات الخدم تختلط بعبراتهم.

وقفت في الوسط تراقب ما يحدث دون حركة.

تراقب... وتراقب... وتراقب...

ورغم أنها كانت ترى نفسها، إلا أنها ندمت على تلك اللحظة.

ليتها تحركت.

ليتها احترقت لتنقذ أطفالها بدل أن تنقذ نفسها.

ليتها ماتت معهم.

لكنها اختارت العيش.

وما معنى العيش دون أولادها؟

ما معنى اختفاء أصوات الضحكات كل صباح؟

«آه... آه... أنا آسفة... آسفة...»

فجأة استيقظت لتجد نفسها فوق السرير، وروبينا تنظر إليها من الأعلى.

«هل استيقظتِ؟ لقد أُغمي عليكِ. هل كان ذلك بسبب كلماتي؟»

«أجل... بسببك تذكرت الماضي.»

«يا لكِ من قاسية، لكنني قلت الحقيقة فقط.»

فجأة رفعت الدوقة يدها وصفعت روبينا بقوة.

«آه... إنه رائع! ههههه... مر وقت طويل منذ أن صفعني أحد.»

لكن روبينا لم تصمت، بل ردت الصفعة بأقوى منها.

«آسفة، لكنني عاقة ولست بارة بوالدتي، لذا من يضرب يُضرب. هذا شعاري.»

«إنه شعار سخيف... مثلك.»

ابتسمت روبينا بخفة.

«شكرًا لكِ على مجاملتك.»

ثم غادرت المكان وهي تبتسم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

زهرة نحو الموت

المؤلف Lino La
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة