فصل ١٠

فصل ١٠

22 0

"بما أنكِ هنا اليوم، يا ملكة الشياطين السود، فيجب أن تعلمي مكانتكِ في هرم السلطة داخل هذه القاعة."

قالتها ملكة النور بصوت هادئ رزين، لكنه حمل من الهيبة ما جعل الكلمات تستقر في القاعة كما تستقر النجوم في السماء.

رفعت روبينا حاجبًا وقالت:

"سلطة؟ آه، أجل... أنا في أسفل السافلين."

ارتفعت همهمات خافتة بين الحاضرين.

أما ملكة النور فلم يتغير تعبيرها، بل اكتفت بالنظر إليها بعينيها الذهبيتين اللتين بدتا كأنهما تحتضنان ضوء الفجر نفسه.

"من الجميل أنكِ تعرفين مقامكِ."

تنهدت روبينا وأسندت ذقنها إلى كفها.

"هذا ليس معرفة، بل إدراك."

"إنه الشيء نفسه."

"لا، ليس كذلك."

ساد صمت قصير.

ثم أغلقت ملكة النور عينيها للحظة، وكأنها تمنح نفسها صبرًا إضافيًا.

"يا لكِ من مزعجة."

ابتسمت روبينا ابتسامة صغيرة.

"سمعت هذه الجملة كثيرًا اليوم."

لم يجب أحد.

فالقاعة نفسها كانت كفيلة بابتلاع أي محاولة للمزاح.

كانت قاعة الاجتماع الأعظم، المكان الذي لا تُفتح أبوابه إلا حين تهتز موازين العوالم.

امتدت القبة البلورية الشاسعة فوق الرؤوس كسماءٍ ثانية، تتلألأ فيها نجوم مصنوعة من السحر الخالص، بينما ارتفعت الأعمدة البيضاء العملاقة حتى بدت وكأنها تحمل السماء ذاتها.

وكان الضوء يتدفق من كل مكان دون أن يعرف أحد مصدره، ضوء ناعم هادئ ينساب فوق الأرضية الرخامية كالأنهار الفضية.

وعلى امتداد الطاولة الدائرية جلس حكام العوالم المختلفة.

ملوك وملكات امتدت أعمار بعضهم لآلاف السنين.

أصحاب قوى قادرة على تغيير مصير أمم بأكملها.

ومع ذلك...

كانت الأنظار جميعها تتجه نحو المرأة الجالسة في أعلى القاعة.

ملكة النور.

لم تكن الأقوى لأن أحدًا منحها ذلك اللقب.

ولم تكن الأعظم لأن أحدًا توجها.

بل لأن الزمن نفسه أثبت مكانتها.

كانت الحاكمة التي حافظت على توازن العوالم قرونًا طويلة.

والملكة التي وقفت في وجه الكوارث التي كادت تبتلع الوجود.

حتى أكثر الحكام عنادًا كانوا يتحدثون إليها باحترام.

لا خوفًا منها...

بل تقديرًا لما تمثله.

ولهذا، عندما اعتدلت في جلستها، خفتت الأصوات كلها.

وعندما رفعت يدها، ساد الصمت.

وكأن القاعة بأكملها كانت تنتظر كلماتها.

قالت أخيرًا:

"لننتقل إلى السبب الحقيقي لهذا الاجتماع."

اختفت آخر بقايا المزاح من الوجوه.

حتى روبينا جلست باعتدال أكبر.

وتابعت ملكة النور:

"كما تعلمون جميعًا، فإن عودة ملكة الشياطين السود إلى منصبها بعد سنوات طويلة من الشغور تُعد حدثًا مهمًا."

ثم التفتت نحو روبينا.

"وهو أمر يسعدنا جميعًا."

رمشت روبينا عدة مرات.

كانت هذه ربما أول جملة لطيفة سمعتها منذ دخولها القاعة.

لكن ملكة النور أكملت:

"إلا أن هذا ليس السبب الذي دفعني إلى جمع حكام العوالم اليوم."

وعند تلك الكلمات تبدل الجو.

كأن نسمة باردة مرت داخل القاعة.

وكأن الضوء نفسه أصبح أكثر هدوءًا.

تداخلت أصابع ملكة النور فوق الطاولة.

ثم قالت بصوت منخفض لكنه بلغ كل زاوية من زوايا المكان:

"خلال الأشهر الأخيرة ظهرت حالات غريبة في عدد من العوالم."

ظهرت دوائر سحرية مضيئة في الهواء.

وسرعان ما تشكلت صور متعددة فوق الطاولة.

رجال.

نساء.

محاربون.

سحرة.

وشياطين.

جميعهم كانوا ممددين على الأرض بلا حراك.

وكأن النوم ابتلعهم فجأة.

عقدت روبينا حاجبيها.

لم تر جروحًا.

لم تر دماء.

ولم تر آثار معركة.

بدا الأمر طبيعيًا على نحو مخيف.

تابعت ملكة النور:

"في البداية ظننا أنها حوادث منفصلة."

وتغيرت الصور.

ظهرت خرائط لعوالم متعددة.

نقاط مضيئة متناثرة هنا وهناك.

ثم بدأت الأعداد ترتفع.

عشرات.

ثم مئات.

ثم أكثر.

"لكن مع مرور الوقت اكتشفنا أن الحالات تتزايد."

ساد الصمت.

صمت ثقيل كالسحب التي تسبق العاصفة.

قال أحد الحكام:

"هل هو مرض؟"

"لا."

"لعنة؟"

"لا."

"هجوم سحري؟"

هزت ملكة النور رأسها.

"لم نجد أي أثر لأي نوع معروف من السحر."

اتسعت العيون.

أما روبينا فشعرت بقشعريرة خفيفة تمر في جسدها.

لأن المجهول كان دائمًا أكثر رعبًا من العدو الواضح.

وتابعت ملكة النور:

"أجسادهم سليمة."

فتبدلت الصور مرة أخرى.

"أرواحهم مستقرة."

ثم ظهرت تقارير سحرية معقدة.

"وقواهم لم تتضرر."

أخذت نفسًا هادئًا قبل أن تضيف:

"لكنهم لا يستيقظون."

ساد الصمت مجددًا.

صمت طويل عميق.

حتى النجوم المتلألئة في سقف القاعة بدت وكأنها توقفت عن الوميض.

وشعرت روبينا للمرة الأولى منذ بداية الاجتماع بأن الأمر أخطر مما تخيلت.

لأن الحروب يمكن فهمها.

والأعداء يمكن قتالهم.

والوحوش يمكن هزيمتها.

أما هذا...

فكان شيئًا مجهولًا يتحرك في الظلام، تاركًا خلفه أجسادًا نائمة وأسرارًا لا يملك أحد لها تفسيرًا.

وعندما رفعت ملكة النور نظرها نحو الحاضرين، كان في عينيها بريق جاد لم يغب عن أحد.

ثم قالت:

"لهذا السبب استدعيتكم."

"لأنني أخشى أن ما نشهده اليوم ليس سوى البداية."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

زهرة نحو الموت

المؤلف Lino La
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة