فتحت الباب الضخمة ببطء شديد.
«آه، وأخيرًا وصلت».
ليُسمَع منها صوتٌ رقيق، فيدخل منها جسدٌ لا يتعدّى الخمسة أقدام والسبع بوصات، مع شعرٍ أبيض لامع يتدلّى على خصرها بانسيابية، وعيونٍ حمراء دامية، وبتلك البشرة التي تشبه اليشم، ابتسمت بإشراق نحو أحد الخدم.
«خذني إلى أمي».
تلعثم الخادم منبهرًا من جمالها، فلو أراد المقارنة بينها وبين القمر لتفوّقت هي.
«آه... س-سيدتي، الدوقة في انتظارك».
أخذ الخادم يهرول نحو الحديقة أين توجد الدوقة، فتبعته هي الأخرى.
كان الممر كبيرًا جدًا، بل إن كلمة «كبير» لهي إهانة في حقه، وتلك الجدران المزخرفة يعلوها صور الأجداد المتجهمين، وبعد دقائق وصلت أخيرًا إلى الحديقة التي تكسوها النباتات المخضرة من كل مكان، والزهور المحمرة والمزرقة، ورغم ذلك إلا أن كل الجمال تركز في بقعة واحدة أين تجلس الدوقة سيليفيا على حافة نافورة ضخمة؛ المرأة التي تقشعر لها الأبدان وتخفق لها القلوب، المرأة التي أسقطت ممالك بقوتها، المرأة التي تمتلك أجمل وجه قد تراه على الإطلاق رغم أنها عمياء، فبذلك الشعر التركوازي الذي يكسو بشرتها الناعمة، وبتلك العصابة البيضاء المزينة بالمجوهرات الغالية، وبذلك الثوب الحريري الجميل، جلست بهدوء وقالت:
«لقد حان الوقت».
أجابتها روبينا بتغابٍ:
«أي وقت؟! أجننتِ؟».
«لقد حان وقت موتك. أنتِ... أنتِ قتلتِ ابن أختي، يجب أن تموتي أيضًا».
«لِمَ يجي عليّ ذلك؟ كان يستحق الموت».
«إنه آخر ما تبقى لي، وأنتِ أنهيته، لذا يجب أن أنهيكِ. لا تنسي مكانك، لا تنسي أنكِ حية بسببي، لقد آويتك رغم أنكِ لستِ ابنتي، أطعمتك، درستك، فعلت كل شيء من أجلك، وفي الأخير أنتِ... آآآآآآه!».
انفجرت روبينا بالضحك.
«هاهاها، آسفة، لقد أضحكتني».
«أنتِ ناكرة للمعروف».
«ها؟ أولالا، يجب أن تصبحي ممثلة. متى بحقكِ درستني؟ أنا هنا منذ بضع سنوات، لم أتعلم منكِ سوى الضعف والهوان، كل ما فعلته هو البكاء والصراخ أمامي».
«أهههههههه... هههههه... أتعلمين؟ أنتِ نسيتِ، لكن حين أموت ستتذكرين، سأجعلك تتعذبين مثلما تعذبت».
«دعينا الآن من دراماتك، ما هي الضحية القادمة؟ كما تعلمين، إنها آخر واحدة».
«اخرجي من قصري! اخرجي الآن!».
«حسنًا، حسنًا، بيرفاكتو بيبي، خذي نفسًا، سأخرج».
غادرت روبينا، أما الدوقة فعادت لغرفتها، أغلقت الباب وراءها وبدأت بالبكاء وهي تشتم نفسها وتتذكر ماضيها، أين كانت تعيش مع أطفالها بسعادة ومع زوجها كذلك، لكن منذ يوم قدوم روبينا لم تشهد خيرًا.
«سيليفيا، عزيزتي، دعينا نربيها، إنها طفلة صغيرة».
«صغيرة؟ كيف تقول صغيرة؟ قل إنها ابنتك، ولولا هذا لما أحضرت فتاة بعمر ١٢ لمنزلنا! لدينا ثلاثة أطفال، لا داعي لإحضار تلك الشيطانة».
«سيليفيا، أنتِ حقًا رأيتِ حالتها، سأذهب لإحضارها سواء شئتِ أم أبيتِ».
وبعد مغادرة زوجها أمسكت سيليفيا، التي كانت في ذلك الوقت بعمر 23، بسكين وغرسته في عينيها الأرجوانيتين حتى افترقعتا، وبدأت بالصراخ راجية أن يعود زوجها، لكن فات الأوان، فقد غادر القصر لإحضار روبينا بالفعل.
سارع الطبيب إلى سيليفيا التي أصبحت عمياء بسبب غضبها، وبعد مغادرته دخلت ليلياكا، أصغر بناتها، عمرها ٥ سنوات.
«ماما، لماذا تغطين عينيكِ؟».
«آه صغيرتي، إنه بسبب والدك، لكن لا تقلقي، أنا بخير».
«ماذا فعل بابا لكِ؟».
«لا تقلقي يا فلذة كبدي، فقط عودي لغرفتك».
صحيح أن سيليفيا كانت قاسية مع الجميع، إلا أن قلبها يلين مع أطفالها الذين لم تكن تلتقي بهم سوى لساعات قليلة في الأسبوع بسبب أشغالها، وفي تلك اللحظة الزمنية وصل خبر صادم لسيليفيا.
«لقد مات الدوق».
«ماذا؟! كيف حدث هذا؟! ولماذاااادا؟!».
بدأ جسد سيليفيا يرتعش ويهتز، وقلبها يخفق من الخوف.
«يقولون إن الدوق مات بسبب انقلاب العربة، وقد كانت طفلة بشعر أبيض معه، فمات هو ونجت هي، وقد قالت إنه أوصى بأن تعتني يا سيدتي أنتِ بها».
خرجت الدوقة وهي حافية القدمين خارج القصر، والمطر كان يهطل بشدة، وهي لم تكن ترتدي سوى فستان نوم.
«سيدتي، انتظري!».
لكنها لم تكن تسمع شيئًا، فقدت بصرها والآن زوجها، وفي المستقبل ماذا سيحدث لها بسبب تلك الطفلة؟
استطاع الخدم إمساك الدوقة بصعوبة شديدة.
«اهههه... اتركوني! اتركوني!».
كانت غاضبة بشدة، تصرخ وتضرب نفسها.
«زوجي... لااا... اههههه!».
صرخت صرخة عالية ثم فقدت وعيها، وحين استيقظت كان قد مر خمسة أيام بالفعل. لم تحضر الجنازة، ولم تكن مع أطفالها، بل كانت نائمة، فنهضت فورًا واتجهت نحو إحدى الخادمات، فرغم أنها فقدت بصرها إلا أن حواسها أفضل من البشر العاديين.
«أين تلك اللعينة، سبب تعاسة عائلتي؟».
«آه سيدتي، إنها في غرفة سموه».
«ماذا قلتِ؟!».
بدأ المكان يهتز كأن زلزالًا ضخمًا قصد المكان.
«كيف تجرأتِ على أن تبقيها هناك؟!».
«ل-لقد قالت هي ذلك».
«ابتعدي عني، أرشديني إليها».
وبعد أن دخلت الدوقة لذلك المكان وجدت روبينا هناك.
«اقتربي».
«حسنًا سيدتي».
وما إن اقتربت روبينا إليها حتى صفعتها سيليفيا بقوة شديدة حتى طارت روبينا من مكانها، ولم تكتفِ بذلك بل بدأت بضربها وإلقاء اللوم عليها، ونادت على الحراس لأخذها إلى الزنزانة.
وبعد عام أصبحت شخصية سيليفيا كاللعنة، فقد منعت أولادها من زيارتها، وقد لازمت غرفتها ولم تخرج منها، وبسبب ذلك انهارت هي نفسيًا حتى فقدت السيطرة على نفسها، فخرجت للحديقة لتنفّس عن غضبها بإطلاق سحر النار، ولسوء الحظ فقدت السيطرة عليه، فالتهب المكان واشتعلت النيران، فاختلطت الصرخات مع العبرات، وكل ما فعلته سيليفيا هو الجلوس، لم تتحرك من شدة الصدمة، فأطفالها جميعهم في القصر.
لم تكن تسمع، لم تكن تفكر، كأنها جسد بلا روح، خاصة بعد أن أخرج الفرسان أجساد أولادها المحترقة والميتة.
«أ-ااااااااغغغااا! أططفالييي! لااااااااا!».
مات أطفالها بسببها... هل هو بسببها؟ لا، فقد فكرت أن السبب الحقيقي هو روبينا، إنها السبب، هي بؤرة الشر، هي منبع اليأس.
ومع مرور الأيام زارت الدوقة روبينا، وقد كان وجه الفتاتين يائسًا؛ الأولى بسبب وفاة عائلتها، والأخرى بسبب معاناة الأولى.
عانت هي، فقالت الدوقة ببرود:
«من اليوم أنتِ ابنتي في الورق، خادمتي في الأصل، ستكفرين عن أخطائك بأن تصبحي قاتلة مأجورة لي، كل خطأ سيكلفك شيئًا غاليًا».
ومنذ ذلك اليوم أصبحت روبينا كالعبدة لسيليفيا، تقتل الناس لأجلها وتعاقَب إن أخطأت، وبسبب ذلك أصبحت شخصية روبينا سيئة جدًا، لم تكن تشعر بالشفقة تجاه أحد، ولا بالحزن تجاه نفسها.
ومع مرور الأيام واقتراب ساعة تحرر روبينا أصبحت العلاقة بينهما أسوأ وأسوأ، حتى جاء يوم بلوغ روبينا ١٨ حين أخبرتها الدوقة بأنها ستندم كثيرًا على مغادرتها، فالدوقة حمت روبينا من شيء أسوأ، وهي ذكرياتها، وما جعل روبينا تتوتر هو أنها حقًا لا تذكر أي شيء قبل سن الثانية عشر.
في الوقت الحالي عادت روبينا ليلًا للقصر لتجد المكان يلتهم من طرف النيران، لم تفكر كثيرًا بل سارعت لإنقاذ الدوقة، جرت للقصر بسرعة، دخلته وكان المكان كله يحترق، وعند وصولها للغرفة أين توجد سيليفيا وجدتها جالسة فوق كرسيها وتمسك صورة لها مع عائلتها.
«لمَ... آه آه... لم تخرجي؟ المكان يحترق، قد تموتين».
«وإذا مت، ماذا بعد ذلك؟ هذا أفضل لكلينا».
«لكن يا دوقة...».
«غادري، لا أريد سماع صوتك، أنا أكرهك، غادري، غادري، أرجوك غادري».
لم تستمع روبينا لكلام الدوقة، حملتها وحاولت الخروج، وبسبب غفلة واحدة قامت الدوقة برمي نفسها من روبينا إلى النيران، ودفعت روبينا من النافذة، فسقطت روبينا في النافورة، أما الدوقة فبقيت تحترق، وآخر ما فكرت به هو ذكرياتها الجميلة مع أطفالها حين اشترت لهم ملابس تنكر...
«صغاري... أمكم آسفة».
قالت ذلك وهي تشاهد أطياف أولادها تحوم حولها، وانفطر قلبها حين رأت زوجها.
«سيليس... أاااه... أنا...».
«لا بأس، سيليفيا، ليس خطأك، إنه خطأنا جميعًا».
«لكن...».
«لا تبكي، أنتِ أيضًا ستأتين إلى حيث نحن، جميعًا سننتظرك».
اختفوا جميعًا، فبقيت سيليفيا تفكر: لو أنها أنقذت أطفالها، لو أنها قبلت إحضار الطفلة في المرة الأولى، لو أنها لم تطعن عينيها، لو أنها لم تعذب روبينا، أكان هذا سيحدث؟ ولكن، ويا للأسف، ما فائدة «لو» في هذا الوضع؟
وقبل أن تختفي آخر أنفاس سيليفيا تذكرت روبينا، تلك الطفلة التي لا ذنب لها لكنها ألقت باللوم عليها.
تمتمت بصوت خافت، راجية أن تسمعها روبينا رغم أنها تدرك أن ذلك لن يحدث:
«رو... روبينا... أنا آسفة، أعلم أنكِ لستِ المذنبة».
وبهذا فارقت سيليفيا، المرأة العظيمة، الحياة.
في نفس الوقت كانت روبينا تنظر للقصر وهو يلتهب، فجأة بدأ رأسها بالدوران.
«آآآآآآه! إنه مؤلم... رأسي!».
تذكرت فجأة كلمات سيليفيا:
«حين أموت ستتعذبين أكثر».
فيا ترى، ما الذي سيجعل روبينا تتعذب لموت سبب معاناتها؟
نهاية الفصل ١
Lino La