شر أو خير

شر أو خير

30 0

أين أنا؟ المكان مظلم، لا أرى شيئًا.

كان المكان مظلمًا كظلام دجى الليل، لا يُرى فيه شيء. صوت قطرات الماء وهي تتساقط على تربة الأرض هو كل ما يُسمع، وصرير الفئران ورائحة القمامة والفضلات تفوح من المكان.

وهناك كانت تجلس جثة صغيرة جدًا لطفلة لا تتعدى العشر سنوات. لقد كانت روبينا الصغيرة بجسد هزيل وروح ثقيلة. جلست على تلك الأرض الباردة بصعوبة شديدة. كان وجهها شاحبًا كأنها ميتة، وعيناها غائرتين ومحمرتين من كثرة البكاء. جسدها مغطى بالكدمات الزرقاء والأرجوانية والجروح، ومملوء بآثار الإبر والضرب المبرح.

«آه، روبينا، آسفة... فقط أعطوني أكلًا، أرجوكم.»

كان سبب ترجّيها الكبير هو التجارب التي أُجريت عليها، كمشروع MK-Ultra وتجارب الإشعاع عليها، وحتى تجارب The Holocaust. عانت هذه الأخيرة كثيرًا من الألم الجسدي والنفسي والعقلي، حتى إنهم كانوا يعرضونها للصواعق وتيار كهربائي عالي الشدة، وكانوا يحقنونها بجرعات كبيرة من السم القاتل.

كل ما كان يُسمع في ذلك الوقت عدا صرخات روبينا وبكائها وقهقهة العلماء. أويحق لهم أن يسموا أنفسهم بالعلماء وهم ليسوا إلا فئة متغطرسة تتخذ بالعلم سبيلًا لتعذيب الصغار؟

روبينا لم تكن الأولى، وهي ليست بالأخيرة، لكن بسبب نجاتها من كل هذه التجارب الموحشة نالت إعجاب الحقيرين، فصاروا كالكلاب لا يفقهون شيئًا، فزادوا من معاناة المسكينة.

فأصبح بالنسبة لها النجاح جحيمًا، والفشل جنة. لطالما كانت تتمنى:

ليتني مت واختفيت... أنا أحسد كل من مات هنا. ليتني... لماذا؟ لما لم أمت؟ لما لا أموت؟

هم أصبحوا لا يسقونها ماءً، ولا يعطونها طعامًا، ولا يسمحون لها بالنوم إلا ساعة واحدة، وهم يعذبونها عذابًا شديدًا. فاللعنة عليهم، فما الفرق بينهم وبين الشياطين؟ هم ليسوا إلا شياطين متنكرة على هيئة بشر.

كانت روبينا تجلس كل يوم تنتظر مصيرها المحتوم.

هل حقًا يجب عليها ذلك؟

كانت تدرك أن ما يحدث لها لا نهاية له. كل يوم نفس الروتين. تنام ساعة في وقت محدد، وتستيقظ ليتم أخذها إلى غرفة بيضاء. إن نجحت في التحمل يعرضونها لشيء أسوأ، وإن فشلت يقومون بأسوأ من ذلك.

بدأت شخصية روبينا بالاندثار يومًا بعد يوم. أصبحت تشعر أنها مجرد شيء.

شيئًا فشيئًا بدأت تشعر بالجنون. فمرة تضحك، ومرة تبكي، ومرة تغضب، ومرة تفرح، لكنها وصلت إلى نقطة جعلتها ترى العالم دون ألوان. كل شيء أسود وأبيض فقط.

حسنًا، أليس هذا ما اعتادت عليه؟

لقد سئمت حقًا من هذا، فبدأت بالصراخ فجأة:

«آههههههه! لماذا تفعلون هذا؟ توقفوا، أرجوكم، توقفوا، توقفوا! لقد سئمت! أنا سئمت! فقط اتركوني!»

بدأت روبينا بالشعور باقتراب النهاية، فخالجها إحساس ليس بالحزن بل بالفرح. ظنت أنها ستموت، فأغلقت عينيها ببطء لتشعر بلذة مفارقة الحياة.

«أخيرًا سأتخلص من هذه الحياة.»

لتستيقظ وتجد نفسها أنها كانت تمسك بأحد الحراس. كان يضربها بالسوط، فتمسكت بقدمه وترجته، فقد كان ذلك السوط به قوة سحرية تضخ الكهرباء فيه.

«ابتعدي عني.»

ركلها الحارس بقوة بقدمه وشرع يكمل عمله.

«لماذا أنا؟ لما؟ لما؟»

«هههه، مسكينة حقًا، لأن هذا مصيرك. أجل، فقط استسلمي.»

أخذت دموع روبينا بالسيلان على وجهها بغزارة. هي لا تدري أين هي. هي حتى لم تطلب شيئًا. لم ترد الحرية، فقط أرادت الراحة.

الراحة... أهذا شيء صعب؟

لم تكن تملك حلمًا. هي لا تعرف من هي عائلتها أو كيف وصلت إلى هنا، ففي أول مرة استيقظت فيها هنا لم تكن تتذكر.

فتلك الصغيرة لم تكن تفهم شيئًا، وظلت تتساءل:

من أنا؟

أين أنا؟

من هؤلاء؟

لماذا أنا؟

كانت هذه الأسئلة الأربع هي كل ما يجوب خاطرها، ولكن ما الفائدة من التساؤل؟ فلا يوجد من يجيبها، فالظلام هو كل ما يحيط بها.

روبينا لم تكن تعرف شكلها أو جنسها أو أي شيء عنها. تارة ظنت أنها حيوان، وتارة ظنت أنها وحش قبيحًا.

أجل، هذا ما اعتقدته.

فكيف لهم أن يسلبوا روح طفلة صغيرة؟ كيف يؤول بالإنسان أن يصبح شريرًا لهذه الدرجة؟

آه، صحيح... شرير.

تلذذت روبينا بطعم الكلمة كثيرًا وفكرت في نفسها.

الشر هو كل ما ينفع. إن كنت خيرًا ستُدهس، وإن كنت ضعيفًا ستموت، وإن كنت طيبًا ستُقتل، لكن إن كنت شريرًا فلن يحدث ذلك، لأن الشر هو ما يجلب البؤس للخير.

فتسللت أفكار إلى عقل روبينا.

«لِمَ لا أصبح شريرة؟»

صحيح، لا يوجد ما يمنعها. لا عائلة لها، ولا يوجد من يحبها. العالم ضدها، لهذا نعم، يمكنها.

«هههههههههه...»

ضحكت ضحكة عالية، وتذكرت غباءها طوال الخمس سنوات وهي هنا.

تمتمت لنفسها وهي تقهقه:

«إذا أصبحت الشر، فلا يوجد ما يمنعني.»

لكن كيف لها ذلك؟ فصحيح أن الشر اختيار، لكن الضعف ليس كذلك، وروبينا كانت ضعيفة.

الشر والضعف؟ مزيج لا يتجانس أبدًا.

لذا بدأت تفكر وتعصر مخها.

«فكري... فكري... فكري...»

كانت روبينا تفكر طوال شهر كامل. تفكر وهي تتعذب، تفكر وهي نائمة، تفكر وتفكر في كل يوم، في كل ساعة، في كل دقيقة، في كل ثانية.

كانت تفكر، تراقب، تبحث. كانت تحلل حتى المكان والرائحة والحرارة، حتى وصلت إلى خطة.

«أجل، هذا ما سينجح.»

تذكرت روبينا فجأة المخطوطة التي حملها أحد الحراس في يده. فرغم أنها كانت صغيرة، إلا أن ذاكرتها قوية جدًا، وقد عرفت أنها محرمة من الكتابة فوقها. فروبينا في هذا المكان لم تكن تتعرض للتعديل والتجارب فقط، بل إنهم كانوا يدرسونها لتصبح متكاملة.

بدأت روبينا برسم المخطوطة على التراب، لكن لم ينجح الأمر، فالتراب كان لزجًا ويعود لأصله في ثوانٍ. لذا احتاجت إلى خطة أخرى، حتى خطر على بالها شيء آخر، وهو الرسم بدمائها.

لكن في ذلك المكان لم تكن تمتلك أي أداة حادة، ولكنها كانت تمتلك جروحًا لم تُشفَ في جسدها، وقد كانت أظافرها طويلة. لذا أخذت تخدش جرح قدمها بقوة حتى انفتح وسال الدم.

كان مؤلمًا بحق، لكنها لم تأبه، فقد بدأت بالتخطيط منذ شهر بالفعل، وشيء كجرح صغير ليس بالسبب المقنع الذي يجعلها تتوقف.

وعند رسمها للمخطوطة لم يظهر شيء.

مرت ساعة...

ساعتان...

ثلاث ساعات...

يوم...

يومان...

أسبوع...

حتى شعرت أنها فشلت.

أجل، تلك الخطة التي خاطرت من أجلها بكل شيء، تلك الخطة التي فكرت بها حتى كادت تموت، فشلت في النهاية؟

لا، لم تفشل.

فبعد مرور شهر تحول المكان كله إلى دخان أسود. لم يظهر شخص، وكان الضغط شديدًا جدًا ومخيفًا.

سُمع صوت:

«هاه، طفلة، ماذا تريدين؟»

«قوتك، أقرضني إياها.»

«وما المقابل؟ لما سأعطيك قواي؟ أريد مقابلًا.»

«ماذا تريد؟»

«قلبك. أعطني جزءًا من الذكريات المحفورة في قلبك. أفضل أن تكون ذكريات إيجابية.»

«حسنًا، سأعطيك كل ذكرياتي، فأنا لا أتذكر على أي حال.»

«اتفقنا.»

«اتفقنا.»

فجأة بدأت هالة بنفسجية تحيط بروبينا من كل مكان، وشعرت روبينا براحة شديدة عندما تخللت جسدها تلك القوة.

«هذا جزء من سحري. سيختفي بعد تحقيق رغباتك، والآن سآخذ ما اتفقنا عليه.»

فجأة شعرت روبينا بروحها تخرج. كان الأمر مؤلمًا جدًا، لكنها لم تجد الوقت للتفكير بالألم.

فجأة خرجت من قلبها هالة بلون وردي. كانت صغيرة جدًا.

«هاه؟ يا صغيرة، أهذا كل ما تملكينه؟»

«أجل، خذها وارحل. انتهت صفقتنا.»

«يا لك من سليطة لسان، يا مسكينة. حتى النمل يملك ذكريات سعيدة أكثر منك.»

فجأة اختفى ذلك اللون الأسود، وبقيت روبينا في الغرفة وحدها.

لا، بل كان معها شيء جديد.

قوة تمكنها من القضاء على من يحاول القضاء عليها.

فإما أن تنتقم، أو تبقى هنا للأبد.

__________________________________________

---

تعريف مختصر للمشاريع المذكورة:

• مشروع MK-Ultra:

برنامج سري لدراسة التأثير على العقل البشري والتحكم بالسلوك باستخدام وسائل نفسية وكيميائية مختلفة.

• مشروع الإشعاع:

سلسلة تجارب هدفت إلى دراسة تأثير الإشعاع على جسم الإنسان وتحملّه وآثاره الصحية.

• تجارب THE HOLOCAUST:

تجارب طبية قسرية أُجريت على سجناء خلال الحرب العالمية الثانية، واشتهرت بقسوتها الشديدة وتسببها في معاناة إنسانية كبيرة.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

زهرة نحو الموت

المؤلف Lino La
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة