نظرت روبينا إلى الشاب بعيونٍ متسعة من شدة الصدمة.
"أيها الوغد!"
صفعة!
ارتطم كفها بوجهه بقوة، لكنها لم تجد على وجهه سوى نظرة استغراب.
"هل تدرك حجم الإهانة التي أشعر بها؟"
رفع حاجبه وقال:
"وما الذي تقصدينه؟"
أشارت إليه بإصبع مرتجف من الغضب.
"أن يكون شخص يبدو في مثل عمري من بين الذين شاركوا في عذابي... هذا وحده إهانة لا تُغتفر!"
"هاه؟ ما الذي تهذين به؟"
قبضت يديها وحدقت فيه بحدة.
"أنت تفهم جيدًا ما أعنيه. كيف يمكن لشخص مثلك أن يكون أقوى مني؟"
في الحقيقة، لم تكن روبينا تهتم بمن كان المسؤول الحقيقي عما حدث لها. لم يهمها إن كان رأس الأفعى أو مجرد أحد أذنابها. كل ما أرادته هو معاقبة كل من شارك في إيذائها.
"ما اسمك؟"
"ولماذا سأخبرك باسمي المقدس، أيتها المجنونة؟"
رمشت عدة مرات قبل أن تشير إلى نفسها.
"أنا؟ مجنونة؟"
"أجل، بالطبع! نياهاهاهاهاها!"
انفجر ضاحكًا وهو يشير إليها.
"لقد أحبطتكِ!"
نظرت إليه روبينا وكأنها تنظر إلى مخلوق غريب.
"أنت مهبول."
توقف عن الضحك فجأة.
"من؟ هل تقصدينني أنا؟ هل يُعقل أنكِ عمياء؟"
"وما علاقة النظر بعقلك؟ هل يُعقل أن يكون عقلك بحجم حبة فستق؟"
تجمدت ابتسامته للحظة.
"حبة فستق؟! من بين كل الأشياء اخترتِ الفستق؟"
تنهدت روبينا بضيق.
"المهم، دعنا من جنونك. إما أن تخبرني باسمك أو..."
أخرجت مقصًا من جيبها ولوحت به أمام وجهه.
"...سأشوه هذا الوجه."
ثم ابتسمت ابتسامة شريرة.
"هاهاها، انظر إلى نفسك أيها القبيح. ستصبح كقنفذ بلا أشواك."
"يا لها من مقارنة مرعبة."
قالها ببرود قبل أن يطلق تنهيدة طويلة.
ثم، وبكل بساطة، رفع يديه.
طقطقة.
انفكت القيود.
تبعها صوت آخر.
طقطقة.
وانفكت القيود التي كانت تكبل قدميه أيضًا.
نهض واقفًا.
للحظة، أدركت روبينا حجم الفارق بينهما. كان أطول منها بما يقارب عشرين سنتيمترًا.
اتسعت عيناها.
"كيف فعلت ذلك؟! هذه ليست مجرد سلاسل حديدية!"
بدأ ينفض الغبار عن ملابسه وكأن شيئًا لم يحدث.
"لا شيء يستطيع الانتصار على جمالي."
"مغرور."
"أعلم."
أشار إلى نفسه بإعجاب.
"لكنني لم أصل بعد إلى درجتك."
ارتعش حاجب روبينا من شدة الانزعاج.
لوح لها بيده واستدار نحو الباب.
"على أي حال، شكرًا لكِ. لقد وفرتِ لي مكانًا أنام فيه ليوم كامل."
ثم التفت إليها مبتسمًا.
"أتمنى ألا نلتقي مجددًا."
في اللحظة التالية اختفى من مكانه.
لم يبقَ سوى أثر خافت من الطاقة السحرية.
لفيفة انتقال.
حدقت روبينا في المكان الفارغ لعدة ثوانٍ.
لأول مرة منذ بداية الحديث، شعرت بانقباض خفيف في صدرها.
ذلك الرجل...
كان أخطر بكثير مما بدا عليه.
في تلك الليلة، كانت روبينا نائمة في فراشها عندما سمعت صوتًا داخل غرفتها.
فتحت عينيها فورًا ونهضت جالسة.
"من هناك؟ أظهر نفسك!"
"أولالا، لقد اكتشفتِني."
كان الصوت صوت امرأة.
تجولت عينا روبينا في أنحاء الغرفة حتى بدأت هيئة بشرية تظهر تدريجيًا من الظلام.
شابة ذات شعر أحمر طويل وعينين خضراوين لامعتين.
انحنت بانحناءة مسرحية مبالغ فيها.
"مساء الخير، سيدتي."
ثم وضعت يدها على صدرها وأعلنت بفخر:
"أنا V3، الشيطانة التابعة رقم ثلاثة."
رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة واسعة.
"وقد جئت الليلة لإبلاغ سعادتكِ بأمر بالغ الأهمية."
أطلقت روبينا تثاؤبًا طويلًا ثم سقطت مجددًا على وسادتها.
"ما هو؟ تحدثي بسرعة، أريد النوم."
ازدادت ابتسامة الشيطانة اتساعًا.
"سيدتي، اعتبارًا من هذه اللحظة، أصبحتِ ملكة الشياطين السود للجيل الثالث."
ساد الصمت لثوانٍ.
"حسنًا."
"..."
"..."
حدقت V3 فيها بعدم تصديق.
"هذا كل ما لديكِ لتقوليه؟"
"أجل. والآن دعيني أنام."
ارتعش جفن الشيطانة.
"سيدتي، هل تدركين ما أقوله؟ إن هذا حدث تاريخي!"
"رائع."
"لقد أصبحتِ حاكمة إمبراطورية تمتد عبر عوالم عدة!"
"ممتاز."
"وهناك ملايين الشياطين ينتظرون ظهورك!"
"أتمنى لهم التوفيق."
شعرت V3 بأنها على وشك فقدان عقلها.
"على أي حال، يجب أن تتفضلي معي إلى القصر الملكي ليتم الإعلان عن هويتك أمام الجميع."
أغلقت روبينا عينيها.
"لا أريد."
ابتسمت الشيطانة ابتسامة مخيفة.
"بحقكِ يا سيدتي، ليس وكأنني أطلب موافقتك. أنا أعلمك فقط."
"هاه؟"
قبل أن تستوعب روبينا ما يحدث، أمسكتها V3 من خصرها ورفعتها كما لو كانت كيس بطاطا.
"أنزليني!"
"لا."
"أنزليني!"
"لا."
أخرجت الشيطانة لفيفة انتقال سوداء اللون مزينة برموز غريبة.
وفي اللحظة التالية مزقتها.
انفجرت دوامة من الضوء الأسود حولهما، واختفى الاثنان من الغرفة.
---
عندما استعادت روبينا توازنها، شعرت بنسيم بارد يلامس وجهها.
فتحت عينيها ببطء.
وكان أول ما رأته سماءً لم ترَ مثلها في حياتها.
ثلاثة أقمار ضخمة تزين الأفق .
لم يكن هناك قمر واحد.
ولا اثنان.
بل ثلاثة أقمار عملاقة تسبح في الفضاء كحراسٍ أبديين للعالم.
كان أحدها أزرق بلون المحيطات العميقة، والثاني أرجوانيًا تحيط به حلقات من الضوء، أما الثالث فكان أسود بالكامل حتى بدا وكأنه ثقب اسود يبتلع كل شيئ.
للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت روبينا بأن عقلها توقف عن العمل.
ملكة؟
كوكب آخر؟
ثلاثة أقمار؟
هل كانت تحلم؟
لا لم تكن كذلك، فالمشهد بدى حقيقية.
تحت السماء امتدت مدن هائلة مبنية من الكريستال الأسود والفضة القاتمة، تتخللها أنهار متوهجة بلون أزرق سحري.
وفي المسافة البعيدة ارتفعت قصور شاهقة لدرجة أنها بدت وكأنها تلامس الغيوم.
حدقت روبينا في المشهد بدهشة.
"أين نحن؟"
أنزلتها V3 أخيرًا على الأرض ثم انحنت بفخر.
"مرحبًا بكِ يا سيدتي."
مدت ذراعيها نحو الأفق الواسع.
"نحن في الكوكب الثالث من المجرة الثالثة، عاصمة مملكة الشياطين السود..."
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة.
"المملكة التي أصبحتِ ملكتها الجديدة."
> وقبل أن تتمكن روبينا من طرح سؤال آخر، دوى صوت أبواق ضخمة عبر السماء.
ثم بدأت آلاف الأضواء تشتعل في المدينة.
وبعدها ارتفع صوت واحد...
ثم مئة.
ثم ألف.
ثم ملايين الأصوات.
"عاشت الملكة!"
"عاشت الملكة!"
"عاشت الملكة!"
اتسعت عينا روبينا.
بينما ابتسمت V3 وقالت:
"يبدو أن الجميع بانتظارك يا سيدتي."
فمالذي ينتظر روبينا بعد هذا اليوم و بعد هذا التغير الكبير.
Lino La