14

14

11 0

صباح اليوم الموالي..

الساعة الثانية مساءً من اليوم الثاني و العشرين من تشرين الثاني ...

ألقيت برجلي خارج السيارة أستقيم منها واقفة ليجتاح وجهي نسمة هواء باردة تصيبني بقشعريرة على طول جسمي..

ضممت معطفي إلي بشكل أشد أرفع هاتفي إلى ناظراي لأراقب درجة حرارة اليوم التي بدأت تقل شيئا فشيئا مع سير الأيام...

خمس درجات فوق الصفر !..

أكاد اتجمد !..

أدرت وجهي نحو كسينيا أبتسم لها و أومئ لها بلطف لتبادلني نفس الفعل فأقود خطواتي نحو باب القصر ...

كانت هذه أول مرة آتي بها باكرة إلى العمل على غير العادة...

من دون تعب !... من دون مشي لمسافات طويلة.. من دون تصلب مفاصلي من البرد... و لا أظنها آخر مرة!.. بل ستصبح من العادة هي الأخرى !..

" قبل يوم :

عدلت حقيبتي على كتفي و أنا أنحدر على السلالم متجهة نحو الباب قاصدة العودة إلى منزلي بعد نهاية دوام عملي الذي... كان طويلا اليوم !..

لم ترد أن تظهر السيدة فيرا هذا و لكنها.. متحمسة للغد بعد قراري بمرافقتها و اِرتدائي لفستان ابنتها !..

هي متحمسة و أنا... مترددة !..

في النهاية... علي الحضور شئت أم أبيت !.. سواء علنا أو خفية يتوجب علي الحضور لمعرفة ما طبيعة هذا الزفاف !..

لا اعلم إن كان إغتيالا أو تجمعا لهم !.. لا أعلم ما طبيعة ألكسندر بينهم و ما علاقته بهم !..

و علي ... أن أعرف !..

توقفت خطواتي فجأة لرؤيتي لآريان في منتهى السلالم ...

ما إن التقت مقلتاي بخاصته خفضتها أستأنف وقوفي و أواصل النزول ...

وقفت أمامه بعد إجتيازي الدرج أرفع مقلتاي لخاصته و ابتسامة باهتة على شفتيه يضم ذراعيه لصدره ...

تبًا له... صرت كلما وقفت امامه و رأيت فرق الطول بيننا تذكرت نعته لي بالقزمة !..

سافل...

" فكرتُ في الأمر !.."

كنت قد شعرت بالتساؤل في ملامحه و لكن... لم يتفوه به و أظن بأن السبب يكمن في كونه لا يريد أن يشعرني بأنه يضغط علي !..

تفهمته لذلك.. أنا من بادرت !..

أخذت نفسا عميقا لم أستطع أن أخفي به التردد الذي كان بنبرتي!..

" وافقت على حضور الزفاف... بمرافقتي لها !.."

إتسعت ابتسامته الجانبية التي زادت حالتي سوءً إلا أنني لم أستطع أن أخفي توتري لتتسع عيناي بتقدمه خطوة نحوي مقلصا المسافة بيننا !..

" سيكون كل شيء بخير ... لا تقلقي !.."

لا أظن هذا..

أطلقت نفسا عميقا أحاول أن أخفي توتري به أرجع خطوة للوراء أمسح بها الخطوة التي خطاها نحوي !..

" آمل هذا !.."

إبتسمت بتكلف ألقي مقلتاي على خاصته لألمح ابتسامة دافئة و مطمئنة على شفتيه !...

هل يجب علي أن أشعر بالطمأنينة بعد هذا !؟..

آريان... له هالة خاصة !..

هالة تجعلني أشعر بالخطر ... و الأمان في آن واحد !..

غامض بشدة و أفعاله غير متوقعة !..

قامته الطويلة و منكبيه العريضين تجعلني تلقائيا... أنكمش على نفسي عندما أكون بجانبه !..

"تعالي .. أود أن أريك شيئا "

رفعت بصري نحوه باِستغراب قابضة حاجباي ليبتعد من أمامي بخطوات واثقة يقودها نحو الباب..

أدار المقبض وشدَّه نحوه فانفتح الباب ليتراءى لي الممر الخارجي...

رمقت آريان الذي أشار لي بأن أتقدم لأتقدم بخطوات ثقيلة أحكم قبضتي على حقيبتي...

وصلت إلى العتبة أجتازها لتتضح صورة الممر و الأشجار بصورة أفضل و لكن ما ألجمني و شد انتباهي أكثر هو..

سيارة سوداء مركونة أمام المنزل !..

سوادها بارق تحت أشعة شمس الشتاء الدافئة بأضواء ذو حواف حادة منخفضة لتبدو كالسيارات الرياضية الفخمة !..

شعرت بخطوات آريان تتقدم ليقف بجانبي و لم أجد نفسي إلا و أنا أؤشر بسبابتي لها بهمس يصل لمسامعه ...

" مـ... ما هذا !؟.."

" أنا أراها سيارة و أنتِ !؟.."

تافه..

قلبت عيناي أعيد توجيههما نحو السيارة التي صدر من جانبها صوت خطوات كعب ثابتة رسمية لتظهر فجأة اِمرأة أظنها في العشرينات من عمرها ذات شعر بني قاتم مع عينان داكنتان بابتسامة لبقة على شفتيها...

من هذه !؟..

" كسينيا لوغينين ... ستقلكِ من اليوم فصاعدًا إلى منزلك و إلى هنا !.."

إتسعت عيناي مما تفوه به أرمقه بغير اِستيعاب !..

أشحت بصري عنه إلى كسينيا بحركة سريعة غير مستوعبة لتومئ لي بكل احترام تؤكد لي ما تفوه به...

" هل... هل كسينيا... ستقلني بهذه السيارة .. كل يوم... لمنزلي !؟.."

" و ستعيدكِ و ستأخذكِ إلى جامعتكِ !.."

أجابني بعدما فشلت في إخفاء تلعثمي في نبرتي ليضيف بنبرة هامسة حرصا على وصولها لمسمعي ...

" لا داعي لمشي كل تلك المسافة بعد الآن !.. كنتُ أريدُ فعل هذا من قبل و لكن...لم أرد أن أفضح معرفتي بتحفّظكِ على ركوب سيارةٍ مع رجلٍ بمفردك !.."

زممت شفاهي أوجه بصري نحوه لتلتقي مقلتينا رابطة تواصلاً بيننا..

لا أعلم لما و لكن.. بدأت... أتقبل معرفته بمرضي !..

يبذل كل جهده لأكون مرتاحة بعملي و أمارسه بأكمل وجه مزيحا كل العقبات التي كانت تقف حاجزا ضد شفاء السيدة فيرا... و شفائي !..

استدرت نحوه أقابله ليفعل المثل و هو يرفع حاجبيه بحركة طفيفة لرؤيته لسبابتي التي وجهتها نحوه !..

" لن أقبل بهذا، إلا ... "

" ...إلا وقد خُصِمَ ثمنُ إيصالها إلى وجهتي من راتبي .. وقد فعلتُ ذلك بالفعل! "

إرتخت ملامحي أضم إصبعي لقبضتي و أنا منزعجة من معرفته لما سأتفوه بهِ !..

دفع بجسده يميل نحوي جاعلا أوصالي كلها ترتجف لأضم نفسي .. لينبس بعدها بنبرة عميقة بينما يتجول ببصره داخل مقلتاي !..

" بتُ أعرفكِ يا أقحوانة !.."

عدتُ خطوة للوراء أبتعد عنه مبعدة بصري عن خاصته أجول به في الفراغ ..

أيتخيل لي أم.. أنه حقا يتعمد جعلي أتوتر اليوم !؟..

تبًا له !..

و لكن إبتسامة ساخرة خفية أشعت بداخلي بعد أن سمعت جملته تلك..

مغتر... بعلمه لمرضي فحسب ظن أنه يعلم كل شيء عني !..

" لا تكن متأكدًا يا أيها الآريان !.."

قلتها و أنا أبتعد عنه متجهة نحو السيارة و أنا أرى كسينيا تفتح باب السيارة و تأخذ مقعد السائق مجلسًا لها ...

مددت يدي لفتح الباب الخلفي للسيارة لأجفل فجأة و أنا أرى يدا تسبقني لتحيط بالمقبض!...

رفعت رأسي نحوه لأجده يصوب نظراته نحوي دون تعابير واضحة على وجهه .. شد المقبض مصدرا صوت فتح القفل ليسحب الباب الخلفي نحوه فاتحا إياه... لي !!..

يال نبلك !!..

زممت شفاهي أحاول أن لا أبدي أنا الأخرى تعبيرا ساخرا على وجهي و اكتفيت بإيماءة صغيرة و همسي..

" شكرًا لكَ . "

رفعت رجلي نحو السيارة أركبها ليغلق الباب من بعدي بلطف ليعود بخطواته للمنزل ..""

دفعت الباب برفق لأجتاز العتبة ليحيطني دفئ المنزل فجأة و كأنه يخفف عني صقيع اليوم !..

لا أعلم كيف و لكنني فجأة... صرت أجد راحة غريبة بهذا القصر !..

دفئه.. جوه.. شكله.. رائحته... أناسه.. الذكريات التي تحتضنها جدرانه .. كلها صارت تبعث بي شعورا.. بالطمأنينة!؟.. أو الإنتماء!؟.. لا أعلم تحديدا..

أسقطت معطفي البندقي من كتفاي أحمله بين يداي و أعلقه بمعلاق المعاطف .

بدأت أسمع صوت حركة أطباق و ماء و تضارب معالق مما جعلني أوقن بوجود آنيا بالمطبخ..

اتجهت نحو الصوت بابتسامة هادئة على شفتاي و لكنها سرعان ما إرتخت عندما اقتربت من المطبخ و شممت عبق رائحة القرفة تصدر منه...

يال الرائحة الزكية !..

سارعت في خطواتي أجتاز عتبة هذا المطبخ لأرى آنيا تناولني ظهرها و هي تغسل يديها تاركة على المرصد المقابل صينية من كعك القرفة بدا و كأنه قد خرج من الفرن للتو !..

" آنيا ما هذا الذي اقترفته !؟.. "

قلتها و أنا آخذ قطعة و أقضمها متذوقة إياها و قد رسمت إبتسامة واسعة على شفتاي من لذة ذوقها و لكن سرعان ما قضبت ملامحي لألم ضربة على سطح يدي ارفع بصري لأجدها ترمقني بنظرات غاضبة ليست جادة أرى بيدها ملعقة لأدرك أنها سبب ألمي..

" من سمح لكِ بتذوقها يا مشاكسة تأذبي !.."

ضحكة خافتة فرت مني لأرفع رأسي متظاهرة بالغرور..

" أنا مستعدة لأتأدب في كل المواضيع عدا الكعك يا آنيا !.. أنت التي استدرجتني برائحته لا ذنب لي !.."

فرت ضحكة منها هي الأخرى ترفع الصينية و تأخذها إلى الجهة المقابلة .. أراهن على أنها فعلت ذلك خشية أن ألتهمه بأكمله و لا ألومها على هذا !...

" حسنا يا مهووسة الكعك و لكن هذه آخر مرة تقومين بهذا الفعل !.."

" لا أعدكِ !."

قلتها و أنا أقضم من قطعة الكعك التي بيدي لترد بضحكة خافتة ليسود بعدها صمت قصير للحظات قبل أن أقطعه و أنا أستند لقاطع المطبخ ورائي..

" أين الجميع !؟.."

" السيد آريان كان بالصالة قبل قليل و لكن أظن أنه قد غادر

أما السيدة فيرا فقد كنتُ معها قبل قليل نجهز لزفاف المساء!.."

همهمت بفهم و أنا أقضم مرة أخرى من الكعكة و بصري يجول بفراغ الأرضية شاردة..

الزفاف هذا المساء... و لازلت لا أعلم ما طبيعة ما سيحدث به !..

لا زلت لا أعلم إذا كان زفافا حقيقيا .. أو عملية إغتيال !؟..

لا أعلم شيئا عن منظمتهم الحالية !.. لا أملك عنهم سوى بعض الأسرار و الدفاتر القديمة و لكن.. ماذا عن الجدد؟.. و ماذا عن العمليات الأخيرة التي قاموا بها !؟.. لا أعلم شيئا عنها و هذا.. قد لا يكون لصالحي البتا !..

" أميليا أنا.. "

اِستيقظت من شرودي على صوتها أوجه بصري نحوها لأجدها تقابلني بابتسامة دافئة و عيون.. لامعة !..

" أنا... أريد ان أشكركِ على إقناع السيدة فيرا لحضور زفاف السيد ألكسندر!!.."

اِستقمت من على القاطع و بداخلي رغبة في سؤالها عن سبب شكرها لي على شيء كهذا !؟..

" أعلم انها متأثرة بوفاة زوجها و إبنتها و لكن... أعلم أيضا أنها اذا لم تذهب ... ستندم بعد أن يلتئم جرحها على عدم حضورها !..

ستندم لعدم تحقيقها لحلم آيلا برؤية فستانها يعانق جسد السيدة إلينور !..

ربما لم تستطع السيدة آيلا رؤيته و لكن.. ربما ستراه بعيون أمها.. من يعلم !؟.."

مؤسف..

زممت شفاهي بحسرة و عيناي تجولان بالفراغ قبل أن أومئ بلطف لآنيا و أقود خطواتي خارج المطبخ..

أنا... أضحي بالسيدة فيرا أكثر مما انا أساعدها !..

رغم أنني اعلم ما قد يحدث هناك... و ما قد يصيبنا هناك و لكنني لا أتفوه بحرف و لا أمنع شيئا البتا !..

اذا أخبرت السيدة فيرا أو آريان ... ستزداد الشكوك حولي و أكون قد فتحت باب فضولهم نحوي حتى... ذلك المتعجرف !..

يال أنانيتي.. حتى بهذا الوضع و انا أفكر بنفسي !...

و لكن ... هناك سبب آخر !..

اذا فعلت هذا و أفصحت بما بجعبتي فلن أستطيع حضور الحفل.. ربما سأكون قد حميت اِثنان و لكنني سأكون قد ضحيت بالكثير و حولت أسعد أيام اِثنين الى أتعس و أقذر الأيام !...

أنا لن أضحي بالأغلبية من أجل الأخصية !.. و سأوقف ما سيحدث و لو كلفني ذلك روحي !..

سأنظف إثمي بتنظيف زفافك من تلك القذورات يا ألكسندر !!..

حقنت حقنة الاصرار بداخلي و أنا أرفع رجلي لصعود السلالم و لكنه استوقفني سقوط بصري على طاولة الصالة...

لم تكن مجرد طاولة بل كانت هجرة لمكتب !.. أوراق متناثرة و قلم باتجاه عشوائي فوقها و يتوسطها حاسوبٌ منطفئ و مفتوح على مصرعيه..

هذه الأشياء لن تكون إلا... لآريان !...

و لكن ألم تقل آنيا أنه قد خرج قبل قليل !؟... اذا كان كذلك فلما أشياؤه متناثرة هكذا !؟.. هل هو من النوع الفوضوي !؟..

ياله من مهمل...

رغبة شديدة تدفعني نحو تلك الطاولة لذا لم أجد نفسي إلا و أنا أقترب من تلك الطاولة ببطء ..

لا فكرة لدي عن شأني بهذا و لا عما أفعله الآن لكنني .. أتتبع رغبتي فحسب...

إقتربت من الطاولة أخفض وقع خطواتي شيئا فشيئا إلى أن توقفت أمامها و أنا أناظرها ببرود و دون تعبير واضح..

مددت يدي نحو الحاسوب أدفع شاشته لتنطبق على لوحة مفاتيحه مغلقة إياه...

هذا جيد..

قررت مغادرة الصالة بعد أن هدأ شيئ بداخلي كان يشتعل إنزعاجا من هذا الحاسوب المفتوح إلا أن بصري وقع على إحدى الاوراق ...

ضاقت عيناي بينما أمد يدي بروية نحوها أسحبها نحوي لأستقيم و القي نظرة عليها ..

مهلا لحظة... ما ... ما هذا !؟..

لما ... لما ... إسمي مكتوب على هذه الورقة !؟..

لا و بخط أشد غلاظة و ميلانا من الباقي !

كيف... لما إسمي... موجود بوثائق عمل آريان !؟.. ما الذي يخطط له ذلك الوضيع !؟..

إزدرت ريقي أنتوي قراءة هذه الوثيقة لأعرف شأني بها و لكن ما إن بدأت قراءتها اذ بصوت يجمد أوصالي لتتسع عيناي من الفزع..

" ما الذي... تفعلينه عندك !؟.."

تبًا !...

آريان !..

لما هو هنا ..!؟ ألم تقل آنيا أنه قد خرج !؟..

مهلاً... ولكن... لست أنا من عليه أن يتوتر هنا !..

إبتلعت ريقي أرسم ملامح الحدة على وجهي أضيق عيناي لأستدير مقابلة له...

نفس التعابير التي شكلتها !.. و الشرارة بدأت تشتعل بيننا..

رفعت الوثيقة أمام ناظره أفرق بين شفاهي ..

" إسمي... لما موجود بين وثائقكَ !؟.."

لم يبدِ أي تغير في ملامحه لكنه تقدم نحوي أكثر مضيقا المسافة بيننا إلا أنه توقف قبل أن يخترق مساحتي غير سامح لنفسه بأن يوترني ...

هذا أفضل..

شابك مرفقيه قبل أن تظهر إبتسامة خافتة على ملامحه جعلت خاصتي ترتخي بعض الشيء إلا أنني حافظت على حدتها..

" إقرئيها !.. "

رفعت حاجباي متفاجئة من جوابه ولكنني لم أتردد بتقريب الوثيقة نحوي أنتوي معرفة محتواها ...

" أو توفقي .. لا تقرئيها !.. "

مستفز...

رفعت بصري نحوه باِستغراب للتناقض الذي بكلامه و الذي أحدثه بداخلي ليتقدم خطوة لأرجع لا إراديا خطوة للوراء تحتد عيناي أحذره من أن يخطو خطوة أخرى نحوي !..

" آنيا !.."

أبقيت بصري على خاصته التي تناظرني لتأتي آنيا من ورائه أرى من طرف عيني إستغرابها من الجو المشحون هنا...

" تفضل سيد آريان "

" هنالك علبة بيضاء على مكتبي.. أحضريها ."

" أمركَ "

علبة بيضاء !؟.. ما هذا !؟...

إستدارت بعدها نحو السلالم تختفي عن ناظرنا ليبتعد هو الآخر من أمامي باِبتسامته المستفزة تلك يقف أمام البوابة الزجاجية للحديقة دون فتحها لبرودة الجو ...

نظرت نحو الوثيقة التي بيدي نظرة عامة دون أن أركز على كلماتها و لم أعرف ما الذي سأفعله بها !..

هل أعيدها !؟.. أم أقرأها !؟..

هل علي أن أهتم لما قاله و لما يريد أن يريني إياه أم أتجاهله !؟..

و لكن في الأخير... هي وثائق عمله و خصوصيته .. و لا يحق لي الإطلاع عليها !..

في نفس الوقت... إسمي مكتوب عليها...

إذن يحق لي أن أعرف لما هو مكتوب في وثائقه و عمله !..

يا إلاهي ...

أخذت بالأخير الورقة أعيدها على الطاولة أفتح فاهي بنبرة هادئة دون تردد ..

" أنا... لم أقصد أن أطلع على خصوصيتك و عملك !.. سمعت أنك لست هنا و رأيت حاسوبكَ مفتوحا لذا..."

" لا أتذكر انني طلبتُ منكِ شرحًا ! "

توقفت يدي عن عملها أرفع بصري نحوه بدهشة و استغراب ليستدير نصف استدارة موجها مقلتيه نحوي بتعابير... مسترخية !؟..

" يمكنكِ رؤية ما تريدين ِ و أخذ ما تريدين أيضا !.. ليس لدي ما أخفيه عنكِ !.."

تبًا له لما يشعرني بأنني فضولية نحوه !؟..

أم أنه .. يلمح لي لكونه يعلم بأنني أخفي الكثير !؟..

عيونه المسترخية أو المحتدة لم أعلم ما ترسله و لكنها أكدت لي أن ظني ... في محله !...

هو يلمح لي ...

إستقمت من ميلاني محافظة على ملامحي ....

أنا حرة !..

حرة في الفصح بما أريد و إخفاء ما أريد ... الوثوق بمن أريد و الحذر من من أريد أيضا !..

كانت حربٌ بلغة العيون بيننا شاحنة كل الجو حولنا !..

أزاح بصره عني يعيد تصويبه نحو النافذة لأطلق نفسا خافتا أتنفس من الضغط الذي لازال يخيم على هذا الجو .. ليقطع الصمت بيننا موجها كلماته لي..

" هل قرأتِها !؟.."

لا ولكن... هناك شيء ما بداخلي يصرخ بأن لا أخبره بذلك لأجد نفسي أبتسم إبتسامة جانبية لعوبة أوجهها نحوه و أقبض ذراعاي إلى صدري..

" ربما ... من يعلم !؟.."

" أعلم جيدا أنكِ لم تقرئيها !.."

تبا لشيء الذي بداخلي !..

قلبت عيناي بتلك الحركة المستفزة إلا أنني أعدت تصويبهما نحوه أجيب بنبرة... أعترف بأنها مستفزة هي الأخرى !..

" و ما الذي يجعلكَ متأكدًا من ذلك .. سيد آريان !؟.."

هذه... أول مرة أقول له سيد و لكنها بنبرة جعلتني و كأنني أسخر منه إلا أنه استدار نحوي كليا دافنا يداه بجيوب بنطاله ليبتسم ابتسامة مستفزة هو الآخر !..

" لو كنتِ قد قرأتها لكنتِ أكثر إبتهاجَا من هذا !.."

أكثر... ماذا !؟..

قضبت حاجباي بشدة أرمقه بعدم فهم لأبدي إستغرابي بنبرتي المنخفضة ..

" ماذا تقصد !؟.."

اتسعت ابتسامته ليتجه نحوي أبتعد بدوري عن طريقه سامحة له باجتيازي أستدير نحوه فأجده يأخذ العلبة البيضاء -التي قال عنها- من يد آنيا التي كانت واقفة ورائي و لم أنتبه لها !..

غادرت آنيا الصالة متجهة نحو السلالم ليقف مقابلا لي و هو يمسك بتلك العلبة بين يديه بطريقة تجعلها تبدو و كأنها شيء مقدس !!!..

ماذا بهذه العلبة يا ترى!؟..

نظرت نحوه ثم نحو العلبة ليصدر صوته نحوي بنبرة هامسة قد وصلت لمسمعي !..

" خذي !.."

" ما .. ما هذا !؟.."

مددت يداي برفق آخذها من بين يديه و جبهتي قد تجعدت من الاِستغراب لألقي بصري نحوها و لم تكن شيئا سوى علبة بيضاء أنيقة و كلاسيكية مستطيلة مكتوب على منتصفها بخط أسود بنفس الخط الذي كان بالوثيقة... إسمي !..

و تحته بخط أصغر فلاديميرسكايا بخط أخف و مختلف عن إسمي !..

" إفتحيها !.."

مترددة ...

أطلقت نفسا ثقيلا أمد يمناي نحو ضلعها و قد شعرت بأنه ملتصق بقطعة مغناطيسية أسحبه و آخذ نفسا عميقا قبل أن أفتحها لتتسع عيناي و قد كادت العلبة تقع من يدي من الصدمة !..

لا... لا أصدق !..

داخل العلبة زجاجة عطر شفاف على قماش حريري محمر كدم الغزال ...

تصميم كلاسيكي للقارورة و أنيق بنقوش صغيرة بها يتراقص بداخلها سائل بلون ذهبي لامع كخيوط أشعة الشمس مثل غطائها اللامع بشكل قبة صغيرة و كأنه تاجٌ لها ...

و بوسطها يبدع الخط في نقش إسمي عليها و إضفاء إمتلاكية و كلاسيكية به !..

و لكن ما أثار إنتباهي و لعب بمشاعري أكثر هو تلك النقوش على القارورة و التي كانت على شكل...

زهر الأقحوان !..

مهلا لحظة !.. هل هذا يعني !؟..

" مستحيل !! "

" أنال إعجابكِ !؟.. "

رفعت بصري نحوه و أنا لست متأكدة من التعابير التي أبديها على ملامحي لأجده يوجه نحوي إبتسامة هادئة و مسترخية و كأنه يتأمل كل ردة فعل تصدر مني !..

ما.. ما هذا الذي اتفوه به !؟.. تبًا..

" هذا... لا يمكن أن يكون عطر أقحوان أليس كذلك !؟.."

" لو لم يكن كذلك لما وضعتُ إسمكِ عليه !.."

إبتسامة واسعة إرتسمت على شفاهي و أنا أعيد خصلاتي وراء أذني برقة بينما لا أزال أتأمل في الجمال الذي بين يدي !..

لقد... أبدع بشدة !..

" أنا ... لا أصدق !.."

" صدقي... لأنه كان بفضلكِ ! "

نظرت إليه بدهشة من آخر ما قاله أسأل بمقلتاي عن قصده و لم يبخل علي بالإجابة بنبرة ...

أشد همسا و عمقا !..

" لولا أنني رأيتكِ تحملين بذلك اليوم الماء و الأقحوان... و لولا أنكِ شرحتِ لي عن سبب حبكِ له.. و لولا أنك ِ أريتني الرائحة المميزة به .. لما إستطعت أن أصنع ما بيديكِ الآن !..

عندما سألوني في إجتماع هذا المشروع عن إسمه... لم يخطر ببالي شيء سوى إسمكِ .. لذلك لم أرد أن أفصل الأقحوان عن صاحبتهِ .. يا أقحوانة !.."

أكاد أبكي...

زممت شفتاي أبتسم له إبتسامة سفلية و أنا في حالة يرثى لها من عشوائية المشاعر بداخلي !..

كان محقا... صرت مبتهجة !...

لم أعد أفهمه...

يقول بأنه ليس لديه ما يخفيه عني و ما لا يخفيه أساسا .. غامض و متناقض !..

رفعت بصري نحوه تائهة بين كل ما يحدث لي و بينه أهمس بنبرة عميقة تبدي ما بداخلي من فوضى...

" لما فعلتَ هذا !؟.."

لما فعل هذا...!؟ ما هدفه من هذه الحركة و هذا العطر!؟ ...

ما... ما الذي يريده!؟...

تقلصت إبتسامته و لكن ملامحه إرتخت أكثر و أخفض بصره قائلا بنبرة هامسة و كأنه لم يقصد أن يوصلها لمسامعي ...

" ربما لكوني قد وقعت بحب الأقحوان أنا الآخر !.."

ضربة قوية على صدري من شيء يسمى القلب جعل كل أوصالي ترتجف من جملته و قد إتسعت عيناي إلى آخر حد ...

ما... ما الذي يقصده هذا الوغد !؟..

أعاد توجيه بصره نحوي و قد مسح على كل ماكان يبديه لتظهر على ملامحه تعابيره المستفزة و ابتسامته الجانبية تلك...

ما بي!؟.

" و ربما أنا مجرد تاجر يستغل كل تفصيلة ليحولها لمصدر دخل له !.."

حسنا هذا... أكثر منطقية !..

إسترجعت أنفاسي أفصل بصري عنه و أنا افكر..

ما بي هكذا و كأن شيء ما قد خرب نظام جسمي !؟..

رمشت بسرعة أطرد هذه الأفكار من رأسي و أعيد توجيه بصري نحو زجاجة العطر التي بين كفاي أتأمل تفاصيلها..

هل القماشة الحريرية الحمراء... ترمز للورد الأحمر الذي تحدثت عنه !؟.. ربما !؟..

" جربيها و هاتِ رأيكِ !.."

ألابأس بذلك حقا!؟..

أعني حسب ما فهمت .. هذه الزجاجة هي الزجاجة النموذجية و لم تصنع لها نسخة بعد !.. لو كان قد تم إطلاقها لقال إجتماع إطلاقها لا مشروعها !..

ألا بأس برشة من هذه الزجاجة النموذجية !؟..

" توجد نسخة منها لا تقلقي !.."

لا شك بأنه عرف بما أفكر به لكوني فتاة قانون و ترددي في تحريك الزجاجة من علبتها و لكن بعد ما قاله ... فلا أظن بأن هنالك مشكلة بهذا !..

قربت يمناي من الزجاجة آخذها من مرقدها و أقربها نحوي أمد بيدي الأخرى العلبة نحو آريان ليمسكها عني..

فتحت غطاءها بيدي الأخرى لأقربها نحو معصمي الأيسر أرش عليه قبل أن أقربه من أنفي بروية أستنشق عبقها و ...

إتسعت عيناي بدهشة أستنشقه عدة مرات أحاول التأكد من أن ما أشمه ليس من نسج خيالي..

" آريان... ما الذي فعلته !؟.."

ضحكة خافتة صدرت منه و أنا أرمقه بدهشة غير مصدقة..

تلك الرائحة التي كنت أجد صعوبة في شمها من الأقحوان من شدة مرورتها ... كانت واضحة جدًا بهذا العطر !..

بل أستنشق بها بعض الروائح الخفيفة الأخرى معها مما جعلها تبرز أكثر ...

" آريان أنتَ.. كيف نزعتَ مرورة الأقحوان!؟.. كيف استطعت اظهار عطرها هكذا !؟.."

" سر المهنة !"

سافل..

قلبت عيناي باِزدراء ليمد العلبة نحوي لألتقطها منه أعيد زجاجة العطر برفق و قد ساد صمت بيننا لم يشترك تفكيري به..

علقت عيناي على الزجاجة و أنا أبصرها قبل أن أفرق بين شفتاي بنبرة هادئة ...

" و لكن... ألن أكون بهذا قد أذيت الأقحوان !؟.."

هل سأكون قد فعلت ذلك !؟..

مررت إصبعي على العلبة قبل أن أرفع بصري نحوه أرمقه و علامات الاستغراب بادية على وجهه...

" أنا... أحببت الأقحوان منذ القدم و كثيرا ما اِهتممت به لكن الآن... اذا أشتهر هذا العطر و صار الأقحوان يقطف و يطحن لصنع ذلك... سأكون قد تسببت في أذيته !...

خنته و أفشيت سره... تسببت في إفشاء خبيئته و إفساد أمانه...

سأكون قد أذيت من أحبني!..و من أحببته !.. "

مثلما فعلت دائمًا... و إعتدت على فعله !..

أذية من كان سندًا لي !.

" سأحرص بأن يكون ذابلاً من الأطراف !.."

ضحكة خافتة اِنفجرت مني أغطي فاهي بباطن يدي من إجابته..

لا يعقل كيف يجد جوابا لكل شيء !..

أبعدت يدي من شفتاي أعيد خصلاتي وراء أذني أعيد تصويب بصري نحو العلبة بيدي أتلمسها ...

" من اخترع الطائرة كانت نيته أن يصعد للسماء و يُري الناس ما فوق السحاب لا أن .. يقذف بها الصواريخ و يزهق الارواح !.."

زممت شفاهي أعيد توجيه بصري نحوه أضيف بنبرة أعلى من التي قبلها...

" ربما أنت ستقطف التي اطرافها ذابلة و لكن الذين بعدك ... الشركات الأخرى عندما تكتشف أن الأقحوان يمكن أن يكون عطرًا !.. هل ستهتم بهذا !؟.."

" لما تستبيقين الأمور يا أقحوانة و أنا الذي كنت سأخبركِ أن الزجاجة التي بين يديكِ أول و آخر نسخة !؟.. "

إتسعت عيناي من الدهشة أرمقه و أرمش بسرعة غير مستوعبة لكلامه !..

لم أفهم؟..

" كيف!؟.. ما الذي تقصده !؟.. أنا .. لم أفهم !؟.."

لم يزح بصره و لا إبتسامته المستفزة عني إلا أنها... شيئا فشيئا بدأت ترتخي و تختفي من وجهه بل بدت كل ملامحه ترتخي و عيناه تجولان بين مقلتاي !..

هادئا... يرمقني و كأنني الشيء الوحيد الذي يستطيع رؤيته !..

" أجبني !.."

أشاح وجهه بعيدا عني بشكل أفزعني يرجع خصلات شعره بيده إلى الخلف بحركة سريعة منفعلة يجول ببصره في أرجاء الصالة دون أن يتزحزح من أمامي..

ما به فجأة !..

" آريان اِشرح لي مالذي تقصده !.."

رمقني بطرف عينه قبل أن يأخذ نفسا عميقا أرى صدره يعلو اِثره و ينخفض..

هل فعلت... شيئا خاطئا !؟..

" أنا.. "

قرر الحديث أخيرا آخذا نفسا مرة ثانية ليستدير نحوي و لكن قبل أن تصل عيناه لخاصتي اذ بخاصته تعلق على شيء ما لتتبدل شيئا فشيئا كل ملامح وجه للاستغراب ؟.. أو الفزع ؟.. لم أعلم !..

اتبعت مسار مقلتيه بخاصتي لأجده يرمق.. الطاولة التي بها أشياءه !..

مابها !؟...

" آريان هل أنت... بخير !؟.."

أدار بصره نحوي لتتصل مقلتينا ببعضها و ملامحه لازالت منقبضة بتلك الطريقة التي تجعلني .. أقلق أكثر !..

هل .. قمت بشيء سيء !؟..

" هل كل شيء بخير!؟.."

أطلق نفسا عميقا من داخله يوجه بصره مرة أخرى نحو الطاولة كاسرا الصمت الذي بيننا ...

" منذ متى و أنتِ هكذا !؟.."

ماذا !؟..

كيف؟.. ما الذي أنا به و ماذا فعلت!؟..

ظهرت أسئلتي على ملامح وجهي بانقباضة حاجباي و ابتسامة مستغربة على وجهي رآها بطرف عينه قبل أن يعدل وقفته يشير برأسه نحو تلك الطاولة..

" ألا تلاحظين شيئا غريبًا بها !؟.."

رمقته بغرابة أكبر أنقل بصري نحو الطاولة أحدق بها دون أن يبدو لي شيئا غريبا بها ...

ما به هذا ما الذي يراه و أنا لا أراه!؟..

" لا أرى سوى طاولة عليها أشياؤك منظمة بـ ..."

مبالغة !..

إختفت ملامح السخرية على وجهي يليها اتساع عيناي بفزع و أنا أحدق بالتفاصيل و الدقة التي لتنظيمها !..

الحاسوب مغلق بمنتصف الطاولة تمامًا و الأوراق بجانبه متناسقة بدقة فوق بعضها البعض موازية له و المسافة بينها و بين الحاسوب هي نفسها بينه و بين القلم على جانبه الآخر موازيا له بدقة ...

و كل هذا... كان فعلتي !..

هذا... هذا ... أليس؟

" أميليا !"

هذا... أليس .. دليل على وصول مرضي.. إلى مراحله المتقدمة!؟..

نقلت بصري نحو المعلاق لأجد معطفي هو الثاني معلق عليه بدقة لدرجة أنني عدلت أكمامه لتكون بنفس المستوى..

حقيبتي الموضوعة على المقعد هناك منتصبة و موازية للجدار بجانبها..

بدأت أتذكر شيئا فشيئا... أدواتي بالحقيبة.. الأطعمة في الثلاجة .. الطاولة بالصالة.. حتى كعك آنيا رتبته قبل أن آخذ قطعة..

كل هذا.. دون وعي مني !!؟..

أنا ... كيف لم ألاحظ هذا !؟..

كيف لم ألاحظ وسواسي الذي بلغ ذروته و الذي يزداد تطورا يوما بعد يوم و أنا لا أشعر به!؟..

كيف... تحدث أشياء بي و أنا لا أعيها !؟.. أي تناقض هذا !؟..

أنا... لست بخير!..

" أميليا أنا أتحدث معكِ !.."

وجهت عيناي المتسعتان نحوه بفزع من نبرة صوته العالية التي بدا لي منها أنه كان يناديني من قبل ولكنني لم أسمعه!..

صدري يعلو نزولا و صعودًا مع أنفاسي المتسارعة و هو يميل بجذعه نحوي ليهمس بنبرة هادئة و كأنه يعتذر من نبرته صوته السابقة ..

" ألا تعلمين !؟.."

أخفضت بصري و قد شعرت بجسمي كله يرتخي و كأن جسمي قد رفع راية الاستسلام و لم يعد قادرا على الإكمال و الاستمرار..

و أنا كذلك.. و أنا كذلك يا بدني ... لم أعد أحتمل كل هذا !..

أومات برأسي لآريان دون أن أرفع بصري نحوه لتتسع عيناي بسماعي لشتيمة أطلقها تحت أنفاسه و لكنها وصلت لمسمعي يضيف لها بغضب يحاول جاهدًا كبته..

" لو أدركتُ أنكِ لا تعلمين لما تفوهت بهذا و ما كنت لأوتركِ أكثر... تبًا .. سحقًا لي !.."

ماكنت لأحب إخفاءك لهذا لي و لو كنت بأسوء حالاتي !..

و لكن... هل هذا حقا الذي قالت عنه السيدة فيرا مهذب!؟..

بماذا أفكر أنا بوضعي هذا !؟..

خطوات طرقات حذاء أنثوي صدى بالصالة لنوجه بصرنا بلحظة واحدة نحوه لتظهر آنيا وراءه تضم يديها ببعضها بوقفة محترمة و إبتسامة لبقة على شفتيها..

" سيدة أميليا !.."

أدرت جسدي نحوها أقابلها باستغراب بعدما ظننت أنها ستوجه كلامها لآريان ..

" أظن أنه .. حان الوقت لتتجهزي !.."

أتجهز !؟.. بهذه السرعة !؟..

لا زلت أشعر بأنني غير جاهزة للذهاب و قدرتي على مواجهة مخاوفي خاصة... بعدما أيقنت مدى تفاقم وسواسي !..

" أميليا !.."

استدرت نحو صوته لترتخي ملامحي المنقبضة لرؤيتي لاِبتسامته الهادئة المرسومة على وجهه و كأنه يحاول بها أن يبث بعض الطمأنينة لقلبي..

" أنا رجل يفي بوعوده !.."

وعد ...

لقد وعدني بأن كل شيء سيكون بخير !..

رغم أنني لم أصدقه لعدم علمه بما يمكن أن يحدث بذلك الزفاف و لكن شيء ما بداخلي.. صدقه !..

ربما سيكون كل شيء بخير !؟..

ربما سأتمكن من فعلها !؟..

ربما سأستطيع أن أوقف شرهم و أحمي المئات من الارواح !؟..

ابتسمت له اومئ بخفة أوصل له بمقلتاي شكري لوعده لأبعد بصري عنه أدفع نفسي و أحاول أن أحمسها لليلة متجهة للسلالم لأرى ما يمكنني فعله بنفسي !..

⭒𓈒⭑༶⋆˙⊹☾⊹˙⋆༶⭑𓈒⭒

غربت الشمس و تركت لنا ظلامها و عتمة غيابها دون أن تبخل علينا بلمستها بها بذرات من نورها كنجوم براقة و كأنها عهد على عودتها لنا بعد أن تركت لنا مساحة شخصية لننام بها..

و لكن الليلية .. لم تكتفي الشمس باسقاط نجومها على العتمة السماء فحسب لتتكرم بإسقاطها كذلك على الفستان الذي يعانق جسدي برقة و بريقه يشع بعيناي وسط زرقته العميقة و أنا أرى نفسي بالمرآة امامي...

هل هذه ... أنا !؟..

أنا ... لم أعد أعرف نفسي !..أنا لم أرتدي من قبل فستانًا احتفاليا و مبالغا كهذا !..

أكمامه اِنزلقت إلى ذراعاي تترك بشرة كتفاي البيضاء تضيء تبرز قلادة الشمس التي بعنقي أكثر ..

يحتضن صدري وخصري ليبرز منحنياتي بدقة .. لتتفتح أطرافه للأسفل باِنتفاخ ينسدل برقة إلى أسفل كعباي .. بريقه يبدو كنجوم مشعة وسط سماء مظلمة ..

خصلاتي السوداء تنساب بأريحية على كتفاي و ظهري مع تموجات بأسفلها .. كانت آنيا قد صففته لي يبدو بهذا الشكل المموج و .. الجميل ...

لكن كل هذا لا يغطي على الجريمة التي اقترفتها بوجهي !..

أنا لم أضع يوما مساحيق تجميل على وجهي و لم أتجرأ على تجربتها حتى .. لكن اليوم .. عندما قامت تلك المصففة بوضعها على وجهي... و رأيت نفسي بها ..

إقتربت من المرآة أتفحص نفسي من الأعلى إلى الأسفل لتتوقف مقلتاي وجهي ...

مددت إصبعي إلى المرآة .. إلى جانب إنعكاس خدي الأيسر تحديدا أتلمسه برقة و أميل برأسي و كأنني لا زلت لا أستوعب أنني أرى إنعكاسي ..

" ما القناع الجديد الذي تلبسينه اليوم يا .. أميليا أرباتوفا !؟.."

رمقت انعكاسي بعدما تفوهت به لأرسم إبتسامة منكسرة و ساخرة على وجهي أوجهها لنفسي مضيفة ..

" الهروب .. أمر رائع أليس كذلك !؟.. تهربتِ من جرائمكِ و تخريبكِ لحياة الناس و رحتِ تفتحين صفحات جديدة دون أن يجف الدم الذي بالصفحة التي قبلها بكل أنانية !؟.."

تجمعت الدموع بمحجراي دون أن أذرفها لجلد الذات الذي أمارسه على نفسي..

ماذا يقولون .. لا أريد أن أفسد مساحيقي !...

ما دمت قلدتهم في وضعه... سأقلدهم في الحفاظ عليه..

هذا أقل شيء !..

إختفت تلك الإبتسامة من وجهي لتحتد عيناي فتصبح أكثر حدة من المعتاد بسبب الكحل الذي يحيط بعيناي ..

" و لكنكِ تعلمين جيدًا ... أن الدم إذا لم يجف فسيلطخ الصفحة التي بعدها عندما نطويها !..

أميليا...

مادمتِ لم تجففي الدم الذي إنساب من أجلكِ بإنتقامكِ فستظل صفحاتُ حياتكِ تتلطخ كلها بالسواد !.. سيظل ماضيكِ يلطخُ صفحاتِ مستقبلكِ إلى الأبد مادمت لم تمنعيه !.. أنتِ ذاهبة لتوقفي سيل الدماء قبل أن تصبح -هذه الدماء- هي الأخرى دينٌ على رقبتكِ !.. أرجوا أن تتذكري هذا !.. و أن لا تزيدي دينا لدينكِ"

سأظل كذلك. .. وعد !..

أخذت نفسا عميقا أستعد لما أنتوي القيام به الآن!..

استدرت ببطئ أقابل ظهري للمرآة حيث أنني لم أرفع سحاب الفستان بعد لأدير رأسي نصف استدارة فأرمق آثار الحرق التي به...

صحيح أنني لم أعد أشعر به و لكن منظره... بشع و مقزز بشدة !..

لم يشفى... سيظل ندبة على ظهري طول عمري تذكرني بمن أكون بعيدا عن الأقنعة التي أحاول أن أناسبها بي !..

" أميليا .. "

شهقت فجأة من صوت السيدة فيرا وراء الباب لأتراجع بخطوات إلى الوراء أرجع يداي لظهري أحاول رفع سحاب الفستان...

تبًا لما هذا السحاب علق الآن !؟..

" هل أنهيتِ يا جميلتي !؟.. هل يمكنني الدخول !؟.."

تبًا تبًا تبًا إصعد أرجوك !..

بدأت أدفع السحاب أكثر نحو الأعلى و لكن دون جدوى !.. علق تماما لم يكن يتحرك و لا بمقدار ذرة !..

" نعم و لكن .."

لم أكد أنهي كلامي و إذ بها تفتح الباب بقوة لأتراجع بسرعة أسند ظهري للجدار أخفيه عن المرأى ...

تجمدت فجأة بعد أن سقط بصرها نحوي لتحدق بي من الأعلى إلى الأسفل و دمعة خائنة سقطت من عينها اليمنى..

كانت تبدو... جميلة بشدة !..

فستانها بنفس فستاني إلا أن خاصتها التصق بجسدها بشكل يبرز منحنياتها و بصراحة.. جسدها يبدو رشيقا رغم سنها !...

يتدلى على عنقها أسوار لؤلؤ و خصلاتها الصغيرة البنية تنسدل على كتفها بشكل لطيف ...

المساحيق التي كانت بوجهها أكثر و أغمق من خاصتي القليلة و الباهتة إلا أنه أبرز ملامحها و جمالها بشكل... فخم !؟..

" إبنتي ... ما هذا الذي فعلتهِ بنفسكِ!؟.."

ابتسمت بخجل غير مبدية أثر كلمة إبنتي بملامحي إلا أنها قد أحاطتني بدفئ جميل غير آمن البتا !...

" كيف أبدوا !؟.."

" خاطفة للأنفاس !.."

ضحكة صغيرة صدرت مني لإطرائها ...

أنتِ كذلك.. جميلة بشكل مبهر !...

أطلقت نفسا خافتا و هي لازالت ترمقني و قد أيقنت بأنها تتمنى لو كان باستطاعتها توجيه تلك الكلمات موجهة لابنتها الحقيقية .. آيلا ..

" هل استطعتِ رفع سحاب الفستان؟.."

قالتها و هي تتقدم نحوي لأتراجع خطوة للوراء ألصق ظهري أكثر بالجدار محاولة إخفاء تلك الندبة التي على ظهري ..

يا إلاهي ساعدني !..

ابتسمت ابتسامة متكلفة و هي تقترب نحوي..

" لا و لكن.."

" دعيني أساعدك !.."

" لا ابدًا !.."

إرتدت للوراء إثر صرختي الفزعة ترمقني باِستغراب و أنا ألعن نفسي لصراخي بهذه النبرة...

تراجعت للجهة اليسرى معاكسة لجهتها أحاول أن أبدي على وجهي ملامحا طبيعية مغايرة للفزع و التوتر الذي بوجهي..

" إهدئي يا حبيبتي ما بكِ !؟.. أردت مساعدتكِ فحسب !.."

أعلم... آسفة و لكن... لا أريدك أن تعلمي !..

و لكنني عندما أردت أن أرد عليها إذا بها تشهق بفزع تغطي فاهها بكفيها لأجد مقلتيها متجهتان الى ورائي متسعتين إلى آخرهما ترتجفان من ... الفزع !؟..

إستدرت ببطئ نحو ما ترمقه لتتسع عيناي أنا الأخرى لرؤيتي لإنعكاس ظهري على المرآة لِـ...

اللعنة .. لقد رأته !..

" أميليا !.. مـ... مـ ... ما هذا !؟.."

تبًا تبًا تبًا تبًا تبًا...

عضضت شفتاي أغلق عيناي آخذ نفسا عميقا أحاول أن أهدئ نفسي التي ترتجف بداخلي !..

إستدرت ببطئ نحوها لأرى مقلتيها ترمقانني بنظرة فزعة ..

" سيدة فيرا أنظري أنا .. "

قاطعتني بجذبها لذراعي بقوة تديرني ليقابلها ظهري لتمرر يدها عليه تتفحصه و أنا لم أستوعب بعد تحكمها بي فجأة !..

" هذا ... سيء جدًا يا أميليا !.. ما ... ما الذي حدث لكِ يا إبنتي !؟.. من فعل بكِ هذا و متى حدث !؟.."

عضضت شفتي و أنا أشعر بلمساتها على جلدي المحترق أفكر في طريقة للخروج من هذا الموقف..

و ربما... أحتاج إلى كذبة؟..

و لكن... ما الكذبة التي يمكنها أن تنتشلني من هذا الموقف!؟..

إستدرت أبعد ظهري عنها و أقابل ملامحها أظهر على شفتاي إبتسامة هادئة أحاول جعل الأمر يبدو بسيطا ..

" لا داعي للقلق سيدة فيرا انه مجرد حرق أصبت به في طفولتي !.. أنا.. "

" أميليا .. أنا كامرأة منخرطة في الجمعية لعدة سنوات رأت الكثير من المحتاجين، المحروقين و المجروحين يمكنني أن أعلم جيدًا أن هذا الحرق الذي على ظهرك لم يمضي على حدوثه شهرين على الأقل !.."

تبًا لم يفلح الأمر معها !..

تأففت بشدة و أنا أخفض بصري عن خاصتها لا أعلم كيف أواجهها بعد أن كشفت كذبتي ...

ماذا علي أن أفعل !؟..

شعرت فجأة براحة يديها الدافئتين على بشرة كتفاي ..

رفعت بصري نحوها لأجد إبتسامتها الدافئة التي إعتدت عليها قبل أن تسحبني لأجلس على حافة السرير و تجلس بجانبي..

مدت يدها الدافئة و أراحتها على ظهر يدي تأخذ نفسا عميقا قبل أن تنبس..

" أميليا أنظري... مهما كان الشيء الذي تخفينه عني فأنا أحترم رغبتكِ بهذا و لكن... بعد أن رأيت هذا الحرق في ظهركِ فأنا لن أرتاح حتي أعرف من تسبب بهذا لك !.. ربما يوجد حل ربما نحاكمه لا أعلم.."

" أنا ! "

قلتها فجأة و كأنني أفرغ ثقلا كان على صدري لأرمقها و أجد حواجبها منقبضة و كأنها تحاول أن تستوعب شيءً كهذا..

لا أظن أنني أستطيع أن أخفي هذا الامر عنها أكثر من هذا !.. بل ربما لأنني ... أحتاج لذلك أساسا !..

لا أظن أن إخباري لها سيأثر علي بالسلب ..

إبتسامة مضطربة على شفتيها غير مصدقة و هي تُكذبُ ما سمعته من شفتاي..

" أنت لا تنتظرين مني تصديق شيئ كهذا يا أميليا !.. أليس كذلك !؟.."

يا ليت..

أخفضت بصري أقرص ظهر يدي باضطراب لأدرك بأن ردة فعلي هذه قد منحت لها الجواب ..

جعلتها تدرك بأن هذا صحيح مع الاسف !..

رفعت بصري نحوها لأجدها تضع راحة يدها على فاهها و قد أدركت بأنها لا زالت لم تستوعب سبب ايذائي لنفسي !..

" لما !؟..

ما الذي حدث معكِ لتؤذي نفسكِ بهذا الشكل !؟.. رغم أنني لا زلت لا أصدقك ِ و أظن بأنكِ تقولين هذا لتخفي عني الفاعل فحسب !.."

أعلم.. أبدو هكذا من البعيد صحيح !..

و يا ليته كان كذلك !...

لا أظن أنها ستظل عند ظنها بعد أن أخبرها أنني فعلت هذا بنفسي لأنني..

" أنا مريضة !.."

أخفضت بصري بسرعة دون أن أرى ملامح وجهها بعدما تفوهت بتلك الحقيقة .. صمت ثقيل ساد بيننا بعد كلمتي الأخيرة لكنني ..

أراهن بأن عينيها متسعتان و مصدومة لدرجة الخرس..

" أميليا !..

أنت ما الذي تتفوهين به !؟.."

" الحقيقة ! "

" عن أي حقيقة تتحدثين ماذا تعنين بأنكِ مريضة !؟.."

حينها ضقت ذرعا لأقف أمامها أوجه سبابتي نحو صدري أضغط عليه مع كل حرف أتفوه به .. ضاغطة على أسناني و على كل كلمة أنبسها بشدة محاولة عدم رفع صوتي..

" أنا أعاني رهابا من الذكور بل وسواسا قهريا من لعنتهم !.. و سبب حرقي لظهري هو عدم توافر الماء لدي بعد لمس أحدهم لظهري !.."

" تبًا لكِ و أنا التي ظننتُ بأن لكِ مرض خطير !.."

لم أعي على نفسي إلا و يد دافئة تسحبني بشدة لأجد نفسي فجأة في حضنها و هي تربت على ظهري برفق ..

إرتخى جسدي كله إثر عناقها لأجد نفسي أدفع وجهي أكثر لحضنها و في هذه اللحظة كنت قد رميت كل ما علي من حذر و خطر و استسلمت كليا لهذا العناق..

ربما لكوني... بحاجة له بشدة بعد ذلك الضغط النفسي..

" مرض أدى بي لحرق ظهري بكلتا يداي... ليس خطيرًا !؟.."

همست بها ضد حضنها لأشعر بذراعيها تشتدان حولي أكثر و كأنها تريد ان تبث بي بعض الطمأنينة و الدفئ لروحي المتجمدة..

" لا أعلم أصناف الأمراض و لكن.. أنا متأكدة بأن أخطرها سيكون أرحم !.."

هشهشت بجانب أذني تحثني على التوقف عن الكلام ..

أمسكت كتفاي و أبعدتني برفق من حضنها ترمقني بابتسامة لتتسع عيناي لإحتوائها لوجنتاي فجأة براحة يديها ..

" لنؤجل هذا الحديث لما بعد.. لنعش هذه الليلة و نحاول أن ننسى آلامنا قليلا.. ليلة واحدة فقط !..

و لو كذبة !.. الكذب سيء و لكن هذا القانون لا ينطبق على أنفسنا !.. لو كذبنا على نفسنا لترتاح قليلا فلن يضر اليس كذلك !؟.."

الكذب على النفس !.. أكذب على نفسي لأريحها !؟..

أفضل أن أكذب على البشر على أن أكذب على نفسي و لكن.. ربما سأكذب عليها لفترة فقط من أجل اسعادها .. أعتقد أنه ليس بالشيء السيء !؟..

ابتسمت لها لتبعد يديها عن وجنتاي و تستدير نحو ظهري لتمد يدها لرفع سحاب الفستان برفق .. ليرتفع السحاب بسهولة !!..

ربما الرفق أحيانا هو الحل !؟..

" هل ... يظهر !؟.."

سألتها بتردد لتنفي برأسها و هي تبتعد عن ظهري تلقِ بنظرة على ظهري و كأنها تتأكد من جوابها..

أخذت خصلات شعري و أسقطتها على ظهري لتظهر ابتسامة صغيرة على وجهها..

" هكذا لتطمئني أكثر !..

تعالي "

فهمت ...

سحبتني من يدي باتجاه طاولة الزينة لتبعد مقعد الطاولة و تحثني بعينيها على الجلوس..

نظرت إليها قبل أن أتقدم بخطى مترددة و أجلس على المقعد ..

أخذت المشط و بدأت تسدله بخفة على شعري و أنا أتسائل عن سبب فعلها لذلك!؟..

أعني... شعري مصفف بعناية فلما تقوم بتمشيطه !؟..

إلا أن اجابتي وصلتني عندما أخذت طرفين من جانبي شعري لتلاقي بينهما لأشعر فجأة بملمس المعدن البارد ضد فروتي ينغرس في خصلاتي و يشد الطرفين ببعضهما..

ما كان ذلك !؟..

" يال جماله ... أتريدين رؤيته !؟.."

مشبك !؟..

أومأت برأسي لتميل بجذعها تفتح الدرج الذي بجانبي لتأخذ منه مرآة صغيرة ذات نقوش و زخارف جميلة ..

رفعتها ضد المرآة أمامي لتتسع عيناي لرؤيتي على انعكاسها جمال المشبك الذي ثبتته على شعري..

مشبك به أشكال نجوم تتدلى منه على طول خصلاتي خيوط صغيرة عليها نجوم أصغر بها بريق خاص و ساطع..

" شعر حالك و نجوم ناصعة البياض !.. و كأن السماء رُسِمت على شعركِ اليوم !.."

" شكرًا .. على كل شيء.. سيدة فيرا !.."

مدت يديها تربت بهما على كتفاي من الخلف مع ابتسامة دافئة على شفتيها لمحتها من انعكاسها على المرآة أمامي..

صارت تعرف عني شيئا... شيئا لا أعتبره صغيرا قط !...

صارت تعرف ما يعرفه إبنها عني تمامًا غير أن ابنها .. يعلم أنه هو من كان السبب وراء ايذائي لنفسي ..

لم أكن لأخبرها بهذا أبدًا لعدة أسباب منها كونه إبنها و أيضا... كوني غير حاقدة عليه على هذا !..

لا أتذكر أساسا أنني حقدت عليه من قبل على هذا !..

بل ألقيت كل اللوم على مرضي .. علي ماضيي.. على نفسي !..

لم أشعر بأنه المسؤول على هذا رغم كونه هو من لمسني لكنه .. لم يكن يعلم !..

لقد إعتذر كثيرا .. و قال أنه لو كان يعلم برهابي لما تجرأ على لمسي أصلا !..

ربما لهذا السبب لم أستطع أن ألومه !.. و قمت بلوم نفسي !..

لأن المذنب الحقيقي هنا هو .. ماضيي.. هم !..

" هيا يا إبنتي لقد تأخرنا !.."

صحيح...

أظن أن الوقت قد داهمنا بسبب استجواب السيدة فيرا لي !..

إستقمت أرفع أطراف ثوبي بخفة و أتجه نحو باب الغرفة أنتوي مغادرتها بعد أن سبقتني السيدة فيرا ..

وقفت السيدة فيرا بجانب باب الغرفة تنتظرني و ما إن أردت أن اجتياز عتبة الباب حتى خطر لي شيء استوقف خطواتي..

استدرت إلى الغرفة أجول بنظراتي بها ليسقط بصري على ... درج طاولة الزينة !...

ربما.. علي التشجع قليلا!؟..

" أميليا.. هل أنتِ بخير!؟.."

أوه... لقد أثرت ريبة أحدهم !..

استدرت اليها بابتسامة هادئة و مطمئنة لأضم يداي لبعضهما في حركة مترددة..

" اِسبقيني سيدة فيرا !.. و أنا سألحقك بعد بضع ثواني أحتاج فقط القيام بأمر بسيط !.. "

" حسنا يا عزيزتي لكن لا تتأخري !.. "

أومأت لها برأسي بحركة سريعة ! ..

أغلقت باب الغرفة لأسمع صوت خطواتها و هي تبتعد عن الغرفة لأستدير معيدة توجيه بصري لطاولة الزينة ..

رفعت أطراف ثوبي متجهة نحوها .. ملت بجذعي لأمسك مقبض الدرج و أسحبه بخفة لأرى العلبة البيضاء ..

عضضت باطن وجنتي أمد يدي لأحملها بحرص و أنا أرى إسمي منقوشا عليها بذلك الخط الذهبي المائل ..

سحبت الغطاء ببطء لتظهر زجاجة العطر و إنعكاس ضوء الغرفة على سائل عطرها الذهبي جعلها تبدو و كأن شمسا صغيرة أضاءت بداخلها ..

ضممتها بين كفاي برفق .. سحبت غطاءها بتمهل لأرجع خصلاتي وراء كتفي بخفة موجهة الزجاجة لأسفل عنقي..

ضغطت عليها عدة ضغطات لأشعر بقطرات العطر ضد بشرة عنقي لأعيد الكرة على الجهة الأخرى لعنقي ..

أخذت نفسا عميقا أشم رائحة الأقحوان التي تعبق بي ..

رائحته لسبب ما... تشعرني بالانتماء ..

ربما أنا أنتمي للأقحوان !؟..

أعدت الزجاجة بداخل العلبة لأضعها بداخل الدرج برفق .. ألقيت نظرة على نفسي بالمرآة لآخر مرة لأعدل خصلاتي على كتفاي بحركة سريعة خشية أن أؤخرهم أكثر من هذا !..

أخذت حقيبة اليد البيضاء اللؤلؤية التي كانت ضمن طقم هذا الفستان لأفتح الباب بسرعة أتجه نحو الأسفل و طرقات كعبي تصدر صوت طرقات رتيبة ..

لحسن الحظ أنني أجيد إرتداء الكعب و الا لما كنت سأتمكن من نزول الدرج !..

وقفت أمام الدرج آخذ نفسا عميقا قبل أن أمد رجلي إلى الأمام و أخطوها على أول درجة لأسمع صوت طرقة الكعب تدوي في الرواق ..

و ثانية و ثالثة و رابعة.. أتريث بين كل طرقة و أخرى بينما أناملي كانت تتلامس مع مرصد السلم...

كنت مركزة بشدة على حركاتي لأرفع رأسي ببطء لتتسع عيناي لرؤيتي لآريان و هو يمر من أمام الدرج ... لأول مرة أراه يرتدي سترة سوداء مع ربطة عنق من نفس اللون ..

خصلاته كانت مصففة بطريقة عشوائية و لكنها متعمدة لتبدي حدة ملامحه ... عيناه تجولان في شاشة هاتفه دون أي اهتمام بادِ على ملامحه ..

و لكنه لم يمنحني أية فرصة لأستجمع نفسي إذ به يرفع عيناه نحوي لأبتلع ريقي بعد أن تجمد كل شيء حولنا...

و توقف الوقت بيننا ..

لم أستطع أن أتحرك .. وهو كذلك لم يتحرك !..

كلانا يبصر الآخر ... بتأمل... بدهشة ربما؟..

أفكاري تشوشت و قلبي ارتعد بعنف داخل قفصي الصدري ... رجلاي إنشلتا ... لا أعلم ما الذي يحدث معي و ماللعنة التي تصيب جسدي ..

لقد كان يرمقني من تحت رموشه الطويلة بنظرات متفحصة .. أتسائل عن الفكرة التي تجول بذهنه حول مظهري ..

" أنظروا من ظننت أن وجنتيها ستحمران من البرد و إذ بهما تحمران من الخجل !! "

تبًا و تبًا و ألف تبًا !!..

أغمضت عيناي أعض شفتي السفلية بقوة و أشعر بوجنتاي تشتعلان بعد سماعي لصوتها و كشفها لي بجانب آريان لأسمع ضحكتها الخافتة على ردة فعلي ..

ما الذي سأفعله الآن !؟.. كيف سأنظر إلى وجه آريان !؟..

وقوفي هكذا... يجعلني أشتعل من الخجل أكثر..

إستعدت نفسي بعد أن إكتفيت من الوضع الغريب الذي وضعت به لأفتح عيناي ببطء - بشكل بارد.. و حاد - لتسقطان على هذا الذي أمامي ..

اللعنة عليه يبدو و كأنه يستمتع بوضعي هذا نظرا لإبتسامته الجانبية و نظراته المستفزة تلك...

أشعر برغبة في قتله !..

رفعت طرف فستاني أستأنف خطواتي و أستمر بطرق كعبي على كل درجة و الوضيع لم يأبى أن يتحرك أو يزيل نظره عني لدرجة انني أشعر بأنني أكاد أتعثر بسبب نظراته ..

وصلت الى الدرجات الأخيرة أمامه لأرفع بصري نحوه لأجده يرمقني بنظرات ... متمعنة .. و هادئة .. و موترة لي !..

درجة و أنا أطول منه.. التي بعدها و أنا بطوله .. بعدها و أنا أصغر منه.. و الأخيرة و أنا قزمة أمامه..

نعم.. لقد بدأت أتقبل كوني قصيرة !..

أزحت بصري عنه أتجاوزه متجاهلة نظراته دون أن أعير له أي اهتمام متجهة نحو السيدة فيرا ...

" تبدين... ساحرة !.."

استوقفتني صوته بتلك النبرة المستفزة .. كلماته جعلتني أغلق عيناي أعض شفتي محاولة كتم ثوراني بداخلي..

هل هو يتعمد هذا !؟..

أدرت رأسي اليه نسبيا دون أن أرمقه أنبس بأكثر نبرة صارمة أملكها..

" لا أتذكر أنني طلبت رأيك !.."

ربما كنت فضولية نحوه و لكن لم أطلبه !..

شعرت بحركته ورائي لأدرك بأنه استدار كليا نحوي و أنا أتخيل اتساع ابتسامته الجانبية تلك .. ابتسامته سافلة مثله..

" مجرد تعبير عن الرأي ! "

" أبقي حرية تعبيركَ بعيدة عني إذا !"

ضغطت على كل كلماتي بشدة لأبتعد عنه مستئنفة سيري نحو السيدة فيرا لأجدها قد ألقت على كتفيها معطفا بفرو أبيض ناعم يصل الى حدود ركبتيها و قد كان متناسقا مع فستانها للغاية ..

تقدمت أكثر لتتسع عيناي لرؤيتي لنسخة طبق الأصل لمعطفها الأبيض موضوعا على المقعد الذي بجانب الباب هناك..

" هيا يا عزيزتي .. هيا لقد تأخرنا بما فيه الكفاية !.."

لم تكد تنهي كلامها حتى وجدت آنيا تقترب مني بينما تحمل معطف الفرو ذاك لتلقيه على كتفاي بنفس طريقة السيدة فيرا التي وجدتها تفتح الباب و تخطوا خارجه..

حسنا... لقد تعرفت للتو على جانب جديد من شخصية السيدة فيرا !.. هي متشددة في المواعيد !

ضممت نفسي بهذا المعطف أخطو نحو الخارج لأصاب بقشعريرة على طول جسدي لبرودة الجو التي تلفح جسدي .. أشعر بأسناني تصطك ببعضها !..

سحبت هاتفي من حقيبتي أترقب أحوال الطقس لهذه الليلة لأجد درجة الحرارة .. واحد تحت الصفر !..

إلاهي... ساقاي تكادان تتجمدان من شدة تصلبهما..

تقدمت بروية نحو السيارة و الهواء البارد قد بدأ يلعب بخصلاتي و يجعل عيناي تدمعان من شدة البرودة !..

" وجنتاكِ محمرتان .. تذكرانني بموقف مَا !"

" إخرس ! "

ضحكة فرت من هذا الوضيع الذي يسير بجانبي بعد أن سبقتنا السيدة فيرا !..

حسنا... تأكدت بأنه يستمتع بهذا !

" لم أتخيلكِ يومًا تخجلين !.. لقد بدوتِ غريبة !"

تبًا له ألن يتوقف !؟... أنا لم أعد أفرق بين حرارة وجنتاي و برودتهما !..

أرغب بقتله الآن .. ياله من وضيع !..

و لكنني لم أبدي أي تعبير على وجهي بل قضبت حاجباي دون أن أرمقه..

" في البداية البكاء و الآن الخجل ... لم أفهم أي نوع من الفتيات تراني !؟.."

" النوع الخطير !.."

توقفت مكاني بعيون متسعة لم أنجح في إبقائها بعيدة عن مقلتيه أرمقه بدهشة...

النوع الخطير ... خطيرة !..

وجدت بندقيتيه تضيقان على شكل عيون حادة لينعكس عليهما ضوء سيارته أمامه و اِبتسامة خافتة على شفتيه..

" خطيرٌ بشكل... جذاب !!"

خطير..

بشكل جذاب ...

زممت شفتاي لا أبدي اندهاشي على وجهي بسبب كلماته و نبرته تلك لأجد نفسي أرفع رأسي و أبادله ابتسامة جانبية ذاتها ..

" النوع الخطير...

هذا يروقني للغاية أيها الآريان ! "

خطوت بعدها نحو السيارة أرمي له نظرة أخيرة ليبادلني بخاصته المستفزة أستقل سيارته بعد أن فتح لي العامل بابها !..

لنرى ما ينتظرنا...

ليكن الإله بعوني !..

لم يكن للوردة المقطوفة ذنب سوى كونها

جميلة...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة