إنه اليوم الثاني...
قلتها و أنا أقف مرة أخرى أمام البوابة الحديدية الكبيرة أطلق زفرة طويلة بينما أتأملها...
نفس الوقت.. نفس النظرة... نفس الحقيبة... نفس الفستان.. نفس التعب من المشي !..
بدأ يصبح هذا العمل من الروتين اليومي ولكن... هل سيستمر هذا يا ترى !؟..
أتي من دون مخطط أو برنامج أو وسيلة فقط بروحي و أضعها أمام روح السيدة فيرا لتبدأ الأرواح بالتنفس...
و كأنني عندما دخلت إلى غرفتها الأمس تجردت من هويتي و عقلي أنبس بما يمليه علي قلبي و روحي فقط !...
و لكن... شدة التشابه بين آلامنا تجعل علاجها ... مؤلما لي !..
يذكرني العلاج بجروح قد التأمت كنت قد تعودت على ألمها مما يجعله قلبي ينزف قهرا لتلك المشاهد...
تنهدت أطرد تلك الأفكار من رأسي لتقع عيناي دون ارادة مني على غرفة المراقبة فأتذكر ما مريت به الأمس مع أولائك الحيوانات!...
يبدوا أن اليوم نسخة للأمس حتى في هذا الموقف الذي سأمر به!..
تقدمت بخطوات ثقيلة نحو تلك الغرفة ألقي نظرة حادة نحو النافذة التي تطل على داخلها لأتصلب في مكاني عندما وجدت أن الحارسان غير موجودان هنا...
أين أولائك المنحطين !؟..
إقتربت أكثر إليها فألمح حارسا واحدا بها مختلف عن اللذان كانا هنا الأمس و بمجرد أن لمحني حتى انتفض و كأنه رأى أجله !..
ما به هذا الآخر !؟..
خرج من الغرفة يفتح لي الباب المجزء من البوابة الحديدية على مصرعه ينبس بنبرة رسمية و حذرة...
" تفضلي سيدة أميليا !.."
ما الذي يحدث هنا بحق الإله !؟..
تقدمت و أنا أرمقه بتقضيب حاجباي و ملامح الإستغراب لا تفارق وجهي أجتاز عتبة الباب فألاحظ أنه لا يرفع إلي حتى نظرة يركز نظره نحو الأمام و كأنه جندي خرج من الجيش يقف هنا !..
لا أنكر أن هذا التصرف نال إعجابي و لكن ... الأمر غريب !..
شتان بين متخلفي الأمس و هذا الذي يقف أمامي !..
مهلا لحظة !..
لا مستحيل!... مستحيل أن يكون ما ببالي صحيحا !؟..
مستحيل أن يكون آريان قد طردهم بسبب ما تفوهت به له الأمس عنهم !.. لا يمكن أن يقوم بفعل هذا بسبب ما قلته لا مستحيل !؟..
أم أنه ممكن!؟..
لم أشعر بنفسي إلا و مقلتاي تتسعان تسقطان على المنزل البعيد و بضبط في نافذة غرفته و أنا لازلت أقف و البوابة التي تجاوزها خلفي و أمامي الممر الطويل...
آريان..
زممت شفاهي لأقود خطواتي أعبر الممر متجهة نحو المنزل بخطوات ثابتة و بطيئة آخد راحتي بسماع صوت تدفق ماء النافورة الذي أضفا لجمال هذا البستان المحاط بالمنزل جمالا خاصا و تأمل تحرك أوراق الأشجار و النباتات من جانبي المعبر بفعل نسمات الهواء الباردة التي صفعت برودتها وجهي جعلت قشعريرة تسري على طول جسدي أضم نفسي أكثر بمعطفي و قد تلاعبت بخصلات غرتي و التي تمردت من ظفيرتي..
نعم... ضفرت شعري اليوم باختلاف الأمس عندما شددته بقابضة شعر ، لا أعلم لما.. ربما لأشعر تغيرا عن الأمس رغم أنني قد شعرت به من البداية ..
أشعر و كأن أيامي بهذا المنزل لن تكون مجرد أيام عابرة !.. بل أيام كل يوم بها له قصة فريدة !..
أرجوا أن يتحقق حدسي لأنني أكره أن تكون حياتي مجرد شريط يعاد كل يوم !..
توقفت أمام الباب آخد نفسا عميقا قبل أن أثبت راحة يدي على المقبض أدفعه نحو الأسفل فيفتح عكس الأمس عندما فتحه آريان بمفتاحه !..
أدفع الباب ببطء شديد ألقي نظرة على الداخل و لم ألمح به أي شخص أو حركة و ضوء الشمس إخترق زجاج باب الحديقة الخلفية تُسقط شعاعها على الصالة...
علامات التعجب بادية على وجهي بينما أتجاوز الباب و أنتزع معطفي مني أعلقه على المشجب الخشبي الذي بجانب الباب أتقدم بخطوات بطيئة نحو المطبخ أتفحصه وقد ازدادت حيرتي عندما لم أجد به السيدة آنيا أو أي شيء به يدل على وجودها...
ما الذي يحدث هنا !؟.. أين هؤلاء !؟..
السيدة آنيا و آريان ليسا هنا و لكن... السيدة فيرا في غرفتها بالتأكيد أليس كذلك !؟..
اتجهت نحو الدرج أصعده بمجرد أن أدركت هذا ليستوقفني بمنتصفه صوت فتح الباب و خطوات على بلاط المنزل...
استدرت بترقب ليسقط نظري على السيدة آنيا التي بمجرد أن لمحتني منحت لي إبتسامة هادئة كان بها رشة دهشة بادلتها اياها و ما ألجمني هو دلوف السيدة فيرا من ورائها بملامح ... باكية !؟..
باكية و شاحبة بعيون ضيقة محمرة المحجرين و أرنبة أنفها متوردة و محمرة هي الأخرى برموش مبللة...
ما الذي حدث معها !؟..
" سيدة أميليا جئتِ !؟.."
أومأت لآنيا مجيبة على سؤالها الذي كان بدافع الدهشة متجهة بخطوات بطيئة نحوهما أنزل السلالم لأقف أمامهما فترفع السيدة فيرا رأسها إلي بعدما كانت عينيها تجولان بفراغ الأرضية لتلتقي مقلتينا نشرد لمدة لا أعلم لكم دامت من ثواني قبل أن تنهي هذا التواصل بـ... إبتسامة!!..
نعم كانت إبتسامة!!.. رغم أنها كانت طيف إبتسامة منكسرة بين ملامحها الباكية و لكنها في الأخير... إبتسامة!!...
وعيت من شرودي بها أعدل ملامحي المدهوشة لأطبع إبتسامة على شفتاي مبادلة إياها فتتجاوزني قاصدة الدرج...
ما هذا الذي حدث الآن !؟..
اتبعت خطواتها بمقلتاي إلى أن أنهت الدرج و اختفت عن ناظري...
إبتسامتها جميلة جدًا ... و ستكون أجمل إذا اختفت ملامح الحزن من وجهها...
" هل تعلمين أين كنَا!؟.."
أدرت عنقي إلى السيدة آنيا التي وجهت لي سؤالها و هي لازالت محافظة على الإبتسامة و الهدوء بملامحها ...
غريب كيف أجد راحة عندما أنظر إليها... و كأن وجهها مرآة عاكسة لطيبتها !..
حركت رأسي نافية لتجيب عندما أطلقت زفيرا ثقيلا...
" كنا بالمقبرة!.."
" ماذا !؟.."
كانوا بـ... المقبرة !!..
اتسعت عيناي أرمقها بدهشة لتطلق ضحكة خافتة تأخد خطوتين إلي تضيف ..
" دعيني أخبركِ بشيء يا آنسة أميليا... السيدة فيرا لم تكن يومًا مجرد اِمرأة أعمل لديها! ... كنت قد بدأت العمل هنا عندما مرضت أختي و احتاجت لعملية قلبية و لم أكن أستطيع تسديد و توفير تكلفتها !.. السيدة فيرا كانت قد علمت بهذا من قبل عندما أجرت بحثًا عني !.. و في أحد الأيام وصل إلي إشعار عن موعد عملية أختي و علمت أن سيدتي قد ضمتها إلى مساعدات جمعيتها و قد وفرت المبلغ لتعيش أختي بعدها بكل صحة وعافية و هذا كله بفضل فيرا فلاديميرسكايا!."
يا إلاهي..
كل مرة و كل يوم أزداد تقديرا و احتراما للسيدة فيرا و أسمع أكثر عن لطفها و طيبتها !..
كم أتوق للتعرف عليها أكثر بعد أن نضع جانبا جلساتنا و أحزاننا !...
أريد أن أتعرف على روحها و شخصيتها التي أشتهرت بنقاوتها و لكن... أفضلُ أن لا أتجاوز حدودي !...
" كم حاولت أن أرد لها جميلها و فضلها علي بعد ذلك الحادث و كم جربت أن أجعلها تنبس ببنت شفة فقط و كم حاولت أن أقنعها بأن تزور المقبرة لكن... دون جدوى !.. قلبي كان يحترق لرؤية كمية الحزن و الانكسار الذي بداخلها و أنا لا أستطيع أن أحمل عنها ولو القليل من حملها الذي حملته لي في يوم من الايام و أنا أتجول بهذا المنزل و البهجة التي كانت به ذهبت مع ذهاب آيلا و سيد ديمتري!.. و ما لم أستطع فعله فعلته في يوم يا سيدتي !.. لا أعلم ما التعويذة التي ألقيتها عليها أو ما قلته لها و لكن أنا متأكدة من أنك هدية من الإله لها !.."
أنا... هدية !؟..
أزالت المسافة التي كانت بيننا تضع يدها على كتفي و إبتسامتها الواسعة من الأذن إلى الأذن في شفتيها ...
" أنا أعتمد عليك و أثق بأنكِ تستطيعين رد البهجة إلى قلبها يا آنسة أميليا... إفعليها !.."
قالتها و هي تتجاوزني متجهة نحو المطبخ تاركة لي ملجمة بدهشة و ذهول على كل كلمة تفوهت بها !..
ما هذه الفرصة يا حياة !؟..
عندما كنت دائما مصدر حزن و عذاب كل من حولي... هل رئِفت بي لتقدمي لي فرصة كهذه بأن أكون سبب سعادةٍ لشخص ما !..
أن أكون سبب سعادة شخص كان سبب سعادة كل من حوله !.. لتصبح مسؤولية بهجتهم على عاتقي !!؟..
رغم أنني شعرت بالضغط و التوتر من هذه الفكرة إلا أنني ... سعيدة !.
سعيدة بأن القدر قرر أخيرا أن يمنحني فرصة !.. و لن أضيعها حتى لو كان الثمن حياتي و روحي !..
الشكر للإله كون السيدة فيرا تتجاوب معي و مع جلساتي و سأفعل كل ما بوسعي لأسعدها لعل الحياة ترد لي جميلي بها !..
لم أعي على نفسي بشرودي بأفكاري إلا و أنا أقف أمام باب غرفتها الذي لم يكن مغلقا و كان مفتوحا على منتصفه..
أملت رأسي أطل على الغرفة لأجد السيدة فيرا جالسة على الأريكة المنفردة قمحية اللون تسند مرفقها على الطاولة الزجاجية الدائرية المقابلة لها تتوسطها مزهرية و تسند ذقنها على راحة يدها تحيط بأصابعها وجنتها و لم أستطع تمييز ملامحها كون ناظرها كان موجه للأشجار البعيدة من نافذتها المليئة بالأصص الزراعية و نسمات الباردة تتلاعب بخصلاتها البنية القصيرة...
تبدوا... هادئة!..
طرقت طرقتين على الباب أدفعه أكثر لأدخل الغرفة بخطوات هادئة هي الأخرى أتقدم إليها و قد بدت شاردة في أفكارها لدرجة أنها لم تستدر إلي !..
" قيل لي أنكِ كنتِ بالمقبرة !.."
قلتها و أنا أجلس على الأريكة المقابلة المماثلة لخاصتها و أنا أنسج على وجهي إبتسامة صغيرة ...
تنهدت بعمق و لم تلتفت لي بل ظلت شاردة بنافذتها لأضيف بعد أن عدلت جلستي...
" كيف كانت الزيارة !؟.."
" مؤلمة جدًا !.."
مؤلمة جدًا ... طبيعي..
زممت شفاهي متأسفة لتضيف وسط شرودها ..
" في البداية لم أستطع تقبل هذا !..و أنا ألمس ذلك التراب لم أستطع أن أستوعب بأنه يبتلع زوجي و إبنتي بهجة قلبي ! و أنهما مجرد جثتان تحته !.. لم أستطع و أنا أرى أسماءهم على ألواح قبورهم !.. لم أتقبل كوني حية وهم هناك بسببي !.. "
" بالبداية !؟.."
رفعت حاجباي مقاطعة لها لترمي لي نظرة لم أفهم مكنونها...
هي قالت بالبداية... نعم هذا الشيء الوحيد الذي ركزت عليه و لكن... ما الذي قصدته بهذا !؟..
أخذَت نفسًا عميقًا بعد أن مسحت بظهر سبابتها الدموع المتراكمة في محجريها تعلق بنبرة هادئة...
" نعم... هذا كان بالبداية قبل أن أجد نفسي جالسة بين قبريهما و أنا أتكلم... أتكلم و أفرغ و أبكي حتى شعرت بأن حلقي جف و خدش من كثرة الكلام و الشهق !.. أخبرتهم كم اشتقت لهم و كم لم يعد للحياة طعم بعد ذهابهم و أنهم ذهبوا و أخدوا بهجتي و بهجة هذا المنزل معهم !.. و أنني لا أتغطى إلا بغطاء إبنتي و لا أنام سوى على وسادة عزيزي !.. لا أنام سوى و أنا أشم رائحتهم و أحاول أن أخمد شوقي بما تبقى لهم هنا !.. "
أشعر بالغيرة !...
نعم أشعر بالغيرة لأنني أريد فعل هذا أيضا !.. أريد أن أذهب إلى قبور أحبائي! ... أريد أن أبكي و أشهق و أعتذر و أتأسف و أخبرهم بكل ما عانيته بعد رحيلهم !..
أريد هذا... بشدة !..
إبتلعت الغصة التي تحجرت داخل حنجرتي أحاول أن أحافظ على رباطة جأشي فآخد أنفاسا منظمة مع تربع الصمت لدقائق في هذه الغرفة لتكسره السيدة فيرا قائلة...
" لنستمر أينما توقفنا بالأمس !.."
" هل تتذكرين أين توقفنا بالأمس !؟"
" كنتِ قد قلتِ لي أن نستمر بالحياة من أجلهم... ماذا تقصدين !؟.."
جميل...
أرجعت ظهري إلى الكرسي أضع رجل على رجل أرمقها بلطف و إبتسامة طفيفة على شفتاي...
" قبل أن أجيبك ِ على هذا ، لدي سؤال لكِ !.."
همهمت لي دون أن تسقط مقلتيها على خاصتي فأضيف...
" أخبريني قليلا عن آيلا !.."
أعلم ... لقد بدأت ألمس جروحها !..
أرمقها و أنا أنتظر ردة فعلها لتفاجئني بالابتسامة الخافتة المنكسرة التي على شفتيها و عينيها تعلقتا بالأزهار البيضاء التي بالمزهرية أمامها ...
" إبنتي المشاغبة !.."
قطعت الصمت الذي ساد لثواني هنا بعد سؤالي فأشبك أصابعي ببعضها أترقب كلماتها التي تكاد تسقط من شفتيها بعد أن أطلقت زفيرًا طويلا ..
" هذا العام هو العام الأول لها بالجامعة... مصممة أزياء !.. التخصص الذي لطالما حلمت به و شغفت به منذ طفولتها ، كان لها ذوق فريد و أفكار مميزة بما يتعلق بالتشكيل و الأقمشة !.. إبنتي كانت ذكية و مفعمة بالحياة !.. ترى العالم و كأن لا شيء يستطيع أن يسلب ضحكتها وسعادتها من قلبها ! ،.. مسالمة جدا و تعشق كل ما يتعلق بالطبيعة !.. محبة للحيوانات و النباتات و الأشجار و كل ما تشعر بأنه يتنفس !.. لدرجة أنها أغمى عليها من السعادة عندما أنشأ لنا ديمتري مزرعتنا الخاصة !.. كان أهم شيء لها بعطلتها الأسبوعية هو زيارة مزرعتها و حيواناتها و ثمار نباتاتها و كم كانت تغمرها السعادة عندما تفعل هذا !.. مدللة أبيها و أخوها رغم أنها كانت كثيرة المشاغبة معه !.. أتذكر أنها كانت مصرة على أن تهزمه و تسقطه في الأرض يوما ما فتبدأ تجرب عليه كل ما تعلمته فيسايرها المسكين إلى أن يسأم منها فيحملها و يلقيها بالمسبح !.."
الوضيع !..
إبتسامتها تلك و هي تقص لي عن إبنتها... فريدة !
و كأنها تشير لي بأنها كانت تمتلك الدنيا و ما فيها في تلك الأيام !.. و كأنها تخبرني بأن سعادة و ضحكة و صوت إبنتها هو الحياة بالنسبة لها...
أم ... سر سعادتها هي إبنتها !.. يال النصيب !!..
" ليرجع أبوها ديمتري فتهرع له باكية و تخبره بما فعل بها أخوها و ديمتري يعلق بينهم !.. رغم أن معظم وقتهما معا كان في مضايقات بعضهما إلا أنهما... متعلقان ببعضهما بشكل غريب !.. يأخذها في جولة معه كلما سنحت له الفرصة و كان مسؤولا عن المزرعة و يخبرها دائما بالجديد بها !.. يحرص على أن لا تمسك أي سكين عندما تحاول أن تطبخ !.. و كان آريان دائم النصح لها بأن تختار أصدقائها و أحبائها بعناية لأنه لا يتحمل رؤيتها حزينة !.. دائما ما كنت أنا و ديمتري فخوران بالعلاقة التي كانت بينهم و أننا لم نفرق يوما بين إبنتنا الحقيقية و إبننا المتبنى و كان ديمتري حريص على توطيد هذه العلاقة في العائلة بجمعنا دائما في طاولة الأكل... كنا أيضا فخوران بالمساعدات التي تقدمها جمعيتنا للأطفال المحتاجين و اليتامى، ديمتري كان محبا لهذه المساعدت كثيرا و كان حرصا عليها !.. "
أنا ... لم أجد ما أعبر به !..
لما !؟... لما على القدر أن يأخذ هذه الأرواح الطيبة و المسالمة و يترك تلك الأرواح المملوءة بالشر و الحقد و المسودة قلوبهم !؟..
لما أخذت التي كانت تعطي الحب و الأمان لهذه الأرض و تترك التي تفسدها و التي لم تترك شيئا سليما بقلوبنا !؟..
لما ؟.. لما هذا الظلم !؟...
أرواحهم تستحق الحياة لدرجة أنني مستعدة لأساوم بحياتي من أجل حياتهم !..
ضمت أصابع يدها في فراغات الأخرى تعيد تصويب تركيزها نحو النافذة و قد اختفت ابتسامتها مع إطلاقها لنفسٍ طويل تظهر به غصتها...
" كانت أيام جميلة... أصبحت مجرد ذكريات !.."
للأسف...
بغض النظر عن الحزن و الضيق و الصمت المتربع بهذه الغرفة معنا إلا أنني وصلت إلى ما كنت أريده بسؤالي هذا...
إبتلعت أبتعد عن ظهر الكرسي أعتدل في جلستي و أسند مرفقاي على الطاولة أنبس..
" يمكن لهذه الأيام الجميلة أن تستمر ... إذا إستمر ما كان يجعلها جميلة أليس كذلك !؟.."
قضبت حاجبيها مجعدة جبهتها ترمي لي نظرة خاطفة مستغربة من كلماتي فأضيف بابتسامة دافئة على شفتاي...
" ألا تلاحظين ما لاحظته يا سيدة فيرا !؟.. أنكِ توقفتِ عن فعل ما كانوا حرصين على فعله ؟.. أنكِ لم تستمري بما تركوه في منتصفه !؟.. أعلم أن هذا الكلام سيكون قاسيا ربما و لكنها الحقيقة ! أين حب الحياة الذي كان لدى آيلا ؟.. و أين نظام السيد ديمتري؟.. أين المزرعة و الحيوانات و النباتات ؟.. أين مساعدة المحتاجين و اليتامى ؟.. أين وجوب تجمع العائلة في المائدة بكل وجبة ؟.. لو كانت آيلا و السيد ديمتري حيان هل كانا سيسعدان بهذا الوضع ؟.. ألن يقولا لكِ لما لم تحتفظي بالأمانة التي تركناها لكِ يا فيرا !!.."
إهدئي... إهدئي...
إلتقطت أنفاسي و أنا أرى شعور الذنب و الدموع التي تسيل من عينيها أتك أسناني و أنا أشعر بالسوء في جوفي..
ما الخطوة التالية يا فؤادي !..
بمجرد أن خاطبت نفسي بهذا تسللت يداي لتأخد بيدها أسحبها و أضمها بين راحتي يدي و لا أعلم لما جاء لي أن أقوم بهذه الحركة ..
ربما لأبث بعض الدفئ لها ... و كيف لي هذا و أنا التي روحها مجمدة هنا و تحتاج لدفئ !؟.. كيف لثلج أن يدفئ الجليد !؟...
" أعلم... أعلم أنكِ تقولين لما هم !؟.. لما هم و ليس أنا !؟.. لما هم ذهبوا و أنا لم أذهب !؟.. لما هم و أنا التي تستحق هذا أكثر !؟.."
لم تستطع المقاومة أكثر لتأخد بيدها الأخرى تغطي بها عينيها و قد بدأت شهقات خافتة تخرج من جوفها !..
أضفت و أنا شاردة بيدها ذات خاتم ذو حجرة ألماس في بنصرها و لا شك بأنه خاتم زواجها أمرر عليه سبابتي...
" ربما لهذا كان يجب أن تبقي !.. لقد إنتهت مهامهم بهذه الدنيا و قدموا ما قدموا بها و انتهى دورهم بها و لكن أنتِ ... ليس بعد !.. الدنيا لا زالت تحتاجكِ و لا زالت تريد منكِ شيئا !.. ربما تريد منكِ أن تستمري بمسيرة الذين أخذتهم و قد غمرها حبهم و أرادت أن يستمر هذا الحب لذلك تريدكِ أن تكوني وسيلة لهذا !... واصلي ما كانت تريد أن تفعله آيلا و إهتمي بما تركته لكِ !.. إهتمي بالمزرعة التي كانت ترى الحياة بها و إجمعي الطاولة التي كان يخشى السيد ديمتري تلاشيها و إستجيبي للأطفال الذين ينتظرون السعادة التي يمنحها لهم السيد ديمتري!.. لا تديعهم يقولون بأنه ذهب فذهبت معه سعادتنا أثبتي لهم أنكِ هنا و أنكِ على قدر تلك الأمانة التي تركها لكِ زوجك و هي سعادة هؤلاء الأطفال !.. و لا تتوقفي هنا بل طوري و كبري من هذه الجمعية لتصل لكل أطفال المدينة و روسيا بأكملها !.. هناك أطفال يحتاجون ما تقدمونه من كل ربوع الوطن من الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب !.. حتى أطفال موسكو بحاجتكِ يا سيدة فيرا !!.."
هذا ما قصدته بعيشي من أجلهم !..
نعم عيشي من أجل أن يكونوا فخورين بكِ و أن يعلموا بأنكِ على قدر ذلك الحمل !..
أخرجت زفيرا طويلا بعد أن سحبت يدها من كفاي تسند رأسها عل ظهر الكرسي و تصوب بصرها نحو السقف البائس و قد أدركت بأن هذه الحركة تقوم بها كلما أرادت مساحة للتفكير و آثار دموعها لازلت على خديها...
دقائق صمت مرت بيننا و قد إستحوذ تفكيري علي دون أن يرحمني ! ..
ليت أمانتي كانت سهلة المنال هكذا !... ليت أمانتي التي تركوها على عاتقي لم تكن ثقيلة إلى هذا الحد!.. و لم يكن بالضرورة أن أمر بكل ما مررته به من أجل أن أوفيها..
و رغم كل هذا ... لازلت لم أوفيها !..
كم أنني مخيبة للآمال !..
" لما خصصتِ أطفال موسكو بالتحديد في كلامكِ !؟.."
قاطع تفكيري صوتها و هي تسألني بنبرة هادئة و منكسرة..
مهلا لحظة... ما الذي قالته !؟..
يا إلاهي... أنا قلت كلمة موسكو بكلامي أليس كذلك !؟..
ضممت كفاي لبعضهما متوترة لأجيبها بنبرة حاولت قدر المستطاع أن أجعلها طبيعية ..
" مجرد كلمة كانت على طرف لساني فألقيتها !.."
أضحكتني يا أميليا... منذ متى أصبحت كلمة موسكو مجرد كلمة عابرة !؟..
صوبت بصري نحو باب الغرفة بمجرد أن طُرق لتظهر منه الآنسة آنيا بابتسامتها المشعة على شفتيها تحمل بين يديها صينية و تتقدم نحونا !..
" آسفة على مقاطعتكما و لكن.. أردت أن أُضَيِّف السيدة أميليا بشيء فحسب !.."
لم تكد تنهي كلماتها إلا و هي تضع أمامنا صينية على الطاولة بها فنجانين من القهوة و قد تلاعبت بي رائحتها الدافئة و الزكية للبن المحمص...
القهوة... معنى الهدوء و الإسترخاء !..
و الفناجين ذات طابع كلاسيكي مزخرفان برسومات مبدعة و أزهار ذات ألوان مختلفة و طبق بسكوت بجانبها و و قطرات الشكلاطة تسيل من جوانبها...
" تحبين القهوة أليس كذلك !؟.."
قالتها بترقب تخشى أن أن أنفي لها لأطمئنها بابتسامة دافئة..
" عاشقة لها !.."
" أسعدتني !.."
بادلتها الإبتسامة التي وجهتها إلي بعد أن سحبت طبق كوب قهوتي آخد بفنجان نحو شفتاي أرتشف منها...
يال الذوق...
" شكرا !.."
" بالصحة والعافية "
أومأت لها لتستدير بعدها متجهة نحو الباب للمغادرة لولا أن...
" آنيا !"
نادتها السيدة فيرا قاطعة خرسها تجذب إنتباهنا نحن الإثنتين باستغراب...
استدارت آنيا نحو السيدة فيرا تتقدم نحوها لتسألها بعد أن إبتلعت و كأنها مترددة مما ستتفوه به..
" آريان ... هل سيكون هنا بوقت الغداء !؟.."
" غالبا نعم !.."
" إتصلي به و تأكدي !.."
" حاضر و لكن... هل من حدودي أن أسأل لما !؟.."
صوبت مقلتيها نحوي بعد كلمات آنيا تلك لتوجه لي فجأة... إبتسامة هادئة !..
𓂃༺⚘༻𓂃
" سيدة فيرا ... على ذكر آريان لقد تذكرت شيئا أريد أن أخبركِ إياه !.."
قلتها و أنا و هي نتمشى بالحديقة الخلفية بجانب بعضنا و كل واحدة منا تضم معطفها إليها جراء برودة الجو اليوم !..
الأيام تزداد برودة يوما بعد يوم !.. و السماء ملبدة اليوم بالغيوم الممتلئة الرمادية تنبئنا بأن الليلة ستكون ماطرة !..
أرجوا أن لا تنفجر قبل مغرب الشمس و إلا سأصل لمنزلي بحالة يرثى لها !..
" تفضلي !.."
" أخبرني الأمس بأن أنبئك بأن.. "
ماذا كان إسمها !؟...
لساني إنشل من تجربة الإسم به إلى أن تذكرته و خرج بصفة جيدة..
" أن شاشليك... نعم شاشليك وضعت مولودها!.."
" ماذا !؟.."
يا إلاهي... لما صرخت هكذا ما الذي قلته يا ترى !؟..
توقفت متصنمة في مكانها ترمقني بعيون متسعة منصدمة و أظن أنها لم تصدق ما تفوهت به و أنا أطالعها باستغراب..
تبًا لكَ يا آريان ما الذي جعلتني أتفوه به لها يا ترى !؟..
" ما... ما الذي تقولينه ؟.. كـ... كيف !؟.. أنا لا أصدق متى حملت أساسا لتنجب و من من حملت !.."
من من ستحمل غير زوجها !؟..
هذا إلا إذا... سحقًا!...
زممت شفاهي أشعر بالدماء ترتفع نحو وجهي أبتلع بعد أن جف حلقي و أنا ألعن نفسي داخليا على اللحظة التي قررت بها الوثوق بآريان والموقف الذي أنا به !..
يال الحرج !..
" سيدتي هل يمكنني أن أسألك سؤالا إذا لم أكن أتجاوز حدودي !؟.."
أومأت لي و علامات الصدمة و الدهشة لازلت على وجهها لأطلق نفسا خافتا قبل أن أضيف ...
" من هي شاشليك!؟.."
" عنزتي !.."
عنزتها...
أشعر و كأنها ألقت علي دلو ماء باردٍ الآن !..
أميليا لا تضحكي !.. إياكِ لا تفعليها لا تضحكي !..
صوتي الداخلي يوبخني و أنا أضع يدي على شفتاي أخفي ضحكتي التي تكاد تنفجر داخلي و أنا أشيح بوجهي عنها و لم أعي بأن السيدة فيرا كانت تبصرني إلى أن وقع بصري عليها لأجدها ترمقني باستغراب و طيف إبتسامة على شفتيها !..
" لا تقولي لي بأنكِ ظننتها إنسانة !.."
أومأت و لم أستطع كبت ضحكتي أكثر لتنفجر ضحكتي الخافتة و أنا أغطيها براحة يدي...
" بحقك يا أميليا !... أي أم طبيعية تسمي إبنتها شاشيليك !.."
" و ما أدراني أنا !؟.. إستغربت أنا كذلك و لكنكم أنتم الذين تتكلمون عنها و كأنها واحدة منكم !.."
قلتها بين ضحكاتي آخد نفسا عميقا أحبس به قهقهتي و أنا أرى الإبتسامة الدافئة على شفتيها...
أعلم أنها تسخر مني و لكن ... إذا كان هذا فداء لإبتسامتها فليكن !...
علقت عيناي بخاصتها و أنا أراها تشرد بـ... شعري !..
نفس نظرات الأمس التي إستغربت منها !.. تتبع تلاعب خصلاتي مع نسمات الهواء و إلتواءاتها في الضفيرة!..
أشعر من فتحها لشفتيها و إطباقها عليهما لعدة مرات و كأنها تريد أن تقول شيء و لكنها مترددة...
كنت أريد أن أسألها و أدفعها لقول ما بجعبتها و لكن بصري سقط فجأة على باب الحديقة لتتسع عيناي فاغرة فاهي من رؤيتي لآريان بحركته المعتادة... متكئًا على إطار الباب يشبك ذراعيه ببعضهما إلى صدره...
يا إلاهي... بدأت أتأكد من أنه شبح !..
منذ متى و هو هنا !؟..
لم أكد أستوعب وجوده إلا وهو يفتح تشابك ذراعيه يوجه خطواته الثابتة إلينا أو بالأخص نحو سيدة فيرا التي تبدوا هادئة مثله و هو يثبت مقلتيه في بصرها و لم أجد نفسي إلا و أنا أتراجع خطوات عنهما...
و ما إن وصل إليها حتى ثبت يده وراء رأسها يجذبها إليه و يطبع قبلة لطيفة على جبينها !..
يال... الماذا!؟..
أي كلمة ستعبر عن هذا المشهد ؟.. حب؟.. مودة... إحترام ؟..
لا أعلم... هذا المشهد و كأن كل الكلمات لو اجتمعت لن تنجح بوصف عمقه !.. شوق إبنٍ لأمه ...
و السيدة فيرا... إسدالها لجفنيها و استشعارها لقرب إبنها الروحي منها و كأنها تستمد القوة منه و تتشبث به لئلا يتركها هو الآخر..
لا أعلم لما و لكن... وكأنني أسمع صوت إنكسار !.. صوت انكسار لشيء بجوفي.. شيء و كأنه هنا... بصدري !..
كفاكِ كذبًا على نفسك ِ يا اميليا !.. تعلمين جيدا لما تسمعين هذا !...
أبعد شفتيه عن جبينها ينقل يده نحو كتفها يضمها إليه بعد أن إلتقت مقلتيه معها يردف...
" إشتقت إليكِ !.."
إنفطر فؤادي !..
" خالتي فيرا الغذاء جاهز !.."
نعم صحيح !..
السيدة فيرا قررت بعد كلامي و شرودها ذاك أن تعيد شمل عائلتها و تعيد النظام الذي كان يسير به السيد ديمتري هنا !..
استدرنا جميعا نحو صوت آنيا بجانب المائدة التي تقابل المسبح و هي مفروشة بكل أنواع الطعام !..
أعدت توجيه بصري نحو آريان و أمه لأجد آريان لا يزال يضمها إليه من كتفها و بصرها معلق بتلك المائدة بنظرات... منكسرة!!..
مملوئة بكل شيء إلا العائلة !.. ناقصة للغاية !..
" حتى لو تبقينا نحن فحسب .."
" لازلنا عائلة !!."
إبتسامة خافتة ارتسمت على وجهي و أنا أستشعر تلك الجملة !..
عائلة... يال النصيب..
تصنمت أضلعي عندما إستدار آريان يوجه ناظره إلي لتلتقي مقلتينا ولا أعلم كم استمر ذلك التواصل البصري بيننا إلى أن ظهرت على شفتيه إبتسامة خافتة و قد شعرت بضمه لأمه أكثر و يرسل لي إيماءة صغيرة..
ما فهمته من حركته تلك هو أنه ... يشكرني !!.. أليس كذلك؟..
لم أتجاوب معه سوى بإيماءة صغيرة بادلته إياها دون أن تشعر السيدة فيرا بنا !..
حسنا ... لا أظن أن وجودي هنا له داعٍ الآن !.. لندع العائلة تجتمع ببعضها !!..
اتجهت بخطى هادئة فوق العشب إلى السيدة فيرا أجذب إنتباههما الإثنين إلي أطبع شبه إبتسامة على شفتاي أنبس ...
" سيدة فيرا أنا... سأكون بالمكتبة ! شهية طيبة لكم !.."
" ماذا يعني هذا !؟.."
إبتلعت أفرك راحتي يداي ببعضهما و قد إقتضب حاجبيها بإستغراب تضيف لكلماتها بنبرة حادة!..
" ماذا تعنين بأنكِ ستكونين بالمكتبة !؟.."
" أنا... قلت لأترك لكم المساحة كعائلة و..."
" أنتِ لم تستوعبي بعد أليس كذلك!؟.."
ماذا !؟.. ما الذي لم أستوعبه !؟..
قاطعتني و لم أكد أستغرب من سؤالها لتتقدم نحوي مبتعدة عن أحضان إبنها تتقدم إلي بابتسامة دافئة تشق وجهها و أنا أرمقها بتشتت و بمجرد أن قلصت المسافة بيننا مدت يديها الدافئتين نحو خاصتي تغلفهما بأصابعها و إبهاميها يمران على ظهر يدي !..
ما الذي تفعله !؟..
" لم تستوعبي أنه بفضلك أنا هنا !؟.. و أنكِ كنتِ الدفعة التي كنت أحتاجها لأعود إلى سابق عهدي !؟.. و أن القدر وضع لي صورة إبنتي على وجهكِ في أول لقاء لنا لم يكن مجرد محظ صدفة بل كان خطة قدر لنا !؟.. و أنه بمجرد وضعكِ لرجلكِ بعتبة هذا المنزل أُعتُبرتِ عضوا من العائلة!؟.. لم تستوعبي بعد لكل هذا أليس كذلك !؟.."
لا تفعلي يا سيدة فيرا !..
لا تعذبيني و لا تجعليني أقع في حبكِ !..
أنا أختنق !.. لا تشعريني بالنقص و لا تجعلي دموعي تهطل ألما !..
أنتِ طيبة و أنا لا أستحق طيبتكِ !.. ستندمين يوما على معرفتي بعدما أن تعلمي من أنا !..
سأكون مجرد مصدر عذابٍ لكم !.. لا أريد أن تتورطوا معي عندما أتورط معهم !..
أخاف أن يتأذى شخص آخر بسببي !.. يكفيني العذاب الذي أعيشه لن أتحمل طعنة أخرى بنفس السكين !..
" الآن و بشكل جميل و بكل هدوء ستأتين معنا و تجلسين على مائدتنا و تتناولين غذائنا معنا على نفس المائدة كالعائلة و !.."
" سيدة فيرا أنا..."
" دون إعتراض !! "
قالتها و هي ترفع سبابتها في وجهي فلم أجد ما أفعله سوى أن أطبق فمي وأخرس و هي قد عقدت ذراعها بذراعي تسحب بي نحو المائدة...
وقت عملي لم ينته بعد و كوني كممرضة لها علي أن أستجيب لطلباتها لذا... لست بوضع يسمح لي الرفض فلذلك علي بالاستسلام..
ما بيدي حيلة!..
أخشى أن أستدير نحو صوت خطوات آريان فأرى تلك الملامح المستفزة الساخرة التي يوجهها نحوي في هذه الموقف لأنني لن أستطيع كبت رغبتي في توجيه قبضتي نحو وجهه لأعيد تشكيله !..
وضيع ..
جلست على أحد الكراسي البيضاء اللون على جانبي الأيسر السيدة فيرا التي تترأس هذه الطاولة و آريان مقابلا لي و من جانبي الأيمن الآنسة آنيا...
نعم ... السيدة آنيا تجلس معنا على نفس الطاولة و هنا زاد إحترامي و تقديري أكثر لسيدة فيرا ..
قبل أن آتِ إلى هنا كانت لدي نظرة خاصة للأغنياء و الطبقة المخملية على أنهم متكبرين و محتقرين لمن هم دونهم و قد رأيت هذا كثيرا في حياتي بسبب الفقر الذي أعيشه و لكن ... هذه العائلة و السيدة فيرا ... طيبتها و تواضعها تستحق الغنى و النفوذ التي تعيش بها !..
" آريان... من فعل هذا بشاشليك !؟.."
شعرت باللقمة تتصلب في حلقي تعجز عن النزول من الصدمة مما جعلني أختنق و أسعل أحاول تحريرها..
اللعنة على الإحراج !..
بينما آنيا تسقي لي الماء وقع بصري على آريان الذي يخفي ضحكته المستفزة بقبضته التي يكورها أمام شفتيه ...
سافل..
أخذت الكأس أرتشف منه لأشعر باللقمة تتحرر من حلقي لتعود أنفاسي إلى نظامها رغم أن الدم متجمعا في وجهي أشعر باحمراره بسبب حرجي !..
يال عفوية السيدة فيرا !..
" عذرًا .."
" لا بأس !.."
نبس بها آريان و هو لايزال يخفي ضحكته و ابتسامته المستفزة لازالت ترتسم على وجهي..
أريد أن ألكمه ... أكثر من أي مرة أنا حقا أريد أن ألكمه !..
أرسلت إليه نظرات حادة صارمة أزم شفتاي و قد كسر تواصلنا البصري صوته و هو يقلب الحساء بملعقته شاردا بها !..
" لا أعلم ... ربما تيس من القطيع !.."
" و كم مرة أخبرتكم أن تفصلوا الماعز الصغير عن الكبير !؟.."
" شاشليك صغيرة في نظركِ و لكنها كبيرة في نظرها و نظر راعٍ المزرعة ... عمرها إحدى عشر شهرًا !!.."
حسنا..
هل أنا الوحيدة التي أشعر بأن هذا الموضوع ... ليس بموضوع يُتَحدثُ به على المائدة !؟..
لا أعلم...
أخذت نفسًا بعد أن شعرت برجوع البعض من دمي إلى أوردتها و زوال البعض من خجلي و قد ساد صمت و كأن السيدة فيرا لم تجد ما تجيبه بعد كلامه المنطقي !..
إذن لهم بمزرعتهم ماعز ... جميل !..
ماذا لديهم أيضا يا ترى !؟.. لا أعلم و لكنني شعرت ببعض الفصول إتجاه هذه المزرعة !..
" حسنا ما حدث قد حدث !.. كيف هي صغيرتي !؟.. كيف حالها هي و إبنها؟.. آه و ما جنسه !؟.."
" بخير هي و جَديُها الذكر !.. هذا ما قاله البيطري.. "
إبتسامة خافتة ارتسمت على وجهها إثر هذا الخبر تعود لتأخد ملعقة من حساءها ...
يبدو أن هذه الشاشليك مميزة لديها !..
قطع آريان الصمت بنبرة هادئة متسائلة و كأنه متردد في قولها ...
" هل تريدين الذهاب .. إلى المزرعة !؟.."
تلاشت ابتسامتها عن وجهها تقلب الحساء بملعقتها شاردة به و قد شعرت بأنه قد لمس شيئا خاص لديها بسؤاله هذا !..
ألهذا كان مترددا !؟...
لما هذه الملامح؟.. ماذا تعني لها هذه المزرعة يا ترى !؟..
شعرت بتنهد كل من آنيا و آريان قبل أن يضيف لما نبس به..
" غدا عطلة !.. سآخدكِ أنا إذا ... "
" لا أريد !.."
قالتها بنبرة قاطعة تبدي بنبرتها أنها لا تريد نقاشات برغبتها تعود للاندماج بطبقها...
أظن أنني ... لم أرى السيدة فيرا بهذه الصرامة و الحدة من قبل !..
فعل مثلها آريان دون أن يظهر أي ردة فعل على جوابها القاطع ليخيم صمت يكسره صوت حركة أوراق الأشجار بفعل نسمات الهواء الباردة التي تضرب كل لحظة جسمي فترسل قشعريرة على طول جسدي و صوت النافورة الخافت البعيد أضفى لهذا الجو جمالاً مضاعفًا..
" ناولوني الملح من جهتكم !.. "
كنت الأقرب إليه مما دفعني إلى مد يدي نحوه أمسكه ولكن فجأة...
يد أخرى إمتدت... و وضعت فوق يدي !!..
يد كبيرة سمراء تحاوط و تلتمس بشرة يدي ماجعلت من أنفاسي تتسارع..
هذه اليد ..
لم أكد أستوعب أنها يد آريان إلا و هو يسحب يده في لمح البصر إلا أن ملمس يده لازال على يدي...
كانت يد آريان... يد ذكر.. يد رجل... يد رجل !!..
لم أستطع كبت إرتجاف يدي و جسدي و تسارع أنفاسي !!...
لم أستطع كبته مما جعل قارورة الملح تنزلق و تسقط من يدي لتتدحرج فتسقط منكسرة متناثرة على الأرض !..
تبًا.. يا إلاهي!!..
إنتفضت واقفة من مقعدي أبتلع و أنا أشعر بتصبب العرق في جسدي من التوتر رغم برودة الجو فأعيد خصلات شعري بيدي خلف أذني في حركة سريعة منفعلة!..
" أنا.. آسفة أنا لم أقصد...أنا حقا .."
" حسنا يا إبنتي مجرد قارورة ملح !.. إهدئي !.."
يدي لمسها !!.. هو لمسني !..
هذا الشيء الوحيد الذي كنت أفكر به و أنا أنظر إلى يدي التي ترتجف بهستيرية و أكاد أمسك سكينا و أقطعها !..
" هل أنتِ بخير يا أميليا !؟.."
كلا ... أنا لست كذلك !.. لست بخير البتا !..
إبتلعت أبتعد خطوة خطوة - بعيون متسعة و أنفاس متقطعة أحاول ضبط نفسي و عدم إبداء توتري لهم - عن مقعدي إلى الوراء و بصري لازال معلق على ذلك الملح المتناثر على الأرضية أفرك يدي الملموسة بالأخرى أحاول تخفيف إرتجافها...
" معذرة !!"
قلتها و أنا أستدير أدلف نحو المنزل و أدلك بيدي صدري و عنقي لعل ضيقي و حملي يخف قليلا..
ليس وقتك... ليس وقتك البتا !!..
إتجهت مباشرة نحو الحمام الذي يكون في نهاية رواق صغير أسفل الدرج الأيمن أغلق الباب ورائي و لم أستطع المقاومة أكثر لأسند ظهري على الباب أنزلق فأقع جالسة على الأرض...
تنفسي... تنفسي ...
لا أستطيع !.. أنا أختنق لا أستطيع !.. جسدي يرتجف و يتعرق لا أستطيع كبحه !..
رفعت وجهي المتعرق أطالع السقف و هو يتراقص بفعل الدوار الذي ينتابني...
أمرر يدي على عنقي لعلي أفتح مجرى تنفسي و لكن دون جدوى!..
زممت شفاهي أجمع ما تبقى لدي من طاقة أقف على رجلاي بجهد أترنح نحو المغسلة لأفتح صنبور الماء لتتدفق منه المياه بغزارة فأمد يدي نحوه دون تردد !..
أفرك و أقشر و لا أعلم كم هي كمية المنظف التي وضعتها على يداي ...
مهلا... ما هذا !؟..
ما هذا الذي أراه !؟..
تصلبت في مكاني بجحوظ عيناي و أنا أقلب يداي أمام ناظري و كأن الزمن قد توقف للحظة...
هذا أحمر !.. يداي حمراء !..
هذا... دم !؟..
الأحمر يحيطهما من كل مكان !.. الأحمر يلونهما !..
لست أنا !.. لم أرد أن يحدث هذا !..
طنين قوي يضرب طبلة أذني أعصر جفناي بقوة لشدة الألم وأنا أرى إحمرارهما قبل أن أعود و أشدد في فركهما و قد بدأت أشك في كونها مجروحتان !..
" إذهبي !... إذهبي و اللعنة عليكِ !.. لما لا تزال هذه الدماء في يدي !.."
أميليا إهدئي...
لم أكد أسمع صوتي الداخلي إلا و أنا أملأُ حفنة يداي بالماء أرميها على وجهي لأشعر بملمس تلك المياه الباردة على وجهي تمتص ذلك العرق الذي كان عليه !..
كدت أفقد توازني لولا أن تمسكت بيداي على جانبي المغسلة و أنا ألتقط أنفاسي بعد أن وعيت بعض الشيء من تلك النوبة ...
يداي... ليستا محمرتان سوى بقوة فركهما !..
لا وجود للدم في أي مكان !..
هذا كان... مجرد خيال!!..
ليست دماء حقيقية !!.. نوبتي جعلت هذا ما يتصوره لي عقلي!!..
يا إلاهي... حالتي تزداد سوءً يومًا بعد يوم !..
رفعت رأسي رويدا لأقابل وجهي على المرآة التي أمامي ..
عيون مرهقة ... شحوب الوجه .. قطرات المياه تسيل نحو ذقني و صدري يصعد و ينزل و شدة ضربات قلبي لا ترحمني !.
ما هذا الضعف !؟..
متى تحولت إلى هذه النسخة من نفسي !؟.. متى فقدت قوتي و مواجهتي و أصبح داخلي يتبعثر بمجرد... لم تكن حتى لمسة !.. مجرد أنامل حطت على أناملي في ثوانٍ معدودة !..
متى أصبحت هكذا !؟.. من أنا !؟.. أنا التي أجيد المبارزة و أستطيع إسقاط من يقف أمامي و أكسر ضلوعه و لكن الآن !.. أخاف من لمسة واحدة !.. لمسة واحدة ستدمرني !..
أنا... فقدت نفسي تمامًا !!..
أصوات... طنين.. دماء !.. متى سأستطيع أن أفك نفسي من قيود الماضي !؟..
في الحقيقة... لن أستطيع أن أهرب من شيء أنا من تسببت به !.. تلك الدماء لازالت على عاتقكِ !..
ربما ما حدث اليوم فقط لأتذكر هذا !..
هناك دماء مسفوكة تنتظر أن أنتقم لها لترتاح !..
فتحت صنبور الماء أعيد غسل وجهي ممرة يداي نحو عنقي بعد أن إنتظمت أنفاسي و ضربات قلبي و هدأت روحي بعض الشيء و لكن... أنا مرهقة !!..
أشعر بنفسي ضعيفة لدرجة أنني أبذل جهدا من أجل أن تحملني أرجلي و أخطوا بهما !..
إستنشقت نفسا عميقا أخفف عن نفسي بعد أن جففت بشرتي المبللة لألقي آخر نظرة نحو المرآة...
ملامح حادة ... هذا ما يليق بي !..
" هل أنتِ بخير !.."
تم التأكد... هذا شبح !!..
قلتها بداخلي بعد أن خرجت و أغلقت باب الحمام ورائي أرمقه و هو يقف في بداية الممر الذي أنا به يطالعني بنظرة متفحصة !.. لأزيل ملامح الفزع من وجهي أجيب بنبرة باردة..
" بخير !.. توترت بسبب كوني السبب في انكسارها فحسب !.."
" مجرد ملح لا تكبري الموضوع !.."
أعلم... لأنه ليس السبب !..
أخفضت بصري و موجة تفكيري لم ترحمني لأجد نفسي شاردة و بصري مغلق في الفراغ ..
هو ... ما الذي يظنه عني يا ترى !؟..
هذه المرة الثانية التي أتوتر و أضطرب بعد لمسه لي! ... هل علم بعد يا ترى ؟.. هل إستنتج بأنني أضطرب من كل لمسة من الجنس الذكوري!؟..
أخشى هذا !.. لأنه لن يكون هذا لصالحي البتا !..
على ذكر هذا... أريد أن أسأله سؤالا و لكنني مترددة !..
رفعت بصري إليه لأجده ... لازال يحدق بي ... لا بل يحرقني بنظراته !!.
بل.. يحدق بشيء واحد بي !.. يحدق بـ..
بمجرد أن أدركت هذا رفعت يدي ألتمس قلادتي في حركة تلقائية ليبعد ناظره عنها فجأة و قد أيقنت بأنه كان شاردا بها !..
شاردا بقلادتي الذهبية ذات شكل الشمس التي تنسدل على عنقي فوق فستاني الأسود !..
أغلى ما أملك روحيًا !..
أبعدت ناظري عنها أصوبه إليه لأجده يستدير يهم بالابتعاد عن المكان !..
و ماذا عن سؤالي !؟.. هل أسأله ؟.. لن أسأله هل أسأله !؟..
" هل لي بسؤال !؟.."
توقفت خطواته متصنما و هو يقابلني بظهره أقبض على أطراف ثوبي أضيف..
" إذا لم أكن أتجاوز حدودي!.."
أظن أنني.. تهورت!!..
عضضت شفتي السفلية بتوتر و أنا أنتظر رده قبل أن أسمع صوته بنبرة عميقة يلبي طلبي ..
" إسألي !.."
حسنا...
أطلقت نفسا خافتا و أنا أقنع نفسي داخليا أنه لا مجال لتردد الآن!..
ما كان علي أن أتهور و أجذب إنتباهه !..
تبًا لتسرعي !..
أدار عنقه نحو كتفه الأيمن ليظهر لي جزء من وجهه دون أن يلقي نظره علي أبتلع قبل أن أردف..
" أولائك الحراس الذين ... "
قاطعني بحركته و هو يستدير ليقابلني يشبك ذراعيه ببعضهما و عيونه قد التقت بخاصتي ..
" طردتهم !.."
ما هذه النبرة العميقة هكذا !؟..
و لكن مع ذلك.. تصرف جيد !..
زممت شفاهي أومئ برفق أخفض بصري عنه قبل أن يضيف بما صدمني !..
" أو ربما فعلت أكثر من هذا !.. من يعلم !؟.."
ما ... ما الذي يقوله !؟..
قضبت حاجباي باستغراب أرفع بصري أرمقه متوجسة لألتقي بعيناه ... العميقتان!..
يا إلاهي!!..
تقدمت خطوة و ملامح التوجس لازالت على وجهي..
" ما الذي تقوله !؟.."
طرف شفاهه إرتفع في ضحكة خافتة جانبية قبل أن يتقدم خطوة هو الآخر يميل بجسده للأمام يجيب..
" ماذا !؟.. هل أشفقتي عليهم !؟.."
أنا !؟.. أشفق على منحطين مثلهم !؟..
حتى في كوابيسي لن تحدث !!..
لم أعي على نفسي إلا و أنا أخفض رأسي أنبس بنبرة خافتة و إبتسامة ماكرة على شفتاي ألتمس بأناملي شكل الشمس الذي على رقبتي..
" أشفق عليهم !؟.. ليموتوا و لتأكل الديدان وجوههم !!.. فليتعلموا الأخلاق أولا ثم لنتعلم الإشفاق !!.."
لحظة..
قلتها .. بنبرة عالية أليس كذلك !؟..
بمجرد استيعابي لهذا إختفت إبتسامتي من شفتاي أعلي رأسي ببطئ و توجس لأقابل وجهه و تلك الملامح التي لم أشأ رؤيتها أبدًا !..
عيون متسعة بحواجب مرتفعة ، طيف إبتسامة مستمتعة على وجه و شفتيه تشكلان دائرة أوقن بأنه كان على وشك التصفير !..
تبًا بكل ما تعنيه الكلمة !!..
هل أقسمت اليوم على أن أستمر بإحراج نفسي أم ماذا !؟..
تككت أسناني أشعر بتصاعد الحرارة على وجنتاي من الخجل أشيح ببصري عنه أتلعثم في كلماتي..
" أنا... لأذهب إلى السيدة فيرا !.."
أومأ لي يفسح لي المجال أتجاوزه و إبتسامته المستفزة لا زالت على وجهه..
سحقا لي على اللحظة التي قررت بها أن أسأله هذا السؤال !.. و لكن فضولي يأكلني لأعلم ما فعله بهم ما الذي سأفعله الآن لأعلم !؟..
و ما شأني أنا !؟.. ليذهب للجحيم و ليفعل بهم ما يشاء خدمه و حراسه هو ..
" بالمناسبة .."
زفرت بقوة أعض شفتي أبدي عن الضيق الذي يكمن داخلي !..
ماذا أيضا !؟.. ما الذي يريده مني؟..
إستدرت أقابله و لازلت أشعر باحمرار وجنتاي للموقف الذي وضعت نفسي به فتتصل مقلتاي بخاصته اللتان كانتا ... هادئتان !!..
هادئتان على غير العادة مسترخية و كأن العالم و الزمن قد هدأ بهما !..
" ضحكتكِ جميلة !.. إستمري بها !.."
أنا... أشتعل !..
حدقتاي جحظتا و انفرجت شفاهي من الصدمة أرمقه بدهشة على كلماته لترتسم على وجهه طيف إبتسامة هادئة يضيق عينيه !..
ألم تكفي المواقف المحرجة التي وضعتُ بها اليوم ليزيد للطين بلة بجملته هذه !؟..
زممت شفتاي و لم أجبه سوى باستدارتي أتابع خطواتي مبتعدة عنه !..
هذا يعني أنه قد رآني !.. هذا يعني أنه كان يشاهدنا أنا و السيدة فيرا من البداية دون أن يظهر ذلك !..
المستغل!!..
أطلقت زفيرا أنفس عن الضيق الذي بداخلي و رجلاي تتناوبان في صعود الدرج و عقلي لا يأبى أن يتوقف عن التفكير بتلك الجملة !..
ضحكتكِ جميلة... إستمري بها!..
أستمرُ بها... يا ليت !!..
لو يسمحون لي ... فلا مانع لدي !.
أنا أقون بأنه قال هذه الجملة لكونه لأول مرة يرى و يسمع ضحكتي التي لا تظهر سوى مرة في الزمن !..
و لكن ما بيدي حيلة !.. أؤمن بأن الضحك شيء جميل و إيجابي و لكن... عندما يكون نقيًا!!..
عندما يكون نقيًا بألا يكون مخفيًا لكسور و جروح وراءه !..
هذا هو الضحك الحقيقي الذي يستحق أن يرسم على الشفاه!..
༺❁༻✦༺❁༻
" و لماذا لا تزورين المزرعة !؟.."
نعم... هذا ما قاده حوارنا إليه و أنا أتبع السيدة فيرا و هي تجلس على طرف سريرها لأجلس على الأريكة المقابلة لها بعد أن كنا جالستين بجانب النافذة ..
حررت تنهيدة ثقيلة بعد سؤالي هذا مما جعلني أتوجس خيفة من أكون قد تجاوزت حدودي قبل أن تمد يدها نحو الإطار الذي يحتوي على سعادتهم تحدق به و تلتمس بأناملها وجوه من يتوق إليهم قلبها !..
" المزرعة هي آيلا بالنسبة لي !.. في كل مكان بها كانت تتواجد به و كل شبر كانت تغمره بسعادتها و حبها !.. كل أنشطتنا بها كانت معي !.. عندما نحلب الأبقار و الماعز ، عندما نجمع التوت و التفاح و عندما نزرع بعض الأزهار في الأرجاء !.. رغم أن للمزرعةِ راعٍ إلا أننا نفضل القيام بجزء منها معا في نهاية كل أسبوع !.. و لكن الآن.. ما معنى المزرعة من دون آيلا !؟.. أخشى أن أقوم بتلك النشاطات بمفردي و أشعر بالوحدة و الشوق لها !.. "
أفهم هذا !..
مددت يدي لآخد بيدها أضمها بين راحتي يدي و أرسل إليها إبتسامة دافئة أفرق بين شفتاي لأنبس..
" و إلى متى ستستمرين بالهرب يا سيدة فيرا !؟.. ألا تظنين بأنه حان الوقت لمواجهة كل مخاوفكِ !؟.. أعلم بأنكِ تخافين من شعور الفراغ عندما ترين تلك الأماكن التي قد اعتدتِ على تواجدها بها و لكن ستعتادين !.. عندما جلستِ على طاولة الغذاء اليوم ألم تشعري بالفراغ لعدم وجودهم بها !؟.."
زفرت من أعماقها تخفض بصرها و تومئ لي مؤيدة لكلماتي فأضيف لها..
" و لكنكِ فيما بعد إلتهيتِ بالكلام و المائدة مما جعل ذلك الشعور ينخفض قليلا ... و هذا ما سيحدث أيضا عندما تواجهين كل مخاوفكِ عوضا عن الهرب منها و التفكير بها طوال الوقت !.. عندما تذهبين للمزرعة مثلما كنتِ تذهبين مع آيلا و عندما تستمرين بتقديم المساعدات للأطفال مثلما كنتِ تفعلين مع سيد ديمتري!.. و تذكري أنتِ لا تفعلين هذا من أجل نسيانهم بالعكس بل من أجل تذكرهم و إخلاد ذكراهم !.."
ساد صمت و أنا أشعر بحركة إصبعها في راحة يدي مع خفضها لبصرها و قد أدركت بأنها شاردة تفكر في كلماتي ..
لم أشأ أن أقوم بأي حركة لألا أوقضها من شرودها و أقطع تفكيرها ...
" ربما سأذهب و لكن... إذا توفر شيء ما !.."
و ما هو يا ترى !؟..
هززت رأسي بمعنى ما هو قبل أن تبتسم تردف بما صدمني..
" أنتِ !! "
ماذا !؟.. أنا !؟..
إتسعت عيناي منصدمة قبل أن تقلب الأمر و تأخذ بيدي بين يديها تمرر إبهامها عليهما ...
" ما رأيكِ بالمجيءِ معي غدًا !؟.. و أن نقوم بجلستنا هناك !؟.."
أنا !؟.. أذهب إلى المزرعة!؟.. معها !؟..
مستحيل!!..
سحبت يداي إلى حجري أفصلها عن راحتها و أضمهما لبعضهما أحمحم قبل أن أشيح ببصري عنها أقول بكل هدوء ..
" شكرًا لدعوتكِ يا سيدة فيرا و لكن .. أعتذر لا يمكنني القدوم !.."
" حسنا إذن لن أذهب أنا أيضا !.."
قضبت حاجباي أرمقها و هي ترفع رأسها و تعيد خصلاتها البنية خلف ظهرها !..
" كيف !؟.. هل أنتِ تضعين خيار ذهابكِ الآن على عاتقي !؟.."
قلتها باستغراب لتوصل تواصل مقلتيها بخاصتي بنظرات ماكرة و منتصرة !..
حسنا ... أظن أنني الآن قد بدأت أتعرف على السيدة فيرا ... و يبدوا أنها ليست بالشخص السهل أبدا !..
إذا ذهبت ستذهب ، و إذا لم أذهب لن تفعل هي أيضا ... ما هذا الآن !؟..
كيف وجدت نفسي فجأة أحمل هذه المسؤولية!..
المشكلة أنني أعرف حق معرفة بأن هذه الخطوة يجب أن تقوم بها لتتخلص من مخاوفها و لتقدم بعلاجها !..
يا إلاهي...
" أنظري يا أميليا !.."
قالتها و هي تلين ملامحها و تعيد مد يديها إلى خاصتي تحتضنهم بها و تضيف..
" عندما إلتقينا أول مرة و عندما بدأت جلساتنا الأمس أردتِ أن تعيدينِي للحياة و أنا كنتُ أريد هذا !.. نعم كنتُ أريد هذا و شعرت بأنني لن أستطيع العيش أكثر في هذا الإكتئاب و هذا الحزن و أردت أن أواصل حياتي و لكنني لم أعلم كيف !؟.. كيف أتجاوز و كيف أعيش و لما أعيش بعد ما حدث!؟.. عندها... أرسلكِ الإله لي !.."
أشعر و كأنها... تحتضنني بكلماتها !..
رفعت حاجباي أرمقها و أنتظر أن تكمل كلامها و هي توجه لي إبتسامة دافئة تطبق بعض الصمت علينا قبل أن تضيف ...
"آمنت بأنكِ لستِ مثل أي ممرضة من قبل منذ أن رأيتُ وجه آيلا بكِ!.. و لم يخب ظني لأنكِ لم تكوني كذلك ! ، ربما ستقولين ما سر كل هذا التغير بين الأمس و اليوم !.."
نعم قلت و لازلت أقول !..
لأن طاقتكِ اليوم و كل هذا التقدم في يومين أشعرني بالغرابة و بعض .. القلق !..
أطلقت زفرة طويلة و هي شاردة بيدينا قبل أن تثبت مقلتيها بخاصتي تردف بما جعلني أفغر فاهي و إبتسامتها لا تفارق شفتيها ..
" لقد راودني اليوم حلمًا يا أميليا !.. رأيت به إبنتي ماء روحي و ديمتري عزيزي و قمت بإخماد شوقي لهم في ذلك الحلم و لكن هل تعلمين ؟.. لم يقولوا لي شيئا سوى شيئا قلتهِ لي لم أفهمه قبل الصباح ! ... قالوا لي ' عيشي من أجلنا يا أماه !! ' "
هذا... مستحيل !!..
لو لم تكن السيدة فيرا هي التي أمامي لما صدقتها !..
تنهدت تدفع بنفسها نحو الأمام و تضم يداي أكثر و عيوني متسعة لما تفوهت به...
" أميليا أنتِ بكِ شيء ما لم أفهمه أثر بي بشكل كبير و يملأ البعض من الفراغ الذي بداخلي !.. لذلك أنا أرجوكِ بأن تكوني معي غدا في هذه الخطوة التي أعلم بأنني سأشعر بها بفراغ كبير أريدك أن تملئيه بطاقتكِ !.."
أشعر بالتهديد !..
طريقة رجائها و نظراتها و أنا أرى في عينيها أملها بي !..
لا أريد هذا أبدا و لكنني أظن بأنها .. بدأت تتعلق بي !.. و هذا سيء للغاية !!..
أخفضت بصري أحاول سحب يديّ مرة أخرى إلا أنها شدت عليهما أكثر تجذب إنتباهي لها لتلتقي مقلتاي بخاصتيها ... المتوسلتان !..
" أرجوكِ !.."
لا تفعلي أرجوكِ..
أدرت عنقي أخرج أنفاسي المثقلة متنهدة لأرمش عدة مرات قبل أن يتحرك لساني بما لم أشأ و لم أعي به..
" حسنًا ... سأفكر بالأمر !.."
إتسعت إبتسامتها من الأذن للأذن و كأنني قد منحت لها أعظم شيء بهذا الدنيا لترمش ببطء تشكرني بحركتها هاته ..
ما الذي فعلتُه !؟..
أردت تدارك الأمر بسحب يداي أرفع حاجباي و سبابتي أقول بصراحة!..
" قلت سأفكر بالأمر !.."
" ليكن ، سأفكر بالأمر خير من لا !.."
أخمدتني...
ضممت إصبعي لقبضتي و أنا أفكر في الوضع الذي وضعت به نفسي الآن !..
لا أريد الذهاب لهذه المزرعة لأسباب كثيرة من بينها أنني لا أريد أن تتطور و تتعمق علاقتي مع السيدة فيرا إلى هذه الدرجة و علي أن أستغل العُطل لصالح دراستي كون تخرجي قد إقترب...
و أيضا.. أوقن بأن آريان سيكون معنا هناك !..
نظراته و كلماته و إدراكي بإعجابه بي لا يشعرني سوى بشيء واحد ... الخوف !..
رغم أنه هناك صوت صغير و طفيف جدا داخلي يخبرني بأنه ليس بالشخص الذي قد يؤذيني و لكن... الذكور ذكورٌ يا أميليا... يفعلون أي شيء ليسدوا شهواتهم القذرة !!..
و كم مرة أخبركِ ذلك الصوت ذلك و خيب ظنكِ !؟..
" أميليا هل يمكنني أن أطلب منكِ طلب !؟.."
وجهت ناظري لها باستغراب فأجد عينيها.. نفس نظرات الصباح.. و نفسها التي كانت بالأمس !..
تصوب تركيزها على غرتي و خصلاتي و ضفيرتي التي تنسدل على كتفي الأيمن !..
أومأت لها أترقب كلماتها إلا أنها خالفت توقعي لأرى يدها تمتد نحو خصلة تردها خلف أذني قائلة..
" هل يمكنكِ أن تسمحي لي أن أصفف شعركِ.. مثلما كنتُ أفعل بآيلا !.."
ما إن أطبقت شفتيها إلا و دمعة ساخنة تنزل على طول خدها تجعل من ملامحي ترتخي بأسف!..
إذن هذا هو السبب !.. هذا هو سبب حبها للنظر إلى حركة شعري و تأملها .. كان يذكرها بإبنتها !..
واضح كم إشتاقت لفعل هذا بإبنتها و لكن .. أنا لا أريد هذا !.. لأنه لم يفعل لي شخص من قبل هذا !.. و لا أعلم ما ردة فعلي عندما يحدث الآن!؟..
لما يقع على عاتقي أن أخمد شوقها !؟.. كوني ممرضتها... أليس سببا غير منطقي !؟..
هل يجب أن يكون ثمن شفائها هو جرحي !؟..
أمالت رأسها بابتسامتها تقطع تفكيري قبل أن أومأ لها أعض شفتي و أقف قياما !..
أعطني الصبر يا إلاهي !..
قلت متلعثمة و لا أعلم سببه و سبب توتري !..
" أين.. يمكنني أن أجد مشطُ الشعر !؟.."
" أخبري آنيا ، هي تعلم !.."
وضحت بنبرة رقيقة هادئة قل أن أومأ لها بلباقة أنصرف من غرفتها..
حسنا .. عندما ظننت بأنني سأجد الأيام متشابهة هنا إلا أنه يبدو لكل يوم حكايته!..
و ما يقلقني هو أن الأمور تسير رغما عن أنفي هنا !.. بداية من طريقة قبولي لهذا العمل إلى ما أنا ذاهبة لأحضره الآن!..
بعض الرجاء و الإجبار أجد نفسي أفعل ما لا أريده !..
أشعر و كأنني لست مخيرة في قراراتي هنا !..
و بخصوص أمر المزرعة ... هل سأذهب حقًا !؟..
أشعر و كأن الخيارين صحيحين!.. أن أذهب خير و أن أرفض خير ..
أنا مشوشة جدًا.. و أظن بأنني في حالة أحتاج للحديث بها مع إلارا..
إتجهت نحو المطبخ بعد أن أنهيت نزول الدرج لأحمحم أجذب إنتباه الآنسة آنيا إلي بعدما كانت مشغولة في وضع الأواني بغسالة الصحون ...
" سيدة أميليا هل تحتاجين لشيء!؟.."
أخذت المنشفة تجفف يديها و هي تتقدم إلي بابتسامة دافئة تشق وجهها أبادلها إياها...
" في الحقيقة.. نعم !"
" تفضلي دون خجل !.."
كم أنا معجبة بلطافة هذه المرأة !!..
إبتسمت لكلامها ذلك أبتلع قبل أن أضيف ..
" السيدة فيرا... أرادت أن تصفف لي شعري و أخبرتني بأن أطلبَ منكِ المشط !.."
إبتسامتها تلاشت... و أيقنتُ بأنها أدركت أن السيدة فيرا تفعل هذا من شوقها لإبنتها !..
الشوق... و كأنه سكينة تغرس بالقلب كل يوم تنتظر أن يأتي من يوقفها !.. و الذي أحدث هذا الشوق ... هو الوحيد من يوقفه!!..
" فهمتُ سبب طلبها هذا مني... هي تريد ماء الورد !.."
ماء الورد !؟..
عن أي ماء ورد تتحدث !؟..
أيقنت إستغرابي من تقضيبة حاجباي لتضيف موضحة الأمر..
" كانت هذه عادة يومية منذ الصغر للخالة فيرا و آيلا ، أقوم بغلي الماء و ألقي به ورد الخزامى ليطلق بها عبقه و يكتسب ذلك الماء رائحته !.. آخذه للخالة فيرا في إناء بعد أن يزول حره لِتقوم بغمس مشطة آيلا به و تصفيف شعرها... و هكذا أصبح الخزامى شيء خاص بآيلا يذكرنا بطاقتها و ضحكاتها !.."
أنا... لم أجد ما أقوله !..
مؤسف أن تنتهي كل هذه اللحظات و الذكريات في رمشة عين !..
ألا يمكن للحياة أن تستشيرنا أولا قبل أن تأخدنا !؟.. ألا يمكن أن تخبرنا لنتجهز و لتخف آلامنا !؟.. ألا يمكن أن يشفق القدر قليلا على ضعفنا و رقة قلوبنا !؟..
لا يمكن... لأن هذه هي اللعبة !..
ينتهي الوقت فتخرج لتترك المكان لغيرك دون توديع من لازال عدادهم يدور !..
لا وقت للوداع !.. إلى هذه الدرجة أوقاتنا قيمة !..
" خالة فيرا تريد من إرسالكِ لي بأن أعد ماء الورد و لكن ... "
أظن أنه... هنالك مشكلة ما !!..
أملت رأسي أجذب إنتباهها لتتنهد و هي تأخذ أحد الأطباق و تجففه ...
" ربما لن تصدقي هذا و لكن.. لم يتبقى زهر خزامى واحد في الحديقة ! لأنه... ذبل كليًا بعد وفاة آيلا رغم اهتمامي به !.."
في الحقيقة... لم أندهش بتاتا !...
قرأت هذا من قبل في أحد الكتب.. عن شجرة عملاقة عاشت لمئات السنين من قبل... و كان هناك راعٍ مسن يأخذ غنمه كل صباح بالقرب من تلك الشجرة لتملأ أحشائها و هو يستلقي يسند نفسه على جذع الشجرة ... كان قد تعلق بها لدرجة أنه أصبح يقص لها عن ما يأبى الآخرون سماعه منه و عن ما يضايق قلبه و عن وحدته ... إلى أن جاء يوم لفظ فيه ذلك المسن أنفاسه الأخيرة و هو مستلقٍ على جانبِ الشجرة !.. و لكنها لم تكن أنفاسه هي الوحيدة التي كانت الأخيرة! بل الشجرة التي لم تتأثر بمرور الدهر أيضا !.. و الأنعام أيضا!.. كل شيء مات بموته و كأنه كان الحياة بالنسبة لهم..
لا أعلم إن كانت القصة حقيقية أم خيالية و لكن... أؤمنُ بشيء يسمى ' رابطة الأرواح ' !..
" تعالي !.."
لم أعلم من أين إستمديت هذه الشجاعة لأطلب منها هذا و أنا أخطوا خارج المطبخ و أشعر بخطواتها ورائي...
فتحت الباب الزجاجي أطل على الحديقة لآخد نفسا عميقا من الهواء البارد الذي صفعني أنعش به داخلي و لم أصوب نظري إلا لما أردته...
زهر الأقحوان !...
الزهر الذي يكون في كل مكان جميل ... مكان آمن و مليء بالسلام...
خطوت بخطوات بطيئة نحوه حتى وقفت أمامه و أنا أشعر بالابتسامة اللطيفة التي ترتسم على وجهي لأثني ركبتاي أجلس على قدماي و أضم رجلاي لصدري بجانبه...
ما إن فعلت هذا حتى شعرت بخطوات آنسة آنيا تقترب إلي لأردف دون أن أفصل بصري عن الجمال الذي أمامي...
" لا شك بأن آيلا أحبت و أعطت الحب و الإهتمام و عقدت روحها مع روح ذلك الزهر ليتأثر بهذا الشكل لرحيلها !... إختارت الخزامى أن ترافق و تفصل أنفاسها مع صاحبتها و أرادت أن تبقى شيئا خاص بها دون أن تكون لغيرها !.. الخزامى لم ترد أن تخن آيلا !.. كانت مخلصة لها !.."
زميت شفتاي أضيق عيناي بارتخاء و أنا أرى حركة بياض الأقحوان مع الرياح الخافتة ...
و دون إدراك مديت يدي نحوها أقطف بعضها و أحرص على أن تكون قد بدأت بالذبول لألا أؤذي غيرها...
آسفة و لكن... يتوجب علي هذا !!..
" الخزامى لآيلا لذلك... علينا أن نحترم هذا !.. هذه رغبة روح الخزامى و لن نرفضها !.. و من طبيعة الإنسان أنه إذا لم يجد غايته يبحث عن بديلها !.. لذلك أنا وجدت بديلي ... الأقحوان !.."
وقفت مستقيمة أستدير لآنيا بعد أن جمعت عددا معتبرا من ورد الأقحوان و لازال بصري معلق على الذي بين يدي أضيف بنبرة هادئة و مسترخية..
" بصراحة... لم يكن يوما الأقحوان بديلاً... بل كان دائما إختياري !.."
أملت رأسي أرفع الذي بين يداي نحو أنفي لأستنشق عبقه الزكي لأشعر و كأنه منظف إنسكب على صدري يحيي فراشات به...
أظن أنني... قد وقت في حب هذا الورد.. و يبدوا أنني سأعقد روحي معه!..
" أظن أنني... فهمت الآن لما أحبتكِ الخالة فيرا !.."
ماذا !؟..
جحظت عيناي أرفع رأسي أصوب مقلتاي المتسعتان نحوها و إبتسامة مشرقة على شفتيها تتقدم لتأخذ الأقحوان الذي بيدي بلطف تستدير مغادرة الحديقة تاركة لي تائهة في كلماتها !..
السيدة فيرا... تحبني أنا !؟..
هذه... كارثة !!..
𖥔 ⋆。˚ ❃ 𖤓 ˚。⋆ 𖥔
" سيدة فيرا !.."
قلتها و أنا أدفع الباب بلطف بمرفقي كوني أحمل بين يداي صينية !..
صينية نحاسية مفرشة بقماش أبيض بها وعاءٌ معدني زخرفي فاخر بطابع لم أعلم إن كان فكتوري أو عثماني !.. به نقوش زهرية دقيقة و تفاصيل بارزة أعجبت بها !.. مملوء بالماء تطفو فوقه زهور الأقحوان بشكل ناعم و مريح للتأمل..
بجانبه مشط معدني متناسق مع زخرفات الوعاء مما جعلني أدرك بأنهم من نفس الطقم!..
صينية تشعرني بنوع من الدفئ و الهدوء و نوع من الأنوثة الراقية !..
تقدمت نحو سرير السيدة فيرا الذي تجلس به و هي ترفع هاتفها من جحرها تضعه على منضدة المصباح التي بجانبها مما جعلني أدرك بأنها كانت تقوم باتصال هاتفي !.
قابلتني بابتسامة دافئة على شفتيها تمد يدها لتأخد الصينية من يداي تضعها على حجرها ..
" إجلسي يا أميليا !.."
ضربت ضربتين بخفة على السرير أمامها مشيرة بمكان جلوسي..
صوت طلبها و نبرتها... كم هي سعيدة و متحمسة لهذا !..
تذكري يا أميليا... هي تقوم بهذا من أجل أن تخمد شوقها بابنتها !..
قلتها بداخلي متنهدة قبل أن آخد بجلستي أمامها أقابلها بظهري ...
لا أشعر أنني بخير أبدا !..
" زهر الأقحوان إذن !؟.."
أومأت بخفة قبل أن أشعر بأناملها تمتد إلى طرف ضفيرتي مما جعل قشعريرة تمتد على طول عمودي الفقري تسحب منها ربطة الشعر التي تثبتها قبل أن أشعر بإرتخاء جراء فكها لأجزائها الثلاثة و تحريرها عن بعضها...
أنا ... لم يلمس أحد من قبل خصلاتي و يصففها و لكن...
هل هذا هو شعور...الإبنة عندما تصفف لها الأم شعرها !؟.. هل هذا هو شعور حنان الأم !؟.. أم هو شيء أعمق بكثير !؟.. أعمق من أن تشعر به ممرضة من مريضتها !؟..
أخذت نفسا أحاول أن أضبط أنفاسي التي لا أعلم لما تتسارع هي و وتيرة نبض قلبي !..
" شعركِ جميل و كثيف !.. سواده .. به شيء من العمق و مبهر !.."
علقت و أنا أشعر بملمس المشط المبلل على فروة شعري و قد وصلت رائحة الأقحوان إلى حاسة شمي...
لا يجب أن أشعرها بتوتري و المشاعر المشوشة التي بداخلي الآن !..
أشعر و كأنها حرب قد اندلعت داخلي و تشتد مع كل لمسة لها على شعري ...
" و كيف كان خاصة آيلا !؟.."
" لم يكن بهذه الكثافة و لكن... كان طويلا !"
أومأت بخفة و أنا أسمع تنهيدة عميقة تزفرها و كأنها تستعد لقول شيء ما ... و لا أظنه بالشيء البسيط !..
و لم يخب ظني..
" أميليا .."
همهمت لها بعد أن نبستها بنبرة ... هادئة و عميقة أتجهز لما ستتفوه به..
" قلتُ لكِ قبل قليل أن بكِ شيء أثر بي و لم أعلم ما هو ..."
لم أبدي أية ردة فعل و أنا أنتظر أن تكمل كلامها لِأشعر بالمشط بجانب أذني ينسدل نحو الأسفل على طول خصلاتي..
" في الحقيقة أنا أعلم ما هو !.."
كيف !؟..
قضبت حاجباي باستغراب و لم أفهم سبب قوة ضرب قلبي لصدري بجملتها هذه و قد سكن فجأة كل شيء حولي ... حتى المشط الذي ينزلق على خصلاتي لم أعد أشعر به لشدة تركيزي على كل كلمة تقولها..
" هل تظنين أنني لم أشعر و أنتبه لكِ يا أميليا !؟.. طريقة كلامكِ ! شرودكِ بكل جملة أقولها !.. ملامحكِ بكاؤكِ حضنكِ لي !.. كلمة موسكو و إصراركِ على مساعدة الأطفال !.. هل تظنين أنني لم ألاحظ كل هذه الأشياء الواضحة بكِ !؟.. "
أنا... لستُ شفافة إلى هذه الدرجة !!..
لم أشعر بنفسي بكلامها إلا و صوت إنكسار يدوي داخل صدري !.. إرتخاء و ألم غريب يجتاح كل خلاياي...
دموعي لم ترحمني إلا و هي تملأ محجراي تفيض و تترك أثرها على خدي و أنا أشعر... بالتشوش !..
تشوش .. ضياع .. فراغ .. ألم ..إرهاق!..
" لا أعلم ما عشته و ما رأيتهِ رغم سنكِ الصغير إلا أنني أوقن بأنكِ ... عشتِ الكثير !.. ربما مثلي أو أكثر و لكن أوقن بأنه لم يكن سهلاً... ربما هذا هو الشيء الذي أثر بي !.. هو أنني شعرتُ بأنكِ لا تعيشين من أجلكِ !.. شعرتُ و كأنكِ تستمرين في هذه الحياة فقط من أجل شيء أجهله !.. شيء هو الذي يسحبكِ و يرغمكِ لعيش هذه الحياة البائسة!.. لن أنكر هذا و لكن أنتِ و روحكِ أثرتِ بي أكثر من تأثير كلماتك ! و ربما هذا هو الشيء الذي قررت به أن أكمل في هذه الحياة !.. ليس من أجلي بل من أجلهم!"
ليس نفس الشيء !.. أقسم بأنه ليس نفس الشيء يا سيدة فيرا !..
أنا لست مخيرة بل مرغمة!.. مرغمة على أن لا أعيش من أجل نفسي !..
ما عشته أصعب و أسوء و لكنه ليس الشيء الوحيد الذي جعلني أتخلى عن العيش !.. أنا لا أعيش من أجل نفسي لأنه قانون وضع علي و أرغمتُ على إتباعه و إلا سألقى كابوسه الذي لا أريد أن أعيشه مرة أخرى !..
أنا مجبرة على أن أعيش ميتة !.. و لستُ مختارة !..
ليتني أستطيع أن أخبرها أن ما تعتقده غير صحيح و لكن... أنا مجبرة أيضا على أن أسكتْ!
أنا لست مختارة بأي شيء في الحياة التي أعيشها !.. أنا مجبرة على أن أعيش !..
مسحتُ آثار دموعي بقوة أقف مستقيمة بعد أن إستوعبت بأنها قد عقدت ضفيرتي بعد و أنهت تصفيفها له ...
علي أن أضع حدودي لهذه المهزلة !!..
وجهت بصري نحو الفراغ أتفادى أن تقع عيناي المحمرة على خاصتها أوضح بأكثر نبرة صارمة أملكها رغم أنها لم تكن بتلك الحدة نتيجة لاختلاط نبرة البكاء و الألم معها !..
" سيدة فيرا أعتذر مما سأقول و لكن ... أتمنى أن تكون هذه آخر مرة نتكلم بها عني !.. أنا هنا من أجلكِ و من أجل عملي و لا أريد أن يتم إدخال حياتي الشخصية بمساحتي العملية !.. "
" لستُ بالشخص الذي يتأثر و يصدق هذه الكلمات !!.. و أنا أوقن بأن أكثر ما تحتاجينه الآن هو مجيئُكِ معي غدًا !.. و إذا لم تصدقيني فجربي و سترين !.. "
لا .. هذه السيدة ظهرت حقا ليست بالشخص السهل!!.. لدرجة أنها أصابتني بالخرس فلم أجد ما أجيبها سوى أنني حملت الصينية أزم شفتاي أستدير أهم بالمغادرة !..
أعلم... لقد حاولت أن تواجهني بنفسي و لكن... تلك النفس فقدتها منذ زمن بعيد يا سيدة فيرا !..
ما إن فتحت الباب حتى صدمتُ بجسد ذو قميص أسود يقابلني و أيقنت بأنه... العمود آريان !..
عدت خطوتين للوراء أرفع رأسي لأقابل وجهه و أرى التقضيبة التي بين حاجبيه يرمقني بتفحص و يحرقني بنظراته..
مهلا... عيوني كانت.. محمرة !!..
أظن أنه ... أدرك بأنني كنت أذرف دموعًا !..
تقدمت خطوة أحثه على الإبتعاد قبل أن يفسح لي المجال بالمرور أتجاوزه قاصدة المغادرة !!..
فليذهب للجحيم و ما شأني أنا !؟..
♧ عندما تنطفئ رغبة الإنسان في العيش من أجل ذاته... يستمر بالعيش من أجل غيره ! ♧
____
Amilia_mimi