على الطريق السريع تُساقُ السيارة بسرعة ثابتة مع جو صافٍ اليوم على عكس الأيام الماضية..
أراقب العالم و هو يمر بسرعة من خلف الزجاج و قد لاحظت إنخفاض البنايات و المنشآت المدنية كلما ساقت بنا السيارة أكثر لتمتد الحقول و الطبيعة الخضراء إلى المالانهاية...
نعم... نحن متجهون نحو المزرعة !!..
بعد كل تلك الفوضى و التشوش الذي غزى عقلي استطعت أن أتحاور مع روحي... نفسي، قلبي ، عقلي و إلارا..
دوائي !..
نعم إلارا كمرهم للجرح بالنسبة لي !..
حين أكون معها .. و حين أتحدث معها لا يُتعب عقلي نفسه في مناقشة كلماتها لأنه بطريقة ما أشعر و كأن كل ما تقوله صحيح !!..
و كأنها بوصلة للحياة !..
سماع صوتها فقط ينجح في خفض صوت كل تلك الفوضى و الضوضاء التي بعقلي و تسكن كل حواسي مستشعرة كلامها هي الأخرى !..
ربما هذا هو ما جعلني أتجه مباشرة للحديث معها عندما أشعر بالضياع..
مثلما حدث أمس..
" " ... فما رأيكِ !؟"
قلتها بعد أن سردت لها كل ما حدث معي اليوم و أنا أتمشى متجهة نحو منزلي عقب انتهاء دوام عملي و همتُ بالمغادرة !..
سردت لها عن كل شيء بالمعنى الحرفي !.. بداية من زيارة السيدة فيرا للمقبرة مع حرصي لإبقاء محادثاتنا و جلساتنا سرًا كونها خصوصية مرضية ، و الغذاء الجماعي و نوبتي التي انتابتني و اصرار السيدة فيرا علي بأن أرافقهم إلى المزرعة و هذا ما ختمته بسؤالها عن رأيها به !..
" هل تسألين عن رأيي أم عنِ الأفضل !؟.."
كيف يمكنني أن أقنعها بأنهما نفس الشيء بالنسبة لي !؟..
إبتسامة دافئة ارتسمت على شفتاي قبل أن أجيبها بنبرة ساخرة ..
" هل يمكنني استعمال خاصية أطلب الأول و أحصل على الثاني مجانًا !؟.."
سمعت صوت ضحكتها وراء الهاتف مما جعل من ابتسامتي تتسع !..
لطيفة ...
كتمت ضحكتها و أنا أشعر بأنها تريد أن ترد الجدية إلى نبرتها قبل أن تجيب ..
" لكِ هذا إذن !... بالنسبة لرأيي فأنا موقنة بأن الإبتعاد عن صخب المدينة و قضاء بعض الوقت في الطبيعة سينفعكِ بشدة . هو أكثر شيء قد تحتاجينه في هذه الفترة يا حبيبتي.. لقد زرت تلك المزرعة من قبل لعدة مرات مع آيلا و هي جنة بمعنى الكلمة !.. و أعلم شدة حبكِ للفضاء الطبيعي لذلك فأنا متأكدة أن ذهابكِ معهم سيكون من أحسنِ الأشياءِ التي تقدمينها لنفسكِ !.."
كلامها... منطقي !..
هززت رأسي ببطء و كأنها تراني و عيناي تحدقان في اللا شيء قبل أن تعلقا مقتضبة الحاجبين فجأة على شيء غريب !..
سيارة قرمزية اللون بشكل غريب مركونة بجانب الرصيف المقابل للذي أسير عليه !..
و ما الغرابة هنا يا نفسي ؟.. مجرد سيارة ذات لون غير مألوف في الطرقات !..
أعادني لواقعي صوت إلارا الذي قد عاد للحديث في أذني ..
" أما بالنسبة للأفضل ... فأنت ِتعلمين أنه لن يعلم به شخص أفضل منكِ يا أميليا!.. عندما تصلين لمنزلكِ إبقي مع نفسكِ و حاولي أن تصلي و تتحاوري مع نفسكِ و روحكِ و ميزي بين الأصوات التي بداخلكِ ، حاولي أن تسمعي أصوات كل جهة من هذا الأمر و قارني بينهم لكي تصلي لقراركِ !.. "
" و ماذا لو كان لهم نفس مستوى الصوت ؟.."
" لن يحدث هذا أبدًا مع الأصوات المتضادة!.. أحد الأصوات سيحثكِ للذهاب و الآخر سيمنعكِ و سيكون لأحدهما حجج أكثر و تأثير أكبر على قلبكِ.. ذلك هو صوتكِ الداخلي !.. إستمعِي إليه !.."
أتساءل عن شيء ...
لما يصبحُ الإنسان جاهلا عندما يتعلق الأمر بنفسه !..
لما يصبح عاجلا عندما يوضع هو في المواقف التي قدم نصائحٌ بها من قبل؟..
أليس غريبًا !؟..
كلماتُ إلارا وتأثيرها علي .. أيقنت حتى الآن أنني كنتُ سأقول نفس الكلام لو أنها هي من استشارتني !..
إبتسامة هادئة نسجت على شفتاي أضيق عيناي..
" سأفعل !.."
شعرت بزفيرها الذي أطلقته من الجهة الأخرى بعد ما قلته ليسود صوت لثواني كسرته بسؤالها ..
" هل كدتِ تصلين إلى المنزل !؟.."
" ليس بعد .. لازال أمامي طريق نصف ساعة!.. لما السؤال ؟.."
سمعت صوت تحركها و كأنها تعدل جلستها و قد أدركت بأنها بجانب نافذة منزلها من خلال صوت مرور السيارات القريب اليها قبل أن تجيب..
" السماء ملبدة و كئيبة.. و قد بدأت تسقط بعض قطراتها علينا !.."
" أشعر بها.. أتخيل كيف سأصل إلى المنزل !.."
" أتمنى لكِ استحمامًا منعشا إذن !.."
لئيمة !..
ضحكت رغما عني و أنا أضغط على شفتي لألا أصدر صوتا أرجع خصلاتي خلف أذني ...
لا تفشل في الترفيه عن قلبي حتى و أنا في أشد أحزاني...
أحبها ..
" إذا لأغلق..."
" أميليا قبل أن تغلقي!..."
قضبت حاجباي مستغربة لقطعها لكلامي و اندفاعها بتلك النبرة...
" أريد أن أسألكِ سؤالا.. "
هي... تستعمل تلك النبرة .. مرة أخرى !!..
تجهزي يا أميليا... تعلمين أنها الآن ستلقي عليكِ أغبى الأسئلة على وجه الأرض !..
و لكن لم أستطع منع ابتسامتي عندما تذكرت آخر مرة إستعملت بها هذه النبرة... عندما سألتني إن كان بهم رجال مافيا وسيمين !..
معتوهة!..
" إذا كنتِ ستذهبين ... ما الذي سترتدينه !؟.."
لم يخب ظني..
حقا !؟.. من بين كل هذا ، هذا ما فكرت به !؟..
تأففت و أنا أتعمد أن تسمع أنفاسي قبل أن أندفع متذمرة ..
" إلارا إرحميني أرجوكِ هذا آخر ما سأفكر به حاليًا و لم أقرر بعد إذا كنت سأذهب لأفكر بهذا !؟.."
" إذًا إجعليه أول ما تفكرين به !.. أو دعيني أنا أفكر به عنكِ !"
أنوثتها هاته... تضحكني !..
لحسن الحظ أن هذا الهاتف مضاد للماء و إلا كنتُ قد قطعتُ هذا الاتصال منذ فترة لغزارة المطر الذي يتساقط عليّ..
" لديكِ ما ببالكِ أساسًا لذا ألقي ما بجعبتكِ !.."
" تعرفينني!.."
نعم...
لا تسميها صديقة إذا لم تكن تحفظ ملابسكِ !.
" أنظري... لديك فستانٌ لا أعلم كم من مرة إرتديته كونكِ لا ترتدينه كثيرًا... فستان أبيض ناعم و خفيف ذو تنورة واسعة ، قسمه العلوي ضيق زيتوني اللون به رباط بني... "
" لا أبدًا !!.."
قلنها بنبرة قاطعة و صارمة دون أن أمنحها وقتا إضافيًا للوصف !..
أبدًا !..
أضافت بنبرة لينة و أنا أشعر بانزعاجها من رفضي القاطع..
" لماذا !؟.. "
لأسباب كثيرة لا أستطيع المخاطرة بها ..
أولهم كون آريان سيكون معنا.. و ذلك الفستان جميل و أنيق جدا بالرغم من بساطته !..
أخشى على نفسي من إعجابه لذلك لن أخاطر !..
" لماذا يا أميليا !؟..فستان بسيطٌ واسعٌ فضفاض ذو طابعٍ ريفي ملائم لذلكَ المكان ... لن يكون هناك سواكِ أنتِ و خالتي و آريان ... ليسوا بأشخاصٍ تخافينَ منهم يمكنكِ الوثوق بهم !.."
" إلارَا... تعلمين أنني أفضلُ أن أرمي نفسي من أعلى قمة على أن أثق برجل !.. "
و لكن ما لم أتوقعه من كلامي هو ردة فعلها المنفعلة و نبرتها الصارخة و هي تقول..
" أميليا لمرة واحدة... لمرة واحدة فقط تصرفي على سجيتكِ دون أن تهتمي لمن حولكِ.. لمرة واحدة اهتمي لنفسكِ أنتِ و أهتمي لرغبتكِ أنتِ .. اهتمي بما تريده أميليا و افعلي ما تريدينه أنتِ !.. لمرة واحدة لا تهتمي لما سينظر و سيفعلُ الناس اتجاهك و لا تهتمي لمشاعرهم قبل خاصتكِ !.. لمرة واحدة تصرفي كنفسكِ و كأميليا و لتكن هذه المرة غدا يا حبيبتي.."
" تِلك النفس التي تتحدثين عنها فقدتها.."
" إياكِ !!.."
إبتلعتُ كلماتي من صرختِها تلك التي أخلفت بعدها صمتًا مشحونًا لا تظهر به سوى أنفاسها اللاهثة..
أكره هذا... أكره أن أوضع في مواجهة مع إلارا لأنها تلقي بسهام... تصيب قلبي مباشرة !..
إلارا عندما تواجهني لاترحم.. و كأنها ترسل صفعات متتالية على شكل حقائق !..
" إياكِ أن تقولي أنكِ خسرتِ نفسكِ و أنا هنا !.. لأنكِ حتى لو خسرتها فأنا هنا لأرجعها و أذكرها لكِ! ... و بما أنكِ قد نسيتها فدعيني أذكركِ بأميليا التي حتى لو نست نفسها فأنا لن أنساها أبدًا.."
إلارا...
لم أستطع مقاومة المطر الذي اشتد غزارته عليّ إلا و أنا آوي إلى موقف حافلات أحتمي بسقفه من هطوله!..
أنا... أرتجف من البرد !..
ضميت معطفي المبلل إلي أحاول أن أتدفأ به و لكن كان للدفئ منبع آخر..
" أميليا أرباتوفا... أختي وصديقة الجامعة التي تمنيت لو أنها كذلك من قبل الجامعة... سندي و ملجئي و متنفسي ... العفوية الحكيمة القوية التي لازالت صامدة رغم كل ما عاشته بعمرها الصغير.. جميلة لا بل ساحرة الجمال بمقلتيها البحريتين و خصلاتها الفحمية ... فتاة و كأنها هاربة من القرن التاسع عشر بأسلوب أناقتها الذي يتمثل في الباس الأوروبي القديم.. تحب اللون البني لكونه يرتبط بعشقها للكتب و القهوة و رائحة البن المحمص بها !.. تتمتع بالعزلة و الإبتعاد و تتمتع أيضا بإقتناء الملابس و التسوق !.. ماذا يا أميليا هل تذكرتِ الآن من أنتِ !؟.."
نعم... تذكرت..
فتحت جفناي عن عيناي عندما وعيت على نفسي أنني أسندت رأسي على زجاج الموقف و أسدلت عيناي استشعارًا لكلماتها !..
كلماتها التي دفأتني وسط هذا الصقيع !..
تنهدت بعمق و فعلت هي المثل قبل أن أشعر بنبرةٍ هادئة تصدر منها قبل تفاعلها و هي تضيف..
" أميليا... أنا لا أعني بقولي لكِ أن تثقي به بأن تلمسيه أو تتقربي منه أو تطمئني له.. أنا أقول لكِ بأن تنتزعي قناعكِ البارد ذاك و تتصرفي بسجيتكِ.. أن تحاولي أن لا تتوتري و تهدئي و أن تنسي قليلا مرضكِ.. هذا ما أقصده بأن تثقي به.. أعلم أنك ستقولين الآن هناك من وثقتُ به لعشر سنوات و غدرني في الأخير لا و لم يكن مجرد غدر!.. أعلم و لكن .. كيف ستتحررين من قيود الماضي إذا كنتِ أنتِ من تتمسكُ بها ؟.. و كيف ستشفين من مرضكِ إذا لم تحاولي مواجهته؟.. صعب أعلم و لكن.. حاولي !.. ربما آريان هو فرصة لكِ.. حاولي أن تشكليه و كأنه وسيلة لشفاؤكِ في مخيلتكِ.. لمرة واحدة يا أميليا... و لتكن هذه المرة غدا.." "
نعم... هذا ما قررته في الأخير..
أن أتصرف على سجيتي كأميليا !.. دون أن أهتم لأي أحد و دون أن أتذكر أي ماضٍ اليوم !..
أن أتحاور مع صوتي الداخلي قبل أي أحد في هذا العالم و أن أستجيب له هو فقط لأنه هو الأصح دائما..
و صوتي أخبرني أن أطبق ما قالته إلارا !..
أنا ذاهبة الآن للمزرعة مع السيدة فيرا و آريان على سيارته - رغم أنني متوترة من كوني في سيارة رجل إلا أن وجود السيدة فيرا و جلوسي وراء مقعدها و الهواء الذي يلعب بخصلاتي و تعهدي بأن أحاول قدر المستطاع أن لا أتوتر أضفى بي بعض الأمان - و أنا أرتدي الفستان الذي وصفته لي إلارا من أجلي أنا !.. من أجل حبي لهذا الفستان و كونه أقرب الفساتين إلي و إلى قلبي و أسلوبي أو مثلما قالت إلارا... سجيتي!..
و ليذهب آريان و نظراته المعجبة لي في الصباح إلى الجحيم فأنا لا أهتم اليوم لنظرات أحد إلي سوى.. نفسي !..
شعرت بدوران السيارة عن الطريق الرئيسي لأحدق فأعي أننا ندخل في ممر آخره بوابة كبيرة بنية اللون ..
إذن...هذه هي المزرعة !..
ما إن اقتربنا من البوابة إذ بها تفتح من رجلين ببدلة رسمية سوداء يومئون برؤوسهم تحية لآريان الذي بادلهم إياها..
أوقف السيارة ما إن تعدت بشكل كامل البوابة لأتصلب ما إن إقترب أحد الرجلين من باب السيارة المجاور لي فيفتحه مع خاصة السيدة فيرا مصوبا نظراته إلى الأمام...
هذه الرسميات و التصرفات... لست معتادة عليها البتا !..
قبضت على أطراف فستاني أطأ برجلي على الأرضية الإسمنتية أستقيم من السيارة و أبتعد بخطوات عنها لأشعر بإغلاق الحارس للباب ورائي ...
نحن الآن في ساحة دائرية إسمنتية واسعة و أمامنا ممر ضيق و الأشجار المحيطة به تحجب عنه أشعة الشمس و تحجب عن رؤيتها ما بنهاية هذا الممر..
دون وعي مني سقطت عيناي على آريان الذي رمى مفتاح سيارته نحو الحارس ليلتقطها قبل أن تلتقي مقلتيه بخاصتي فأشيحها عنه بسرعة أصوبها نحو السيدة فيرا...
كانت... تسدل عينيها و تأخد أنفاسا عميقة و كأنها تنظف داخلها من شوائب المدينة ...
منذ أن تعرفت عليها و أنا أشعر بطاقة غريبة داخلها... طاقة مكنونة داخلها تود أن تتحرر لولا الآلام التي تخنقها و تكسر أجنحتها...
و لكنها تحاول... رغم أنني قد لاحظت أنها قد بدأت تستخدم أسلوب إخفاء آلامها وراء إبتسامتها إلا أنني أرى بها أيضا محاولات للحصول على السعادة... و ستحصل عليها...
لأنها ليست ممنوعةٌ عليها !..
فتحت جفنيها ببطئ تتأمل في السماء الصافية الزرقاء التي كانت متعاونة معنا في توفير أحلى جوٍ لنزهتنا قبل أن تدني رأسها و تدير عنقها إلي بابتسامة دافئة..
الطاقة المكنونة بداخلها... لها طريق جميل نحو إبتسامتها !..
بادلتها الإبتسامة أقترب منها قبل أن تفاجئني بعقدها لذراعها بخاصتي تسحبني معها نحو ذلك الممر الأخضر...
" لن تستطيعِي تخيل مقدار راحتي و إنشراحي بوجودكِ معي يا أميليا... شكرًا على قبلولكِ لمجيئكِ !.."
و لا تعلمين كم مقدرا راحتي بإبتعادي عن صخبِ تلك المدينة و إنزوائي نحو هذه الطبيعة معكِ بعد سبعِ سنين من عدم خروجي منها !..
أشعر بشيءٍ أكبر من الراحة... و كأن غبارًا خرج من رئتاي بعد سنواتٍ من إلتصاقه و
تطايره بها..
" و أنا أشكركِ لإحضاري معكِ إلى هنا... أظن أن هذا سيفيدني!.."
" بالطبع سيفيدكِ لا مجال لك بالشكِ بهذا !.."
أومأت بلطفٍ أرمقها محافظة على إبتسامتي بشفتاي قبل أن أشعر بسطوعِ ضوءٍ من آخر الممر القريب لنا لأدير عنقي نحوه و ... المفاجأة!..
لم تخطئ إلارا عندما سمتها بالجنة !..
خطوت أجتاز الممر كليا فاغرة فاهي بعد أن إتضحت الرؤيا أكثر لي !..
بالمنتصف مبنى خشبي كبير على شكل منزل ذو طابعٍ عصري ، ريفيٍ و كلاسيكي أنيق!.. سقفٌ معدني و نوافذ زجاجية كبيرة تعكس صورة من الفخامة و البدخ !..
يحيط بها من كل الجهات إصطبلات على شكل نسخٍ مصغرة من المنزل الرئيسي بنوع خشبها المتناسق ...
أرضية بيضاء ناصعة تشكلُ طرقًا منظمة بين الملحقات و أراهن بأنها وضعت من أجل تجنب الدوس على الأعشاب و إتلافها..
حتى أن بعض هذه الطرقات تمتد للوراء المنزل مما أوحى لي بأن هناك أشياء أخرى في الوراء و لكن مجال رؤيتي لا يسمح لي بالإطلاعِ عليها..
أنا... لأولِ مرة أشعرُ بأنني في المكان الصحيح !..
في مكان لا أُطردُ به و لا أذلُ و أُضربُ به !.. في مكانٍ بعيدٍ عن الأذى و قريبٍ مني ... أنا نفسي و روحي!.. مكانٌ أشعر بتناسقِ أساليبنا و أنماطنا...
إنها لأولِ مرة... أشعر بشيءٍ يسمى بـ... الإنتماء!..
لا أعلم لما و لكنني أشعر برغبة كبيرة بالبكاء !..
ليس الوقت المناسب و لا المكان المناسب و لا حتى الظرف المناسب و لكنني حقًا أشعر برغبة شديدة بهذا !..
تمسكي يا أميليا هل هذا وقت عواطِفكِ الآن ؟...
تنهدت أجفف بذلك الهواء الدموع التي تكاد تنهمر فأسمع صوت خطوات ورائي لأعي بلحاق آريان بنا و لأشعر بعدها بشد السيدة فيرا لذراعي ...
" هل أعجبتكِ مزرعتنا !؟.."
" أعجبتني لدرجة أنني أشعر بأنه ليس من حدودي أن أعطي رأيي بها !.."
ضحكة خافتة فرت منها قبل أن تسحبني معها نحو باب ذلك المنزل لأطأ بخطواتي على الأرضية البيضاء متجهة إليه...
إلا أنها خالفت ظني و انعرجت لليمين بخطواتها نحو طريق مؤدي نحو إحدى الإصطبلات الكبيرة..
إصطبل خشبي ذو سقف حديدي مائل للزرقة بباب خشبي هو الآخر و لم يكن ذو نوافذ كثيرة...
" آمل أن تكون شاشليك بزريبتها و أن لا تكون مع القطيع في السهل و إلا... سأضطر إلى الإنتظار حتى يحين المساء !.."
فهمت..
إذا هذه الحظيرة حظيرة ماعز و نحن متجهون إليها ، أو بالأخص... متجهون نحو شاشليك !..
يال حظ الشاشليك هذه !..
بينما أسير خلف السيدة فيرا بخطوات محاذية لخطواتها إذ بها فجأة تستدير إلي قاضبة الحاجبين ..
ما بها فجأة؟...
نظراتها تربكني..
إذ بها تخفض بصرها نحو قدماي فتظهر إبتسامة هادئة على شفتيها قبل أن تنبس..
" إبني.. خذ أميليا إلى المخزن و ناولها جزمة !.. حذاؤكِ هذا لن يريحكِ أبدا هنا جميلتي !.."
نعم... كان علي أن أضع حسابًا لهذا قبل أن أرتدي حذاءً صيفيًا زيتوني اللون ليتناسب مع فستاني..
حمقاء !..
مـ... مهلا لحظة ؟..
ما الذي قالته؟..
جـ ... جميـ... جميلتي !؟..
أنا... جميلتها !؟..
ما بي!؟.. أصبحتُ أتأثر من كل كلمة تتفوه بها !؟..
لدرجة أنهُ لو كان بيدي لألقيت نفسي عليها لتضمني !..
ألهذه الدرجة أنا فاقدة للحنان في حياتي لتصبح كل كلمة جميلة من إنسان عابر تؤثِرُ بي !؟..
أو بالأحرى... كل كلمة جميلة من إمرأة !..
" تعالي !.."
و... مهلا لحظة أخرى !..
هي قالت لي الآن... أن أتبع آريان ليناولني جزمة !..
ليتني أستطيع الرفض !.. لما لم أفكر بهذا و اللعنة علي !..
تأففت داخليا أومئ لها برفق قبل أن أستدير و أسير خلف آريان الذي لا أعلم حتى إلى أين يقودني بخطواته !..
أدرت عنقي دون أن أوقف خطواتي نحو السيدة فيرا لأجدها تفتح الباب الخشبي للحظيرة تدلف إليها..
رأيت عينيها تلمعان بمجرد ذكر شاشليك .. لا يبدو أنها مجرد عنزة بالنسبة لها... و أراهن بأنها وجدت حذائي حجة لتبعدنا أنا و آريان و تبقى على إنفراد معها !..
أعدت تصويب رأسي نحو الأمام لأجد آريان قد توقف أمام المنزل الرئيسي الذي كنا أمامه قبل قليل يخرج المفاتيح من جيبه و يتجه نحو باب صغير على طرف الواجهة يفتحه على عكس توقعي بأن يفتح باب المنزل..
بابٌ ... و كأنه منعزلٌ عن ذلك المنزل !..
دفعه بعد فتحه يدخل يده يتحسس به الجدار قبل أن تنشغل الأضواء بالمكان و يبعد يده..
أخذ خطوات يبتعد عن الباب يوصل مقلتيه بي عاقدا ذراعيه ببعضهما قبل أن يقول..
" تفضلي !.."
إبتلعت أرمقه بآخر نظرة قبل أن أستدير أدلف نحو ما وراء هذا الباب المفتوح قبل أن أندهش من كونه مجرد...
مخزن !..
مخزن بجدرانٍ خشبية ذو إضاءة خافتة من ضوء الشمس المتمرد من النافذة الصغيرة المقابلة..
ركنٌ للمجرفات و أدراج للأدوات و أكياس أسمدة مختلفة الأنواع و أشياء أكثر لم أستطع عدها..
" توجد جزمات سوداء في ركن هناك ... إختاري التي تناسبكِ و إرتديها !.."
إتبعت إشارة إصبعه نحو الركن أسفل النافذة و رأيت ما أشار إليه و ..
الكثير من الجزمات !..
كثير منها مصفوفة بجانب بعضها بجانب الجدار حتى أنني لاحظت بأنها بأحجام مختلفة..
حدقت بها أرى أقربها لقياس قدمي قبل أن يقع بصري على إحداها و شعرت بأنها تناسبني..
حسنا... أظن أنه علي إرتداء هذه !..
جزمة سوداء... جزمات سوداء ..
إبتسامة هادئة و دافئة ارتسمت على شفتاي و أنا أرمق و ألتمس هذا الحذاء و عقلي قد سبح بي لزمانٍ أتمنى لو أنني بقيت به..
لدي... ذكريات جميلة جدًا مع هذا النوع من الجزمات...
ذكريات... أتمنى لو لم يطل الزمن و أرى ما رأيته بعدها ... و لم تصبح هذه الذكريات مجرد أيام مخادعة قبل الغدر الذي غدرتُ به..
حمقاء..
اتجهت نحو ركنٍ من هذا المخزن أمسك بأطراف ثوبي أرفعه قليلا لأجلس على الكرسي أميل بجذعي و أفكُ رباط صندلي البني أرفع رجلي منه و أدخله في الجزمة..
" هل قررتي أخيرا إنهاءُ حدادكِ !؟.."
كان ذلك صوت آريان من أمامي خلف الباب و أشعر بعيناه معلقتان علي !..
صرتُ أتساءل... كيف كان يعيش حياته يا ترى دون أن يستفزني و يعلقَ على قراراتي في يومه لأنني بدأت أشعر بأن هذا أصبح جزءً لا يتجزأ من يومه !..
تأففت أقلب عيناي دون أن أوجههما نحوه و لازالت يداي منشغلتان أرد بمكر ...
" مجرد إستراحة و سأعود لطابعي لا تقلق !.."
رغم أن هذا هو طابعي ولكن.. ليكن ...
أنهيت إرتداء الجزمة أستقيم واقفة أضرب برجلي الأرض و أتمشى خطوات لأعتاد عليه و على المشي به ..
مناسب جدًا..
إلا أن صوت آريان الهامس و الذي يملؤه الملل نبس بما جمدني..
" بحقكِ ما الذي نال إعجابكِ في اللون الأسود أمام هذا الجمال !.."
ما الذي .. قاله للتو !؟..
أدرت عنقي رويدًا بحواجب منقبضة لتقابل مقلتاي بخاصته التي... كانت مندهشة !..
مندهشة و كأنه هو الآخر دهش مما تفوه به أو ربما... لم يشأ أن يتفوه به جهرًا !..
حسنا... أظن أن هذه الجملة زادت للطين بلة على حساب توتري الذي يعتريني منذ قدومي !..
أو بالأحرى.. منذ أن أيقنت إعجابه بي !..
زميت شفتاي أضغط عليهما بقوة و أنا أذكر نفسي بالحدود التي علي أن أضعها أمامي و تلقائيا وجدت عيناي تحتدان أرد..
" إهتم بشؤونك !.."
رمقتهُ بآخر نظرة قبل أن أستدير أحمل حذائي و أضعه في المساحة التي تركتها هذه الجزمة لأقود خطواتي بعدها نحوه أتجاوز عتبة الباب بعد تركه للمساحة لي و أقود خطواتي نحو إصطبل الماعز ...
هناك شيء ما يشغل عقلي!..
عدم دخوله للمخزن و وقوفه عند الباب في وجودي و عدم غلقه للباب ..
ربما أو من المؤكد أنه سيعلم من تصرفاتي و نوباتي أنني أخشى الذكور و ملامساتهم لي و لكن... لم يكن ليعلم بأن الغرف المغلقة تضيق بي عندما أتواجد بها مع رجل بمفردنا !..
ليس بالشيء الذي يستنتج و ليس بالشيء الذي أظهرته إذن ما سبب تصرفه هذا ؟...
و لو أرى بعين أوسع... شتان ما بين آريان الذي أتاني إلى بيتي أول مرة و الذي كان لا يخجل بألا يترك مسافة بيننا و بين هذا الآريان الذي أمامي !..
يحترس من أي ملامسة و يضع مسافة جيدة بيننا و يبتعد من كل باب أبتغي عبوره و كأنه هو المصاب برهاب الجنس الآخر لا أنا !..
أمره ... مشكوك جدًا !..
" دعكِ من الماعز و تعالي لأريكِ شيئًا آخر !.."
قضبت حاجباي باستغراب أدير عنقي نحوه أطالعه و أرمش للحظات..
شيئًا آخر؟...
أشرت بيد مرتخية نحو حظيرة الماعز أنبس..
" ولكن السيدة فيرا ؟.."
" تريد الإختلاء بنفسها قليلا.. و لا أظن بأنكِ لم تفهمي إشارتها!.."
بلى..
قبضت على يدي أخفضها أومئ بخفة قبل أن يتجاوزني يخطو بخطواته أمامي مما جعلني أتبعه !..
تختلي بنفسها !..
لا أظن أن هناك مكانٌ أفضل من هذا للاختلاء و الإبتعاد عن صخب الرأس!..
هواء و نسمات هادئة تحمل بها عبق الأزهار و لا تكف عن اللعب بغرتي و خصلاتي التي أربطها على شكل ذيل حصان ..
" هل تحمل شاشليك شيئا خاصًا لدى السيدة فيرَا !؟.."
سألته و أنا أسير خلفه أرمي حصى صغيرة برجلاي ألهي بها نفسي و أعقد مرفقاي ببعضهما لأراه يدخل يداه في جيوبه و يعلق عيونه بالسماء مجيبًا بنبرة هادئة دون أن يوقف خطواته الصغيرة و المسترخية كخاصتي..
" و ما الذي جعلكِ تظنين هذا !؟ .."
" أربما لكونها هي الوحيدة التي ذكرتها لي من مزرعتها و ياليته مجرد ذِكر !.."
إبتسامة جانبية إستطعت أن ألمحها على وجهه قبل أن تختفي و لازالت عيناه معلقتان بالسماء..
" كانت المفضلة لآيلا !.. لأنها ولدت في يوم ظهور نتائج شهادة الثانوية و إعتبرتها و كأنها وسمة حظ لها !.."
ما أجمل هذا !..
إذا لشاشليك علاقة بآيلا... لهذا تفضلها السيدة فيرا عن كل خلق في هذه المزرعة !..
الآن شاشليك أنجبت... ما وسمة الحظ التي أحظرها طفلها معه يا ترى !؟..
" ما الحيوانات التي يمكنني أن أجدها هنا ؟.."
عادت تلك الإبتسامة لوجهه و ألقى إلي نظرة من طرف عينه قبل أن يقول بمكر و استفزاز..
" هل تحبين الحيوانات لهذه الدرجة !؟.."
خسئتَ إن كنت تظن بأنك ستستفزني بسؤالك...
وقفت ابتسم إبتسامة هادئة و دافئة أضيق بها بصري المعلق في الفراغ و يدي دون وعي مني إرتفعت إلى قلادتي أتلمسها !..
" ربما سترى هذا تافها و لكن... عندما أراها أشعر بالسلام !.."
رفعت رأسي إليه أصوب مقلتاي لخاصته التان إختفتا منهما أثر المكر و الإستفزاء و هدأتا بطريقة... مرتخية !..
" ربما لكونها المخلوقات الوحيدة الصادقة في هذا العالم الكاذب !.."
لم يعلق شيئا ..
بل ظلت مقلتاه بخاصتي يأبى أن يبعدها و كأن كلماتي لم تصل لمسمعه بعد !..
هذه النظرات.. لا أرتاح لها البتا !..
لم أجد نفسي إلا و أنا أتقدمه أسبقه بعدما إتضحت الطريق التي نعبرها و كانت تؤدي إلى إصطبل كبير و أوسع من خاصة الماعز الذي كان بجانبه ..
إصطبل أسود حديدي ذو سقف أبيض و لم أستطع أن أستوعب من شكله ما يحتويه داخله ! ..
" لم تجبني على سؤالي !.."
قلتها و أنا أسمع صوت خطواته تتقدم نحوي و كل تارة ألقي نظرة جانبية على مكان سيره و أحترس من عدم إقترابه الكبير مني..
و لكنه بدا و كأنه.. هو الآخر حرص على ذلك !..
" ماعز كما رأيتِ ، حظيرة بقر على الجانب الآخر ، قن دجاج مقابلٌ للمنزل ، بط في البحيرة و لكنه بعيد بعض الشيء عن هذا المكان ، كلاب حراسة و آخر شيء !.."
قالها و هو يتقدمني بعدما وصلت خطواتنا لأمام هذا الإصطبل يخرج مفتاحا من جيبه و يفتح القفل قبل أن يثبت كفيه على جانبي الباب يدفعه بقوة للجانب لينفتح متزحزحا و مصدرا صوتا قويا لاحتكاك الحديد بالتزامن مع إشتغال الأضواء بالتناوب و ظهور الـ ...
" الجياد !.."
أ... أحصنة !؟..
أنا... لستُ في حلم أليس كذلك ؟.. فليصفعتي أحد أو يقرصني لأصدق هذا .. أو لا.. دعوني في حلمي إذا كان حلما !..
" تبًا أنا لا أصدق !.."
قلتها و أنا أشعر بفاهي الذي يكاد يسقط أرضا من دهشتي أتقدم بخطوات بطيئة نحوه..
أكاد أقفز من الفرح ولكن.. أميليا إضبطي نفسكِ ما هذه التصرفات الطفولية إعقلي !؟..
كيف لي و ياليته حصانٌ واحد أمامي بل أحصنة !..
لو تم إخباري بوجود أحصنة هنا من البداية لما فكرت للحظة بالمجيء و قتل نفسي بالتفكير !..
" أحكمي فككِ يكاد يسقط أرضا !!.."
زميت شفتاي بابتسامة حرجة على وجهي أعيد خصلات غرتي وراء أذني أنبس بخجل..
" لم أتوقع وجود جيادٍ هنا فحسب ... إندهشت !.."
" ويحكِ.. مزرعة بهذا المتسع و لا يكون لي حقٌ بها !؟.."
قضبت حاجباي أرمقه بحيرة عن كلماته و هو يتمشى بجانبي نمر بالرواق الذي بين زريبات الأحصنة التي تظهر رأسها من فوق بابها و أصوات الصهيل تملأ المكان !..
أشقرٌ شعره و ذيله ... آخرٌ كميتٌ بلونه البني المحمر و خصلاته الداكنة ... و آخرٌ أبلقٌ بين الأبيض و الأسود ... و أنواع لم أستع عدها من كثرتها ..
" ما الذي تقصده !؟.."
ألقى إلي نظرة جانبية قبل أن يقول بنبرة هادئة يعيد بصره إلى الأمام و يضع يديه في جيبيه...
" الأحصنة التي هنا بإسمي !.."
نعم ؟..
بإسمه يعني أنها ملكه !.. كلها !؟..
يا إلاهي !..
لو كنتُ مكانه لقضيت ما تبقى من حياتي هنا دون أن أنظر إلى وجه إنسان واحد !..
اومأت بخفة أتظاهر بعدم الإندهاش و الإكتراث أضيف متسائلة !..
" بما أنكَ تمتلك كل هذه الجياد ... إذن.. أنتَ فارس ؟.."
رمقته أترقب ردة فعله إلى أن أومأ لي بخفة مهمهما بعينين مصوبتين نحو الأمام لأبعد ناظري عنه أهمس بخفة..
" جيد !. "
" و ماذا عنكِ؟.. رغم أنني لا أظن هذا !؟.."
قضبت حاجباي أرمقه قبل أن تزين وجهي ملامح التكبر و المكر بابتسامة جانبية ..
" بلى أنا كذلك !.. و من سمح لكَ بأن تظن بي شيئًا !؟.. أنت لا تعرف عني شيئا لذلك إلزم حدودك !.."
" مثيرة !. "
ما ... ما الذي قاله!؟..
غادر وجهي ملامح السخرية و المرح قاضبة حاجباي لكلمته تلك قبل أن أبعد ناظري عنه أحذر بنبرة صارمة و حادة ..
" لا تعد قولها مرة أخرى !.. لا أشعر بالإرتياح لتلك الكلمة !.."
لم يعلق شيئا و ساد صمت للحظات لا يسمع بها سوى صوت خطواتنا و صهيل الأحصنة الذي يملأ المكان و التي أتأملها واحدة واحدة ..
و لكن فجأة شهقة فرت مني فزعة لصوت ضربٍ و إرتطامٍ قوي و شديد بجانب زريبة كنت أمر من جانبها ليتقدم آريان يقف أمامي يدير ذراعه للوراء و يحيطني به حمايةً دون أن يلمسني لمسة !..
" الحصان الهائج !.. إبقي بعيدة عنه !.."
الحصان الهائج؟..
إبتعدت من وراء آريان أقف على أصابعي لألقي نظرة عليه من بعيد و إذ به..
حصانٌ أدهم بسواد جلده البراق و شعره الفحمي الطويل بعيونه الليلة العميقة التي تتعالى فوقها رموشه العاتمة كقضبانٍ غليظة ..
حصانٌ في منتهى الهيبة !.. يجري و يضرب بعشوائية بصدرٍ لاهثٍ و صهيله القوي الذي أصبح أقوى بصدى المكان !..
هذا الحصان... ليس بخير !..
" ما إسمه !؟.."
" لم تمر دقيقة من أمري لكِ بأن تبقي بعيدة عنه !؟.."
" و هل تراني أفتح بابه !؟.. لم أسألك سوى عن إسمه !.."
تنهد بعمق يرمقني بتفحص قبل أن يوجه بصره نحو الزريبة نابسًا بهدوء ..
" إسمه كارا !.."
كارا...
نعم ... كارا هو إسم اللون لأسود في روسية القديمة !..
أسود و أصيل مثل إسمه !..
إبتسامة هادئة إرتسمت على وجهي بمجرد تكرير هذا الإسم في داخلي و رؤية حدواته التي يضربها على الأرض نتيجة لهيجانه ...
هو... ليس بخير حقًا !.. هناك شيء يؤلمه أو يضايقه!.. الأحصنة لا تهيج بدون سبب حتى لو كان طبعه !..
" هيا نذهب !.."
" إلى أين !؟.."
قلتها بحيرة بادية في نبرتي أرمقه بعبوس و قد مبدا مستغربا من نبرتي قائلا..
" لدي عملٌ علي أن أنجزه .. عودي إلى فيرا و أمضي وقتكِ معها إلى أن أعود !.."
و لما أحضرتني إلى هنا إذن !؟..
حدقت بالمكان ألقي نظرة عليه و العبوس يملأ وجهي و كم أريد أن أمضي وقتا أكثر هنا !..
أمضي وقتا أكثر هنا !؟.. و لما لا !؟..
" لا أظن أن السيدة فيرا تريد وجودي الآن لكانت إتصلت بي لذلك... يمكنكَ الذهاب إلى عملكَ و تركي هنا !.."
هل سيقبل يا ترى !؟..
رمقني بنصف نظرة مجعدًا جبهته و إتجهت أداعب بيدي رأس حصانٍ أبلقٍ يخرجه من فوق باب زريبته التي كانت بجانب خاصة الهائج.. و قد بدأ و كأنه يفكر في كلماتي قبل أن يجول بناظره بالمكان متفحصا له ليعيد بصره نحوي يحدق بعيناي المترجيتان بداخلي و الغير مباليتان ظاهرًا للحظات فيعلوا صدره بأخذه لنفسٍ عميق ..
" لكِ هذا و إعتبري كل هذه الجيادُ تحتَ تصرفكِ إلا..."
رفع سبابته في وجهي جاعلا لحاجباي يعقدان بإنزعاج قبل أن يديره بالاتجاه الأيمن أتبعه لأجده يشيره إلى... زريبة الأدهم !..
" إبقي بعيدة قدر المستطاع عن هذه الزريبة !.. إعتبري هذا الأسود محرمًا عليكِ هل فهمتي !؟.."
أنا ... أكاد ... أطير .. من ... الفرح .. الآن !!..
لا أصدق أنه سمح لي بهذا و لكن.. كنتُ سأبقى من أجل كارا !.. أريد أن أعرف ما يضايقه و يهيجه بهذه الطريقة و لكن هذا الآريان.. حرمه علي !..
أومأت له ُ بخفة أخفض بصري قبل أن أجده يقترب خطوة إلي و يعيد تصويب سبابته نحوي ..
" قلتُ هل فهمتي !؟.."
" أنزل إصبعك هذا أولاً لنتفاهم !.."
بعض السلطة ليست مبررا لذل و التصغير يا وضيع !..
زم شفتيه و حدقتاي الحادتان نحوه يضم إصبعه لقبضته قبل أن يدفعها في جيبه أتنهد قبل أن أجيبه..
" حسنًا لن أقترب منه !.. ما الذي سأفعله بحصانٍ أسود بين كل هذه الجياد ؟.."
" آمل هذا !.."
قالها و هو يتجاوزني يقود خطواته نحو البوابة أتتبعه بعيناي بينما لازلت أداعب بيدي رأس الحصان الأبلقٍ ...
ألقى إلي آخر نظرة قبل أن يستدير مختفيا عن ناظراي لنظهر إبتسامتي الجانبية الماكرة على شفتاي !..
لابد أنكَ لم تسمع من قبل بمقولة وضعت القوانينُ لتُخترق !..
إبتعدت بخطواتي أقترب نحو زريبة الهائج حتى وقفت أمامه أقف على أصابع قدماي أطل منه و لازال على حالته !..
هائج يضرب دلو مائه و الجدران تارة و يجري و يدور حول نفسه بعشوائية تارة و يطلق صهيلا قويًا ضيقًا من جوفه تارة أخرى !..
حالته... تؤلمني !..
" يلومونكَ على تصرفاتك و لا يسألون عن سببها أليس كذلك !؟.."
لم يلقي لي أية ردة فعل سوى نظرة سريعة خاطفة نحوي قبل أن يستمر بحركاته و تصرفاته ..
" أنا مثلُك !.. يلومونني على برودي و خوفي و مرضي و حساسية الشديدة و لم يسألوا عن سببها !.. "
ألقيت ضحكة خافتة ساخرة على نفسي أخفض بصري قبل أن أضيف بإنكسار..
" و كأنني سأجيبُ لو سألوني !.."
نعم... لأنني لن أجيب !..
أعدت تصويب ناظري نحوه و قد توقف للحظات عن ضرب الأرجاء دون أن يتوقف عن الحركة و الصهيل ..
" أنا لن أقول لكَ أنني أفهمك.. لأنني لا أفهمك !.. و لن أقول لكَ أنني أشعرُ بكَ.. لأنني لا أشعرُ بكَ !.. و لكنني سأخبرُك بشيء واحدٍ فقط..."
إبتسمت أسند و أبسط مرفقاي على بابِ زريبته و قد بدأت أشعر بأصابع رجلي تتورم من الاعتماد عليها في الوقوف..
" أنني أعلمُ ما تريده !.."
نعم ... أعلم جيدًا ما تريده مثلما أعلم ما أريده !..
ابتعدت عن باب زريبته بخطوة و الشيء التالي الذي قمتُ به هو... فتح قفل بابه !..
نعم.. فتحت قفله أفتح بابه بروية و أدلف إليه بخطوات ثقيلة و ثابتة حرصة على خفض صوت خطواتي..
" يظنون أننا نحتاج و نريد من يفهمنا !.. يظنون أننا سنرتاح إذا شعر شخص بما نشعُرُ به أليس كذلك !؟.. لا يعلمون أننا نريدُ فقط ... "
توقفتُ بخطواتي أرمقه و الانكسار يملؤ ملامحي بينما هو يرسل إلي نظرات حارقة و كأنني فريسة أمامه أو ربما هو يحذرني مما أفعله و يحاول أن يمنعني من الاقتراب أكثر و لكن...
خسئتَ!..
" أن نبتعد !.."
نعم... أن نبتعد !..
أن نبتعد إلى أبعد مكان !.. إلى مكان بعيد عن ضوضاء آلامنا ... و عن ما يُنزف جروحنا.. عن كل من طعننا في ظهرنا .. و كل من وثقنا به و آذانا من نقطة ضعفنا.. عن كل من نحمل ثقل وعده على ظهرنا.. أن نبتعد !.. إلى مكانٍ بعيد عن هؤلاء ِ الناس... و هذا العالم... و هذا الظلم !.. أن نبتعد إلى مكان لا نجد به أحد و لا يجدنا به أحد..
" أنتَ تريد أن تبتعدَ !.. تريد أن تتحرر مما يضيق قلبك و مما يؤذيك أليس كذلك !؟.. ألا ترى أن هذه نقطة مشتركة بيننا؟.."
ضرب رجليه بقوة على الأرض يطلق صهيلا قويًا تليها أنفاس متقطعة و لاهثة يرمقني بنظراتٍ تملؤها الشرر!..
و لكنني لم أخف !..
لا أعلم لما و لكنني حاليا أنا لم أخف !..
و كأنني... كنت داخل أفكاري و تأثري بكلماتي لدرجة أنه آخر شيء قد أفكر به حاليا هو أن أخاف منه !..
و رويدًا رفعتُ مرفقي أمدده و أبسط راحة يدي أمامه و أنا أرى عينيه اللتان تعلقتا بيدي ..
" تَعال... تعال و لنبتعد من هذا المكان !.. بأي طريقة تريدها أنا راضية !.."
لا أعلم لما و لكن غصة تكونت في حنجرتي تجعل محجراي يمتلآن بالدموع ...
" إذا أردتَ أضربني برجليك عضني أسقطني و أهرسني بحدواتكَ أو... إحملني على ظهركَ و لنبتعد معًا !.. أقسمُ لكَ أن طريقتك في إبعادي لا تهمني المهم أن تبعدني !.. أنظر الباب مفتوح.. يمكنكَ الإبتعاد و المغادرة بمجرد قيامكَ بهذا !.. إفعلها و لا تتردد !.."
لا أعلم ما الذي أفعله الآن و لكن... أنا أتصرف بقلبي !..
أسدلت عيناي أدخل هواءً عميقا إلى داخلي أحاول إسكات كل الفوضي التي نشبت داخلي فجأة محافظة على وضعيتي !..
تعهدت اليوم أن أتصرف بما يمليه لي قلبي و ها أنا أطبق ما تعهدتُ به !.. أشعر و كأنني أقدم نفسي كقربانٍ لحريته و لكن.. ليكن !..
و كأنني مولعة بالحياة التي أعيشها !..
ربما تفصلني لحظات فقط الآن من أجد نفسي في مكانٍ بعيدٍ عن هذا المكان... أنا أنقض الوعد الذي قدمته قبل سنوات الآن و أعلم أنني الآنَ ... أنتحر و لكن... لا أشعر بأن هذا يهمني الآن !...
طالما كان إنتقامي و الوفاء بوعدي الذي قدمته لأعز شخصٍ لي في هذه الدنيا و لكن الآن.. أصبح كل شيء بلا فائدة... فقد أقدمتُ على خطوة لا رجوعَ منها !..
و الآن... كل ما أنا أفكر به تبخر و إنخمد فجأة لشعوري بأنفاسٍ حارة تضرب يدي المبسوطة !..
ها نحن ذا يا كارا !.. تعرف علي ...
إذ بي فجأة أسمع ضربات حدواته على الأرضية من خلفي إذ به يأخذ دورة كاملة علي ثم يعود للوقوف أمام يدي المبسوطة ...
و إذ بقشعريرة تسري على طول جسدي لإحساسي بملمس جلده على يدي بعد مدة من إستمراره في شمه أوقن بأنه ألصق جبهته عليها..
لم أرد أن أفتح عيناي ... ولا أن أرى قربه مني !.. و لا أن أشعره بأنني كائن حي يتنفس مثله لمحافظتي على تصلبي و جمودي..
أريده أن يأخذ راحته في التعرف علي !.. و أن أوصل له رسالة قلبي بأنني لستُ بشخص سيؤذيه !..
هو هادئ... هادئ جدًا !... لا أسمع منه سوى أصوات أنفاسه اللاهثة عكس ما كان عليه قبل دقائق فقط و لم يكتفي بإلصاق جبهته براحة يدي بل بدأ يرتفع بشمه نحو مرفقي الممدود نحو رقبتي إلى خصلاتي التي تتناثر بأنفاسه التي تضربها...
و للحظة... شعرت بدموعي الصامتة التي تسيل على خداي و لا أعلم منبعها أو سبب إنهمارها...
شعرتُ بأنني بحاجة للبكاء منذ الصباح .. فبكيت!..
و لم أمنع نفسي بعدها من مد يداي من كلا الجهتين نحو رقبته ألتمس جلده و أربت عليه !.. خصلاته السوداء الخشنة و ملمس جلده تحت يداي و للحظة شعرتُ بإسناده لجبهته على خاصتي !..
هو ... قد ارتاح لي !..
إبتسامتي شقت طريقها نحو شفتاي على وجهي الباكي و عيناي الدامعتان أمرر يداي على جانبا وجهه على وجنتيه...
" إذن .. إخترت الخيار الثاني !.."
أطلق نفسا قويا يضرب به رقبتي و أنا لا أكف عن اللعب بخصلاته و بعثرتها وسط دموعي..
حينها ... فتحتُ عيناي !..
فتحتهما رويدا لأرى عيناه اللتان تقابلان خاصتي المحمرتان ..
خاصته الليلة السوداء تبرقان و كأن نجومًا من السماء سقطت على الأرض فاستقرت في عيناه العميقة... جلده البراق الأمس و خصلاته الداكنة المنسدلة و كأنها خيوط من الظل ..
حينها فقط... غادرت كل ملامح الإبتسام و السعادة وجهي و أنا أرى إسترخاؤه الشديد معي و يدي لازالت تتجول بوجهه..
لما كلُ هذه الراحة؟.. شتان ما بين هدوئه الآن و هيجانه قبل لحظات !..
لما ارتاح لي؟.. من أعلمه من أنا؟.. لما وثق بي من أكد له أنني لن أسحب كلامي و أقفل الباب؟..
" يقال أن الحيوانات ترتاح للقلوب السليمة و البيضاء .. و أنا قلبي مخلافٌ للإثنين !.. ليس أبيضا و لا سليما !.. بعيدًا كل البعد عنهما فما الذي أراحك إلي إذن؟ !.."
حينها... أبعد جبهته عن خاصتي يطرق بحدواته على الأرض مصدرا تكًّا بأسنانه قبل أن يعيد الدوران علي و يفاجئني بتحريك برأسه خصلاتي المتدلية من ربطة شعري كذيل حصانه ...
" هل أحببتَ شعري !؟.. هل أحببتني لأنكَ أحببته؟.. أخبرني هل أعجبكَ لكونه فحميا كخاصتكَ؟.. ألا تحب آريان لكون خاصته بنيًا !؟.. لم أكن أعلم بأنكَ عنصريٌ إلى هذهِ الدرجة أيها الأسود المحرم !.."
ضحكة منكسرة فرت مني أرفع يداي و أمسح بظهر سبابتاي عيناي الدامعتان قبل أن أبتعد عنه متجهة نحو وعاء طعامه آخذ منه جزرة و أستدرجه بها إلي..
و كما توقعت .. تتبعني و عيناه معلقتان بالجزرة و خطواتي تتعمق في زريبته حتى سمحت له بنهبها من يدي بعد أن وقف في المكان الذي أردته..
تجولت بناظري في الأرجاء قبل أن ألمح مسند معدني عليه سرجٌ مرتبٌ و مقعد خشبيٌ صغير بجانبه جاعلان لابتسامتي تتسع على شفتاي..
هذا ما كنت أبحث عنه !..
مديت يدي ألتمس السرج الجلدي الأسود يتزين بزخارف منقوشة عليه و بعض الأشكال المعدنية لتركيب السرج و تثبيته..
مديت يداي تحته أرفعه و أدفع برجلي المقعد الصغير نحو كارا أُموضعهُ مقابلا لظهره لآخذ بقدماي أصعدُ عليه..
أطلقت نفسا عميقا أعيد إستنشاق آخر و أنا أحدق بالسرج الذي بين يداي فأمده نحو ظهره و هناك ..
إشتعلَ كارا..
فجأة أطلق صهيلاً قويا مفزعًا لي يضرب برجليه الجدار وراءه بقوة منطلقًا قدميه لتجريان به بعشوائية في الزريبة...
ما باله فجأة !؟..
" حسنا حسنا ... كارا إسمعني !.."
و لا حياة لمن تنادي !..
لا يستمع إلي و يستمر بحركاته و كأنني غير موجودة هنا البتا و الفزع يمتلكني لكوني السبب في هيجانه هذه المرة !..
ما الذي علي فعله!؟..
أنا السبب !.. السرج هو السبب !.. السرج ..
نعم السرج !..
إتسعت عيناي للحظة إدراكي تلك و الفكرة التي خطرت لي قبل أن أضيقهما مرة أخرى أطبق تلك الفكرة برفعي للسرج بيداي للأعلى قبل أن أدفعه و أرميه على الأرض بكل ما أوتيت من قوة مصدرًا صوتًا دوى صداها في الزريبة!..
صمتا جامحًا طغى علينا و صدري يعلو و ينزل للهثي أرفع عيناي لتقابل خاصة كارا المظلمة ...
يرمقني بهدوء و جمود دون أن يقوم بأي حركة و بدى و كأنه فزع من فعلتي تلك ..
هذا الشيء الوحيد الذي خطر ببالي لأفعله.. ما كان بيدي حيلة !..
وطأت بالأرض أترجل من المقعد الخشبي بخطى هادئة و ثابتة أهمسُ برقة و إبتسامة مطَمئنة على شفتاي !..
" أنا آسفة !.. أنا آسفة يا كارا... لم أرد أن أؤذيك.. لم أعي بأنك قد تنزعج و تتحسس من السرج.. لو علمت لما قربته حتى منك لأنني قد وعدتك.. وعدتكَ بأنني لن أؤذيك و أنا شخصٌ يفي بوعده .. إهدأ !.."
مع نهاية كلامي كان قد أخذ الجزرة التي حملتها و قربتها منه لأعيد توطيد العلاقة التي تزعزعت بعد دقائق من قيامها و قد إستطعت أن ألامس بيدي وجهه أربت عليه..
أظن أنه قد هدأ... و آمل أن لا تكون ثقته بي قد تزعزعت...
هو لم يقبل بالسرج إذن... ألن يقبل بركوبي له أيضا !؟..
لن أرغمه على شيء لا يريد فعله و لكن .. كنت متحمسة بأن أركبه و نسرع معا !..
و هنا... و كأنه كانَ مستمعًا لصوتي الداخلي !..
إذ به يبتعد عني ليعود للوقوف بنفس الطريقة التي كان يقف بها قبل هيجانه أمام المقعد الخشبي الصغير محدقًا بي !..
هو... لحظة هل ما فهمته صحيح؟..
ضرب برجله بخفة المقعد الخشبي جاعلا لي أستيقظ من إندهاشي و شرودي آخذ خطوات نحوه و نحو وجهه ..
وقفت أمامه ألامس برقة جانبي وجهه أمرر يدي عليهما و بدأ مسترخيا جدُا من حركتي هاته أهمس له..
" كارا.. لا أعلم إن كان هذا ما تقصده بحركتك و لكنني سأجرب الصعود على ظهركَ الآن و لا أعلم إن كان هذا سيزعجك لذلك... تصرف كما يحلو لك !.. إذا أزعجك ركوبي بك إرمني لا مشكلة لدي كن مرتاحا فقط هذا ما أريده حسنا !؟.."
منذ متى أتقبل الأذى إلى هذه الدرجة ؟..
هذا الحد.. مبالغ به بشكل مخيف !..
أبعدت يدي عن وجهه أمرره على طول فوق ظهره قبل أن أرتفع فوق الكرسي الخشبي أحدق بظهره الذي أمامي !..
بعض التوتر ينتابني و علي أن أتخلص منه لأن الأحصنة تشعر !.. تشعر بالطاقة التي بداخل فارسها و تحللها و تتصرف وفقا لها و هذه هي .. لغة الفارس و جواده!..
أسدلت عيناي آخذ أنفاسا عميقة و ألقيها أحاول بها أن أضبط التوتر و أنظف داخلي..
كارا يشعر بالطاقة التي بداخلي و لا أعلم كيف سيحلل و يتصرف عندما يشعر بتوتري لذا علي... أن أُهدأ نفسي !..
هذه الدروس... تشعرني بحنينٍ لماضٍ بعيد كنت أسمعها بها و أنا فوق جوادي الأبيض و ابتسامتي من الأذن للأذن!..
أريد أن أعود لتلك الأيام .. أريد أن أعود لأيام ما قبل الخامسة عشر !.. و أن يتوقف الوقت بها دون أن أرى سواد ذلك العام...
أعدت فتح عيناي بعدما شعرت بهدوء تام و استرخاءٍ يتربع داخلي و قد تأكدت من زوال التوتر كليا من مشاعري..
أنا الآن.. بخير!..
أسندت يداي على ظهره أتلمسه برفق دون أن يبدي أي ردة فعل سوى تك صغير لأسنانه قبل أن أحبس أنفاسي أرفع ساقي أدفعه نحو الأمام و أدفع برجلي الأخرى المقعد أقفز منه لأجد نفسي فجأة جالسة على ظهره أتمسك بشدة بشعره أنتظر منه ردة فعل..
سيهيج !.. سيهيج و سيرميني !.. سيهيج .. سيهيج ؟.. لم يفعل !..
بل مجرد خطوات خطاها و هو يقوم بدورة على الزريبة و كأنه.. يطمئنني !..
يا إلاهي !..
لم أستوعب حتى ما فعلته إلا و إبتسامة واسعة و ضحكة عفوية صغيرة تصدر مني و قد استحال علي تصديق كوني أجلس فوق حصان بعد كل هذه السنوات !..
من قال أن أميليا أرباتوفا ستعود يومًا لركوب الخيل ؟..
زميت شفتاي أعدل جلستي على ظهره و أتمسك بشدة بخصلاته و لم أكن لأفعل لو لم أكن موقنة بأن الأحصنة لا تملك مستشعرات الشعر !..
لو أجد إلارا أمامي فسأقبل رأسها لا محالة لإقناعها لي بإرتداء هذا الفستان !.. لو كنت بالأسود لما إستطعت أبدا ركوب الخيل لكونه محكم على جسدي..
مديت يدي نحو عنقه أمررها عليه أنبس بنبرة حنان..
" هل سمحتَ لي حقَا !؟.. هل وثقت بي و ستسمح لي بأن أقودك و أركبك !؟.. "
حينها لم يجبني بشيء سوى بصوت صغير أصدره تحت أنفاسه دون أن يتوقف عن الحركة بعشوائية !؟..
هذا الحصان... مفعم بالطاقة و الحيوية و لا يتوقف عن حركته و كأنه مصاب بفرط الحركة !..
حينها أبعدت يدي عن رقبته أستقيم و آخذ نفسا قبل أن أتمسك أكثر بخصلاته لا لأنني خفت.. بل لأنني لم أعد أريد النزول من هنا..
مستعدة لأمضي حياتي بهذه الزريبة معه لأن الحياة التي أعيشها أضيق من هذا المكان بكثير على صدري..
" أنتَ سمحتَ لي أن نبتعد معا !.. و أنا سأفي بوعدي .. لنبتعد عن همومنا أيها الأسود !.."
و في تلك اللحظة شرارة الحماس أوقدت نارا داخلي تزامنًا مع ضربي كلتا رجلي بلطف على بطنه مصدرا صهيلا دوى في المكان ..
بدأ بخطوات صغيرة إلى أن عبر باب زريبته لينطلق بعدها بخطوات مهرولة في الرواق نحو ضوء الشمس النابع من الباب الذي أمامنا..
" أي جزء من ' إبقي بعيدة عنه ' لم تفهميه؟.. "
انتفضت فزعة أشد بقوة خصلات كارا ليتوقف مصدرا صهيلا...
تبًا لك و لطريقة ظهورك كالأشباح !..
" و أي جزء من " إظهر كالبشر " لم تفهمه !؟.."
" لا تخرجي عن الموضوع!!.."
زميت شفتاي من حدة عيونه و الأسود لا يتوقف عن الحركة و الدوران بعشوائية مما صعب لي التواصل البصري مع آريان..
و لكنه لم يمنعني من رسم ملامح الكِبر و الإنتصار على وجهي أوجهها إياه بابتسامة ماكرة..
" ألم أقل لك أنك لا تعرف شيئا عني !؟.. لم أقل هذا هزؤا لأنك حقا لا تعرف شيئا عني !.. لا تعرف شيئا عن الفارسة أميليا أرباتوفا التي لا وجود لجواد إلا و هو يخضع بين يديها !.. و لا تعلم شيئا عن أميليا التي تعشق الممنوع لتبيحه !.."
نعم... هذه هي أنا .. أميليا أرباتوفا !!..
يبدو أن خسارة النفس ليست بالشيء السهل !.. فبعض الأشياء الصغيرة فقط قد ترشدك إلى مفتاح مكان منسي بداخلك !..
لقبٌ قد مر الدهر عليه و إلتصق غبار الزمن به نُفض اليوم بفضل هذا الجواد... كارا !!.
لم أعي على نفسي إلا و يدي تمتد نحو رقبته أمررها عليها بلطف و إبتسامة دافئة على وجهي..
شكرا لكَ يا كارا.. لأنك أرجعت لي اليوم نفسي التي خسرتها .. و ذكرتني بلقبي الذي طالما ما عشقته.. ذكرتني بلقبي " الفارسة "
" تسمين نفسكِ الفارسة التي تخضع لها الجياد و أنتِ لم تستطيعي حتى السيطرة على الجواد الذي أنتِ عليه و تسريجه ؟.."
ما هذا الأسلوب!؟..
بصفته من يتحدث إلي و يحتقرني بهذه الطريقة !؟..
أنت حقا... لا تعرفني جيدًا !.. لأنك لا تعلم بأنني لا أسمح أبدا لأي شخص مهما كان بأن يحتقرني و يستصغرني ببضع كلمات من فوهه...
" و من قال بأن الفراسة في السيطرة المهيمنة على الجواد !؟.. الفارس الحقيقي هو الذي تخضع له الأحصنة بنجاحه في ربط قلوبهم بخاصته.. بأن يرتاحوا له و أن لا يشعرهم بأنهم مجرد مخلوقات تساق لأي مكان ببضع ضربات على بطنها!.. الفارس هو من يسوقه حصانه إلى وجهته لا الفارس من يسوقه.. الفارس من يتخد جواده صديقه لا عبيده !.. من يفهم حصانه دون أن ينبس بكلمة و يُشعر حصانه بأنه حرٌ معه.. ذلك هو الفارس الحقيقي !.."
نعم.. هكذا يجب أن يكون الفرسان !..
و اذهب أنتَ و فراستك المصطنعة إلى الجحيم !..
ولكن ملامح وجهه التي نسجها بعد كلامي صلبتني ... ابتسامة هادئة و ملامح مرتخية و يحدق بي و بحركتي مع كارا دون أن يرف له جفن ينبس بنبرة عميقة !..
" ربما فكرة الإبتعاد ليست مضرة دائمًا !!.."
قضبت حاجباي أرمقه بإستغراب أعيد نطق جملته في رأسي لمدة قبل أن..
مهلا لحظة !..
إبتعاد.. إبتعاد ... نبتعد.. كارا !..
اللعنة !!..
لم أكد أستوعب هذا إلا و أنا أسحب خصلات كارا أقوده نحو هذا الوضيع الذي أمامي أنبس بنبرة مشتعلة تكاد تنفجر داخلي !!..
" سحقًا لكَ أكنتَ تتنصت علي أيها الوضيع !؟.. ألم يكن لديك عمل !.."
" أردت أن أتأكد من كونكِ فارسة !.."
قالها بنبرة يملؤها الجمود و النظرات المستفزة مما جعلني أشتعل أكثر..
و بصفتك من يا ترى لتختبر كوني فارسة !؟.. ما... ما كل هذا التكبر و النرجسية!؟..
هل هذا يعني أنه... سمعَ كل شيء؟.. كل ما قلته لكارا تنصت له؟...
يا إلاهي !.. لو تعلم كم أود أن أسحقك تحت حدوات هذا الخيل !..
" لن أنكر أنكِ فاجأتني و أدهشتني لطريقة تواصلكِ مع كارا !.. كيف تواصلت معه و تلك الكلمات و كأنكِ تعاملتِ معه بالتنويم المغناطيسي!.. و كيف تفهمته و علمتِ بحاجته للإبتعاد !.. "
هذا الكلام ... لن يخمد الإشتعال الذي بداخلي أبدا لذلك لا تحاول !..
قدت كارا بعيدا عنه بعض الشيء و أنا بالكاد أستطيع أن أواصل بصري بآريان مع حركة الجواد دون أن أحاول توقيفه !..
ليفعل ما يحلوا له !.. المهم أنه مرتاحًا !..
" و لكن بعدها... فهمتُ بأنكِ لم تتعاملي مع قلبه .. بل تعاملتِ مع قلبه كأنه خاصتكِ !.."
ما ... ما الذي يقوله هذا !؟..
تغصن جبيني من كثرة زمي لحاجباي مع ضمه لذراعيه لصدره يخطوا خطواتٍ غير مرتبة..
" كفاكِ أنكِ علمتِ بأن مكانه هناك يضايقه !.. ربطت الأمر معكِ حينها وجدتِ رغبتكما المشتركة... الإبتعاد !.."
تبًا له كيف حلل الأمر !..
حينها لم أشعر سوى بملامحي ترتخي أرمقه بـ... ضياع !..
و قد شعرت به أنه لاحظ هذا بي قبل أن يمد ذراعه يشير بيده للـ .. مخرج !..
" هيا إنطلقي !.. إبتعدي مثلما أردتِ و أبعدي معكِ كارا !.. إذا كان هذا ما أردتِ فلا تدعي شيئا يوقفكِ.. هيا !.."
لم يسعني كلامه سوى أن أصوب نظري نحو المخرج الذي أمامي بنظرات تملأها .. الضياع مرة أخرى !.. بشكل أكبر !.. و أسوأ !..
رغم أنني لم أقصد هذا الإبتعاد و لكن.. لا بأس به !..
ربما بعض الهرب و الإتجاه الى اللاهدف سينفعني بعض الشيء !..
" هيا ما الذي تنتظرين !؟.. إنطلقي و لا تلتفتي وراءكِ !.."
لن ألتفتَ ورائي... و سأنطلق !..
منذ متى تأتيكِ هذه الفرصة يا أميليا !؟.. متى يأتيكِ شخص و يقول لكِ إنطلقي !؟.. دائما ما يقال لكِ إثبتي و لكن هذه المرة قيل لكِ إنطلقي !..
و أنا.. لن أضيع هذه الفرصة !..
حينها لم أجد نفسي سوى أنني أحكم قبضتي على خصلات كارا أستقيم بابتسامة جانبية تشتعل بالحماس أضرب برجلي بقوة بعض الشي هذه المرة على بطن كارا مصدرًا صهيلا منطلقًا بسرعة و قوة مزامنة مع صراخي بـ..
" هيَّا !!.."
" لا تسرعي كثيرًا أنتِ بدون سرج !.."
" وفر نصائحكَ لنفسك !!"
صرخت بها مجيبة على صراخه و نحن نندفع كالسهم المنطلق دون أن يوقفنا أي شيء ..
عبرنا المخرج ... ثم المزرعة.. ثم وجدت نفسي أجري على السهل !..
يقودني حيث أراد .. لا يهمني لا الهدف و لا الوقت في هذه اللحظة سوى أنني أبتعد !..
أرتفع عن ظهره مع كل قفزة و الريح لا ترحمني بصفعها لوجهي مع سرعتنا التي تزداد شيء فشيء و أندمج أكثر مع كل لحظة تمر..
ها أنتِ ذا يا أميليا.. ها أنتِ ذا تنطلقين .. لا أحد يوقفكِ و لا شيء يخيفكِ !.. فوق الخيل تجرين كالأيام المعدودة السعيدة التي عشتها !..
ريحٌ تتخللني كليًّا و تحرك كل شيء بي و كأنني طائر وجد مخرجًا من قفصه بعد عناء و لم يضيع الفرصة في نفش ريشه و مد جناحيه يطير لمعانقة السماء..
و لم أجد بعدها سوى يدي التي تمتد إلى ربطة شعري أسحبها لتتحرر خصلاتي دون أن تبقى أي واحدة منها دون حركة..
تطير مع خاصة كارا .. خصلات سوداء !.. الخصلات الفحمية اليوم تطير !..
ليتحرر كل شيء بي اليوم !.. ليتحرر شعري و روحي و نفسي لتتحرر أميليا أرباتوفا اليوم !..
حينها لم أجد سوى عيناي تنسدلان أغمضهما و أملأ صدري بهواء السهول أعيد إخراجه ! ..
إستقمت بظهري أبسط ذراعاي كجناحي الطائر و أستشعر الريح التي لم تبقي بي شيء ساكنًا !..
لا شيء أسمعه ... لا شيء سوى صوت دوي الريح و صوت أنفاسنا و طرقات حوافر كارا كطبول تقرع الأرض ..
و للحظة.. شعرت و كأن العالم يتلاشى حولي !.. و كأنني نسيت تماما أين و من أنا .. نسيت أنني أميليا و نسيت أنني هنا !..
نسيت أميليا و مرضي و ماضي و ما مررت به و ما أمر به.. صرت و كأنني أخف من ريشة !.. و كأن روحي علت للسماء ..
و لأول مرة .. شعرت بأنني لا شيء.. و لم أعلم يومًا بأن اللا شيء مريح هكذا !..
و كأن لخبطتي و ضياعي و توتري كله سكن مع هذا الشعور الذي أشعره الآن..
و كأنني الآن... أعيش من أجلي !..
❋˚࿐༵༚⋆。˚ ꕥ ˚。⋆༚࿐˚❋
خطواتنا لم تكف عن الإسراع ...
و لازلت لا أعلم أين أنا.. و لا أعلم كم من الوقت مر..
و مطمئنة و سعيدة من دون خوف في جوفي !..
و لكن للحظة شعرت بسرعة كارا تتناقص شيئا فشيئا إلى أن أصبح مهرولا في خطواته حينها أدركت بأنه قد وصل إلى غايته !؟..
و لم يستمر كثيرا في هرولته إلى أن إنعطف ليدور دورة كاملة على نفسه مطلقا صهيلا قويا...
حسنا هذا أثبت لي !..
ولكن سرعان ما تمسكت بعنقه بشدة و ضحكتي العفوية تصدى في المكان عندما إرتفع بجسده المهيب على ساقيه الخلفيتين يلوح بقائمتيه الأماميتين ينفض رأسه لتتطاير خصلاته الطويلة نحو اليمين مصدرًا صهيلا قويًا !..
و كأنه يثبت وجوده في هذه الحياة ... و كأنه يخبر أنه لا زال على قيدها..
عينيه اللتان تلمعان مع شعاع الشمس و كأنهما ألماس أسود محمي بقضبان رموشه...
كارا... كل شيء به ذو هيبة و قوة !..
ضرب بقوة على الأرض برجليه الأماميتين بعدما أن أنهى عرضه يخطو للأمام لآخد نفسا عميقا أخد يدي و أبعثر شعره ..
" ماذا يا أيها المشاغب !؟.. تمنعني من أن ألبسك السرج ثم تقوم بحركاتك ؟.. هل تريد أن أنزل من على ظهرك إلى تحت حدواتك أيها الأسود !؟.."
لأطلق بعده ضحكة خافتة أخلل يدي في خصلاته السوداء أعدله إياه بعدما بعثرته...
منذ متى لم أضحك بهذه القوة و العفوية !؟..
و لم أجد نفسي بعدها سوى أنني أرفع ساقي اليمنى أمررها فوق ظهره لأقفز بعدها من ظهره نحو الأرضية العشبية ..
و حينها... بحركة عفوية مني.. و دون تفكير في العواقب التي يمكن أن ينتجها إذا إنزعج إتجهت نحوه أطوق عنقه بذراعي أضمه إلي..
و لم يهاجمني !..
بل أطلق زفيرا ثقيلا يتقدم إلي أكثر لأستطيع معانقته براحة..
" شكرًا يا كارا !.. شكرًا لأنك ذكرتني من أنا و ذكرتني بسجيتي !.. ذكرتني بأميليا قبل أن تُجلدَ نفسها و تعذب !.. شعرت بأن... هذا أكثر شيء كنت أحتاجه !!.."
أحببته..
نعم أظن أنني وقعت في حب هذا الخيل و أنني مستعدة لأمضي كل أيامي الآتية و أنا فوقه !..
إبتعدت تدريجيا عنه أعدل له غرته و ابتسامة عفوية تصدر مني نحوه قبل أن يقاطعني.. صوت ضرب حدوات !..
صوت ضرب حدوات حصان تقترب منا شيئا فشيئا لأوجه بصري نحو الطريق الذي قدمنا منه فأرى..
آريان !..
آريان على فرس أشهب أبيض بخصلات طويلة بذات اللون تتطاير مع سري الريح
فوق سرجه يتجه نحونا كالسهم بسرعته ..
أشعر و كأنه إذا لم يلحقني و لم يتنصت علي فستضيق عليه الحياة لا محالة !..
طريقة جلسته.. و تحكمه و ثباته على الجواد تظهر لي حقا بأنه... فارس محترف !..
لم أكد أحدق به إلا و أجده أمامي يسحب بقوة زمام فرسه يهشهش له ليصدر صهيلا قويا مخفضا به سرعته يحاول الثبات على الأرضية..
ملامح آريان الحادة و عينيه اللتان يضيقانه .. إسمرار بشرته ملامح البن في حدقتيه و رموشه و خصلاته و خيوط الشمس تتخللها ...
كل شيء به... كان مناقضا كليا لفرسه الأبيض !..
ضممت ذراعاي لصدري أشبكهما لبعضهما أحدق بآريان بملامح مستمتعة و ماكرة في نفس الوقت أضيع عيناي..
" هل كنتَ تتبعني !؟.."
" كلا.. كنت متجها إلى وجهتك !.."
ها.. أضحكتني !..
قالها و هو يرمي ساقه للجهة الأخرى يقفز على الأرضية و يشبك ذراعاه هو الآخر لصدره محدقا بي قبل أن أطلق ضحكة خافتة جانبية أرد..
" و كيف ستعلم وجهتي يا ترى !؟.."
" لم أعلم وجهتكِ.. و لكنني كنت أعلم وجهة كارا !.."
وجهة كارا !؟..
بمجرد ذكره لاحظت إختفاءه من حولي أزم حاجباي و أتجول بناظري أبحث عنه إلى أن أجده في..
يا إلاهي !..
منظر... الكلمات لن تسع لوصف منظره !..
منظر... أسكن كل شيء بداخلي .. أحسست بعد رؤيته براحة و طمأنينة غريبة !.. و كأن نورًا أنار شيئا خفيا مظلما بجوفي..
كارا الذي يرتمي و يتمدد تحت... شجرة الدلب !..
نعم شجرة دلب تتخللها خيوط الشمس لتنتصب وحيدة في أرضية تتجرد من كل نبات أخضر سوى العشب ...
شجرة كبيرة ذات جذع خشونته توحي بمئات السنين التي عاشتها منتصبة بقوة و كأنها مثبتة هذا السهل الأخضر..
عمر لم يؤثر بإزدهارها و جمالها و كأنها عاقدة عهدا على الدنيا أنها ستشهد على ما تفعل ببشرها !..
و لكن ليس هذا ما أرخى ملامحي !..
بل زهر الأقحوان الذي يحيطها من كل مكان بكثافة !..
يحيطها و كأنه يؤنس وحدتها و يستمد الحياة من جذورها !..
هناك مقولة تقول كلما كرهت شيئا لحقكَ !..
و أنا أقول اليوم.. كلما عشقت و أحببت شيئا بقلب صافٍ تقيَّد بكَ !..
أريد أن أظل بهذا اليوم !.. لا أريد أن تستمر الأيام بعد هذا اليوم أريد أن تنتهي الحياة هنا !..
ألا يمكن هذا !؟..
" هل هو كثير المجيء إلى هنا ؟.. "
سألته و أنا أوجه بصري من ذلك المنظر الجذاب إليه لأجده هو الثاني يعلق بصره بكارا !..
" يمكنكِ القول بأنه دائم المجيء إلى هنا !.."
" معه حقٌ أن يعشق جمال هذه الأرض و يأتي إليها !.."
حينها... ضيق آريان عيناه يتنهد بقوة و يأبى أن يبعد بصره عن كارا و قد أوجست خيفة من ردة فعله !..
هل قلت شيئا خاطئا !؟..
" هو لا يعشق هذه الأرض... بل يعشق ما تحتها !.."
لحظة... ما ... ما الذي قاله !؟..
قضبت حاجباي باستغراب من كلماته قبل أن يستدير نحوي مبعدا بصره عن كارا موجهه نحوي مقابلا لي !..
" كارا من أعز و أوائل الجياد إلي !.. كان كارا الحصان الثالث الذي أقتنيه و كم كان مقربا إلي !.. حصان مفعم بالحيوية و الطاقة لا يكف عن الحركة و الجري و التخريب في كل مكان !.."
صحيح... هذا ما رأيته !..
و بتلقائية وجدت نفسي أوجه بصري نحو كارا الذي يخفض رأسه و يتتبع بأنفه رائحة الأقحوان الذي يجلس أمامه !..
" و لكن كارا لم يكن هذا فقط !.. فقد كان يعشق بطريقة شديدة ' بيلايا ' أول فرس أصيلة أمتلكها !.. مثالان شديدان للحب رغم الإختلاف و التناقض الكبير بينهما !.. هو أسود كالليل و هي بيضاء كالثلج ... حيوي لا يهاب شيئا و هادئة تخاف من أبسط الأشياء .. حتى في أسمائهما كارا و بيلايا - البيضاء - .. ربما هذا الحب تكون من حب كل طرف لإختلاف الآخر !.."
أرجوك... يا إلاهي أرجوك لا تخبرني بما ببالي و لا تخبرني بنهاية هذه القصة !..
شعرت بمحجراي يمتلآن بالدمع و الغصة تحبس مجرى تنفسي و أنا أرمقه دون أن يوجه بصره إلي و يلاحظني ملقيا تنهيدة أخرى أعمق و أثقل..
" لم يدم هذا الحب طويلاً ... فبيلايا قبل سنة مرضت مرضًا شديدًا و توفيت بعد أسبوع من إصابتها !.. و مازاد لكارا سوءً هو أنه كان متواجدا بزريبتها يوم توفيت و لا أعلم ما الذي رآه لأنني لم أكن هناك .. و لا أظن بأنه لم يرى إحتضارها و صعود روحها يومها !.. و منذ ذلك اليوم كارا لم يعد كارا !.. حافظ على حيويته و طاقته و لكنه فقد روحه !.. أصبح همجيا و هائجًا معضم الوقت !.. لا يمر يومًا دون أن يجري إلى هنا حيث متواجد قبرها تحت هذه الشجرة !.. لم يطاوعني قلبي ببيعه مثلما نصحني الجميع و لم أسمح لشخص بأن يمنعه يوما بالمجيء إلى هنا !.. لم يعد يشارك بالسباقات و لم يعد يسمح لأحد بأن يعتليه سواكِ أنتِ اليوم !! .."
و بعد كلمته الأخيرة إستدار إلي موجها بصره نحوي قبل أن يزم حاجبيه للمنظر الذي رآه بي !..
عيناي تفيضان من الدمع الصامت أزم شفتاي و بصري معلق بكارا الذي يثبت بصره بالأرضية و كأنني أسمع بالفوضى و الكلمات التي تصدر من قلبه !..
الحب !..
ذاك الشيء العجيب الذي لا يتواجد بمعجمي !.. الشيء الذي لم يدع شاعرًا إلا وتشعر به و لم يدع مغنيًا إلا و تغنى به و الذي لم يترك شخصا إلا و وقع به !..
و لكن هل ياترى ... كلهم يحبون بنقاوة !؟..
هل كل هؤلاء يحبون حبهم بكل عيوبه و إختلافه عنه ككارا و بيلايا ؟.. لا يعيبون و لا يذلون و يقذفون حبهم و تبحث أعينهم عن شخص أكمل؟..
أؤمن بالحب ... نعم أنا أؤمن بالحب و لكن .. ليس في زمننا هذا !..
و لكنني فجأة رأيت رأس آريان يخترق مجال رؤيتي و هو يميله إلي ليقابل خاصتي و تعقيدة حاجبيه لازالت لم تغادر وجهه..
" لم أخبركِ بهذا لتبكي !؟.."
" تأثرت قليلا فحسب !.. أنني فارسة لا يعني أنني لست فتاة !.."
قلتها بنبرة ممازحة قبل أن يبعد رأسه و أنا أمسح بظهر سبابتي عيناي أحاول أن أجفف محجراي !..
ما هذا الموقف السخيف الذي وضعتُ به نفسي !؟..
" لم يقل أحد غير هذا !.."
أعلم..
أخذت شهيقا عميقا أحاول أن أمرر الغصة العالقة بحلقي و لم أعلم كم من الوقت بقيت واقفة في مكاني و مقلتاي لا تتعلقان سوى بكارا !..
" برأيك... ما الشيء الذي بي جعله يخضع لي بهذه السرعة !؟.. لا أشعر بأنني إجتهدت كثيرا بهذا !؟.."
" ألم تستوعبي إلى الآن !؟. "
ما الذي علي إستيعابه !؟..
رمقته باستغراب أرفع بصري نحوه قبل أن يأخذ نظرة جانبية إلي مضيفا لكلماته و هو يخطوا إلى الأمام أتتبعه ..
" فهمت كل شيء عندما تنصت إلى قولكِ ' هل أحببتَ شعري !؟ ' !.. ربما... ربما أحبه و لكن .. بدوتِ له و كأنكِ شيء من بيلايا أتى إليه برائحة شعرك التي و كأنكِ حملتها من هذا المكان بالنسبة له !.. "
رائحة شعري!؟..
الأمس ... رائحة الأقحوان!؟..
آه... هل هذا هو السبب حقَّا !؟..
أظن أنني أشعر بالسعادة لهذا الشيء قليلا !.. كوني حملت له شيئا يذكره بمحبوبته التي إفتقدها ... و ربما هذا هو الشيء الذي جعله مركزا على على شعري عندما كنت معه و الذي جعله أيضا لا يرفض بتاتا إقترابي منه !..
كارا ...
و لم أستفق من أفكاري سوى و أنا أقف على مقربة من جذع هذه الشجرة و هي تمدد المساحة التي حولنا كلها بظلها ...
إتجهنا لوجهها الخلفي لندع كارا و بيلايا على إنفراد و أنا أتتبع آريان الذي فحص الأرضية حوله قبل أن يرتمي على الأرض جالسا و مسندا ظهره على جذع هذه الدلب يثني رجلا و يبسط أخرى يحدق بتحرك الأغصان و الأوراق فوقه بتأمل !..
" إجلسي !.."
عرض الشجرة كبير و هذا لن يمنعني من أخذ جلسة بعيدة عنه بمسافة جيدة !..
قبضت طرف فستاني أتجه بخطواتي و أحذر من أن أطأ على وردة أقحوان لآخذ أنا الأخرى جلستي مستندة على جذع الشجرة مستنشقةً هواء السماء البارد حولي !..
يال الراحة !.
مكان ساكن... لا يسمع به سوى صوت حفيف أغصان الدلب و الريح .. صفير و زقزقة الطيور و كأنها تغرد مودعة البلدة لكون هذا الموسم هو موسم هجرتها..
دمتم بخير !..
" ما إسمه !؟.."
قلت و أنا أحدق نحو خيله ليتتبع إتجاه مقلتاي يبتسم بدفئ مجيبا...
" لادو !.."
لادوا...
لن أنكر هذا ولكن ... يجيد إنتقاء أسماء خيوله !..
" متى تعلمتِ ركوب الخيل بتلك الإحترافية !؟.."
سؤاله ... و كأنه مس شيئا حساسا بي !..
سؤال ذكرني بأيام... أريد أن أتذكرها و أن لا أتذكرها في نفس الوقت !..
إبتسامة منكسرة ظهرت على شفتاي أرجع خصلاتي وراء ظهري مجيبة بنبرة هادئة ..
" عندما كانت الحياة حياة !.."
إرتفع حاجبيه و بدا لي و كأنه منصدم من إجابتي العميقة هاته...
كانت الحياة حياة... و الآن أصبحت أقل ما يقال عنها جحيم !..
حدقت حولي أحاول أن أنسى الموضوع الذي فتحه و أنا أرى العدد الكبير و الهائل للأقحوان و هو يحيطني من كل مكان بقرصه الشمسي الذي تحيطه تلك الأوراق البيضاء !..
تلمستها بخفة و أنا أشعر بملمس بياضها الناعم و رحيق قرصها دون أن أعي للإبتسامة التي ترتسم بوجهي!..
حينها قطفت إحداها التي حرصت بأن تكون ذابلة بعض الشيء أمدها نحو أنف وجهي ليشق عبيرها طريقها لجوفي تجعل عيناي تنسدلان بخفة أستشعر حلاوتها..
" هل تحبينها إلى هذه الدرجة !؟.."
" ألا تعجبك !؟.."
قلتها و قد تذكرت الآن أنه بجانبي لإندماجي مع رائحتها أرمقه لأجده يمسك غصنا و ينقش به بعشوائية على الأرضية قبل أن تمتعض شفتاه مردفا..
" صحيح .. رائحتها مرة !.."
" ذلك عيب بالنسبة لك و ميزة بالنسبة لها !.."
حينها أدار عنقه إلي بغير فهم يتصل بمقلتيه لخاصتي قبل أن أعيد توجيه بصري نحو الأقحوانة التي بيدي أتلمسها و أضيف !..
" الورد الأحمر.. كل الناس واقعة بحبه !.. عبقه.. شكله.. تعبيره عن الجمال و الحب و كأنه آية من الكمال !.. و لكنه ذو أشواك حادة و رقيقة اليس كذلك ؟.. تدخل في إصبعك و تنسى كل شيء يخص ذلك الورد و تتعهد بأن لا تلمسه مرة أخرى و هذا هو هدفها.. أنتَ ترى شوكها عيب فيها و هي تراه ميزة يحميها من الأيادي المؤذية !.. و كذلك الأقحوان و لكن بطريقة مختلفة !.. "
وجهت بصري نحوه أبعده عن الأقحوانة لأجده... يحدق بي بانسجام و تركيز دون أن يبدي أية ردة فعل سوى عيناه اللتان تقولان .. أكملي !..
قلتها و سأعيدها... أكره نظراته هاته لكونها لا تطمئنني !..
" إذا أحضر شخص لأحد ما الأقحوان ثم أخبره بأن الذي أحضرته رائحته مرة لن يقطفها ذلك الشخص مرة أخرى أليس كذلك ؟.. الأقحوان ورد صغير .. ضعيف يدهس تحت الأقدام و لا يلاحظ بتاتا و طريقة حمايته لنفسه ليست كالورد بالعنف كالأشواك و غيرها.. بل تحمي نفسها بروحها فقط !.. الأقحوان تنبت جماعة ملتصقة ببعضها البعض لتظهر و يتجنب المبصرون دهسها بأقدامهم... و أيضا أضافت لرائحتها تلك المرارة ليكرهها الناس و يتجنبون قطفها و لا تظهر رائحتها سوى لمن وثق بها !.. و لو تقارن.. ستجد أن الأقحوان عرفت كيف تحمي نفسها أكثر من الورد !!.. خذ من جانبك وردة أقحوان لأريك شيئا !.."
وجهت بصري نحوه مبتسمة بلطف و لم يمل من التحديق بي ...
فصل تواصله البصري يتجول ببصره حوله و ما إن مد يده نحو إحداها إذ بي أندفع..
" إنتظر !!.."
رد بصره نحوي باستغراب لأزم شفتاي حرجة من إندفاعي أضيف !..
" إحرص أن تكون التي تقطفها ذابلة بعض الشيء !.."
حينها... إرتخت عيناه و ملامحه بشكل غريب يطلق ظهره ليستند على الجذع وراءه يطلق زفيرا طويلا و يأبى أن يبعد بصره عني !..
ما به هذا أيضا !؟..
قضبت حاجباي دون أن أزيل إبتسامتي من شفتاي أشير نحو الأقحوان..
" هيا خذ ماذا دهاك !؟.."
زم شفتيه يستقيم من وراء الجذع يعود للتجول بناظره حوله قبل أن يلمح إحداها أطراف أوراقها صفراء ليقطفها يوجهها إليه..
وضيع مطيع !..
لو سمع صوتي الداخلي لقتلني لا محالة !!..
" الآن أنظر.. إستنشق عبقها و شمها و لكن... حاول أن لا تركز على مرارتها و ركز على الرائحة التي تخفيها !.."
وجه بصره نحوها يأخذها بين أصابعه بتردد .. و كأنه هذه المرة لا يثق بما أقوله !..
و لكنه لم يمنع نفسه من أن يقربها من أنفه ببطئ و عيناه نصف مغمضتين و ما إن أستنشق عبيرها حتى أغمضتا كليًّا ...
لحظة صمت ...
و أنا أنتظر أي ردة فعل منه و أنا أراه يستنشق و يعيد و كأنه يحاول أن يجد بها ما يمتعني !..
بدأت أشك من كوني أنا مديرة شركة عطور !..
إلى أن لاحظت... إرتفاع حاجبيه و إرتخاء ملامحه بشكل ... مريح !.. وبدأت عيناه ترتخيان شيئا فشيئا آبى أن أبعد بصري عنه..
فتح عيناه... و بدأ يتأمل الزهرة التي بيده و كأنها أغنى شيء يحمله في يده حاليا !..
" هل وجدت بها ما وجدته !؟.."
" ألهذا تحبينه؟.. "
وجهت بصري نحوه مبتسمة بلطف على سؤاله و لكن أضاف عندما فرقت شفتاي لأجيبه بنعم..
" لكونهِ يشبهك !؟.."
ما... ما الذي يقصده؟..
ألجمت بإرتفع حاجباي بحيرة تختفي الإبتسامة من ملامحي لما قاله أعيد كلماته ببالي إلى أن بدأت أربط الخيوط ببعضها !..
الأقحوان ورد صغير ضعيف ... يحمي نفسه بروحه.. يضيف المرارة لرائحته ليتجنبه الناس... لا يظهر رائحته سوى لمن وثق به...
أنا قصيرة و ضعيفة... لا أملك أشواك سوى سكينتي و أحمي نفسي بروحي المعقدة و بمرضي ... أضيف البرود و الحدة لنفسي لأتجنب الناس... لا أظهر روحي الحقيقية سوى لمن وثقت به !..
شعرت للحظة و كأنها نسخة مني !..
" ربما.. من يعلم !؟.."
قلتها و أنا أثني مرفقي أسنده على ركبتي المثنية و أحيط بكفي وجهي و بصري معلق بالأقحوانة التي تدور بين أصابعي..
ربما... ربما أحببت الأقحوان لتشابه الذي بيننا !.. ربما أنا نسخة الأقحوان البشرية .. و يا ليتني لم أكن كذلك!..
ليتني كنت مجرد نبتة و زهرة يتمتع الناظر إليها فحسب ... ربما حينها سيكون كل شيء أفضل !..
" لم أخطئ عندما قلت عنكِ متناقضة !.."
ضحكة خافتة فرت مني أتنهد أمدد ذراعاي و أشبك أصابعي ببعضها أمام ركبتاي المثنيتان دون أن أوصل بصري نحوه...
" على ذكر هذا ... ما سبب ظنك بهذا علي!؟.."
قلتها موجهة له بصري لتلتقي مقلتينا قبل أن تظهر ابتسامة جانبية على شفتيه و توجست من رفعه و خفضه لبصره نحوي مردفا بعدما أبعد ناظره..
" أبسط شيء هو الفرق بين لباسكِ و منزلكِ !.."
حسنا... لم أتوقع أن يواجهني بهذا الأمر !...
إبتسامة هادئة نسجت على شفتاي مضيقة عيناي و أنا أفكر في الأمر الذي طرحه..
الفرق بين لباسي و مسكني..
معه حق.. لباس فاخم في منزل خشبي من أكبر التناقضات في حياتي !.. بل لنقل أنه من تناقضات حياتي لأن معظمها كبير !..
و لكن .. لا ضرر في فكِ هذا التناقض أليس كذلك !؟...
" كنت أعمل من قبل في معمل قماش !.. معملٍ كبير تنسج به الأقمشة و تخاط به الفساتين و كنتُ وقتها مسؤولة عن بعض الأمور به كتقديم الشاي و القهوة للعمال و تنظيم السلع في الصناديق الكرتونية و تنظيف المكان بعد خلوه بالليل !.. كان عمل مرهق لن أنكر هذا ولكن الراتب به كان جيدًا !.. حينها إستغليت كل ذلك المال في إقتناء الملابس لنفسي و لتدفئني في برد فلاديفوستوك و أيضا لـ ... أبعد نظرات الشفقة عني !.."
زميت شفتاي إلي بابتسامة منكسرة من جملتي الأخيرة و أنا أتذكر تلك النظرات !..
تلك النظرات و كأنها نظرات إشفاق من مجرم لضحيته رغم كونه هو المتسبب بحالتها ..
و المضحك في هذا الأمر... أن هذا العمل عملته عندما كان عمري ما بين الخامس عشر و السادس عشر !.. أي أنني لم أزدد طولا و لا وزنا منذ ذلك العمر !..
قصيرة..
" ألا تظنين بأنكِ تهتمين لهذا الأمر كثيرا !؟.."
تجهم وجهي من جملته أوجه بصري نحوه باستغراب قبل أن يضيف !..
" تهتمين بنظرات الناس.. و نظرات الشفقة و لا تمانعين من فعل أي شيء لتحسين صورتكِ أمامهم !.. أنفقتِ مالكِ في ملابس عوض أن تستثمريها و تعيشي حياة أفضل !.."
" لا أتحمل نظرات الإشفاق !.."
" و كأنكِ ستتحررين منها بفعلتكِ هاته !.. كلنا معرضون لها و كلنا نراها في أعين من حولنا خلقت الناس لتنظر فما شأنكِ بهذا؟.. تستمرين في إرتداء أقنعة تغطي هويتك و كينونتكِ كأميليا لدرجة أن من حولكِ يصعب عليهم التعرف عليكِ و يستمرون في طرح ' من أنتِ يا أميليا '!؟.. نعم يا أميليا من أنتِ !؟.."
كلامه ... كالرصاص...
إنفعاله فجأة و تهجمه هذا جعلني أزم شفتاي في إنزعاج ..
من أنتِ يا أميليا !؟.. من أنا !؟.. لا شيء ..
تزامنا مع التشوش و الفوضى التي أحدثها بي سمعت صوت حركة و صهيل كارا لأميل رأسي فأجده قد استقام من تمدده..
و إغتنمت هذه الفرصة لأبتعد عنه !!..
فلم أجد نفسي بعدها سوى و أنا أقف مستقيمة من جلستي أحكم قبضتي على أطراف ثوبي بإنزعاج و فراغ كبير بداخلي !..
تبّا لك يا آريان لإفسادكَ لمزاجي رغم أنني موقنة بأن كلامك للأسف ... صحيح!..
إتجهت نحو كارا أقترب ببطء منه إلى أن حطت يدي على وجهه أتلمسه بحنان!..
أصبح تثبيت الحدود بيننا شيء ضروري كل مرة نلتقي بها !..
" أميليا أرباتوفا !.. فتاة إلتقيت بها صدفة و هي تعمل الآن ممرضة لوالدتك !.. مجرد ضيفة في حياتك ستغادرها مثلما تغادر الطيور البلدة في هذا الموسم !.. و أحذركَ من أن تنبش بي أو بماضيي أبدًا و إلا ... "
لا داعي لهذا يا أميليا !..
قلت هذا بداخلي أتنهد و أبتعد عن وجه كارا أستعد للصعود بظهره قبل أن أشعر بخطواتٍ ورائي أستدير لأرى آريان يتقدم نحوي و يداه على جيوبه بملامح.. متحدية و مستفزة في نفس الوقت !..
" و إلا ماذا !؟.. أثرتِ فضولي ما الجملة التي ستقولينها بعد ' لن تبصر شمس غد '!.."
سافل...
حينها لم أمنع نفسي من ان أنسج على وجهي أنا الأخرى ملامحي الحادة أرمقه بجمود و نبرة صارمة تحمل كل الجدية بها !..
" وقتها... لا أنت... و لا أنا ولا السيدة فيرا و لا منزلك و لا شركتكَ و لا أي شيء يخصك.. يمكنني ان أضمن لكَ سلامته.. انا جادة ! "
إحتدت عيناه بشدة و هو يرمقني من بين خصلاته المتدلية على جبينه و هو يحرقني بنظراته !..
" هل أنتِ تهددينني !؟.."
" بل أخبركَ بما سيحدث إن قررت أن تتمادى !.."
إستدرت بعدها بحدة أناوله ظهري متجهة نحو كارا الذي كان بجانب خيل آريان..
وضعت رجلي على رِكاب جواد آريان لادو أصعد به على ظهر كارا لكونه دون رِكاب أستقيم على ظهره قبل أن أسمع تلك الكلمة من آريان !..
" قزمة !.."
" أنظر يا أيها العمود أقسم أنني أدهسك تحت حدوات كارا و لا يرأف لي جفن لا تستفزني !!.."
إلا طولي !..
ضحكة خافتة صدرت منه قبل أن يعتلي هو الآخر حصانه قبل أن ينطلق بغفلة مني صارخا !..
" آخر من يصل إلى المزرعة سينظف زرائب الخيول !.."
" هذا ليس عدلاً أنا من دون سرج !.. "
" مشكلتكِ ! "
حينها إشتعل الحماس بداخلي أصرخ بأعلى قوة على كارا بهيا أضرب بطنه برجلاي أنطلق بسرعة كالسهم أحاول اللحاق به !..
محتال ..
و لكنه... سبقني..
نعم و اللعنة عليه سبقني...
و لكنها ... مجرد إنشات صغيرة بيننا !..
لو كنت على السرجٍ لسبقته بسهولة على أية حال !..
لم أكن أفكر بهذا سوى و أنا أسند رأسي مبتسمة على نافذة سيارة آريان التي تسير بنا عائدين أدراجنا نحو مساكننا و النسيم البارد يلعب بخصلاتي المتمرد من الفتحة الصغيرة لنافذتي ...
هذا اليوم.. كان يوما.. مميزا !!..
يوما لن أنساه مادام صدري يعلو و ينزل متنفسا.. يوم يعد مع أحلى الأيام التي عشتها في حياتي التي تعد على الأصابع !..
يوم.. كان منفس السنين الماضية !..
و لم ينتهي بتلك اللحظة ..
بل أخذتني السيدة فيرا في جولة على مزرعتها بعد ذلك السباق المشؤوم عندما أن عدت إليها..
و اكتشفت ما وراء ذلك المنزل و ما تقود إليه تلك الممرات البيضاء !..
حقل أخضر مريح و جميل به أنواع مختلفة من النباتات.. هذا توت و ذلك ورد و ذاك جزر..
أشجار مصفوفة بطريقة أنيقة في الجهة الشرقية مختلفة بين التفاح و الليمون و البرتقال..
مساحة دائرية بالجهة الشمالية و قد أدركت بأنها مساحة لتدريب و تنزيه الحيوانات من إصطبلاتها..
جريت.. ضحكت.. تنفست.. جرى ماء النهر تحت رجلاي يبللهما.. تخلل الهواء خصلاتي.. تغزلت خيوط الشمس الدافئة ببشرتي.. لمست أناملي الأوراق الملساء .. تذوق لساني حلاوة و نكهة التوت و التفاح..
فعلت كل ما لم أفعله في العشر سنين الماضية!..
و كأنني أخذت اليوم إستراحة من جلد الحياة لي ..
و ياليت هذه الإستراحة تدوم أكثر..
و مع كل حركة كنت أقوم بها.. كان آريان يراقبني..
من بعيد.. بصمت.. بعيونه الضيقة و شبه ابتسامة على شفتيه.. بصمت.. مربك !!..
لا يتقدم و لا يضيق المسافة بيننا و يراقب كل حركة و ملامح تنسج على وجهي..
أكره هذا ولكن .. أزداد كل مرة شكا بشأنه!..
تغيره المفاجئ هذا.. و تصرفاته و حركاته المدروسة بخصوصي تشعرني كل يوم بأنه ..يعرف شيئا !!.
يشعرني بأنه يعرف كل شيء .. أو بعض الشيء.. لا أعلم إن كان حقا يعرف شيئا أو أن تفكيري الزائد هو من يدخل شكوكًا لا داعي لها بداخلي !..
و هذه الشكوك... عليها أن تتوقف !.. لأنها قد بدأت تتمادى إلى بعض الأشخاص الذين.. يستحيل أن يفعلوا ما أفكر به !..
أتمنى هذا ...
جحظت عيناي بعدما إستعدت تفكيري من شرودي الذي وجدت نفسي به أطيل النظر نحو عيون آريان من المرآة و قد التقت عيونه بي..
تبًا.. سيظن بأنني كنت أراقبه !!..
تداركت الموقف بعدم إبعاد عيناي عنه أستيقم في جلستي أقول بنبرة صارمة مبدية له بأن شرودي به كان تفكيرا بما سأقوله..
" أنزلني هنا من فضلك !.."
أعاد نقل بصره إلي بتقضيبة صغيرة بين حاجبيه و لكن دون أن ينبس بكلمة عكس السيدة فيرا التي علقت مباشرة..
" و لما تنزلين هنا يا أميليا؟.. أمنزلك قريب من هنا؟.."
" تماما يا سيدة فيرا .. منزلي لا يبعد كثيرا عن هذا المكان !.. "
" إذن أخبرينا بموقع منزلك بالتدقيق و نحن سنوصلك لحد الباب لا تخجلي يا عزيزتي !.."
لحد... الباب؟..
منزلي!؟..
لم أكد أستوعب كلماتها إلا وهي تضيف..
" كما أنني أريد أن أتعرف على عائلتك يا جميلتي.. أتوق لتعرف على الأم التي أنجبت هذا الجمال و الرقة التي بك و الأب الذي أنضج هذا الأدب و الحكمة بكِ !.. أريد أن أشكرهما على تربيتك و أتعرف على حياتك !.."
لا توقن هذا...
لا توقن بأن كل كلماتها كرصاصات تصيب صدري بالتوالي دون رحمة!!..
لا توقن بأن كل جملة تكملها تنزع بها قطعة من إبتسامتي و تبث دمعة إلى محجراي..
لا توقن بأن كل صفة تقولها ينزف قلبي بها أكثر فأكثر..
لم أجد نفسي إلا و أنا أخفض بصري نحو الفراغ أحاول أن أبتلع الغصة التي تكورت في حنجرتي تحبس مجرى تنفسي لأعيد توجيه بصري نحو النافذة لعل الهواء يجفف الدموع المتراكمة على محجراي..
أشعر بالإختناق ..
و لأشعر فجأة بتباطئ سرعة السيارة و انحيازها نحو الجهة اليمنى لتُركن بها ..
أهذا؟..
وجهت عيناي المقتضبتان نحو آريان لأجده يرمقني من المرآة ينبس بنبرة باردة و .. دافئة في نفس الوقت تحت إستغراب السيدة فيرا !..
" إنزلي !.."
فهمني...
زممت شفاهي أرمقه لأومئ له برأسي شاكرة له بداخلي...
حملت حقيبتي و مديت يدي نحو مقبض الباب أفتحه و أدفع برجلي مستقيمة من السيارة مغلقة الباب ورائي..
ليتني أستطيع أن أشكر السيدة فيرا أو أعتذر منها ولكن.. عيوني المليئة بالدموع و الغصة التي بداخلي ستُفضح في صوتي لا ريب لذلك .. لم أستطع فعلها !..
و وجدت نفسي أضم نفسي عاقدة دراعاي أعبر الطريق دون أن ألتفت إلى السيارة نحو الرصيف الأيسر... الرصيف المجاور للبحر..
نفس المكان.. الذي وقفت به ذلك اليوم !.. اليوم الذي طردت به من عملي !..
المكان الذي أسميه .. متنفسي..
أمشي بجانبه و آخد أنفاسا عميقة أنفس بها عن صدري من النسمات الباردة التي تلفحني و تلعب بخصلاتي التي تنساب على ظهري - لم أجد شريطة شعري منذ أن أطلقته من فوق كارا - أفكر في كلام السيدة فيرا ...
عائلة...
عن أي شيء تتحدث تحديدا بكلمتها هاته !؟..
هل عن الجدران التي شهدت على وحدتي و انعزالي!؟..
أم عن الوسادة التي امتلأت بدموعي؟..
أم عن الأرضية التي شهدت على جمودي و ارتجافي بها من قبل؟..
عن ماذا تتحدث بالتحديد لأن هذه الأشياء هي التي أنضجت بي القوة و الصمود و الحكمة و الأدب!!..
تتحدث عن شيء إسمه العائلة!؟..
قالت عائلة قالت !..
لم أجد نفسي إلا و عيني تذرف دمعة أسارع في مسحها من وجنتي بظهر يدي آخد نفسا عميقا و أعيد توجيه بصري نحو البحر و أمواجه الصغيرة ..
تعبت...
مزاجي فسد في لحظة واحدة ... و كأن الحياة توقضني من أحلام يقظتي بالكلام الذي سمعته..
و إذ بي فجأة ... أقضب حاجباي لسماعي لصوت صفير... منبهر من ورائي غير... مبشر بالخير!..
و ما إن إنتهى صوت الصفير إذ بصوت ذكوري يمشي من ورائي يقول بنبرة مخاطبة متعمدا وصول صوتها إلي..
" أنظر أنظر أنظر يا رجل إلى هذه القنبلة !!.."
ليفجرها الإله فوق رأسك الفارغ...
سحقًا... هذا ما كان ناقصا ليكتمل سوء يومي...
أملت رأسي قليلا نحو الجانب لعلني ألمح ملامح هذا الحيوان و إذ بي ألمحها و إذ بي.. أدركته..
رجلان كنت قد مررت عليهما قبل قليل و لم أراقب نظراتهما لشرودي بأفكاري ، أحدها عريض ممتلئ و الآخر خشبة...
و إذ بي أسمع رد الثاني لكلام الآخر محافظة على تجاهلي لهما و زيادة في سرعة خطواتي..
" يا فتاة !.. من أي جنة خرجتي أنتِ!؟.. ما كل هذا الجمال الذي جمعته بكِ و لم تتركِ شيئا للفتيات !؟.."
" يا هذا.. هذه الحلوة تخجل حتى من تصنيفها من البشر... هذه ملاك.. ملاك نزل من السماء !.."
مثلما أخجل أنا من تصنيفكم حتى من الحيوانات إحتراما لها.. مجرد قذارة !..
يا إلاهي بدأت أتعرق !.. اللعنة على هذا الجمال إذا كان سيجلب إلي قذارة كهذه !!...
أدخلت يدي شيئا فشيئا في حقيبتي أفتح بها سكينتي إحتمالا لأي شيئ !.. مع تسارع أكثر لخطواتي و أنفاسي..
" يا فتاة لا تخافي نحن لن نؤذيكِ !.. نحن نتحدث معك فحسب ! نريد أن نتعرف عليك فحسب !.."
" آسف يا رجل و لكنني لن أعدك بهذا إذا لم تعطي لي رقمها !.."
" أظن أنه معك حق و لكنني.. لن أطلب منها رقم هاتفها فحسب !.."
قليلا أدب !!..
و إذ بضحكاتهما المقززة مثلهما تعلو تجعل العرق يتصبب على طول جسدي و رجفة تسري على طول ظهري..
ساعدني يا إلاهي !!.. خلصني منهم أنا خائفة !!..
" هيه يا فتاة نحن نتحدث معكِ لما تتظاهرين بأنكِ لا تسمعيننا !؟.."
" إستديري و أنظري إلينا قليلا !.."
لم أكن خائفة إلا من شيء واحد .. لمسي !..
أستطيع أن أبارزهم و أسقطهم أرضا سواءً مغمى عليهم أو مقتولين و لكن... قبل أن أصاب بمرضي !..
أخاف من لمسة !..
لمسة واحدة منهم ستدمرني و تجعلني في متناولهم !..
العرق يتصبب على جسدي و صدري يعلو و ينزل مع أنفاسي اللاهثة و ضرب قلبي لصدري..
لم أعي على نفسي إلا و أنا أحكم شدي أكثر على سكينتي متأهبة لأي حركة..
و إذ بي أشعر بذلك الخشبة يتقدم أكثر إلي و أشعر.. بيده تمتد إلي !..
" يا فتاة ! .. توقفي عن كونكِ خجولة إلى هذا الحد و تعالي... "
" إبتعد عني !!.."
قطعت صوته بحركة.. لم أستوعب حتى أنني أنا التي نفذتها!..
دون إدراك مني أستدير إليه كالصاعقة أرفع رجلي و أضرب بكعب حذائي وجهه مسقطة إياه على الأرضية و هو يلتوي في الأرض صارخا بألم..
ما الذي.. فعلته !؟..
صدري يعلو بأنفاسي اللاهثة دون أن تبقى نقطة واحدة من جسدي دون إرتجاف و عيوني مثبتة على الجبان الصارخ أمامي كالطفل و الدم يملؤ وجهه!..
حسنا أظن أنني... كسرت أنفه !..
رفعت بصري حولي و اذ بي أجد المارة واقفة تشاهد بعيون مذهولة لفعلتي !؟.
نعم.. هذا ما تريدون رؤيته !.. عندما كانوا يلاحقونني بوضوح و كنت أموت رعبا لم يلاحظ أحد و لم يتحرك أي كلب منكم و لكن عندما رأيتم دم و القتال كلكم توقفتم للمشاهدة !!..
جبناء !!..
" شرسة.. و مثيرة !!.."
أعدت تصويب نظري أمامي لأجد هذا الضخم أمامي بابتسامة مقززة و ماكرة يرمقني بشهوة غير آبه لصراخ صديقه و كأنه.. كان يريد هذا !..
ضيقتُ عيناي بحدة أخرج سكينتي و أوجهها نحوه تحت أنظاره و أَظهر بكامل إستعدادي و لكن من الداخل.. أنا هشة بكل معنى الكلمة !..
خائفة.. مرعوبة.. أخاف من أن يلمس لحمه لحمي !..
و إذ به يخفض بصره نحو سكينتي بابتسامة جانبية..
" جاهزة أيضا !!.. لا تتوقفين عن إدهاشي و لكن.. لو تحكمين عليها قليلا لأنها تكاد تسقط من يدك بسبب... إرتجاف يدك !"
تبًا لقد لاحظ هذا !!..
أخدت يدي أمسح تعرقها بفستاني أعيد شد السكينة بإحكام أزم شفتاي بقوة !..
هيا يا أميليا.. تستطيعين فعلها هيا !..
و اذ به يتقدم خطوات نحوي و أزداد إحكاما لسكينتي قبل أن..
" إبتعد عنها يا حيوان !.."
إتسعت عيناي .. سقطت السكينة.. إرتخت شفاهي .. دق قلبي !..
هذا الصوت ؟..
وجهت بصري نحوه و إذ به صوت ... آريان !..
آريان.. بوجه .. لم أعهده من قبل !.. خطوات قاصدة و حواجب مقضوبة و جبهة مجعدة و عيون تطلق رصاص من بعيد مصوبة نحو شيء واحد.. هذا البرميل !..
و كأنه... أسد قد أبصر فريسته للتو و لا يبصر شيئا آخر غيرها !..
يقترب يقترب يقترب حتى وقف أمامي دون أن يلقي نظرة واحدة إلي آخدا بأكتاف قميص هذا الضخم ليضربه فجأة بكل ما أوتي بقوة بجبهته على وجهه مسقطا إياه بجانب صديقه المغمى عليه !..
انتفضت فزعة أضع يداي على شفتاي باتساع عيناي لقوة تلك الضربة منزفا أنفه..
" إنهض !!.."
صرخ به آريان يمد يده نحو قميصه و يشده بقوة محاولا أن يوقفه !..
هل هذا... آريان!؟...
أنا لم أرى.. أريان هكذا من قبل..
آريان الهادئ المستفز... أين هو من هذا الشخص الثائر الغاضب إلى هذه الدرجة !؟..
أنفاس لاهثة و أوردة بارزة في قبضته..
" قف على قدمك هيَا !!.. أرني قوتك التي تظهرها على الفتيات يا نذل إنهض !.."
و لم ينهي كلامه إلا و قبضته تهوي نحو وجه الضخم..
لم أوقفه.. و لم أدافع ... و لم أتكلم ...
ربما كنت أنانية.. لإرادتي بأن أرى كل متـ.حرش.. كل مغ.تصب... مقـ.تولا أمامي !..
لم تعد أفكاري سليمة بشأنهم !.. أريد أن أطبق كل ما طُبق علي عليهم !.. أن أسود لهم حياتهم مثلما سودوا لي حياتي !.. أن أذيقهم مرارة ما ذقته !..
أنانية لأنني فكرت بهذا و لم أفكر بالعواقب التي ستصيب آريان لاحقًا !!..
إرتخت ملامحي.. و أنا أنظر لوجه عديم الشرف هذا ملونا بالدم و آريان يرفعه كل مرة و يعيد ضربه ملقيا عليه كلمات و شتائم لم أسمعها !..
لم أسمعها لكون عقلي لا يتوقف عن سماع ما يريد !.. عن فتح الدفاتر الدموية كلما رأى دما...
أرجوك لا تفعل هذا !..
الأصوات قد بدأت تتزاحم نحو مسمعي.. صوتي.. و صوتهم !.. كوابيس..
لا أريد أن أموت !..
صوت بكائي مختلط بهذه الجملة.. صوت إحتكاك رجلي بالأرضية أحاول الهروب من حتفي !..
أنا لم أفعل شيئا !..
حاولت إقناعهم و لكن.. من سيسمع صوتك !؟.. من سيسمع صوت فتاة في الخامس عشر من عمرها !؟..
أرجوك.. أرجوك لا ذنب لها الذنب ذنبي ...
و من سيسمع لتوسلكِ و يستجيب لرجائكِ... من سيفعل هذا يا أميليا !؟.. أنتِ لا زلتِ لا تفهمين بأنك في عالم يأكل به القوي الضعيف !.. أنكِ في عالم يحكمه قانون غابة !..
لم تستيقظي بعد...
إستيقظت من أفكاري بمنظر آريان يركل بطن هذا البرميل متسعة عيناي لمنظره !..
" آريان يكفي !.."
و أخيرا !..
خرج صوتي من داخلي صارخة و لكن.. و كأنه أصم !.. لا يسمع و لا يرى شيئا سوى الذي أمامه بوجه محمر بالغضب و لا يتوقف عن إطلاق الشتائم ..
" آريان يكفي ستورط نفسك !!.."
و إذ به يثني ركبتيه يجلس عليهما ممسكا بأطراف قميص هذا الضخم يشده إليه و هو بين الإغماء و اليقضة !!..
" أنتم لن تنقرضوا أليس كذلك !؟.. لن تنقرضوا أبدا أليس كذلك !؟.. لم ترحموا لا فتاة الأربعة و العشرين و لا فتاة الخامسة عشر أليس كذلك!؟.."
لحظة لحظة... ما الذي يقوله !؟.
قضبت حاجباي مستغربة مثبتة بصري على آريان الهائج و هو يضيف لكلماته..
" أنتم لن تدعوهن يعشن بسلام أليس كذلك !؟.. لن تدعوهن حتى ترونهن مريضات خائفات مرتعبات يرتجفن و يحرقن أنفسهن و يتدمرن بلمسة واحدة أليس كذلك !؟.. أن توصلوهن لدرجة أن يتحملن المرض و الهواجس على أن يتعرضوا لكم !؟.. لن ترتاحوا و لن تشبعوا مما أعطي لكم و كل هذا من أجل.. غريزة حيوانية بداخلكم لا تشبع !.. تبًا لكم !.."
ختم كلماته بصراخه بشتيمة و قبضة على وجه الضخم و دمعة ساخنة تسقط من عيني !..
خمسة عشر.. أربعة و عشرون... مريضات خائفات مرتعبات... يرتجفن ... يحرقن أنفسهن .. يتدمرن بلمسة واحدة... يتحملن المرض و الهواجس على أن يتعرضوا لكم...
مستحيل !!..
هو... لا يعرف كل هذا أليس كذلك !؟..
أرفع بصري إليه لأجده.. لأول مرة.. منذ أن أتى .. قد أوقع مقلتيه بي يحدق بي و كأنه.. قد إستفاق لتوه ..
و أدرك ما تفوه به !..
هو بعيون متسعة... و أنا بعيون منكسرة و مصدومة !..
كلانا نلهث.. صدرنا يعلو و ينزل و أنفاسنا تتنافس دون أن نقطع التواصل البصري بيننا!..
أرجوك.. ليكن ما سمعته غير صحيح !.. ليكن ما قلته نسيج من خيالي و أنك لا تعلم كل هذا !..
" أميليا !.."
" أنت.."
نبرة مرتجفة.. مقلتان مهتزتان غير مستقرتان أتراجع خطوة للوراء بعد أن خطى هو الآخر خطوة نحوي !..
رفعت سبابتي بوجهه أنبس بنبرة مرتجفة بالكاد إستطاعت خروجها من داخلي!..
" تعرف .. كل شيء.. أليس كذلك !؟"
كلمات متقاطعة.. بالكاد إستطاع صوتي نسجها ..
جسمي يرتجف بالكاد رجلاي تحملانني !..
بدأ عقلي ينسج خيالات .. و توقعات لا أريد أن أصل إليها !..
" أميليا أنظري .. "
" أنتَ... تعرف كل شيء.. أليس كذلك !؟.."
قلتها بنبرة أعلى و ضغط أكبر على كل حرف أتفوه به و .. سكت ..
زم شفتيه و سكت.. دون أن يقول لا.. و دون أن ينفي ما فكرت به..
إرتخت ملامحي ... و إحتدت نظراتي .. و خمد كل الشك الذي بداخلي..
أهز رأسي غير مستوعبة لكل شيء !.. غير مستوعبة لسكوته و نظراته التي تقول أن توقعي صحيح !..
" إلارا !!.."
كم أكره نفسي و أنا قد تفوهت بإسمها في جدال كهذا..
و لم أدرك بأن صوتي وصل إليه عندما تفوهت بإسمها إلا عندما تقدم خطوات سريعة نحوي مربكة لي ..
" أميليا إسمعي إلارا .."
" إياك !! "
صرخت بها و عيناي المتسعتان معلقة برجليه التان توقفتا بصرختي و مدي ليدي أبسطها أمامه موقفة له..
رفعت بصري نحوه رويدا و أنا أتراجع بخطواتي للوراء أرى عيناه المذنبتان التان تودان .. أن تقولا الكثير.. و لكن..
يكفي إلى هذا الحد !..
" إياك ... و أن تريني وجهك مرة أخرى ! "
إستدرت أقابله بظهري و دموعي تتسابق على وجنتاي و لم آبه لشيء..
لا لنظراته اللتان كانتا تخترقان ظهري..
و لا لصوت صافرات إنذارات الشرطة من ورائي..
لأنني مجرد غبية !..
نعم أنا مجرد غبية ساذجة كانت تظن أنه لن يتم خذلانها مرة أخرى و أنا الحياة قد بدأت تغفر لي !..
مجرد غبية تظن أن تصرفات هذا الوضيع إعجابا بها و إذ هو مجرد مشفق على مغفلة مثلي !..
ليكن هذا مجرد كابوس رجاءً!..
ليكن هذا مجرد كابوس سأستيقظ منه عن قريب أرجوكم !..
ليوقظني أحد منه لأنه مؤلم.. جدًا !..
روحي مرهقة لن تتحمل أكثر !..
إلارا لا يمكنها أن تفعل بي هذا !..
لا مستحيل إلارا لا تفعل بي هذا !..
إلارا لن تخذلني.. لن تفضح سري !..
تعبت...
♧ تنسب النباتات للهدوء.. و تنسب الحيوانات للطف .. و ينسب البشر للوحوش ♧
Amilia_mimi