ضربة مرتدة

ضربة مرتدة

19 0

❀⋅•⋅⊰ أميليا ⊱⋅•⋅❀

هل سيكون كل شيء على ما يرام !؟...

قلتها و أنا أقف أمام البوابة الحديدية الكبيرة و أنا أمسك بهاتف إلارا الذي أعارتني إياه قبل خروجي من الجامعة لأتبع منه موقع المنزل ..

حسب ما يشير إليه ... فهذا هو المنزل...

لا بأس بما أقوم به أليس كذلك !؟.. أنا هنا من أجل العمل !. من أجل لقمة عيشي و حسب !.. و سيظل هكذا إلى نهاية عملي هنا !..

أعلم... السيدة فيرا انسانة طيبة و حنونة و لن أسمح لنفسي مهما حدث بأن أتعلق بها !.. سأحافظ على علاقة الممرضة و المريض بيننا و لن أتأثر بانسانيتها مهما حدث ! ..

أنتِ هنا... من أجل العمل يا أميليا !..

تذكري... أميليا أنتِ خطر على كل شخص محاطٍ بكِ!.. على كل شخص أحببته و كل شخصٍ تعلقتِ به أنتِ ستكونين سبب موته!...

تنهدت و مقلتاي لازالتا معلقتان على البوابة التي أمامي و عقلي يدرعني بالكلمات التي يلقيها على نفسي !..

ما الذي يخبئه لي القدر هنا يا ترى؟..

عدلت وضعية حقيبتي على كتفي أرمق تلك البوابة الفحمية الفخمة التي لا تظهر شيئا مما وراءها بها نقوش ذهبية على شكل زخرفات فنية...

لمحت حركة بجانب المصرعان لأرمقها فأجد غرفة حراسة تصدر منها أصواتا...

لأتجه إليها ... ربما سيفتح لي الباب منها !..

اتجهت إليها بخطوات بطيئة أقصد النافذة التي تطل إلى الخارج لألقي نظرة عليها فأجد حارسين بملابس رسمية يحتسون الشاي و يتبادلون أطراف الحديث و يقهقهون...

" عفوا !.."

قلتها باستحياء أشد إنتباههما إلي ليوصبا نظرهما إلي... بنظرات... متسعة و مندهشة!!..

ما بالهم !؟..

و لكن ما أرعبني هو وقوفهما معا في الوقت آنه يهرعون إلي بفكوك فاغرة ليدفع أحدهما الآخر من كتفه فيجلسه في مكانه و يتقدم إلي بخطوات واسعة...

قضبت حاجباي مرتعبة أتراجع خطوتين إلى الوراء عندما تقدم للنافذة الفاصلة بيننا يسند ذراعيه عليها يعيد بأصابعه خصلات شعره السوداء للوراء يبتسم بابتسامة إشمأزيت لها...

" تفضلي يا آنسة..."

مقزز!..

ازدردت ريقي بصعوبة أستعيد رباطة جأشي و أرتدي قناع الملامح الحادة على وجهي...

" هل هذا... منزل عائلة فلاديميرسكايا!؟.."

" نعم يا حلوة !.."

رائع... بداية عمل موفقة !..تبًا لك أيها المنحرف...

أدخلت يدي بجيب معطفي أتفقد سكينتي المغلقة التي لا تفارقني لشدة تعرضي لهذه المواقف أرمقه بحدة أحذره بنظراتي لأعيد سؤاله بنبرة حذرة...

" جئت للعمل !"

" أظن أنكِ أميليا أرباتوفا !! "

أومأت له و أنا لم أعد أستغرب عن أي شيء يخص آريان..

بل صرت أتوقع خطواته!..

توقعت أن كونه عضوا في مجلس إدارة جامعتي أمكنته من معرفة إسمي العائلي و أعلمه لحراس منزله ليضمن وصولي أو لسبب آخر ربما...

" ناوليني بطاقتكِ الشخصية !"

إنتشلني من أفكاري طلبه لأقبض حاجباي غير مطمئنة لطلبه هذا...

هل كان يجب أن أمر بهذا في أول يوم لي يا إلاهي؟ ...

" لن أستطيع السماح لكِ بالدخول ما لم أرى بطاقة هويتكِ يا أيتها الآنسة الفاتنة !.."

حيوان منحرف...

أخاف من نفسي التي تحثني على أن أخرج سكينتي التي بجيبي و أقتلع بها عيناه الجائعتان نحوي...

لن أقدم له هويتي مهما حدث!.. و لكن كيف سأدخل!؟..

لحظة لحظة... لأجرب شيئا!..

نسجت على وجهي ملامحا باردة و على شفتاي شبه إبتسامة مستفزة..

" بما أنك لا تسمح لي بالدخول إذًا ...لأغادر و عندما يسألني آريان سأخبره أن حارسه الوضيع لم يسمح لي بالدخول و أنتَ جِد مبررا تقوله لسيدك !.."

" توقفي!"

نجحت الخطة !..

قالها بعدما قابلته بظهري أتمشى خطوات مبتعدة عنه لأبدوا جادة في كلامي...

توقفت بكلمته لتنسج شفتاي إبتسامة منتصرة أخفيها قبل أن أستدير إليه لأجده يزم شفتيه غيضا مني و من تهديدي له ليخرج من غرفة المراقبة متجها نحو البوابة ليفتح لي الباب المجزأ من البوابة يقف على جانبها ينتظر مني أن أتقدم...

هذا ما أردته !...

تقدمت بخطوات واثقة أقف أمام الباب و لكن ما ضايقني هو تموضعه بجانب الباب تاركًا لي مساحة قصيرة لأمر منها...

الدنيء!..

هكذا.. سنتلامس بلا شك!..

" إبتعد !. "

قلتها بحزم لأرفع مقلتاي نحوه لأجده يبتسم إبتسامة ساخرة يبتعد عن الباب و كأنه قد توقع ردة فعلي و هي أن أعزم في عودة أدراجي..

تقدمت نحو الباب أعبره بعدما أسند ظهره على الجدار يتتبعني بنظراته ..

" كم أنتِ مملة !.. كنا سنستمتع لو..."

تلاشى صوته من مسمعاي و أنا أتقدم بخطوات بطيئة نحو العجب الذي أرمقه...

لا أصدق عيناي!...

ممر طويل اسمنتي و كبير على جانبيه سلسلة أشجار برتقالية الأوراق متساقطة و نباتات من مختلف الألوان بالمقابل... واجهة المنزل ... مبهرة!..

منزل كبير بعيد عن ناظراي متناسق بين اللون الرصاصي و الأبيض و صوت ماء النافورة أضاف للجو نغمة ساحرة...

لا أصدق الواقع الذي أعيشه...

من قال يومًا أن الأمور ستجول بي إلى أن أعمل ممرضة نفسية في منزل عائلة ... فلاديميرسكايا!..

العائلة الأشهر على البلاد لجودة عطورها و رائحتها التي تنال شرف معانقة جسد كل إمرأة و رجل يشمها من أول مرة !..

أشعر بالتشتت !... أخشى مما يخبئه لي القدر بهذا المنزل ، البداية لا تبشر بالخير أبدًا و لا أشعر و كأنني أنتمي لهذا البدخ و الأصالة !..

أشعر و كأنني ... غريبة بهذا المكان !.. رغم إعجابي و انبهاري به إلا أنني لا أشعر للإرتياح له أبدًا..

لا يمكنني الحكم عليه من هذه النظرة لأن من عادتي عدم الإرتياح للأماكن الجديدة !.. أتذكر أنني أصبت بالأرق و لم أستطع النوم لأسابيع عندما إنتقلت لفلاديفوستوك أول مرة لعدم إرتياحي بها...

ولكن سؤال ما ينتابني...

لما عليهم إهدار كل هذه المسافة و المساحة في بستان و ممر بدل من أن يبنوا المنزل بجانب البوابة!؟..

تعبت من المشي كل هذه المسافة و المدة منذ أن غادرت الجامعة إلى هنا لمدة ساعة كاملة سيرا على الأقدام!..

مسألة وقت فقط من عملي بمكان بعيد كل هذه المسافة من الجامعة و منزلي و قلة تغديتي لأصبح عود ثقاب!..

بتر أفكاري شهقتي بفزع لشيء مر كلمح البصر أمامي على الممر جعل من غرتي و خصلاتي المتمردة من مشبك شعري تتناثر أمامي و طبقة من هواء بارد أحضرها معه لتصفع ظهري و أنا أتمشى على جانب الممر ...

إنها... سيارة آريان !!..

ألم تقل إلارا أنه لن يتواجد بالمنزل كثيرًا !؟.. و أنني لن ألتقي به بسبب إنشغاله في أعماله!؟..

إذن ... لما هو هنا !؟..

رتبت مظهري و أنا أرمقه يتجه بسرعة نحو المنزل ليستدير بقوة محدثا صوتا قويا لاحتكاك العجلات على الأرضية متجها على جانب المنزل الذي أوحى لي أن من تلك الجهة مرآب السيارات...

يال تهور سياقته !..

تواجده سيزيد للطين بلة .. أنا متوترة أساسا من كم رؤيتي للرجال منذ دخولي إلى هذا المنزل بداية من الحارسين الوضيعين إلى الذين يحومون على المنزل بملابس رسمية و يظهر على خصر كل واحد منهم مسدس يخفونه بسترتهم..

" لا توجد مراسم جنازة هنا أليس كذلك!؟.."

ها قد بدأنا...

رمقته بازدراء و هو يتقدم نحو الباب الذي أقف عنده بعدما وصلت إليه يلوح بالمفتاح بين أصابعه يعلي و ينزل بصره علي...

فهمت قصد كلامه...

هو يقصد فستاني الصوفي الأسود الذي يمتد من أعلى عنقي يدفئه لي إلى كعباي و الذي تتدلى عليه قلادتي الذهبية و معطفي ذو لون البن..

رغم هذا... لم أنجوا من حقارتهم..

" لا شأن لك !!"

قلتها بحزم أبتعد خطوات عن الباب الرمادي الأنيق ليتقدم بالمفتاح نحو الباب بعد أن ألقى علي نظرة متفحصة لم أفهم مكنونها...

" تبدين متضايقة... "

لحظة... و لما هو مهتم بهذا ؟...

ما شأنه !؟..

قالها بهدوء تام و كأنه يريد أن ينتشلني من توتري و ضيقي و يبث بي بعض الإطمئنان...

الإطمئنان!!.. هنا!!.. في وجوده... أبدًا !!..

" يقال أن الإنسان يتأثر بالمحيط الذي يعيش به... و لكن لا أحد يعلم أن المحيط يتأثر أيضا بالشخص الذي يحكمه !!.."

" ما الذي ترمين إليه !؟.."

تساءل مستغربًا من كلماتي يظهر تقضيبة صغيرة على حاجبيه بعدما فتح الباب ..

ما هذا الحوار الفارغ الذي خضته معه و لا داعي له ؟..

نسجت على وجهي ملامحي الحادة أتجاهل سؤاله أتقدم بخطوات لأعبر الباب و لكنني أجفلت لوضعه ليده في إطار الباب يمنع دخولي لأتراجع خطوات للوراء متجنبة إقترابه...

ما به فجأة؟..

" سألتكِ سؤالاً ! "

قضمت شفتاي في غيض أغلق عيناي أحاول أن أحافظ على رباطة جأشي...

أكاد أنفجر... أنفجر... لأنفجر !!..

" و أنا أقول أن محيطك متأثر من حقارتك و إنحرافك و وصل الأمر إلى درجة أن حراس بابك تحرشوا بي مثلما فعلت أنتَ!.. و حركتك هذه.."

" أدخلي !!"

قضبت حاجباي مستغربة من أمره لي مقاطع لي لأنزل إصبعي الذي كنت أرفعه في وجهه يرمقني بهدوء...

كم يستفزني بروده هذا و أنا أشتعل غضبا بداخلي!...

إتجهت مرة أخرى نحو الباب أعبره بعدما سمح لي بذلك و المنزل كان.. مبهرًا !..

غريب كيف تهدأ الروح بمجرد رؤية العيون لما يبهرها و يعجبها..

أقف مقابل درج دائري ملتصق بالجدار من كلا الجهتين بينهما مدخل للصالة التي عجز لساني عن التعبير عن أناقتها و تنسيقها...

أرائك رصاصية اللون تتوسطهم طاولة أرضية صغيرة عليها مزهرية أزهار لم أعرف نوعها و قد لفتني رائحة الخزامى الزكية بمجرد دخولي..

ثريا كبيرة تتوسط السقف تنسدل منها أحجار و كأنها أحجار الكريستال الأبيض و الحيطان لا تخلوا من اللوحات الفنية ذات الألوان الباردة زادت للصالة ضعف الجمال...

و لكن ما نجح في إظهار روعتها هو البوابة المقابلة الزجاجية للحديقة الخلفية التي إخترقت منها خيوط الشمس الباردة و قد تحررت من الغيوم الرمادية التي كانت تحجبها عنا تضيء أشعتها الصالة يظهر من ورائها طاولة طعام كلاسيكية و مسبح تتراقص المياه بداخله بفعل الرياح يبعد عنه بمسافة مساحة بها مختلف أنواع و ألوان الورود التي أوحت لي بأن أحد سكان هذا المنزل مهتم بالزراعة...

و لكن ما لفت إنتباهي هو أزهار الأقحوان التي تبعد بقليل عن المسبح على الجهة اليمنى و هي تتراقص معا على نسمات الريح الباردة...

أشعر و كأن لهذه الأزهار طاقة غريبة... طاقة و كأنها تشعرني بالأمان في تواجدها ، و كأنها أزهار مصرة على أن تتواجد دائما حيث أتواجد !..

" أهلا و سهلا بكِ آنسة أميليا !"

إنتشلني من أفكاري صوت أنثوي بجانبي لأوجه بصري نحوها فأجد إمرأة جميلة تقاربني في الطول أظنها في الثلاثين من عمرها ذات شعر قاتم و عينين رماديتين أيقنت من تنورتها السوداء و قميصها الأبيض و عقدة شعرها المستديرة أنها خادمة هذا المنزل تبتسم لي بترحيب...

و أخيرا رأيت اِمرأة في هذا المنزل!..

" أهلا بكِ سيدة.."

" آنيا !"

بادلتها الإبتسامة أومئ لها لتسقط مقلتاي على الباب فألمح آريان و هو يدلف من الخارج لتتجه آنيا نحوه ترحب به ليمد لها معطفه و هو يوجه بصره إلي...

إتجهت إلي بعده تنسج على ملامحها إبتسامة محترمة لتقول بكل لباقة..

" ناوليني معطفكِ يا آنسة أميليا !.."

لم أجد نفسي إلا و أنا أنتزع معطفي مني أناوله إياها مبتسمة بلطف ...

" كيف حالها !؟"

صوبت نظري نحو آريان الذي ألقى سؤاله للسيدة آنيا بينما هي تعلق المعاطف ...

أظن أنه يقصد السيدة فيرا بسؤاله هذا !..

زمت شفتيها تتنهد متقدمة نحوه تمسك يديها ببعضها و كأنها تخشى من الكلمات التي ستلقيها علينا...

" ناولتها فطورها قبل مدة و لم تتناول منه سوى لقيمات ، سيد آريان ... أنا لا زلت حائرة من قولك بأنها تكلمت!!.. أنا لم أرها تتكلم بعد و لم تنبس ببنت شفة بعد قدومكم من المشفى!!.. "

يا إلاهي...

واضح أن ذلك الحادث لم يكن سهلا عليها و لكن... كيف يريد مني أن أخرجها من حالتها هاته؟..

أنا إلى الآن لا أعلم ما علي فعله و ما علي قوله لها أخشى أن لا أستطيع علاجها و أن لا أستطيع إخراجها من حالتها بل أخشى أكثر أن أزيد لسوء حالتها سوءً !...

كم سيستمر هذا الأمر!؟.. بدأت أتوتر..

" عرفيها بالمنزل !.."

إنتشلني من توتري صوته لأسرع أنفي بسرعة لها...

" لا داعي لهذا ... يكفي أن أتعرف على غرفة السيدة فيرا.."

" هل يعقل هذا يا عزيزتي ؟.. السيدة فيرا دائما ما كانت تقول أي شخص يمر من عتبة هذا المنزل فهو من عائلتنا !.. لذلك أنتِ..."

قطع كلامها صوت جرس صادر من باب أسفل الدرج الأيسر لأوقن بأنه المطبخ..

و لكن ما حيرني هو نظرة السيدة آنيا لآريان بنظرة متأسفة و كأنها ارتكبت ذنبا..

" إذهبي!.."

أومأت له لتتجه مهرولة نحو الدرج تصعده تاركة لنا بمفردنا وراءها...

لم أفهم؟.. ما الذي حدث فجأة و إلى ماذا يشير صوت ذلك الجرس؟..

" ذلك الجرس من غرفتها... من اليوم أنتِ من ستستجبين له!!.."

أومأت له لوجه السيدة فيرا و أنا أزم شفتاي غيضا من أسلوب أمره المستفز هذا ...

ما باليد حيلة ... علي أن أصبر !..

على الأقل لأدفع الدين الذي على رقبتي منه بعدها ليحدث ما يحدث!..

" تعالي !"

استغربت من أمره ليستدير متجها نحو الدرج الأيمن فلم أجد نفسي إلا و أنا أتبعه بترك مسافة جيدة بيننا...

هناك الكثير من الأسئلة التي تجول برأسي ... و لكن كيف سأسحب الأجوبة من فمه؟..

و لما لأسحبها !؟.. ألست هنا لعلاج السيدة فيرا إذن فمن حقي أن أعلم أي شيء يخصها لأستطيع التعامل معها..

" أنا... أريد أن أعلم أي شيء يخص السيدة فيرا لأبدأ عملي !.."

قلتها بطريقة مباشرة بحزم و أنا أمرر يدي على سياج الدرج البني الداكن ليتساءل و قد وصل لأعلى السلم...

" و ما الذي تريدينَ معرفتهُ تحديدًا !؟.."

" أي شيء... تفاصيل عن ما أوصلها لهذه الحالة.. أشياء أو أكلات تحبها ... لا أعلم أي شيء تظن بأنه سيساعدني في عملي!.."

" ألم تخبركِ إلارا!؟.."

تجمدت في مكاني أرمقه بغير إستيعاب!..

من أين له علم... بحديثنا أنا و إلارا!؟..

ربما أخبرته..

" أخبرتني و لكن..."

" ترينه غير كافيًا !؟"

1

سحقًا لما يشعرني و كأنني طامعة في معرفة كل شيء !..

استدار مكملا سيره تاركا لي ممتعضة من وراءه لألحق به بخطوات ثابتة...

ها أنا في الطابق العلوي ...

جدران بيضاء ذو بلاط رمادي ناصع لا يخلوا أي عمود منه من لوحة فنية صغيرة و منضدة حاملة لمزهرية به مختلف أنواع و أشكال الورود...

مساحة دائرية بالوسط يندرج منها رواقان يمينا و يسارا بالمقابل أبواب زجاجية مفتوحة تراقص الرياح المسربة منها الستار الأبيض تفصل الشرفة عن الطابق ...

تنسيق الأثاث و الإضاءة الخافتة بالمنزل أبهرني من بساطته و جماله!...

لحقت بآريان المتجه نحو الشرفة بخطى خافتة ليمر من عتبتها مسندا كفيه على المتراس الحديدي للشرفة...

وقفت بجانب الباب أتجنب الاقتراب منه أتأمل الشرفة التي تطل منظر خلاب على الحديقة الخلفية و التي لا يخلوا ركن منها من الأصُص الزراعية ذات نباتات متمايزة فيما بينها...

و على يمينها مقعد على شكل أرجوحة خشبية اللون أراها و أنا أتخيل بها كوب قهوة ساخن مع شروق شمس الصباح ذو النسمات الباردة..

" هي..."

صوبت تركيزي و نظري نحوه ينتشلني من تأملي صوته و هو يقابلني بظهره و قد استشعرت بأنه ينوي الحديث و اجابتي عن أسئلتي أضم ذراعاي لصدري ...

" يتيمة الأبوين !!.. كان أبي و آيلا عائلتها الوحيدة في هذه الحياة !.. لم تكن تملك شخصا آخر بحياتها ..."

سيدة فيرا...

ضيقت حاجباي متأسفة لما سمعته و أنا أتفهم الآن درجة حبها و تعلقها بزوجها و ابنتها...

كم غمروها بالحب و اهتموا لها لتتعلق بهم بهذه الطريقة الشديدة يا ترى؟..

" علمت بوفاتهما بعدما استفاقت من غيبوبتها التي انتابتها من الحادث لتدخل مرة أخرى بغيبوبة دامت لثمانية أيام مما جعلها لا تتواجد بجنازتهما !.. و منذ أن استفاقت لم تنبس ببنت شفة و لم تستطع إلى اليوم زيارة قبرهما!... ولم تقدم مساعدات الأطفال التي كانت تقدمها كل عام هي و أبي للجمعيات!... و لم تفتح حضانة أطفالها التي بناها لها أبي رغم اشتياقهم لها و وصول أسئلتهم إلي بصفة دائمة عنها!... "

لا ، هذا سيء جدًا !..

لم تزر قبورهم أبدًا ؟... كيف هذا !؟..

و لكن دون وعي مني شعرت بابتسامة دافئة ترتسم بوجهي ...

حضانة أطفال... مساعدات تقدمها للجمعيات... ليت أمثالكِ يكثرون في العالم يا سيدة فيرا !..

أزداد يوما بعد يوم فضولاً و شوقًا للتعرف على روحكِ التي قتلها لكِ ما مريتِ به!..

ربما هذا أكبر محفز لي في علاجها... أريد أن أتعرف عليها !..

صيتها الطيب منتشر كثيرا و الابتسامات تشق الأوجه بمجرد لفظ اسمها على الألسن بداية من إلارا ابنة اختها إلى الطاقم الطبي في المستشفى الذي كانت متواجدة به!..

عودي إلى وعيك !!.. ألم تقولي أنكِ ستحافظين على علاقة الممرضة و المريض بينكما !؟..

أخفيت ابتسامتي بمجرد احساسي بآريان الذي يستدير ليقابلني يسند ظهره على متراس الشرفة يضم مرفقيه لصدره...

" ما عليكِ فهمه هو أنها فقدت الحياة عندما فقدت من هم الحياة بالنسبة لها!... حاولنا كثيرا أن نعيدها و لكن لم ننجح !.. جربي حظكِ ربما تستجيب لكِ!.. حظا موفقًا.."

يتكلم و كأنني سألعب لعبة!..

ابتعدت عن الباب عندما توجه إليه خارجا من الشرفة تاركا لي وراءه لألمحه و هو ينزل السلالم..

رفعت رأسي أوجه للسماء الصافية رغم برودة جوها أخرج زفيرًا طويلا و عقلي لا يتوقف عن التفكير في كلماته...

يا أيتها الحياة... اذا قررتي أن لا تريني خيركِ و السعادة في عيشكِ فقدميها لي في هذه الفترة فقط !..

هذه الفترة فقط!... هذه الفترة فقط لأعيد تلك الروح الميتة إليكِ..

لأعيد إليكِ تلك الروح الطيبة و الحنونة و النظيفة التي تستحق كل خيرٍ منكِ!..

هذه هي الأرواح التي تستحقكِ... تستحق الحياة و العيش و كل سعادة و هناء هذه الأرواح التي أفئدتها كأفئدة الطيور..

أعلم... فؤادي لم يعد منهم !..

فؤادي أصبح صلبا جامدا من شدة الضربات التي تلقاها !..

رأيتُ الكثير و فعلتُ الكثير لدرجة أنكِ رأيتني من الذين تنبذينهم و لا يستحقون أي لطفٍ منكِ !...

أخبرتكِ كثيرا أنه لا ذنب لي!.. لم يحدث شيء بإرادتي كنت مجبرة !..

لم تصدقيني !... مثلما لم يصدقوني لم تصدقيني أنتِ أيضا !..

لا يهمني بعد الآن !.. افعلي بي ما شئت و لكن لا تفعلي بوجدان السيدة فيرا!..

لا تستحق هذا !...

عدلت وضعية رأسي طارحة زفيرا متنهدا لكم التفكير الزائد الذي يصيبني بشكل أقوى هذه الفترة!..

لا أحد هنا ... إلا أنا !..

ما الذي علي فعله الآن و أنا بالكاد أحفظ طريق باب الخروج!؟..

قدت خطواتي متجاوزة عتبة الشرفة لأقف وسط الطابق تائهة لا أعلم إلى أين علي أن أتجه و لا ما علي القيام به الآن!؟..

شد إنتباهي صوت فتح مقبض باب على الرواق الأيمن لأوجه نظراتي نحوه فألمح السيدة آنيا و هي تغادر غرفة حاملة بين يديها سينية طعام لتسقط مقلتيها علي فأبادلها الإبتسامة التي وجهتها إلي ...

" تعالي !.."

قالتها بلطف لأتقدم نحو تلك الغرفة ذات باب مميز عن أبواب الغرف المجاورة لها ، باب كلاسيكي بلون الخشب عليه نقوش ذهبية مشكلة زخارف على شكل زهور و قلوب و الكثير من الأنماط المعبرة...

أيقنت بأن هذه الغرفة المميزة غرفة السيدة فيرا لتفتح لي آنيا الباب عل مصارعيه تدعوني للدخول !...

تقدمت ألقي نظرة على الغرفة و كان جمالها لا يفرق عن جمال بابها و صاحبتها بشيء...

غرفتها راقية جدا !...

السيدة فيرا الجالسة على سريرها الراقي ذاك بشعرها البني الداكن لونه كتربة مبللة بالكاد يتجاوز عنقها تغطي رجليها و لم أتمكن من رؤية ملامحها لتوجيهها بصرها لنافذة تقابلني بظهرها !..

تقدمت إليها بخطى مرتابة بعد أن غادرت آنيا غالقة الباب وراءها تاركة لنا على انفراد..

أشعر بشعور غريب !..

شعور و كأنني قد تخلصت عن عقلي وراء هذا الباب الموصد و قد سمحت لقلبي بكل إرادتي أن يستلم عجلة القيادة..

" سيدة فيرا"

قلتها بهدوء أتقدم إلى الجهة اليمنى لسريرها لأسحب كرسيا قمحي اللون لأقابله لها أتخذه مجلسا لي ...

لازالت مقلتيها العشبيتين متصلبتان على النافذة بملامح ذابلة الشاحبة و باردة لدرجة أنني بدأت أشك في كونها تتنفس !...

" لم أعرفكِ على نفسي و لم تعرفيني على نفسكِ... بل عرفونا على بعضنا !.. هذا غير عادل أليس كذلك !؟.."

لا استجابة... لا صوت... لا حركة... لا ردة فعل!...

جامدة متصلبة في مكانها لدرجة أنني بدأت أظن أن التي أمامي و التي قابلتها في المشفى ليست نفس الشخص !..

و لكنني لن أستسلم !..

رسمت إبتسامة على وجهي لأضع يدي على يدها..

" أنا أميليا يا سيدة فيرا !.."

أشعر و كأنني أحدث نفسي هنا !..

سحبت يدي إلي أضمها لأخرى أفركها لبعضهما متوترة لتسقط عيناي على إطار صورة موضوع على وجهه على طاولة المصباح التي بجانب سرير السيدة فيرا...

هل من الصحيح الاطلاع عليها !؟..

لا أعلم و لكن ... ربما محتواها سيساعدني، لأجرب ما الذي سأخسره؟..

مديت يدي نحوه آخدها بين يداي و لم تصدر أي حركة من السيدة فيرا مما جعلني أتأكد بأنه لا توجد مشكلة في الاطلاع عليها..

وجهت الصورة الي لأطلع عليها و ... المفاجأة!!..

صورة في بستان لفتاة على أرجوحة فائقة الجمال و البراءة سمراء أظنها مقبلة على العشرون سنة ذات شعر داكن طويل و مقلتين بندقيتان برموش كثيفة ترسم على وجهها إبتسامة واسعة عفوية تضيق لها عينيها و تظهر غمازتين على وجنتيها ...

إذن هذه هي آيلا !..

وراءها رجل طويل أدرك مباشرة بأنه السيد ديمتري أظنه في ستينات من عمره ذو نظارات طبية بابتسامة هادئة يضم إليه السيدة فيرا من خصرها التي تبتسم هي الأخرى إبتسامة عفوية مليئة بالحياة... إبتسامة جميلة جدًا مر عليها الزمن فأخذها معه!...

و من ورائهم بينهم يظهر آريان... الأطول بينهم !..

طويل كالعمود وراءهم حتى أن آلة التصوير كادت أن لا تلتقط رأسه !...

أحب التنمر على طويلي القامة لكوني قصيرة فلو قارنت نفسي بطول آريان فبالكاد يصل طرف رأسي إلى عنقه أو ربما لن يصل أساسا !..

تظهر ابتسامته الهادئة على تلك الصورة و هو يضع يديه على كتفي السيد ديمتري و السيدة فيرا ...

حتى ابتسامته هو... قد ذبلت!..

هذه الصورة... تصلني رائحة السعادة منها !... رائحة سعادة قد اندثرت في التراب مع أصحابها سواء الراحلين منهم أو الراحلة أرواحهم تاركة أجساد بلا روح تتمشى على الأرض بلا أنفاس!...

" ابنتكِ جميلة جدا ! "

قلتها و أنا أنقل مقلتاي نحوها لأجدها قد أبعدت عيناها عن النافذة تصوب نظرها نحو الإطار الذي بين يداي!..

ترمقها بنظرة ... متألمة و منكسرة و قد لاحظت احكام قبضتها على ثوبها و كأنها تحاول أن لا تسقط دموعها بحركتها هاته..

هذا ما لا أريده منها ... الكتمان !..

كتمان اللسان و ثرثرة العقل لدرجة أن تكون مستعدًا لضرب رأسك للحائط فقط ليكتم صوته الذي ينهش العقل ...

علي أن أجعلها تفضفض ... و لكن كيف !؟..

لحظة... و لما أفكر ألم أقل أنني سأترك العجلة لقلبي !؟..

لنتركها و نرى ...

" اشتقت كثيرًا لأمي !.."

1

شعرت بتوجيهها لنظرها نحوي بدهشة و لكنني لم أبادلها النظرات بل ممرت اصبعي على وجه آيلا أضيف لكلماتي..

" اشتقت إليها كثيرا و لكن... هل اشتاقت هي الي يا ترى!؟.. لا أظن !.. لو اشتاقت إلي لزارت قبري و وصلني صوتها و حزنها لفراقي... ولكن لم تشتق!.. لم يصلني شيء... هل لم تكن تحبني يا ترى؟.. ربما فرحت لفراقي .. ربما كنت حملاً ثقيلا عليها فارتاحت مني لدرجة أنها لم تتعب نفسها بزيارة قبري و إيناس وحدتي !.."

أبعدت اصبعي عن وجه آيلا أوجهه نحو وجه السيد ديمتري...

" هل كان وجودي يؤذيها إلى هذه الدرجة يا ترى!؟.. ألم تحببني و تعشقني لدرجة أنها لم تتعب نفسها برش بضع قطرات ماء على التراب الأسود الذي يلتهمني أو المساس به فقط لتشعرني بوجودها !.. هل قصرت معها أو في حقها أم هي التي لم تقع بي ؟.. ربما هي سعيدة الآن أو ربما قد وصل بها الأمر لدرجة أن تتزوج..."

أجفلت للحظة ليد امتدت تسحب الصورة من بين يداي بقوة لأصوب مقلتاي اليها لأجدها تضم الصورة إلى صدرها تنظر إلي بنظرات منصدمة و غير مستوعبة لما تفوهت به و يخط على وجنتيها مسار قد رسمته الدموع المنهمرة من عينيها...

" لست أنا !!.. لست أنا التي تقول هذا يا فيرا .. بل روح ابنتكِ الوحيدة و روح زوجكِ أرواحهم مشتاقة لحبكِ و لطفكِ و حنانكِ مشتاقة لأمومتكِ و عطفكِ مشتاقة لصوتكِ و أنفاسكِ.."

لاحظت إحكامها على شفتيها و على فستانها و دموعها تنهمر على وجنتيها تشيح بناظريها عني...

علي أن أضغط أكثر !.. سأجعلها تفرغ كل ما على جعبتها و كل ما تجمع على بقلبها ، إذا استطعت... فهذه ستكون خطوة موفقة لي!...

وقفت مستقيمة أقول بنبرة مبحوحة بالدموع ...

" ارحميهم... أريحي قلبكِ و قلوبهم المشتاقة إليهم!.. لم تتكلمي لشهور اذهبي و تكلمي معهم!.. قلبكِ مملوء و مخنوق اذهبي و فرغي ما يخنقكِ عليهم !... اذهبي و أخبريهم كم تألمتِ لفقدانهم و كم أنكِ تحبينهم ، دفئيهم بحبكِ و حنانكِ وسط هذا البرد القارس! "

تدلك بيدها رقبتها و كأنها تريد أن تحرر الغصة العالقة بحنجرتها و هي تأخذ أنفاسا متسارعة و لكنها لازلت تقاوم... تقاوم و لا تريد السماح لنفسها بلانفجار !...

لم أعي على قلبي الذي نطق بدون رضا مني عندما قال بنبرة أقل حدة ..

" أنتِ لا تعلمين ما معنى اشتياق القبر يا فيرا... أن تشتاقي لمن كان معنى حياتكِ و لا تجدين قبرا له لتخفيف القليل من شوقكِ... تشتاقين و لا تجدين شيئا له حتى التراب الذي أخده بجوفه... تشتاقين و لا تستطعين حتى رؤية لافتة باسمه ! أن تشعري بوجوده ! ...عليكِ أن تحمدي ربك لوجود قبورهم و استطاعتكِ..."

" لا أستطيع لأنني سبب موتهم !!"

كـ... كيف ؟ ماذا تعني بهذا !؟...

بتر كلماتي جملتها التي أثقلت حملا كبيرا على عاتقي...

كلماتها ... ألجمتني !!..

فتحت جروحا بقلبي كانت قد إلتأمت من زمان و قد أصبحت ندوبًا ولكن الآن.. قلبي ينزف بشدة !...

قلبي الذي حاول أن يعالج فتأذى !..

كانت ضربة مرتدة لي !!..

لدرجة أنني فقدت القدرة على البقاء قائمة لأرمي نفسي على الكرسي الذي كنت جالسة به..

رمقتها بضياع أراها و هي تشهق باكية تضيف لكلماتها التي كانت كالسهام المتتالية على فؤادي...

"إنصدمتي أليس كذلك !؟.. أنا السبب في موتهم نعم !.. ليتنا لم نخرج يومها معا بالسيارة... و يا ليتنا تراجعنا يومها عن اصطحاب وحيدتي إلى جامعتها !.. و ياليتني لم أخرج هاتفي من حقيبتي... و ياليتني لم أقرر أن أسجل فيديو لنا وقتها ! .. و ياليت هاتفي لم يسقط من يداي إلى رجلاي !... و ياليت ديمتري لم يكن لطيفا!.. ليته لم يكن لطيفا و عاشقا لي لدرجة أنه لم يسمح لي بالانحناء لألتقط هاتفي المشؤوم ذاك!.. ياليتني استمع إلي عندما منعته و لم أسمح له بأن ينحني ليلتقطه عني !.. و ياليته لم يركز على هذا الأمر و ركز على قيادته و على الطريق الذي بمجرد أن أبصر الشاحنة المعاكسة لنا به فقد السيطرة على السيارة و... "

بترت كلماتها و هي تضع كفها على شفتيها تشهق باكية و أنا لازلت أرمقها بعينين متسعتين بضياع و تشتت..

إنفجرت ولكن... فجرتني معها!..

جئت لأعالجها و إذ بي أجرح نفسي!..

أن تقول تلك الكلمات... و تلك الحروف.. التي ذكرتني بكلماتي !...

بالكوابيس و الرعب الذي عشته...

أنا كذلك... أنا السبب!..

صوبت مقلتاي نحوها بعدما هدأت شهقاتها و ارتخت ملامحها و عينيها و كأنها... ذبلت فجأة...

" أفتح عيناي مثقلة... أشعر بألم كبير في كتفي الأيمن... أوقن بأنها مكسورة ! شعرت بثقل كبير و لا أقوى على الحركة.. أنظر بجانبي و إذ به يسند رأسه على عجلة القيادة... جبينه يقطر دمًا !.. و من ورائي.."

ساد صمت للحظات تخدش بأظافرها يدها الأخرى تتنهد و كأن الكلمات ثقلت على لسانها ..

" و من ورائي إبنتي.. روح قلبي.. حياتي.. جالسة تسدل عينيها تسند نفسها على المقعد.. لا حياة تدب في أنفاسها و وجهها مصفر و كأن الدم لا يصل إليه ... و كان حقا لا يصل إليه!.. لأنني عندما أسدلت عيناي نحو صدرها لأجد ..."

هي لا تقوى على الاكمال و لكنها تقاوم!..

تبكي و هي تكتم شهقاتها لتستطيع إكمال كلامها الذي قاومت كثيرا لتكتمه...

" لأجد قطعة حديد بأكملها تخترق صدرها لتخرج من الجهة الأخرى يلونها دمها !.."

لم تستطع المقاومة أكثر لتنفجر باكية تشهق تبسط كفيها على وجهها تخفي بها عينيها المتورمتان بالدموع...

لم أعي على نفسي إلا و أنا أتجه نحوها لأجلس بجانبها فأسحب رأسها أضمه إلى صدري أحاوطها بذراعاي ...

قلبي آلمني !..

آلمني لشدة بكائها و دموعها التي أشعر بها تتساقط على طول كتفي لحضني لها و لما حدث معها و كيف انتهى مصير ابنتها الوحيدة و كبتها لكل هذا طوال هذه الأشهر!...

و آلمني لنفسي !!... لنفسي التي أعاد لها عقلها بكلام سيدة فيرا كل الكوابيس التي كانت كالعلكة في رأسي...

مهما حاولت أن أنسى ... و مهما حاولت أن لا أتذكر تلك المناظر و ذلك الصراخ لا أفلح!..

و هل الألم ينسى؟..

مهما فرغت و مهما بكيت و مهما حكيت و سردت لإلارا لا أستطيع أن أخفف عن ما يضايق قلبي...

و لكن هي... لما فعلت هذا؟..

لديها إبنها و أحبائها لما لم تفرغ عليهم ثقل قلبها من البداية؟..

لما حتى الآن؟.. لما لم تنفجر حتى أن جرح ذلك الكتمان كل جوارحها؟..

لما إلى اليوم!؟.. لدرجة أنني متفاجئة لفتحها لي قلبها بهذه السرعة ! ..

ما حدث اليوم بهذه الدقائق فقط كان من المفترض أن يحدث على الأقل بعد أيام من الجلسات..

و لكن في جلسة واحدة و كل هذا التقدم !!.. غريب...

أبعدتها عني برفق بعد أن هدأت شهقاتها و هدأت دموعي و قد ارتخ جسمها كليا !.. و كأنها لم تعد تستطيع حتى أن تحمل جسمها و مظهرها هذا يزيد على ضيق قلبي ضيقا..

أسندت نفسها على مسند سريرها تتنفس بعمق تحاول أن تدخل بعض الأنفاس النظيفة إلى صدرها بعدما امتلأ المكان بهواء البؤس و الدموع...

" كنتُ أريد أن أخبركِ بأنني أفهمكِ و لكن... لا يعلم ملوحة الكأس إلا من تذوقها أليس كذلك؟.."

قلتها و أنا أناولها ظهري أسند مرفقاي على ركبتاي و عيناي شاردتان في السحب البيضاء لسماء من النافذة...

لم تبدي أية ردة فعل من كلماتي بل استمر شرودها و كأنها غائبة عن الواقع ...

و لكن ما أعادها للواقع هي كلماتي التي قلتها بابتسامة متألمة و أنا أعبث بأصابعي...

" و لكنني لن أخبركِ فقط بأنني أفهمكِ... بل أنا أشعر بما تشعريين به الآن!!.."

إستقامت من استنادها ترمقني بغير فهم و استيعاب قاضبة حاجبيها لأضيف لكلماتي و دموعي الصامتة تسيل على وجنتي..

" الآن فهمتُ لما ألقاني القدر بك و بتلك الصدفة الغريبة !.. ربما لأن آلامنا نفسها !!.. ربما لأننا أفضل من سيفهم بعضنا لتألمنا لنفس الألم !!.."

يا إلاهي...

لطفا ليستأصل لي شخص عقلي أو يضربني بقوة لأفقد ذاكرتي و المشاهد التي يرجعها لي من الدفاتر القديمة...

رائحة ... الدم !..

صوت صراخ !..

أصوات الرصاص تدوي في المكان!..

زفرت بقوة أمسح بيداي على رأسي أخلل أصابعي في خصلاتي الفحمية أسند عليهما رأسي الذي أشعر بثقل كبير به...

" ما الذي حدث معكِ!؟.."

" لا تسأليني أرجوكِ !.."

قلتها بحزم و أنا أجفف بكم فستاني دموعي الصامتة آخد شهيقا عميقا لعلي أستطيع الإفراج قليلا عن قلبي الذي يكاد ينفجر من شدة ضيقه ...

أعادت إسناد ظهرها هي الأخرى على مسند سريرها لترفع رأسها شاردة في السقف بضياع ليسود صمت لم أعلم لكم امتد !...

كان هذا هو السبب إذن أيها القدر... غريب أمرك!..

لا أعلم ما الذي تريده من هذا و لكن... لنسر و نرى ما تخبئه لنا !..

" كيف فعلت ِ هذا !؟"

نبرتها الهادئة و كلامها... و كأنها تقول لي بأنها وثقت بي !..

تساءلت و أنا لا أزال شاردة في السحب..

" ما الذي تقصدينه!؟"

"عودتكِ للحياة... تجاوزكِ... تحملكِ.. صمودك... قوتك !.. كيف فعلتِ هذا!؟.."

إبتسمت بإنكسار أزم شفتاي و أنا لا أزال أعبث بأصابعي حتى أنها قد بدأت تتعرق لشدة فركي لها...

هل حقا قد عدتِ للحياة يا أميليا !؟.. هل حقا تجاوزتِ !؟... و هل حقا تحملتِ !؟..

كيف هذا و أنا أعتبر جثة تسير فوق الأرض!..

ربما أضحكُ و أبتسم أحيانا و لكن... هذا لا يعني أنني سعيدة !..

" و هل أبدوا لكِ حقا قوية !؟"

أومأت لي لتتلاشى تلك الابتسامة المنكسرة من شفتاي أستدير مقابلة لها لأتجول بعيناي في الفراغ و أنا أعلي مقلتاي لألا أذرف المزيد من الدموع...

" ربما صمدتُ... و صبرتُ.. و تحملتُ و لكنني لم أتجاوز أبدًا... و لم أعد للحياة أبدًا... و لم أنسى و لم أكن قوية يومًا.. المظاهر خداعة يا سيدة فيرا !.. لأنني أضعف و أرهف مما تتخيلين !.. ربما السبب الوحيد لوقوفي على قدماي هو ما علي فعله قبل ذهابي و مماتي! ... علي أن أفي بوعدي لنفسي و أفي بوعدي لهم!.. أن أجعلهم يسامحونني عن كل ما بدر مني!... "

أضفت بأسى أصوب مقلتاي إليها ...

" ربما لولا ذلك الوعد ... و لولا إرادتي في تقديم شيء لهم حتى و هم تحت التراب ... ربما لم أستطع التحمل !.."

و قتلت نفسي دون أن يرف لي جفن !..

إستعدت رباطة جأشي أعدل جلستي و قد طرفت بجفناي لعدة مرات لأخفي دموعي و أعيد تصويب مقلتاي إليها فأجدها ترمقني بكل تركيز لكل كلمة أتفوه بها !...

قلت بابتسامة لطف على شفتاي آخد يدها بين كفاي أنبس..

" أنا موقنة من حديثكِ لي و كلماتكِ بأنكِ أنتِ أيضا تريدين العودة للحياة أليس كذلك؟... رأيتِ بأن إكتئابكِ و حزنكِ لا يؤثران بشيء إلا نفسكِ و أن الحياة سارية غير مبالية أليس كذلكِ؟.."

" لا معنى للحياة من دونهم! هم الحياة بالنسبة لي!.. "

" إذن إستمري بالحياة من أجلهم!.."

تسمرت عينيها علي باستغراب و صدمة من كلماتي لأبتسم لها و لكن قاطع رغبتي في تفسير ما تفوهت به طرق على الباب و دخول السيدة آنيا تحمل سينية لتبتسم ناطقة..

" عذرا على المقاطعة ولكن ... حان وقت غذائك يا خالة فيرا!"

اندمجنا بالكلام لدرجة أننا لم نشعر بمرور الوقت حتى!..

أفلت يدها رويدا لأقف قياما أبتسم لها أضم يداي لبعضهما أستأذن بلطف..

" إرتاحي و لنكمل فيما بعد يا سيدة فيرا.. شهية طيبة! .."

قلتها و أنا أطرف بعيناي ببطء لأتجه نحو الباب أنوي الخروج و لكن ما استوقفني هو صوتها الذي جمدني مندهشة...

" ستأتين غدا أليس كذلك!؟.."

استدرت رافعة حاجباي بعيون متسعة من كلامها!..

لا غير ممكن !.. مستحيل أن تكون قد ارتاحت لي إلى هذه الدرجة!؟..

صوتها جمد آنيا في مكانها حتى أنني شعرت بأنها تكاد تبكي لشوقها لصوتها ترمقها بنظرة شوق كبير !..

ما الذي فعلته من خير في هذه الأرواح يا سيدة فيرا...

شرودي أنساني إجابتها و عيونها المتأملة بإجابتي أفاقتني لأومأ لها فتزفر بارتياح...

لا و كأنها... قد تعلقت بي!..

و لكن هناك شيء ما حيرني!..

هي ... ترمق شعري بطريقة غريبة!.. تركز على الخصلة المتمرة من قابض شعري و تتبع ترنحها بمقلتيها...

غريب...

❀┈┈┈༻⧸⛓⧹༺┈┈┈❀

لا أعلم كم من الوقت قد مضى و أنا جالسة في أرجوحة الشرفة أتأرجح ببطأ شديد و أنا أضم البطانية إلى كتفاي أعقد مرفقاي سارحة بأفكاري و عيناي مصوبتان على حركة أوراق شجر الحديقة الخلفية بفعل النسمات الباردة..

أنبأتني آنيا بأن السيدة فيرا تأخد قيلولة بعد غذائها و أنها لو إستيقظت أو احتاجت لشيء فسأسمع صوت جرس غرفتها من المطبخ..

و أنا لم أسمعه إلى الآن!..

تعبت !..

تعبت روحي من هذه الجلسة !..

فتحت لي جروحا كانت قد بدأت تلتأم ، كنت قد بدأت أعتاد على ألمها و لا أفكر بها و لكن.. وكأن عقلي اللعين يصر على تذكيري بأنني سأبقى مقيدة بتلك الذنوب و سلاسل الماضي مهما حييت !..

عجبًا كم أن الآلام متشابهة بيننا أنا و السيدة فيرا!..

لم تزر قبورهم و لم تطلب منهم المسامحة و أنا كذلك !..

الفرق الوحيد بأن عدم زيارتها نتيجة لعدم شجاعتها و تمكنها من مواجهة من تسببت بموتهم و لكن أنا ... عدم زيارتي لهم هو عدم استطاعتي!..

تلك المنطقة محظورة لي سواء حظري لنفسي لها أو حظرها لي !..

تأففت و أنا أطرد ذلك التفكير الزائد الذي استحود على عقلي أرفع هاتف إلارا إلي لأجد الساعة تشير إلى الرابعة و الربع مساءً..

حان وقت ذهابي فلازال ينتظرني طريق ساعة و نصف للوصول إلى منزلي قبل غروب الشمس في السادسة..

الاستمرار في العمل هنا لمدة شهر فقط هو قضية وقت ليصبح جسدي عود ثقاب لطريق الطويل بين الجامعة و هذا المنزل و منزلي و أيضا لتغذيتي القليلة..

استقمت واقفة أتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الأرضي أنزله متجهة نحو المطبخ لأجد السيدة آنيا منهمكة في عملها في تحضير العشاء..

" عفوا !."

شديت إنتباهها بصوتي لتصوب مقلتيها إلي فتبتسم بلباقة قائلة...

" تفضلي سيدة أميليا .."

" السيدة فيرا... يبدوا أنها لازالت نائمة .."

" كذلك ... رغم أنه ليس من عادتها النوم كل هذه المدة و لكن يبدوا أنها متعبة اليوم !.."

بالطبع ستكون متعبة !..

طبيعيٌ أن تريح رأسها جيدًا بعد كل ما سمعته اليوم مني من عتاب تارة و مواساة تارة أخرى و لكمية بكائها و انفجار مكبوتاتها اليوم..

أومأت لها بتفهم أردف..

" إذا علي المغادرة الآن .. دمت.."

" مهلًا لحظة!.."

استوقفني صوتها مستغربة بعدما استدرت لأعاود توجيه نفسي إليه مضيفة..

" السيد آريان... أتى و طلب مني أن أعلمكِ بأن تتجهي نحو مكتبه قبل ذهابك !!.."

أتجه ... نحو مكتبه !؟..

ما الذي يريده هذا الآخر مني !؟..

أومأت بتقضيبة حاجباي مستغربة من طلبه و قبل أن أستدير وجهتُ لها سؤالي..

" عذرا... هل لي أن أعرف أين يقع مكتبه !؟.."

" بالطبع !.. يقع في آخر الرواق الأيمن في الطابق العلوي"

يا إلاهي!..

لم أشعر بنفسي إلا و أنا أحكم قبضتي على سكينتي التي بجيب فستاني لأومئ لها أبتسم بخفة موجهة خطواتي نحوه..

سأكون حذرة !.. فلا يمكن توقع أي حركة قد تبدر من هذا المنحرف !..

و لكن هناك ما حيرني .. بما أن مكتبه في الطابق العلوي و بالرواق الأيمن إذن فقد مر على الشرفة فلما لم أنتبه لقدوه !؟..

هل كنت شاردة إلى هذه الدرجة في تفكيري و لم أنتبه لمروره من ورائي!؟..

وصلت إلى أمام المكتب الذي عرفته بارشاد السيدة آنيا لأرفع يدي أطرق ببطء الباب فأسمع صوته الذي بدى لي بعيدًا من وراء الباب يأذن لي بالدخول..

أنزلت يدي نحو المقبض الأسود أدفعه نحو الأسفل لأفتح الباب أدفعه ببطء ...

المكتب ... مبهر !..

غرفة داكنة جدرانها و أثاثها مزيج بين بني البن و الأسود ، رغم دكانة الألوان بها إلا أن النافذة الزجاجية المقابلة الممتدة على طول الجدار المقابل المطلة على الحديقة الخلفية هي الأخرى تضيف للغرفة إضاءة رائعة إضافة إلى إضاءة الثريا الكرستالية التي تتوسط السقف !..

و لكن ما شد انتباهي هو ... المكتبة !..

المكتبة التي ملأت مساحة الجدار الأيمن تصطف بها كتب ذات أغلفة مختلفة تصطف ملتصقة ببعضها البعض...

لم أشعر برجلاي إلا و هي تقودني إليها أتلامس بأناملي أغلفتها الخشنة حتى أن بعض الأغلفة تبدوا قديمة و تنبئنا بأن الأوراق التي تحتويها لها عمر طويل...

لم أخطئ عندما قلت لمن يريد أن يستدرجني أو يستغلني فليضع الكتب أمامي فحسب و الباقي على حماقتي !..

اندهشت لهذه المكتبة رغم أن إلارا قد أخبرتني بأن السيد ديمتري كان ملما بقراءة الكتب و هذا ما جعل أولاده يرثون منه هذا الحب..

" دودة الكتب !.."

انتفضت فزعة لذلك الصوت الذي جاء من ورائي واضعة يدي فوق صدري أصوب عيناي المتسعتان نحوه..

" تبًا لك أفزعتني !.. أتُراك تستطيع أن تظهر كالبشر و ليس كجني يتجاوز الأسوار !؟.."

" ربما أنا كذلك!؟.."

ضيقت عيناي باستخفاف أرمقه لأجده يستند على إطار باب واضح أن آريان كان بالغرفة التي يخفيها هذا الباب فلم ألحظه لكونه بجانب المكتبة !..

باب بداخله باب.. ما بال هذا المنزل و كأنه متاهة !؟..

صحيح... هذا محير !..

قلتها بجوفي و أنا أتأمل الأرجاء لألاحظ بأن الغرفة التي أتواجد بها لا تحتوي على مكتب!.. بل تحتوي على طاولة مستطيلة كبيرة يحاوطها بضع كراسي فخمة و أثاث كلاسيكي و قد أيقنتُ بأنني في غرفة للاجتماعات..

و هذا ما جعلني أستوعب بأن الغرفة التي كان بها آريان هي مكتبه !..

على ذكره... هو لا يزال يسند نفسه على إطار الباب يشبك مرفقية ببعضهما و يوجه ناظريه إلي !..

هو في الركن الأيمن ببداية الغرفة و أنا كذلك و لكنني في نهايتها، الباب مفتوح على مصارعيه و سكينتي في جيبي..

كل شيء بخير و لا داعي للتوتر !..

" ما نوع الكتبِ المفضلة لديكِ !؟.."

قاطع صوت أفكاري سؤاله بنبرة هادئة و لم أعي على نفسي إلا و إبتسامة ترتسم في وجهي...

أعشق هذا السؤال !..

أجبته و أنا أمد يدي نحو إحدى الكتب ذات غلاف أخضر زيتي لأسحبه أبسطه على كفي لأقرأ عنوانه و أدركُ بأنه كتابٌ تاريخي للحرب العالمية الأولى..

" كتب نفسية و تطوير الذات... فلسفة و الروايات ذات طابع فلسفي و قضايا اجتماعية !... التاريخ و الحضارات القديمة، علم الفلك و القانون .. هكذا !"

نوع الكتب الذي كون لي شخصيتي ، الذي علمني ما لم يعلمه لي البشر رغم كون البشر هم كتابه..

كم هو غريب ... كوني أعشق الكتب و ما تحتويه من كلماتي بداخلها و كرهي للبشر الذين هم كتابها...

و كأن بالكتب... يحاول كل كاتب أن يظهر به الجزء الجميل و النقي مما بداخله !..

" سأحرص على توفيرهم !! "

لحظة لحظة...

ما الذي قاله !؟..

هل ما سمعته... صحيح أم أنا .. أتوهم !؟

أدرت وجهي إليه بارتفاع حاجباي و اتساع عيناي أطرفهما بدهشة بعدما كنت منغمسة في فهرس الكتاب الذي بين يداي لأجده محافظا على نظراته الهادئة و المتأملة !..

ما بال هذه النظرات !؟... نظرات و كأنها تريد البوح بالكثير..

سيحرص على توفيرهم لي !!.. بصفتي من يا ترى !؟..

أعدت مقلتاي نحو أسطر الكتب بخجل و انزعاج في نفس الوقت من بداية توتري لتك الجملة...

أنا لست غبية و لا حمقاء لكي لا أوقن بأن نظراته و تصرفاته تلك ناتجة عن... إعجاب !!..

أنا موقنة بأنه معجبٌ بي و أنه يستمتع و يستغل كل لحظة نكون بها ... بمكان واحدٍ !!..

و تذكري لهذا هو ما زاد توتري توترا !!..

" غريب .."

قضبت حاجباي باستغراب لكلمته أنتظر أن يضيف لها كلمات و أنا لا أتجرأ بأن أصوب مقلتاي إليه !..

" ظننتكِ مثل باقي الفتيات !.. و عشقهن لروايات العاطفية!!"

أنظروا إلى الزير !!.. وصل به الأمر بأن يعلم اهتمامات الفتايات حتى !..

رائع .. و لما لم أندهش يا ترى !؟..

الروايات العاطفية!..

تنهدت و أنا أقلب صفحات الكتاب الذي بين يداي لأنبس بنبرة هادئة و مقلتاي مثبتتان على الكتاب..

" هروب من الواقع بالعيش في قصص من وحي الخيال!.. بناء مجتمعات و عوالم بين الأسطر متجردة من الحياة الواقعية كل هذا أنا أتقبله و لكن ... أبطال مثاليون !.. بطلات مثاليات في كل شيء و كأنهن ملاك على وجه الأرض و ساذجات من أجل ذلك البطل الخارق للمجرات و الذي هو مستعد ليحرق العالم من أجلها !.. لا أحب المبالغة و لا أحب الخروج عن الواقع المر الذي نعيشه إلى هذه الدرجة ! .. بين الأسطر رجال و بين الزقاق ذكور أو حيوانات تخجل من أن تقدم لهم صفة انسان !!... و هل تعلم ما المؤلم بكل هذا !؟.."

أغلقت الكتاب ذو الغلاف الزيتي مصدرة صوتا دوى في المكتبة أوجه ناظراي نحوه أزم شفتاي بتأسف..

" أن معظم الكاتبات نساء !!.."

نساء...

خلقن عوالمهن و رجال أحلامهن ببضعة حروف لتعيش بداخله.. علاقات صحية و معاملات متبادلة بين الطرفين و وفاء و حب كبير من البطل للبطلة!..

لو تصرف الرجال الحقيقيون كما رجال الروايات... لقل الطلاق في العالم !!.

أومأ بفهم لأشيح ناظراي عنه أعيد الكتاب إلى مساحته الخاصة أتجول بين الأرفف لعل إحدى الكتب تشد إنتباهي !..

صحيح.. أنا ألمح هنا كتب بعناوين عاطفية مما جعلني أدرك بأنها روايات عاطفية !!..

آريان قال فتيات ... و إلارا قالت بأن أولاد السيد ديميتري ورثوا منه حب الكتب !!..

إذن هذه الروايات... لآيلا!!..

حسنا أظن أنني... ظلمت آريان !..

" ألا تؤمنينَ بالمثالية !؟"

" المثالية تعني الكمال، و أنا لا أؤمن بالكمال ! كل إنسان في هذا العالم له أخطاء و له ماضٍ و له جوانبٌ هو ناقصٌ بها !.. من المستحيل أن يتواجد شخصٌ في هذا العالم كاملاً مكملاً!.."

" ألا يمكنُ أن يكون مثاليًا في بعضِ الجوانب؟ "

" أنتَ تخلطُ بين التميز و المثالية !.."

" إذن أنتِ تؤمنين بالتميز!؟."

" لكل مجال متميزين به ، كل شخص متميز بمجالٍ ما و غير موفق في مجالٍ آخر!.. و هذا ما أنزل التوازن على العالم في هذا الموضوع !.."

" و أنتِ... هل ترين نفسكِ متميزة في مجالٍ ما !؟"

ألجمني سؤاله الذي أوقف حركة لساني و لم أجد ما أجيبه لنفسي قبل أن أجيبه هو !..

متميزة !... بماذا؟

بعدم تحقيق أحلامي... بكوني مغناطيسًا للمشاكل ، بتسبب الأذى لكل من حولي، بضعفي و عدم انتقامي لمن عذبني و أذاني ، بخوفي من التعلق و الدخول في علاقات خشية أن يصيبهم الأذى بسببي! باستمراري في تذكر ماضيي الأسود و عدم إستطاعتي التحرر من قيوده و عقلي مكبل بسلاسله...

صحيح ... أنا متميزة بهذا جدا !.. لدرجة أنه لو توفرت جائزة لهذا لنلتها الأولى دون عناء !..

" و أنتَ.. هل ترى نفسك مميزا في مجالٍ ما ؟.."

قلبت الأمر عليه و قد أدركَ بأنني لا أريد الإجابة عن سؤاله ...

كم أكره في أن أوضع في موقفٍ كهذا و لكن...ليكن..

لا أؤمن بأن لكل سؤال جواب... فبعض الأسئلة تبقى بدون أجوبة ... أو ربما الزمن هو الذي يجيب عليها..

" لا أعلم... أظن أن أكثر شيء أنا متميز به هو عملي !.. إقامة الشركة و الصفقات ..."

" جيد و لكن... ألا تدرك أنكَ تفتخر بعملِ غيرك !؟.."

" دوري بها هو حفاظي عليها و على مكانتِها !.."

" تقول أن التميز صعب و الأصعب هو الحفاظ عليه !.."

" بالضبط ! "

ما هذا الحوار الآن !؟..

هذه المحادثة التي قمت بها معه هي أطول محادثة جرت بيننا رغم كونه قليل الكلام !..

غريب...

" تعالي !.."

قالها و هو يستدير ليتجه نحو الغرفة التي خرج منها ..

جلر تفعيل وضع الخطر!...

أدخلت يدي في جيبي أسير على خطاه محافظة على الملامح الحادة على وجهي..

هناك شيء ما أثار استغرابي !..

في أول لقاء لنا و في تلك اللية التي تبعني بها إلى منزلي و في كل مرة نلتقي بها كنت أشم به عطرًا طاغيا قويا تلمح رائحته من بعد عشرة أمتار و كان أكثر شيء يثير توتري و ارتجافي منه!..

و لكن الآن !.. و رغم أنني في منزله إلا أنني لا أشم ذرة من هذا العطر بل لا أشم أي رائحة سوى رائحة الخزامى التي أظن بأنها رائحة منظف هذا المنزل من عبقها في كل بقعة منه !..

لم يتغير كثيرا تناسق هذه الغرفة عن التي كنا بها حيث كان في هذه الغرفة نافذة مقابلة للباب أمامها مكتب بندقي اللون عليه حاسوب و الكثير من الملفات وراءه كرسي جلدي فخم أسود اللون لائق لرئيسٍ و مدير أمامه كرسيان و طاولة صغيرة بينهما للاستقبال ..

توقفت عن اتباعه بعدما عبرت عتبة الباب دون أن أتعمق في الغرفة عكسه فقد اتجه إلى مكتبه يفتح أحد أدراجه و كأنه يبحث عن شيء ما به...

" تقدمي !"

يا إلاهي صبرني !..

تأففت أتقدم عدة خطوات نحو تلك الطاولة الصغيرة أقف أمام مكتبه تاركة مسافة جيدة بيننا...

" إجلسي !.."

" مرتاحة هكذا !.."

لم يبدي ردة فعل على كلامي وظل يعبث في درجه إلى أن أخرج علبة بيضاء يضعها فوق المكتب و يدفعها نحوي يصوب عينيه الهادئتان إلي !..

لم أعي على نفسي إلا و أنا أنبس ...

" ما هذا !؟"

" أنا أراه هاتف و أنتِ !؟.."

" هاها... أضحكتني !"

تظاهرت بالضحك باستخفاف لتعليقه التافه مثله !..

هذه... علبة هاتف !..

دفعها نحوي و أسند ظهره على الجدار وراءه و مقلتيه تلمح لي بشيء ما..

" خذيه !.."

لحظة... ما الذي قاله !؟..

اتسعت عيناي أشيحهما من العلبة نحوه بدهشة !!..

لا يمكن أن يكون يقصد...

" لا أنا لن أقبله !.."

" و هل ترينني أتصدق عليكِ !؟"

ها نحن ذا نتعامل مع شخصية آريان المستفزة !..

هذا الذي أمامي لا يبدوا طبيعيا أبدًا... وكأنه مصاب بانفصام الشخصية!..

ظهرت تقضيبة على حاجباي مستاءة من كلماته محافظة على برود ملامحي ليضيف لها...

" سجلت عليه رقمي و رقم آنيا !.. إذا حدث شيء ما يوما لفيرا أو حدث شيءأثناء عملكِ أو إضطررت إلى الغياب يوما أو تأخرتِ فيمكنكِ التواصل به معي أو مع آنيا !.."

يقصد هاتف عمل... جيد !

إذا كان هذا هو الهدف منه فلن أمانع في أخذه فهذا سيساعدني كثيرا في عملي و اتباع الموقع كوني لم أعتد بعد على الطرق المؤدية إلى هنا !..

" و لكن هذا لا يمنعكِ من إستعمالاتكِ الخاصة سجلي به أي رقم و أي تطبيق قد تحتاجينه !.."

" شكرًا !.."

لحظة... ما الذي قلته ؟..

رفعت مقلتاي إليه بتردد لأجده يرسم على شفتيه إبتسامة صغيرة هادئة ..

تبًا للساني الذي لا يتحكم بنفسه أحيانا !!..

ابتعد عن الجدار يقود نفسه مرة أخرى إلى ذلك الدرج ليخرج بها ظرفًا أيضا يضعه بجانب علبة الهاتف و يعيد إسناد نفسه ...

" راتبُك لليوم!.."

نسيت هذا الأمر تماما كوني معتادة على الراتب الشهري في عملي السابق !..

مهلًا ... كم كان ثمن ديني الذي عليه ؟.. ثلاثة و عشرين ألف روبل ..

" كم بهِ !؟.."

" خمسة آلاف روبل !.."

يال الظلم !..

هذا ضعف راتبي الشهري في وظيفتي السابقة في المطعم!..

تقدمت نحو ذلك المكتب لآخد علبة الهاتف و لكن ما حيره هو دفعي لذلك الظرف نحوه أبتعد و أنبس بنبرة جادة..

" لا حاجة لي للمال هذه الفترة !.. قضية خمسة أيام و سيتم دفع ديني عليك لذا لا راتب لي حتى انقضاء هذه الفترة !.."

رغم أنه ظهر في ملامحه ملامح خفيفة للانزعاج من تصرفي إلا أنه أومأ بتفهم...

ساد صمت في المكان لثواني ليرمي نفسه على مقعده الجلدي الأسود يشبك أنامله ببعضها و يسند ذقنه عليها و بندقيتاه لا تفارق وجهي..

" كيف كانت جلسة اليوم ؟.."

" مؤلمة !"

كان أفضل اختصار لها .. لم تكن مؤلمة لها فقط !.. بل كان ألمها منقسم بيننا و كم أذت كلماتنا قلوب بعضنا...

لكي تتشافى عليك أن تشعر بألم الإبرة !.. هذه هي قاعدة العلاج !..

" تقولين بأنها تكلمت !؟.."

" نعم "

" ما الذي قالته !؟.."

تنهدت أرخي قبضتي على حبل حقيبتي لأردف بنبرة هادئة..

" لو أرادت لسردت لكَ !.. لا أشعر بأنها تريد أن أقص لكم ما سمعته منها لذلك سأحافظ على ما أمِنته لي في جوفي !.. لقد تأخر الوقت علي الذهاب !.."

كم مضى من الوقت يا ترى !؟..

يا الاهي مؤكد سأصل للمنزل بعد الغروب !

استدرت أقصد الباب و أنا أرفع حبل حقيبتي على كتفي إلا أنه إستوقفني بكلمته ..

" أخبريها .."

بماذا !؟..

استدرت لأراه يصوب عينيه نحو صورة نسخة للتي في غرفة السيدة فيرا في إطار على منضدة مزهرية على يمين الغرفة و قد ارتخت ملامحه بشكل كبير و هو يصوب تركيزه نحوها و كأن مقلتيه تترجم الحنين لمن بتلك الصورة !..

" أن شاشليك وضعت مولودها !"

شاشليك !... من هذه و ما الاسم الغريب هذا !؟..

أعاد إسقاط عينيه علي فأومأتُ رغم استغرابي و أنا أتابع هرولتي نحو الخارج !..

♧ ينجرح القلب مرة عندما يتأذى... فتأتي الذكريات لتوقظ ذلك الألم و ينزف كلما ظننا أنه إلتأم ♧

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة