خرجت من الجامعة أتمشى في الشارع و في وجهي إبتسامة خفية و أنا أتذكر حديثنا أنا و إلارا...
كيف تنجح بإضحاكي و ترفيه عن قلبي و أنا في أشد أوقات حزني و بأسي؟..
كيف تنجح بهذا و هي لا تعلم أصلا ما يضيق صدري؟...
كيف وصلنا إلى هذه المرحلة من الأخوة حتى صرنا نفهم ما يملء صدور بعضنا من نظراتنا؟..
أنا دائما ما أتعجب من أمرها...
عندما وجدت نفسي بدأت أحبها و أكون علاقة معها أفصت لها عن الماضي الخاص بي و ما مريت به من مناظر و سواد و ما يمكن أن تمر به بمجاورتي...
ظننت أنني لن أراها بعد ذلك اليوم و أنني فقدتها إلى الأبد و أن تلك المرة هي آخر مرة أرى وجهها بها و لكن هيهات ...
إلارا بعد ذلك اليوم تعلقت بي أكثر لدرجة أنها لم تكون صداقات أخرى و تحاول تفريغ وقتها قدر المستطاع لملاقاتي في المكتبة...
لم أفهم ما السبب؟..
أتذكر أنني صارحتها في إحدى المرات عن خشيتي أن تكون تشفق علي و لكنها أخبرتني أنني الوحيدة التي أفهمها و السماع إلي و حملها لثقلي معي ينسيها مشاكلها و ينفس لها عن جوفها و أنني عبارة عن مسكن لها...
و أنا رضيت بصداقة كهذه...
بينما أنا أمشي في الشارع أتوجه نحو بيتي إذ بي أمر على جانب بقالة على الشارع الرئيسي...
أشعر بالدوار من شدة جوعي و علي أن أشبع معدتي الخاوية لأبدأ البحث عن العمل قبل غروب الشمس...
و دون أن أنسى حليبا أو جبنا لروكي... ما بيدي حيلة ليس لي المبلغ الكافي لشريحة لحم أرعى بها كينونته ككلب...
قدت خطواتي أقطع الطريق أتوجه إليها، دفعت بالباب أدخله و أفحص أرجائه بناظراي ...
لم يكن به حشد كبير و هذا أسعدني و أراحني ، لا أحب الدخول في المناطق المكتظة و أن أتلامس مع كل من هب و دب...
رحت أتجول بين صفوف المنتجات الغذائية و أنا أرى تنوعها و ألوانها...
القلب يشتهي... و الجيب يتكلم ...
وقفت أمام رفوف الحليب و مشتقاته أتجول بناظراي بين المنتجات ، مديت يدي آخد أصغر و أرخس قارورة حليب و علبة جبن ...
هذا سيسد جوعي لمدة أسبوع على الأقل...
أتمنى أن أجد عملا إلى ذلك الوقت ...
أشعر أن الحياة تلعب معي، تتركني حتى أفقد الأمل و أكون في أشد آلامي و انهياراتي ثم ترسل لي أمرًا أو حادثا ترفعني به من حفرتي إلى الأعلى ثم تفلتني فأسقط بشكل أقوى و أشد أملًا...
ليتها تتركني و شأني حتى لو تركتني وسط الحفرة خير من رفعها و رميها لي في كل مرة...
أنا أتألم بهذه الطريقة...
بينما أنا أتوجه إلى جناح النشويات لشراء الخبز استوقفني نداء صوت انثوي مرهف يشير الي من جهة صدوره...
" آيلا !!"
آيلا !؟..
استدرت نحو مصدر الصوت فألمح امرأة أظنها في الخمسينات من عمرها بملامح مرتجفة و عينيها ذات لون الزيتون تذرفان دمعا...
هي متجمدة في مكانها ترمقني بغير استيعاب و كأن الزمن توقف عندها ، تبحث في ملامحي بعينيها عن آثار شخص غزا قلبها و هي تقود خطوات مرتبكة نحوي...
استدرت عنها لعلي أرى آيلا التي تقصدها ولكن فاجأتني بندائها بصوت مرتجف...
" آيلا انتظري..."
لحظة... هل هي تقصدني؟..
و لكنني لست آيلا...
وجهت نظري نحوها أرمقها بنظرات استغراب و هي تتوجه نحوي بنفس الملامح الباكية و المتألمة...
ما الذي تمر به يا ترى؟..
ما إن وصلت قبالتي حتى شهقت فجأة لسحبها لي ترميني إلى حضنها و أنا متصلبة في مكاني و هي تبكي و تشهق فوق كتفي ...
تشدني و تضمني بطريقة تحبس أنفاسي و كأنها تخاف أن أختفي أو أتلاشى او ان أذهب و أتركها...
" لا تذهبي إبنتي آيلا لا تذهبي... "
إبنتي؟...
ماهذا الشعور الذي يرتابني؟...
أشعر و كأن...احساس قديم عاد إلي...
احساس الأمان...
لم أعي على نفسي و أنا أبادلها العناق و دموعي تسيل على خداي ، أنظر حولي فأجد زبائن البقالة اجتمعوا علينا أثر صراخ المرأة و أصوات شهقاتها...
هل هي مشتاقة إلى ابنتها إلى هذا الحد؟..
أين هي؟.. و هل هي أيضا مشتاقة و تبحث عن أمها ؟..
محظوظة هي...
فرقت عناقها عني و هي تتفحص أطرافي بنظرات مرتبكة بيديها...
" هل أنت بخير يا إبنتي؟.. لم يؤذوكِ صحيح؟ أين كنتِ و أين تنامين و هل كنت تأكلين جيدًا؟.."
أذوني كثيرا يا سيدتي... قلبي ينزف و دموعي جفت من كثر ما أذوني...
و أنا أنام في قن أرتجف من البرد كل ليلة و أشعل النار بالحطب يا سيدتي...
و أنا لا آكل جيدا و قد طردت من عملي الذي يأمن لي لقمة عيشي ...
كم أتمنى أن أشتكي لأحد عن ما يحدث لي و أنا في حضنه ، أتوق لهذا كثيرًا...
اشتقت اليكِ كثيرا يا أمي...
ما هذا الذي أعيشه؟..
ما الذي تريده مني الدنيا لتلاقيني بامرأة تسألني هذه الأسئلة تخفف لي بها أوجاعي و تذكرني بأمي ؟..
ما الذي يريده القدر مني؟..
و لكن المرأة تظن أنني ابنتها !.. هذا سيء علي أن أصلح الوضع و أخبرها بالحقيقة ، هذا ليس وقت سد فجوة مشاعري بل التخلص من هذا الموقف الذي يفتح جروحا قديمة داخلي...
" سيدتي أنا آسفة و لكن..."
" كنت قد أخبرتهم... أخبرتهم أنكِ لم تموتي و أنكِ لا زلتِ على قيد الحياة أنا أشعر بهذا و لكنهم لم يصدقوني يا ابنتي ، لم يصدقوا احساس الأم و صدقوا تلك الشرطة الغبية لم يصدقوني..."
إنها تمطر... داخلي...
عادت لاحتضاني و كأنها تريد أن تخفيني داخلها من هذا العالم قذر و صوتها لا يفارق شهقاتها و كتفي مبلل من الدموع التي تذرفها أمام الجميع ...
هل ابنتها...ماتت؟ هل المرأة اختل توازنها العقلي بسبب وفاة إبنتها؟.. يا ترى كيف ماتت لتضطرب المرأة إلى هذا الحد؟..
هل إلى هذه الدرجة تحبها؟..
هل أنا الآن آغار من حب ام لابنتها التي أخدها التراب الأسود داخله؟..
ما درجة النقص العاطفي للعائلة الذي وصلت إليه ؟..
صرت أغار من كل من يمشي على هذه الأرض تقريبا، كل شخص يقف مع أمه و كل شخص يتكلم في الهاتف و يضحك و كل من يجلس في المقهى مع أحد أحِبائه...
اللعنة على كل من أوصلني إلى هذه الحالة و لكن رويدًا... حياتي ضائعة ضائعة إذا لأضيعها جيدًا و أنا أجعلكم تعيشون الجحيم الذي جعلتموني أعيشه...
سأنتقم لكل دمعة سقطت من عيني و كل قطرت دم سالت بسببكم...
طفح الكيل... المرأة لا تريد أن تتركني و أنا أزداد ضيقا من حضنها الذي ليس من حقي...
شديت على قبضتي و أنا أرتب كلماتي التي ستخرج من شفتاي و ربما... ستسبب لها ألما أو جرحا ، قلت بصوت رقيق لعلي أخفف بعض الألم الذي ستشعر به ...
" سيدتي أنا لست إبنتكِ !..."
أنا أعتذر...
شعرت بذراعيها و هي تخفف عن احتوائها لي تبتعد رويدا عن ظهري ، ترفع رأسها عن كتفي و ترمقني بنظرات منطفئة غير مستوعبة لما قلته...
نظراتها تقطع قلبي... ، كم أردت لو كنت إبنتكِ...
أخدت بيديها أضمهما لبعضهما و أضع كفي عليهما أقضم على شفتاي بتأسف و أنا أضيف لما تفوهت به...
" أنا لست آيلا يا سيدتي... أنا آسفة و لكنني لست إبنتك أنا..."
اتسعت عيناي فجأة فزعة لاغلاقها لجفنيها و هي تميل إلى الجهة اليمنى تسقط مغمى عليها على الأرض...
ما الذي يحدث معها؟... هل حدث لها هذا من صدمة ما قلته؟..
هل أنا السبب؟..
جلست على الأرض على ركبتاي بجانبها أحتوي رأسها إلى حضني أمسح على وجهها و أضرب خدها أناديها بسيدتي لعلها تستفيق...
إنها لا تستجيب بتاتا...
صرخت على الحشد المجتمع علينا بنبرة متوترة ليتصلوا بالاسعاف بأسرع وقت...
تحملي يا سيدتي... تحملي يا أم آيلا... تحملي يا من تستحق الأمومة...
⊰❀⊱───⟡⚘⟡───⊰❀⊱
رجلي ترتجف من التوتر و أنا أجلس في مقعد أمام باب الإسعافات الذي أغلق علي و لم يسمحوا لي بدخول إليه...
كيف حالها يا ترى؟..
مضت نصف ساعة منذ أن جئت إلى هنا مع تلك السيدة و أدخلوها مباشرة إلى الإسعاف و إلى الآن لا يوجد أي خبر عنها...
أو السيدة فيرا...
عرفها الممرضون بمجرد دخولنا إلى المشفى و هذا يوضح لي أن لها ماض مرضي في هذا المستشفى...
ماذا حدث معها يا ترى؟... لقد بدأت الأفكار المتشائمة تغزوا رأسي...
ماذا لو حدث معها شيء؟... ماذا سأفعل ؟
أنا خائفة...
هل إذا حدث لها شيء سيئ سيكون... بسببي انا؟..
ربما لو كذبت و قلت أنني ابنتها و صبرت لبعض الوقت كانت ستتذكر و تتركني؟...
لما قسيت عليها إلى هذه الدرجة؟.. كانت امرأة متألمة و مجروحة لما لم أضمد جرحها بل و رشيت عليه الملح لتسقط من شدة الألم...
هل أنا فتاة سيئة؟... هل أنا شريرة هذه القصة؟... روحي قد بدأت تتأثر بالشر الذي تراه و صارت تحاول تطبيقه...
فلينقدني أحدهم...
بينما أفكاري و جلد نفسي لروحي و ضيق قلبي يتفاقم مع مرور الدقائق التي تحولت إلى ساعات و أنا أنتظر خروج خبر من الباب الذي أمامي يطمئن قلبي على السيدة فيرا إذ بأذناي تلتقط صوت خطوات متسارعة و متوترة على رواق الطابق تتجه نحوي... أرفع مقلتاي إلى جهة الصوت و إذ بهما تجحظان لصاحب هذه الطرقات...
غير معقول!!.. الحقير!!؟..
لا أنا سأرتكب جريمة بلا شك لما أعيشه في هذه الأيام...
و هذا الحقير... يبدوا أنه سينضم إلى قائمتي السوداء قريبا...
أرمقه بنظرات غير مستوعبة و أنا أرى خطواته تقترب متوترة نحوي و أنا أشعر بنظراته المثبتة نحوي...
ما الذي يفعله هنا؟!..
سحقًا... لا يعقل أنه يلاحقني صحيح؟..
و ماذا سيكون غير هذا؟.. هو قد تبعني إلى منزلي لما لا يتبعني إلى المشفى؟..
ما الذي يريده مني؟...
تركت مقعدي بعدما تيقنت و استوعبت أن من أراه حقيقي أنهض بخطوات ثابتة نحوه و بنظرات و ملامح حادة أقف مقابلة له و هو ينظر إلي بــ... انزعاج..
" حقا ما الذي تفعله هنا ؟.. لما تتبعتني و ماذا تريد تحديدا مني و لا تتراوغ في إجابتك لأنني حقا لست في مزاج يسمح لي بمجاراتك..."
" لا تظني نفسكِ محور الكون يا أميليا... و كأنني مولع برؤيتك أنا الآخر !!"
مـ... ماذا !؟...
تجاوزني و تركني متصلبة في مكاني مما قاله و أنا لا أكاد أستوعب تصرفه و كلماته...
هذا الوضيع ليس حقيرا و حسب بل هو حقا يتنفس الحقارة و هي تجري في دمه...
شوشني و أظهرني و كأنني أنا المولعة برؤيته ...
لحظة ... ماذا يقصد بمحور الكون؟ هل هذا يعني أنه لم يكن يتتبعني و أنه لم يأتي إلى هنا من أجلي؟...
هل هذا يعني أنه أتى إلى هنا من أجل شيء آخر و أن لقائنا هنا كان... صدفة؟...
فحصت بناظراي الأرجاء و أنا أبحث عن طيفه حتى لمحته و هو يقف بالقرب من غرفة الاستعجالات بجانب الممرض...
لم أعي على نفسي و أنا أخطوا خطوات ثقيلة نحوه أستمع إلى حديثه هو والممرض ...
" لقد جاءت أمك و هي مغمى عليها و إصابة إصطدام في رأسها إلى هنا و كان ضغط دمها منخفض جدا يا سيد آريان... أخذناها مباشرة إلى الاستعجالات و طبيب عندها الآن ... بمجرد خروجه سيعلمك عن وضعها ، سيدي عليك أن تهتم جيدا بها هذه الفترة و أن لا تتركها تخرج بمفردها لكي لا يعاد هذا الحادث مرة أخرى..."
أومأ له و هو يطلق تنهيدة طويلة يخرج بها التوتر الذي يكمن داخله ...
مهلاً...
إمرأة مغمى عليها و ضغط دمها مرتفع و أثر إصطدام في رأسها...
إنها... السيدة فيرا !!.
أم أنه...
" هل السيدة فيرا... هي أمك!؟.."
لم أشعر بنفسي و أنا ألقي عليه هذا سؤال أقطع حديثه مع الممرض...
استدار يلقي مقلتيه علي بملامح حادة يرمقني بنظرات تملؤها الشك مع ابتعاد الممرض من أمامنا...
" ما الذي يربطكِ بها؟"
" أنا التي أحضرتها إلى هنا !.."
إتسع بؤبؤ عينيه مما قلت و تعابير وجهه لم تخفي عني دهشته لما قلت ...
صدمتي لا تقل عن صدمتك لذلك اطمئن...
و لكن ما أثار توتري هو عقده لذراعيه إلى صدره بملامح متجهمة و هو يخطو خطوتين إلي يقترب مني...
" و ما علاقتكِ بها؟.."
" لقد أغمي عليها أمامي في البقالة و أنا من استدعيت الاسعاف و أحضرتها إلى هنا.."
" لا أؤمن بالصدف!!.."
" مشكلتك !.."
تأفف و هو يتجاوزني متجها إلى المقعد الذي كنت أجلس به...
حسنا انا لن أنكر... أنا حزينة من أجله..
أمه مريضة و لا يوجد خبر عليها حتى الآن و هو يشعر بالذنب لكونه لم يستطع حمايتها...
هو يشبه بويينا لحد ما..
الإثنين يشعران بالذنب لعجزهما عن رد فضل امهما في أقل شيء و هو حمايتها...
أنا... أغار منهما..
أغار من هذا الشعور حتى لو كان سيئا.. أغار من شدة حبهما لأمهما و عائلتهما و استعدادهما للتضحية من أجل أحبائهما...
أريد أن أضحي يوما حبًا و ليس شفقة أو حزنا أو تحقيرا لنفسي...
خدت بخطواتي أتجه إليه أقف بجانب مقعده أسند ظهري على الحائط و مقلتاي مصوبتان نحو الباب الذي أمامي أنتظر إنفتاحه و خروج خبر ينفس عن ضيقي...
كان جالسا يلقي بناظريه نحو الأرض و يده تتمرغ في خصلاته توترا و بعضها تشكل ستارا تحجب عن وجهه الأنظار...
واضح من توتره و أنفاسه شدة حبه لها!؟..
ما قصته يا ترى؟..
" هل آيلا... هي أختك!؟.."
توقفت حركة يده على رأسه دون أن ينبس بأي كلمة و كأنه يستوعب و يعيد صياغة كلماتي في رأسه..
أعلم... ربما قد فتحت جرحا كان على وشك أن يلتأم بذكري لأخته رغم علمي بأنها متوفية..
و لكن ما بيدي حيلة... علي أن أخبره بأن..
" هل قمتي ببحث شامل حولي بعد ليلة البارحة؟.. لما أتعبتي نفسك لو سألتني لأجبتكِ ليس لدي ما أخفيه.."
" أمك ظنتني اختك قبل أن يغمى عليها.."
جحظت عيناه مما قلته يرمقني بغير تصديق مما قلت ...
كم أتمنى لو أرد له الطاولة و أعيد له كلامه أنه ليس محور الكون و أنني لست مولعة برؤيته أو البحث عنه و لكن مايمنعني هو حالته و مزاجه ...
لحظة...
هل ظن حقا أنني قمت ببحث عنه؟ يعني انتهت همومي و مشاكلي و لم أجد ما أفعله و أشغل به نفسي فجئت أتحرى عن أصل و فصل وضيع مثله...
يال تفكيرك الذكي هذا... أبهرتني ...
" كيف!؟..مـ...مالذي تقصدينه؟!.."
أعادني سؤاله إلى الواقع يوقظني من أفكاري ، أطلقت تنهيدة طويلة أتوارى بمقلتاي عن وجهه أرمق الباب الذي أمامي أرتب كلماتي لأسردها له...
" ضمتني إليها تعانقني بكل قوتها و تبكي باِسم آيلا و ابنتي و تقول أن الجميع يكذب عليها و يخبرها أنها...متوفية ، و عندما أخبرتها أنني لست اِبنتها ... أغمي عليها..."
قلتها و غصتي تغلق مجرى تنفسي لتذكري لتلك المشاعر المشوشة التي شعرت بها عند معانقتها لي...
هذه غصتي فكيف هي غصته؟!...
مسح على وجهه يخلل أصابعه في خصلاته الداكنة يرجعها للوراء و هو يطلق زفيرا طويلا مخنوقا...
شعرت بأنه من حقه أن يعلم بهذا و من واجبي أن أعلمه ، بدا لي و كأن السيدة فيرا تعاني من عقد نفسية منذ مدة لذلك كان يجب أن أعلمه بهذه النقطة لعلها تفسر شيئا في تحاليلها...
يا ترى... كيف توفيت آيلا لتصبح مصدر وجع لكلاهما إلى هذه الدرجة!؟...
أتمنى أن يكون كل شيء بخير... هيا يا سيدة فيرا كوني بخير لنكون بخير و ترتاح أفئدتنا ...
إستغربت فجأة من صدور إبتسامة ساخرة و متألمة في نفس الوقت و هو يمسك رأسه يوجه ناظريه نحو الأرض ينبس بما حيرني
" هل تعلمين أكثر ما يؤلم هنا؟.."
نحن على قربة من استكشاف أحد الشخصيات الجديدة لهذا المنفصم...
الشخصية المتألمة...
أضاف و هو ينقل ناظريه إلي و تلك الابتسامة لا تفارق شفتيه و كأنها متنفسه أو أحد طرقه لإخفاء مشاعره الحقيقية...
" آيلا لا تشبهكِ بتاتا... "
لا تشبهني؟..
عقدت حاجباي و أنا أرمقه أنتظر توضيحا لكلامه ...
لم أفهم قصده ! و ما المؤلم هنا؟..
" لو كانت تشبهك ربما قد عذرت أمي من تشبيهها لكِ وقتها كنت سأقول أنها بخير... و لكن حالتها تسوء يوما بعد يوم فآيلا مقلتيها و خصلاتها بندقية و بشرتها سمراء بينما أنتِ..."
خصلاتي فحمية و عيناي زرقاوتان و بشرتي بيضاء...
توارت أعيننا عن بعضها بعد آخر كلماته و هو كان على وشك أن يصفني...
و لكن كلامه صحيح... لو كنت اشبه آيلا كانت ستكون سيدة فيرا محقة في ظنها بأنني ابنتها و لكن... بما أنني لا أشبهها إذن هي... ليست بخير !..
قضمت على شفتاي تأسفا من حالتها و لم أعي لنفسي إلا و أنا أنبس...
" أعتذر !.."
" و لما تعتذرين!؟.."
أضفت و أنا أفرك راحتي يداي ببعضهما حتى تصاعدت حرارة خفيفة بينهما مشكلة طبقة رقيقة من العرق...
" ربما لو جاريتها و كذبت عليها قليلا و لم أخبرها أنني لست إبنتها ربما وقتها ... ما كانت سيغمى عليها و ما كان سيحدث ما حدث !..."
" إذا كنتِ دائما تلومين نفسكِ و تجلدين ذاتك على أمور لست مسؤولة عنها و لستِ مخطئة بها حينها... سأشفق كثيرا على قلبكِ منكِ..."
لحظة...
مـ ... مالذي يقوله؟
هل يقوم بمواساتي ... أم نصحي... أم يعاتبني...
الشيء الوحيد الذي أنا متيقنة منه هو أنه يشوشني...
كنت أنتظر منه أن يلومني و يتفق مع كلامي أو يستفزني مثلما اعتدت عليه منذ لقاءاتي التي ينظمها القدر معه...
لا أن يقوم بـ ... لا أعلم..
من أنتَ بحق الله !؟...
ضممت ذراعاي لبعضها مع تقوس حاجباي أتمشى قليلا في رواق أبتعد عنه و عن الاضطراب الذي أحدثه في رأسي اريح نفسي منه ...
ما إن أخذت أنفاسا عميقة أحاول تقليل التوتر الذي يكمن داخلي إلا أنه صعد إلى أعلى درجة مع انفتاح باب الاستعجالات يخرج من الطبيب مما جعل آريان يقف مفزوعا يتجه نحوه يسأله عن حال أمه بنظراته الحادة دون أن ينطق بأي كلمة...
" السيدة فيرا بخير و إصابة رأسها لم تسبب لها أضرارًا بليغة سيد آريان... تحاليلها جيدة و قد انتظرنا استيقاظها لنقدم لك كل تفاصيل وضعها و قد توصلنا أنها تتذكر كل شيء و أن ما حدث لها عبارة عن نوبة و إغماؤها بسبب انخفاض ضغط دمها... سيد آريان عليك أن تعرض ما حدث لها اليوم بالتفصيل على طبيبها النفسي ليدرس حالتها و يعالجها لنتجنب مثل هذه الحوادث مرة أخرى..."
زالت غصة كبيرة كانت تستقر في جعبتي بعد كلام الطبيب الذي أدخل الإطمئنان داخلي...
التقيت بها قبل ساعتين فقط و الآن أنا أشعر بالارتياح و السعادة لسماعي بكونها بخير...
كم أن الإنسان غريب...
" هل يمكنني رؤيتها ؟.."
" بالطبع تفضل لقد استفاقت هي في وعيها و لكن لا تتعبها ..."
همهم له و هو يتجاوزه متوجها نحو غرفة أمه و لكن استوقفه صوتي و أنا أوجهه له...
" آريان..."
حسنا... أنا موقنة أن هذه هي أول مرة أنطق بها اسمه و لا أنعته بالحقير أو الوضيع و هذا ما جعله يوجه نظراته لي بوجه مرتخي يعلي حاجبيه و لم يخفى علي رغم محاولته لإخفائها ملامحه المندهشة من نطقي لاسمه أتقدم نحوه بخطوات بطيئة أقول و أنا أرسم على وجهي إبتسامة كاذبة أخفي بها ألمي و الغصة التي عادت للتحجر داخل حنجرتي ...
" اِهتم بأمك جيدًا ... هي تحبك كثيرًا..."
استدرت عنه متجهة نحو خارج المستشفى و أنا أقابله بظهري قبل أن تخونني دموعي و تتساقط على وجنتاي أمامه و أنا بالكاد تجاوزت رؤيته لحالتي تلك الأمس ...
تلك النوبة التي لا أعلم مصدرها وهي قد نهشت رأسي من قسوتها علي...
ما اللعبة التي يلعبها معي القدر يا ترى؟..
ما معنى أن أدخل بقالة و تذكرني امرأة بنقصي ثم يغمى عليها و إذ بها تكون أم الرجل الذي تشاجرت معه الأمس...
من قصها فقط لم أستوعبها...
و كأن ما يحدث معي مخطط له ؟ أنا أؤمن بالقدر و الصدف و المعجزات أعلم أن لا شيء مستحيل في هذه الدنيا و لكن صدفة كهذه... مريبة !..
ما الذي يريده القدر مني و هو يلقي ذلك الحقير علي في كل فرصة...
ينظم لقاءات لنا دون تخطيط منا...
أتمنى أن لا يكون لنا لقاء بعد هذا اليوم لأنني لا أستطيع تحمل الشخصيات المستفزة و التي لها عدة أوجه أو شخصيات بتاتا ...
خرجت من المشفى ليندفع نسيم المساء إلي يعبث بخصلاتي لتتمتد على وجهي وهي تلامسه...
ضاع وقتي بالكامل اليوم ، ظننت أنني سأبدأ بالبحث عن عمل جديد لأنقذ به نفسي و لكن شاء القدر أن يبدل خطتي و يفرض علي خطته...
الشمس تكاد تغرب و أنا علي أن أصل إلى المنزل قبل سواد السماء لأجتنب كل ما شيكل الخطر علي...
و كأنني أعيش في أمان....
و أنا أتقدم بخطواتي مبتعدة عن المشفى متجهة نحو منزلي إذ بي اسمع إسمي ينادى به من بوابة المستشفى...
" أميليا..."
استدرت أوجه نظراتي نحو مصدر الصوت لأجد آريان هو الذي نادى به...
ما الذي يريده؟..
تقدمت نحوه و أنا أبعد خصلاتي المتلاصقة بوجهي أضمها خلف أذني و حدقتيه لا تفارقانني بملامح مرتخية...
وصلت إليه أقف أمامه أضيق عيناي بمعنى ماذا لينبس و مقلتيه تتجولان في تقاسيم وجهي...
أنا لا أحب هذه النظرات...
" أمي ... تريدك!.. بصفتكِ أميليا... و ليس آيلا.."
تريدني!؟...
و ما الذي تريده مني!؟...
استغربت من كلامه و أنا أعقد حاجباي لأتجاوزه متجهة نحو غرفتها و أنا أشعر به و هو يمشي ورائي...
وضعت يدي على المقبض و أنا أتردد في دفعه نحو الأسفل..
هذه المرة سأقابل السيدة فيرا و ليس أم آيلا ، هذا الأمر يوترني كوني لم أتعرف على السيدة فيرا بعد...
" لا تقلقي هي تريد شكركِ فقط !.."
استدرت لأجده يقف ورائي و كان يراقب كل حركاتي و ترددي...
لا أنكر أنه طمأنني بكلامه...
دفعت المقبض نحو الأسفل بعد طرقه و أنا أدلف نحو الغرفة بخطوات سلسة و هادئة أطبع على وجهي إبتسامة صغيرة، أدارت وجهها ترمقني و هي مستلقية و أنا أتقدم نحوها حتى وقفت بجانبها...
" زال البأس سيدة فيرا..."
لم تجبني بكلمة...
ظلت ترمقني بنفس النظرات و أنا أحافظ على ماء وجهي حتى لمحت دمعة تخرج من عينها لتتلاشى ابتسامتي من رؤيتها...
كم هي تتألم يا ترى!؟...
اتسعت عيناي من مدها ليدها تمسك بها يدي تمرر ابهامها عليه لتميل برأسها ترمقني معتذرة لي بنظراتها...
و لما تعتذر لي؟..
هل لأنها ظنتني إبنتها آيلا!؟..
إذا كنتِ دائما تلومين نفسكِ و تجلدين ذاتك على أمور لست مسؤولة عنها و لستِ مخطئة بها حينها... سأشفق كثيرا على قلبكِ منكِ...
لومها لنفسها لأمور ليس لها يد بها ذكرني مباشرة بكلام آريان...
وجهت عيناي إليه بملامح متأسفة و هو مستند على الباب يضم ذراعيه لبعضهما ...
ليتني أستطيع إعادة كلامه لها و لكن... سأترك الأمر له...
أعدت صياغة ملامحي المبتسمة على وجهي و أنا أنقل نظراتي تارة نحو يدها التي تلتمس يدي و تارة نحو عينيها الخضراوتان المتأسفتان...
هي امرأة لطيفة جدًا و لكن لما لا تتكلم معي!؟.. و كأن كل كلامها قالته لطيف إبنتها الذي رأته بي و هذا ما زاد قهري لحالتها و حزنها على فقدانها...
قلت و أنا أنقل يدي الأخرى نحو قلادتي أتلمسها بأناملي و عيناي اغرورقتا لما قلته...
" لي اِنسانة عزيزة على قلبي كانت تقول لي كلاما جميلا جدا... كانت تقول لي أن الأفراد الذين يلقيهم عليكِ القدر في حياتكِ إما يكونون داء أو دواء لكِ ، و الدواء هو علاج للداء ... أنا سعيدة لأنني كنت بمثابة الدواء لكِ لجعلكِ تلتقين باِبنتكِ حتى لو كان... وهما "
لو تعلمين بمن إلتقيت بمعانقتك يا سيدة...
مثلما كنت دواء لكِ كنت كذلك دواء لي و أشعرتني بحب الأم و حنانها و دفئ حضنها الذي لم أشعر به و لم أعرفه تماما في حياتي...
عانقتني معتقدة أنني إبنتك و شعرت بالشعور الذي من المفترض أن تشعر به آيلا...
أشعر نفسي و كأنني سارقة ...
" و ماذا عن الذين يسلبهم منكِ؟ كيف ننساهم؟.."
تكلمت...
و سألتني سؤالا جعل إبتسامتي تتلاشى و جعلني في دوامة من أفكاري..
القدر لا يعطي فقط بل يسلب أيضا... يجعلنا نتوقع منه أي حركة غير متوقعة و لكنه يظن أنه بهذا هو عادل ..
إذا أعطى فسيأخذ و إذا أخذ فسيعطي..
و لكن هل يمكن أن ينسى القدر يوما ما رد الفعل؟.. هل يمكن أن يأخذ يوما و ينسى أن يرد و يعطي أو العكس؟..
لأنني أظن أن القدر قد تأخر علي كثيرا ليرد لي ما أخذه مني ، هل يمكن أن يكون قد نسيني؟..
" لا ننساهم... بل نعتاد على فراقهم!.."
" و هل يعتاد الإنسان على الألم؟.."
لا يعتاد... فقد مضى ست سنوات و لم أعتد يا سيدة فيرا !..
أنا أفهمها و أفهم شعورها كثيرا ، لِمَا أصبحت أفهم كل من ألتقي به في حياتي!؟.. هل إلى هذه الدرجة قد ذقت كل أنواع العذاب لأجد كل شخص يتألم قد تألمت ألمه!؟..
و هل هم... يفهموني مثلما أفهمهم !؟..
لا أظن..
" لا يعتاد... ولكنه يتحمل!"
" و كيف ذلك ؟.."
" عندما يرى أن حزنه و إنهياره لا ينفع بشيء و لا يرجع له ما سلب منه ... عندما يرى أن الحياة تسير و هو واقف في نفس النقطة... عندما يوقن أن الحياة لا تنتظره و لا تقف معه في نفس المكان و أنها مستمرة... وقتها سيتحمل و سيكمل طريقه رغما عنه.."
ربتت على كتفها و الإبتسامة لا تفارق شفتاي و تركيزها مصوب بالكامل على كلامي و لكنها ترمقني بطريقة... غريبة !
و كأنها لا تستوعب كلامي...
" أردت كثيرا أن أبقى معكِ أكثر و لكن... أنا مستعجلة و علي الذهاب قبل أن يسود الظلام ... كوني بخير سيدة فيرا "
" آريان أوصل الفتاة..."
" لا يا سيدتي لا داعي لهذا ... منزلي قريب من هنا.. مع السلامة"
قلتها بسرعة و وجهي احمر من خجلي لأرمق آريان بنظراتي فأراه عيناه ... متسعة!
متسعة و كأنه مصدوم من شيء ما..
ما باله!؟..
و لكنها سرعان ما تلاشت لتسود في مكانها ملامح مستفزة بتضييق عينيه مستمتع من الوضع الذي وضعتني أمه به...
و عادت حليمة إلى عادتها القديمة...
هذه هي الشخصية التي واجهني بها في منزلي...
الشخصية الحقيرة..
اتجهت نحو الباب للمغادرة و لكن استوقفني صوت آريان و هو يتمتم بالقرب مني بنبرة ساخرة دون أن يصل صوته لأمه...
" كلانا نعلم أنك تكذبين و أن منزلك يبعد من هنا على الأقل مدة ساعة!!.. سيارتي في الأسفل اذهبي و سألحقك!.."
الصبر يا ربي الصبر...
قضمت على شفتاي غيضا مما قاله أحدق به بملامح حادة و نبرة بنفس الصفة...
" قلت ما سأقوله لأمك... لا تنتظر أن أميز إجابتها عن إجابتك!!.."
♧ يمضي بنا القدر في دروبٍ نظنها مألوفة... حتى يباغتنا بمنعطف لم يكن في الحسبان♧
Amilia_mimi