عطر السكين

عطر السكين

19 0

ملاحظة : هناك مقطع إضافي أضيف لفصل " الأسود المحرم " إقرؤوه قبل أن تهموا بقراءة هذا الفصل .

كل الحب من كاتبتكم 🌷

____

عشرون...

عشرون مكالمة.. دون أن أرد !!

كان هاتفي الذي يرن على الطاولة أمامي مضاءٌ بإسم إلارا و أنا أجلس على الأريكة أضم ساقاي لصدري مسندة مرفقي على إطار النافذة !..

أرمقه.. يرن.. يصل إلي من تلك الرنة احساس إلارا بالقلق..

ربما علمت.. علمت بأنني علمتُ.. أو كوني لم أتصل بها و أخبرها عن ما حدث بهذا اليوم !..

يوم لم ينتهي على خير !..

يوم ببدايته ظننت أنني لست بمفردي !.. و في آخره خاب ظني !..

عدت إلى نقطة الصفر.. وحيدة.. مخذولة ... مغفلة !..

نعم.. مجرد مغفلة تقع في نفس الحفرة مرة بعد مرة دون أن تتعض !..

مغفلة تشمئز من نفسها تحاول أن تدنس و تخفي عيوبها و شقوقها غير مدركة بأنها واضحة كالشمس !..

نعم.. الجميع صار عالمًا بشقوقها.. إلارا ... فيرا... و آريان ذاك !..

يعلم أكثر مما ينبغي !.. يعلم أكثر مما يجب أن يعلم !.. لا أدري إذا كان يعلم أكثر مما قاله و لكن.. ما قاله كفيل بأن يجعلني.. في خطر !..

منذ متى يا ترى!؟.. منذ متى و هو ينظر إلي بتلك العيون !؟.. عيون الشفقة !؟..

أنا كالبلهاء أمامه أتصرف و كأنني صندوق مغلق أمامه غير عالمة بأنه يعلم ما بداخلي !..

يعلم و يخفي !.. و يتصرف وفق ما يعلم !..

لم يخب إحساسي عندما شعرت بأنني.. شفافة أمامه !..

لما يا إلارا !؟.. لما فعلتِ هذا !؟.. لما أفصحتِ عن سري الذي آمنته لديك !؟.. ما غايتكِ من فعلكِ لهذا !؟.. و لما آريان بالذات !؟..

أريد أن أسمعكِ .. و لا أريد أيضا !.. أريد أن أصدقكِ.. و لا أريد أيضا !.. أريد أن أجيب إتصالاتكِ !... و لا أريد كذلك !..

أريد أن أجيب و أبكي و أصرخ عليكِ و ألومكِ و أسألكِ لما !؟.. و لا أريد خشية أن أجرحكِ !..

إلى هذه الدرجة أنا أحبكِ و غالية علي لدرجة أنني أخشى خدشكِ وسط نزيف جروحي !..

أشعر أن.. هناك شيء ما !.. هناك شيء مخفي سيحل كل هذه الخيوط المتشابكة برأسي !.. و لكنني لا اريد أن أعرفه كذلك !..

لا أريد أن ينزف قلبي أكثر !..

أطلقت نفسًا عميقًا مليئ بالغبار الذي غزا صدري، أسند رأسي على ذراعي الممدة على إطار النافذة ليسقط بصري على الأقحوان الذي بحديقة منزلي و نسمات الليل الباردة تحركها و تضرب جسدي بقشعريرة !...

أقحوان.. يشبهني .. ضعيف.. صغير... يدهس تحت الأقدام.. يحمي نفسه بروحه ..

هل كان هذا مجموعة رسائل لي !؟..

هل أنا ضعيفة !؟.. هل أنا صغيرة !؟.. هل أنا أدهس تحت الأقدام !؟.. هل انا أحمي نفسي بروحي!؟..

و لكن.. لما هو ينجح بهذا و أنا لا أنجح !؟..

لما ينجح بأن يحمي نفسه بروحه و مرارته و لكنني أنا لا أستطيع !؟..

برودتي.. إبتعادي.. صرامتي.. لما لا أستطيع حماية و إبعاد الناس عني بهذا !؟..

لست مولعة بالإجتماعية و أفضل الوحدة و لكن.. لما تشدني إليها رغم أنها ممنوعة علي !؟..

لما الوحدة صعبة إلى هذه الدرجة !؟..

صعبة.. مادام هناك من يريد دخول وحدتي !..

لذلك..

ربما مغادرة فلاديفوستوك صار ضروريا لأنها.. لم تعد آمنة بالنسبة لي !..

خاصة بعدما تذكرت بأنني.. رأيت سيارة حمراء بنفس درجة التي رأيتها المرة الماضية عندما كنت أتمشى بجانب البحر !..

الشخص الذي كان بداخلها لم يكن مشبوها البتا بل كان مع صديقه بها و كان يظهر عليهما و كأنهما يتناقشان بموضوع ما !..

هذا هو أسلوبهم.. التخفي !..

لو كانت السيارات سوداء لتيقنت و لكن حمراء ؟.. غريبة و لكن .. لن أستبعد كونها لهم !..

أظن أنه... علي أن أبدأ التفكير بالذهاب !..

قاطع تفكيري صوت فتح الباب ورائي أوجه بصري نحو زجاجة النافذة أمامي فأرى إنعكاس صورة روكي و هو يقتحم منزلي !..

أحس بي !..

إبتسامة صغيرة منكسرة إرتسمت على وجهي لرؤيته و هو يتقدم نحوي !..

أدرت رأسي إليه أصوب مقلتاي لخاصته و هو يعتمد جلسته بجانبي على الأريكة لاهثا بفوهه المفتوح !..

عيناه... تترجم كل مشاعر المواساة لي !..

أنا هنا !. أنا معكِ !.. أنتِ لستِ وحيدة..

دون كلمة .. قال كل شيء !..

مديت يدي أربت بها على رأسه قبل أن يريحه على حجري لاعقا يدي !..

" يبدو أنني نسيت باب المنزل مفتوح !.. أم أنكَ تعلمتَ فتحه يا مشاغب !؟.."

لا أستطيع أن أستبعد الأمر لأنه كلب ثاقب الذكاء !..

سرعان ما إختفت إبتسامتي من وجهي أطلق نفسا عميقا و لا أزال أربت على فروه...

" سأغادر هذا المنزل بعد تخرجي !.. إعتني بمن سيأتي بعدي إلى هنا مثلما إعتنيت بي حسنا !؟.."

صوت صدر من جوفه و كأنه صوت حزن فاتحا عينه موجها إياها نحوي و كأنه.. فهم كلامي !..

من سيأتي بعدي إلى هنا لن يكون شخصا عادي حتمًا !..

من سيعيش في منزل كهذا .. سيكون قد نال كفايته من هذه الحياة !..

قد ذاق ما ذاق !... و إنصابَ بما إنصاب !.. و عان ما عان ! ..

أقل مني أو أكثر.. من يعلم !؟..

ابتسمت إبتسامة منكسرة له قبل أن أسند رأسي مرة أخرى على ذراعي أوجه بصري نحو السماء السوداء الصافية المتزينة ببريق النجوم كالألماس و نور القمر الذي كسر سوادها...

القمر كامل الليلة !..

كامل و قريب يضيء و كأنه عوض نور شمس الصباح بنوره ابخافت لدرجة أن الرؤية أصبحت شبه واضحة وسط ظلام الليل !..

يال جماله !..

لولاه... لما إستطعت رؤية بريق الأقحوان تحته !.. و ما استطعت رؤية ...

لحظة لحظة !..

ماذاك الشيء هناك !؟..

رفعت رأسي أصوب نظري و أضيقها نحو ذاك الشيء أضيق عيناي محاولة أن يتضح لنظري..

شيء جامد يطل من وراء السور.. طويل جدا كالعمود .. كتفين عريضين.. شعر مرتب...

هذ... هذا.. آر.. آريان !!؟...

ضرب قلبي صدري فجأة بإتساع عيناي منصدمة من رؤيته !..

لا مستحيل !؟..

مستحيل أن يكون هو أليس كذلك!؟..

يا إلهي ليكن هذا مجرد وهم لأنني لست.. مستعدة بتاتا على أن أواجهه !..

و لكن خاب ظني عندما لامس ضوء القمر وجهه لتلمع بندقيتيه و ملامحه تحته مؤكدة شكوكي لا يأبى أن يبعد مقلتيه عن خاصتي!..

تبًا لك و لمواقيتك ما الذي أحضرك إلى هنا !؟..

مهلاً..

السيارات الحمراء.. هم ..

تبًا وجوده هنا خاطئ تمامًا !..

ماذا لو كانو يراقبونني !؟.. ماذا لو رأوه !؟.. ماذا لو حدث له شيء بسببي !؟..

و ما إن أدركت وجوده إلا و أرى قدماه تخطيان متجهتان نحو باب منزلي !..

مهلا لحظة !..

الباب.. مفتوح !..

لم أعي على نفسي إلا و أنا أرمي الغطاء عني مسرعة نحو الرواق أتجاوزه بسرعة أدفع الباب ليغلق بسرعة في وجهه بعد أن كان بعيدا عنه بخطوة واحدة !..

إبتعدت بخطوات عن الباب لاهثة و أنا أضع يدي على صدري مع طرقه للباب بقوة !..

" أميليا !.."

اللعنة على طريقة نطقك لإسمي !..

شددت بقبضتي على قميصي عاقدة حاجباي و قد وصل الغضب بي إلى ذروته!..

" أميليا إفتحي الباب لنتحدث !.."

لنتحدث !..

لا و يتكلم معي بصيغة الأمر !..

عدة طرقات بعدها على الباب ليصدر صوته مرة أخرى من ورائه..

" أميليا أعلم أنكِ هناك !.. إفتحي هذا الباب لنتكلم !.."

أقسم أنني إذا فتحت هذا الباب الآن لن أتكلم معك إلا بسكينتي !..

صحيح أنني فقدتها في ذلك المكان و لكن.. لا يعني أنني لا أملك سكينة أخرى في منزلي !..

و الآن... أي جزء من ' إياك و أن تريني وجهك مرة أخرى ' لم تفهمه !؟..

و لكن بعدها ... لم أسمع منه سوى.. تنهيدة طويلة !..

تنهيدة طويلة و كأنها.. فقدان حيلة؟.. إعتذار ؟..

لم أعد أستطيع أن أميز أو أترجم أي شيء مما يبديه !..

أميليا أرباتوفا !.. الفتاة الغامضة شفافة أمامه.. و عندما ظننت أنه هو الشفاف إتضح أنه هو الغامض!..

نظرة شفقة ظننتها إعجاب !.. سخرية ظننتها إهتمام !..

لم أكن أنتظر هذه الأشياء و لكن.. أليس هذا خذلان !؟..

بلى..

رأيت من شقوق الباب الخشبي ظهره الذي أسنده عليه قبل أن جحظت عيناي لإدراكي بأنه انزلق جالسا على الأرض !..

هذا .. ما الذي يفعله !؟.. ما الذي يريده !؟..

" أعلم.. أنتِ.. غاضبة و مخذولة مني و لا تريدين أن تري وجهي أحترم رغبتكِ ولكن.. لا أستحق هذا بعد أن كدت أن أقضي ليلة بالنظارة بسببكِ !.."

بسببي !؟.. أنا !؟..

يا إلاهي أكاد أجن !.. يا ليتك قضيتها ربما كان سيشفى غليلي قليلا !..

و كأنني أنا التي طلبت منك أن تنهال على الرجل كقطاع الطرق !..

" أيا يكن... أنتِ منعتني من أن أريكِ وجهي و لكن لم تمنعيني من أن أسمعكِ صوتِي !.."

مهلًا...

هل أتيت الليلة لتلعب على أعصابي !؟.. أخبرني لأريك اللعب على أصوله !..

و لكن القطرة التي أفاضت كأس غليلي هي إطلاقه لضحكة صغيرة ساخرة كاسرًا بها الصمت الذي تربع للحظات يتبعها بجملته...

" تخافين من الجنس الذكوري!.."

لا أنتَ قد تجاوزت حدودك لن أسمح لكَ أبدًا بالسخرية بي أقسم أنني..

" هل تعلمين !؟.. "

قاطع إندفاعي و هيجاني و بقيت يدي معلقة بالهواء بعد أن كدت أن أدفع بها المقبض بما أضافه لجملته ..

ماذا يقصد !؟.. ما الذي علي أن أعلمه!؟..

" لا أعلم ما الذي مررتِ به و ما الذي أدى إلى إصابتكِ بهذا المرض ولكن رغم ذلك ... أعطيكِ الحق كاملا في مرضكِ هذا !.."

يعطي لي الحق !؟..

ما .. ما الذي يقوله هذا !؟..

أبعدت يدي عن المقبض مستغربة من كلماته و أنا أنتظر أن يكملها !..

" أنا مخلوق من هذا الجنس... و أعرفه جيدًا !.. أعرف أنه مستعد ليقوم بأي شيء لإخماد تلك النار التي بداخله !.. لن أعمم و لكن.. كثير منهم يتحول إلى شيطان من أجل هذا !.. "

لهذا أنا لا أثق بك !.. و لا أصدقك و لا أريد أن أسمع تبريراتك !..

أعتذر على هذا الكلام و لكن... أنا لا أستطيع أن أميز هل أنتَ من هؤلاء الشياطين أم من الذين لم تعممهم !!؟..

ربما قمت بأشياء من أجلي !.. أو ربما يتخيل لي هذا و لكن.. هناك من قام بأكثر من هذا و تبين بأنه ... أحقر شيطان !..

قلت أنني لا أريد أن أسمعك و لكن.. هناك شيء بداخلي .. يمنعني من أن أذهب !..

شيء بداخلي .. يشدني لأبقى هنا ، خلف الباب أسمعك رغم أنكَ تجرحني !..

شيء يشدني لدرجة أنني دون أن أعي وجدت نفسي جالسة على الأرضية الدافئة مقابلة للباب أضم ساقاي إلي و أنا أنتظر أن تكمل كلماتك ..

" أنتِ أعقل شخصٍ يختار مخاوفه...

على الأقل أعقل من شخصٍ إختار الظلام !"

قضبت حاجباي باستغراب مما قاله بعد تنهيدة طويلة و أنا أسمع صوت إحتكاك غصن جعلني أوقن بأن يده شاردة في لعب بغصن التقطه يلهي به نفسه وسط كلماته...

أعقل من شخصٍ إختار الظلام !؟..

هل هذا الشخص هو.. أنتَ!؟..

إتسعت عيناي للحظة إدراكي أربطهما بظهره أمامي قبل أن يضيف لكلامه بنبرة هادئة مؤكدًا لما قلته..

" أتذكر أنني كنتُ وقتها في السابعة من عمري.. و لم يمر وقتٌ طويل بعد على تبني فيرا لي !.."

مهلًا لحظة...

هل الآن ... آريان فلاديميرسكايا بشحمه و لحمه على وشكِ أن يقص لي على حدث في حياته !؟..

لا أصدق !..

" وقتها... لم تكن علاقتي مع فيرا ودية بما فيه الكفاية !.. و كنت لا أزال أحاول أن أتأقلم على العيش في منزل كذلك !.. رغم أن فيرا و أبي لم يكونا من ذلك النوع من الأغنياء ... المتملكين و المتكبرين بالعكس كانا عفويين جدًا و لكن... أنا من كنتُ كتومًا جدًا !.."

و كأنه يخبرني العلة بي !..

طفل في السابعة من عمره... كتومٌ جدًا.. ليس طبيعي البتا !..

الكتمان هو إنطباق الشفتين و ثرثرة الرأس!.. ثرثرة مؤلمة و مؤذية تجعل الصدر ثقيلا على حمل الهواء !..

سابعة من عمره !.. ما الذي عاشه في هاته السبع سنين !؟..

" كنت كتومًا جدًا و لا أفصح بما بداخلي لأي أحد !.. و لا أفصح عن ما يخيفني و يضيق صدري و هو الظلام !.."

كان يتكلم و كأنه... لست موجودة !..

يتكلم و كأنه يخاطبُ نفسه... و يذكر نفسه بما كان فيه من قبل !.. و كيف مضى الوقت دون أن يرحم !..

أيقنت للحظة أنني متلهفة لسماع تكملة حكايته.. أنني فضولية لما سيتفوه به !..

هل هذا من حدي !؟..

أعلم أنه هو عرف و تجاوز حدوده نحوي و معلوماتي و لكن.. بالنسبة لي أنا هل هذا من حدي !؟.. أن أعرف ما يقصه ؟..

لما يفعل هذا !؟.. لما يقص لي ما لا يعنيني !؟..

من أنا في نظره !؟..

لم أستطع أن أستمر في التفكير أكثر بعد أن قطعه صوته و هو يكمل !؟..

" صحيح أنني كنت أخاف و أرتعب من الظلام و لكن... كنت خجلًا أيضا من هذا !... خجلا لدرجة أنني أعتبره عار لي !.. لم أسمح لشخص أن يعرف عنه حتى فيرا التي كانت تطفئ نور غرفتي كل ليلة دون أن تدري أنها تطفئ نوري معه !.. تطفئُه و تتمنى لي ليلة سعيدة و أنا داخل اللحاف.. أختنق .. لا نور ينير رعبي .. أركز سمعي في خطواتها المتباعدة إلى أن تتلاشى عن الرواق لأهرع متعرقا نحو المقبس أنير الغرفة دون أن تدري لأنال بنوم هنيئ !... و أستيقظ في الصباح الباكر بمجرد أن تشرق الشمس و تتسلل أشعتها نحو نافذتي لأطفئ الأنوار قبل مجيئها لإيقاظي !.. و هكذا قرابة أسبوعين دون أن تدري !.. إلا أن الأمر لم يخفى عنها لأكثر من ذلك !.."

لا أعرف كيف و لكنني شعرت بإبتسامته المتكلفة و المنكسرة التي رسمها على شفتيه قبل أن يضيف !..

" أتذكر تلك الليلة جيدًا.. بكل تفاصيلها !.. الليلة التي أتت بها إلى غرفتي .. و عرضت علي أن تنام معي !.. جلست بجانبي و شدتني إلى حضنها ، و أطفأت الأضواء !.. بدأت أتعرق ... و يضيق نفسي.. و أشد بقوة حضنها إلي ، و فجأة .. أنيرت الأضواء ! و أنير معها صدري دون أن أستوعب أي شيء !.. نظرت إلى فيرا و قالت جملة واحدة حطمت بها كل دفاعاتي و مخاوفي ... أنا معكَ يا بني ، و سنهزم الظلام معًا !.. "

إبتسامة دافئة ارتسمت على شفتاي و أراهن بأنها مرتسمة أيضا على شفتيه !..

كل يوم .. كل حكاية.. كل نظرة ألقيها على السيدة فيرا .. أزداد تقديرًا لها !..

محظوظ هذا الآريان !.. و آيلا.. و كل تلميذ و طفل حضى بحبها و حنانها !..

هي أم !..

شئت أم أبيت يا آريان هي أمكَ !..

سواءً بيولوجيا أم تبنيًا تبقى أمكَ !..

أمكَ التي ربتكَ و أحبتكَ و كبرتكَ و التي عقدت روحها بروحكَ !...

لا أعرف كثيرًا عن الأمومة و لم أشعر بها و لم أصادفها و أرها كثيرًا و لكن أعلم شيئا واحدًا عنها !..

أن الأم لا يخفى لها عن إبنها أي شيء !.. مهما كان !..

أما أنا... فمحظوظة بمعرفتها !..

ربما... ربما لو إلتقيت بها من قبل.. ربما لو عرفتها قبل هذا العمر و قبل كل ما حدث.. ربما كان قد تغير الكثير...

الكثير !..

أردت أن أتكلم.. و أظهر صوتي و أقول ما بجعبتي!..

أن أقول له أن الخوف ليس عارًا !.. أن الظلام مخيف حقًا و ليس عارًا أن تفصح بهذا !.. أن الكثير من الأطفال و حتى الكبار لا يرتاحون بالظلام و تأتيهم بها هواجسهم و كوابيسهم و لكن ..

كيف أقول ما لا أعظه !؟..

كيف أقول أن الخوف ليس عارًا و أنا التي أتخد خوفي عارًا !؟.. و أخجل منه و من أن أبديه !؟..

صحيح أن خجلي منه ليس السبب الوحيد لإخفائي له و لكن.. لن أنكر أنه هناك هذا الجزء من أسبابه !..

جزء أنني أخجل منه.. و أراه نقطة ضعف و عيب بي !..

دفنت وجهي بعد تنهدي الطويل في حجري أسنده على مرفقاي أحتضن بقوة ركبتاي لصدري بإرهاق !..

أفكاري مشوشة.. و لا أعلم ما علي التفكير به بالتحديد..

" إستمعي إلي يا أميليا !.."

رفعت رأسي متفاجئة من نبرته الجادة فجأة أرجع خصلاتي خلف أذني لأسمعه ينبس !..

" إلارا... كانت خائفة عليكِ فحسب !.. عندما عرفت أنكِ... أحرقتِ ظهرك بسببي ! خافت أن أفعل ما فعلته مرة أخرى دون أن أعي أن أؤذيك ! خافت أن تتأذي لذلك.. أتت و أخبرتني و أخبرتني بمرضكِ !.."

رائع... هذا أيضا تعرفه !..

تأففت بغيظ و أنا أرمق الباب سامعة كلماته..

" حينها .. أخذتها معي إلى الطبيب النفسي.. من أجلكِ !"

مهلا لحظة... ماذا !؟..

لما الطبيب النفسي ... و كيف من أجلي... أنا .. أنا لا أستوعب شيئا ما هذا الذي يتفوه به !..

" إلارا كانت حرصة على أن لا تدلي بأي تفاصيل غير مرضكِ !.. لم تخبره عن سببه و لا عن ما حدث لكِ لتصابي به !.. ألح الطبيب عليها كثيرًا و لكن... كانت وفية لكِ و أخبرته بأنكِ لو كنتِ مكانها لأخبرته بذلك القدر !"

إلارا ..

بدأت أتفهكِ و لكن.. لما لم تخبريني بهذا !؟.. لما لم تخبريني بما حدث و ما عرفه آريان عني !؟..

و هذا الوضيع !.. لما فعل هذا!؟.. لما أخذها إلى الطبيب دون علمي و ما فائدته من هذا !؟..

و كأنه سمع ما بخاطري لأسمعه يجيب عن تساؤلي..

" لم أعرف كيف خطر على ذهني و أخذ إلارا معي بتلك السرعة إلى الطبيب النفسي ! ، كنتُ منصدمًا و مثأثرًا مما عرفته !.. أحرقتِ ظهركِ بسببي !.. بسبب فعل طائش و غير واعٍ مني !.. لم أستحمل فكرة أنني تسببتُ في ألمكِ و كنت سبب تفاقم مرضكِ... لا أعلم إن كان هذا سينفع الآن و لكنني... أعتذر منكِ يا آميليا !.. أنا آسف !.."

آريان...

آريان يعتذر مني.. الآن !..

أنا.. أنا .. لا أعلم !؟..

لا أعلم ما علي أن أشعر به و ما علي التفكير به !.. أنا منصدمة !..

لم أكد أستوعب ما قاله إلا و هو يضيف...

" و أيضا... كنتُ أريد أن تكوني مرتاحة بعملكِ !.. و أن لا يعيقكِ شيء في جلساتكِ.. أريدكِ أن تعالجي فيرا و تتمي عملك بأكمل وجه دون أن يعيقكِ شيء لأنكِ كنتِ و لازلتِ أملي الوحيد في علاجها !.. لذلك.. سألت الطبيب عن الجو الملائمِ لكِ .. و سعيت لتوفيره !.. "

صحيح لأنني-..

لم يسمح لي حتى بأن أفكر بالأمر و أتحدثه في نفسي إلا و هو يستنتجه و يقاطعني بنبرة مندفعة !..

" أنا لا أشفِقُ عليكِ يا أميليا !.. أعلمُ أنكِ تكرهين نظرات الشفقة و لا أظن بأن هناك شخصٌ يتقبلها من بينهم أنتِ !.. لو كنتُ أشفقُ عليكِ لما كنتُ جالسًا الآن أمام منزلكِ أحاول أن أرضيكِ !.."

حسنًا... كلامٌ منطقي ...

و لكن... لو لم يكن ما تقله إشفاق.. فما هو إذن يا سيد آريان !؟..

" أنا لا أشفقُ عليكِ و لكن.. أنا أتفهمكِ!.. أتفهم خوفكِ... و أتفهم إخفاءكِ و حرجكِ أو أي سبب آخر !.. لا أعلم ما الذي مررتِ به و ما الذي عشته و تجاوزتهِ و لكن.. أعلم بأنه ليس بالشيء الهين !.."

هدأت الأصوات بداخلي.. و سكتَ صوتي.. و خف نبض قلبي..

كل شيء صار بلا معنى للحظة.. لكلماته !..

هو يعلم... يعلم بأنه لا يستطيع الفهم !.. لم يقل بأنه يفهمني لأنه يعلم بأن الجُرح لا يحس به إلا من به ألم !..

لم يقل بأنه يفهمني و لكنه قال... يتفهمني !..

يحاول.. يشعر بذلك الألم و لكن.. لا يعلم إذا كان نفسه !.. يحزن و لكن.. لا يعلم إذا كان بذلك القدر .. يحس و لكن.. لا يعلم إذا كان بذلك الإحساس..

لا يفهم.. لأنه لم يعش و لكنه.. يتفهم !..

" أنتِ فتاة قوية يا أميليا !.. هذه هي نظرتِي لكِ .. عندما أرى تلك النظرة في عينك ِ.. تلكَ الحدة و ذلك الجمود... ذلك الإرهاق و تلك الروح المتناقضة بداخلكِ !.. أفهم بأنكِ.. لم تصلي إلى هنا بسهولة !.. أفهمُ بأنكِ ناجية من تحت الأنقاض!.. أفهم بأنكِ حاربتِ و عانيتِ بما فيه الكفاية !.. و أن مرضكِ الآن و ما هو خارج علمي.. هي ندوب جروح محاربة !.. ستشفى و تختفي مع الوقت !.."

هل الكلامُ سهلٌ إلى هذه الدرجة.. أم هي حقائق !؟..

لأنني مهما فعلت و مهما حاولت .. تلك الندوب لا تختفي !..

أنا ماضيي لم ينتهي بعد و جروحي لم تغلق بعد لتصبح مجرد ندوب !.. أنا لست مقيدة بالماضي بل الماضي مقيد بي !.. سلاسله محكمة بشدة بي و لا أملكُ المفتاح !.. المفتاح بعيد أو ربما قريب و لكنه ... ثقيل و كبير جدًا !..

ثقيل جدًا لدرجة أنه بمجرد محاولة مني لحمله سيدهسني تحته و لن يبقى لي وجود !.. هذه هي حكايتي !..

ربما... ربما أنا قوية في التحمل و لكنني.. لستُ قوية في المحاربة !..

كلما حاولت أن أرد ما أسيء لي و كلما حاولت أن أنتقم بربع ما أصبت به أجد نفسي أقصف و أجرح أكثر !..

قاطع إنهياري أصوات حركة من جهته لأوقن بأنه إستقام من جلسته أدرك من صوت تصفيقه بأنه ينفض الغبار عنه قبل أن أسمعه يردف ...

" إرتاحي الآن و خدي وقتكِ في التفكير !.. لا أعلم إن كنتِ قد رضيتي أو سامحتني و لكن... لا تفكري رجاءً بتركِ عملكِ !.. بالكاد أرى إبتسامتها و تجاوبها فلا تضيعي التقدم الذي أنجزته بذهابكِ !.."

تنهيدة خافتتة تصدر منه قبل أن أسمع صوت بنبرة مبتسمة يضيف بما صلبني ..

" نحن بإنتظاركِ ، لازلنا بحاجتكِ ... يا أقحوانة !.."

إتسعت عيناي مع شهقة خافتة تصدر مني أضع يدي على شفتاي متفاجئة!..

لا أعلم على ماذا أعلق !؟...

هل أعلق على كلمة نحن بدل هي !؟..

أم أعلق على.. أقحوانة !!..

أقحوانة !!..

إبتسامة خائنة إرتسمت على شفتاي دون وعي مني و أنا أعيد ترديد هذا اللقب أعوده للساني !..

أعجبني هذا اللقب و لكن... من هو ليلقبني !؟..

آريان.. من هو بالنسبة لي !؟..

بالنسبة لي.. هو مجرد مديري في العمل !.. السؤال الحقيقي هو من انا بالنسبة له !؟..

أنا مجرد ممرضة لأمه و لكن.. هو لا يتصرف وفقًا لهذا !؟..

و كأنه.. قد تجاوز هذه المرتبة منذ وقت طويل.. و أنا خائفة من هذا !..

ما هذا التفكير الآن !؟.. ألم أقل أنني لن أحكم عليه و على أفعاله بعد الآن!؟.. ألم أقل أنني لن أستنتج من تصرفاته أي شيء من بعد الآن كونه بذلك الغموض !؟..

" طابت ليلتُكِ !.."

هو ... ذاهب !؟..

بالطبع سيذهب و هل تريدين أن يقضي ليلته أمام منزلكِ !؟..

لا و لكن ... لا أعلم !..

أخذت نفسًا و وقفت على رجلي أتجه بخطوات بطيئة و سلسة نحو الباب حتى إلتمستُ خشبه برقة !..

شقوقه لم تعد تبرز ظل أي شخص ...

هل ذهب !؟..

لم أستوعب حتى وجدت نفسي أسند أذني على الباب أترقب أي صوت يؤشر لي أنه لازال هنا و لكن... دون جدوى !..

لا صوت ... لا حركة.. مجرد صمتٍ !..

صمتٌ مخيف... لم يكن موجودا عندما كان آريان هنا !..

أخشى هذا و لكن.. أخشى أنني أشعر بالأمان في وجوده !..

أشعر بالأمان وسط الخطر !... أليس مريبًا !؟..

وضعت يدي على المقبض أطلق نفسًا ثقيلا قبل أن أدفعه أسحب الباب ألي ألقي نظرة نحو الخارج..

وقع بصري... على ظهره..

ظهره و هو يبتعد عن البيت .. خطى هادئة .. و كأنه يخطوا فوق السحاب..

أسندت رأسي على حافة الباب أتابع خطواته المبتعدة دون أن أنبس بشيء !..

أردت أن أنبس بالكثير !، لا أصدق نفسي و لكنني.. أريد أن اناديه !..

لا أعلم ما الذي سأقوله حينها و لكنني .. أريد أن أناديه و أن لا يذهب !..

خائفة !..

خائفة من هذه الأفكار التي بداخلي .. خائفة من مشاعري.. خائفة من مخاوفي... خائفة من قدراتي و خائفة من عجزي .. خائفة من مرضي وعيوبي.. و خائفة من امتيازاتي !..

خائفة من نفسي.. على نفسي..

خائفة من ذهابه .. وخائفة من فكرة بقائه !..

أيُ تناقض هذا !؟..

و لفجأة تصلبت في مكاني متسعة العينين عندما إستدار ببطء لتلتقي مقلتيه بخاصتي !..

أردت أن أشتم نفسي لفكرة فتحي للباب !.. أردت أن اتجاهله و ادخل أصفع الباب ورائي.. أردت أن أقابله بظهري و أنام كأن شيئا لم يحدث..

أردت أن أفعل أي شيء غير أن.. أبقى هادئة آبى أن أفصل بصري عنه!..

لم أتحرك.. و لم أبدي أي ردة فعل.. و لم يفعل هو المثل ..

مسافة كبيرة بيننا يتوسطها البدر دون أن يغفل عن بقعة ليوصل لها شعاعه الخافت...

شعاعه الذي يلمع تحته الأقحوان... و نحن !..

نفس عميق أدخله لصدري قبل أن تداعب نسمة باردة وجهي و تقشعر جسدي لآخد بذراعاي أضم بهما نفسي ...

الجو بارد و أنا بهذه الملابس الرقيقة خارجًا !.. علي أن أدخل و إلا سأصاب بنزلة برد ...

أعدت توجيه بصري نحو آريان لأجد ... إبتسامة طفيفة تزين وجهه !..

هو يبتسم لي !!...

لأرى يده ترتفع شيئا فشيئا قبل أن تتمدد و تلوح أمام ناظراي لي !..

هو... يودعني..

حسنًا... في موقفٍ كهذا كيف يجب أن تكون ردة فعلي !؟..

لم أجد نفسي إلا و أنا أزم شفتاي و أكتفي بابتسامة عيناي أفصلهما عنه و أستدير لألج لمنزلي أغلق الباب ورائي!..

أسندت ظهري على الباب أضع يدي على قلبي و أنا أستشعره...

لما هو ينبض هكذا !؟.. ما الذي عشته أنا الآن !؟..

أنا لست سعيدة من هذا الوضع البتا !..

في هذه الأيام الأخيرة ... لستُ بخير تمامًا !..

أفكاري ملخبطة و تفكيري مشوش لدرجة أنني لم أعد أستطيع التجميع و اتخاد قراراتٍ منطقية و صحيحة !..

لا أعلم إن كان مرحلة من العمر.. أم من الأحداث المتراكبة واحدة تلوى الأخرى.. أم شيء آخر أجهله !..

سحبت خطواتي بثقل نحو سريري أرمي به نفسي قبل أن آخذ بطانيتي أضم نفسي بها بشدة دون روكي الذي أتى و نام على رجلاي !..

إرتاحي الآن و خذي وقتكِ في التفكير !..

سأحاول..

سأحاول أن أُخرِس تفكيري قليلاً.. أكثر ما أريده الآن هو ليلة و نوم هنيئ..

غدًا... سيُحل كل شيء..

شيئًا فشيئًا..

✧༚༄⋆。˚☽˚。⋆༄༚✧

رائحة...

هذه الرائحة... جميلة !..

رائحة .. مؤلوفةً جدًا !..

أعشقها... هذه الرائحة قريبة جدًا إلى قلبي !..

إنها.. الأقحوان !!..

فتحت عيناي ببطء بإبتسامة عفوية تزين شفتاي ليقابل عيناي .. وجه روكي و هو..

يضع أقحوانة في فمه !..

زميت حاجباي مستغربة أرمقه بحيرة و أنا أراه يضع تلك الوردة بجانبي ليبتعد يدور حول نفسه في حركات و أصوات عفوية !..

اذن.. هذا هو منبع تلك الرائحة !..

جلست على مرقدي أمد يدي نحو الأقحوانة بلطف أقربها إلى أنفي أستنشق رحيقها الزاكي !..

" هل قطفتها من أجلي !؟.."

إبتسمت أرمق عيناه العميقتان و هو يبصرني بهما بلهفة ..

منذ أن سكنت هنا أول مرة كانت الأقحوان موجودة في الحديقة و لم يخطر على باله أن يقطف لي إحداها !..

كيف خطر له اليوم ؟.. و لما اليوم بالذات ؟..

و الغريب أن الأقحوانة.. ذابلة من الأطراف !..

أي صدفة هذه !؟..

تقدم روكي مني ظنًا مني بأنه سيجلس على حجري كالعادة و لكنه.. فاجأني بقضمه لفستان نومي يسحبني نحو وجهة ما..

" هكذا إذن أيها المستغل !.. قطفت لي هذه الزهرة من أجل أن أُطعمكَ أليس كذلك !؟.."

مددت قدماي للأرضية أنتعل نعلي بخفة لأستقيم واقفة أمدد أطرافي لأقود خطواتي نحو الحمام و روكي يلحقني من ورائي بأنفاسه اللاهثة..

ليفزعني فجأة بنباحه القوي يتقدم مني ليعود لقضم فستان نومي و سحبي منه..

ما الذي يحدث معه!؟..

مددت يدي نحو رأسه أربت له فوقها أكلمه ..

" إهدأ يا عزيزي روكي !.. دعني أغتسل أولًا لأطعمكَ ما هذه العجلة اليوم !؟"

ولكنه لم يستمع إلي غير أنه ترك فستاني يتجه نحو الرواق مستمرًا في نبحه..

مهلاً لحظة..

هو.. لا يتجه نحو المطبخ؟..

هو لا يريد أن أطعمه.. هو يريد أن أتبعه !..

تبعته بخطوات ثقيلة قاضبة حاجباي بحيرة فإذا به ينهي الرواق مشيرًا إلى الباب الخارجي للمنزل نابحًا بقوة !..

حسنا... أظن أنني قلقة !..

إبتلعت ريقي أقترب من الباب متوجسة مما خلفه مع إنكتام صوت نبح روكي أضع يدي على مقبض الباب أدفعه للأسفل !..

دفعت الباب ببطء أراقب ببطء و ... لا شيء غريب !..

مجرد شبه حديقة أنارتها خيوط شمس صباح هذا اليوم و امتدت خيوطها نحو لمعان ندى الأقحوان..

أدخلت هواء الصباح لصدري أنتعش به و ببرودته التي أرسلت قشعريرة على طول جسدي..

صباح الخير ... لي !..

فركت عيناي أزيل منهما ما تبقى من أثر النعاس قبل أن يفزعني مرة أخرى نباح روكي أمامي أنقل مقلتاي نحوه بضيق قبل أن أرى ما يشير إليه..

لحظة !.. هذا..

جلست القرفصاء على الأرض أمد يدي نحوه و ألتقطه بين يدي أتلمسه لتتسع عيناي..

هذه ... سكينتي !..

ما الذي تفعله هنا ؟.. أنا كنت قد فقدتها عندما تعرضت لأولائك المنحرفين و ...

آريان !!..

ضاقت عيناي للحظة الإدراك هاته أقلب سكينتي بين يداي أتفقدها..

لا شك بأنه هو !.. تركها هنا الأمس قبل ذهابه و لكن.. لم ألاحظها عندما كنت واقفة هنا !؟..

هل هذا يعني أنه.. نساها فعاد و وضعها هنا !؟..

و لكن.. كان يستطيع أن يقدمها لي اليوم في فترة عملي في منزله ، لما اختار وضعه أمام باب المنزل و كأنه طرد..

مهلاً..

تلك الأقحوانة...

لا أصدق !!..

إتسعت عيناي مندهشة غير مستوعبة أمسك تلك الأقحوانة بين إصبعاي أتلمسها و أفحصها ...

ذابلة من الأطراف... منفتحة !..

يستحيل أن يقطف روكي أقحوانة ، خاصة بالمواصفات دقيقة للتي أحبذها !..

بالتأكيد ستكون موضوعة و بها رائحتي ليحضرها إلي خاصة !..

و لن تكون قد شدت رائحتي إلا من شيء يخصني.. السكينة !..

هذا يعني.. أنها كانت بجانبها !..

و هذا لن يكون... إلا من صنع آريان !..

نحن بإنتظاركِ ، لازلنا بحاجتكِ ... يا أقحوانة !..

طيف إبتسامة عفوية ترتسم على شفتاي و أنا أقرب الأقحوانة نحوي أستنشقها من جديد !..

هذه الأقحوانة.. ليست إلا عربون إعتذار !.. هو قالها بنفسه !..

حسنا إذن... ما دمتم تنتظرونني ... لن أطيل إنتظاركم !..

ربتت على رأس روكي آخذ السكينة و الوردة أستقيم لألج إلى منزلي قاصدة الحمام !..

إنسياب الماء الدافئ على جسدي و طرقات قطرات الماء على الأرضية كمعزوفة هادئة كانا كفيلين لتهدئة عقلي و جسدي المرهق..

أغمضت عيناي أستقبل دفأ الماء على جسدي.. كحضن خفي يشعرني بأن كل شيء بخير !..

هذا.. أكثر ما كنت أحتاجه بعد يوم أمس !..

أنهيت إستحمامي أغادر الحمام و أنا أدفئ جسدي برداء الحمام و أجفف خصلاتي الفحمية بالمنشفة متجهة نحو غرفتي !..

أشعر بطاقة إيجابية جميلة هذا الصباح.. أرجو أن تدوم !..

و بينما أنا شاردة مع تصفيف شعري إذ بهاتفي يرن على سريري !..

دام بما فيه الكفاية !..

مديت يدي نحوه أترقب الإسم الذي يرتسم على شاشته قبل أن أطلق زفيرا ضيقًا من صدري أشرد في الإسم..

إلارا..

واحد و عشرون .. مكالمة !!..

حان الوقت يا أميليا.. لن تتهربي أكثر من هذا..

تشجعي !..

مديت يدي نحو الزر الأخضر بتردد لأكسر ترددي بدفعه نحو الأعلى و توجيهه نحو أذني !..

" حمدًا لله يا إلهي !.. أميليا أين أنتِ!؟.. أين إختفيتِ فجأة لا تردين على إتصالاتي رغم أنه يرن و لا على رسائلي رغم أنه يظهر لي انكِ قرأتها !؟.. أتصل على أريان لا يجيب هل تعلمين أنني كدت أموت من الرعب في ليلة الأمس و انا أفكر في كل ما يمكن أن يكون قد حصل لكِ !؟.. كدت أحسم أمري و أتجه نحو الشرطة الآن !.. أنظري يا هذه الآن أصبح لديكِ هاتف ستطمئنينني عليك كل يوم و كل ليلة و إلا أقسم لكِ لن أهتم لأي وعد و لا لأي وغد !.. آتي كالمجرمين و أقتحم منزلكِ و أطمئن عليكِ بنفسي هل فهمتِي !؟.. يا إلهي كدت أجن من ورائك!.."

" إلارا تنفسي !.."

أنا... لا أعلم ما علي قوله !..

أشعرتني ... بالذنب !..

ما كان علي فعل ذلك... ما كان علي تجاهلها !..

و لكن.. ربما لو كنتُ قد كلمتها أمس.. ربما كنت سأؤذيها !.. خفت أن أجرحها أو أسيء لها بسبب أنني... كنت منفعلة جدًا !..

و نظرًا لكلامها... هي لا تدري بأنني علمت !..

لم أعلم أنني كنت سأؤذيها حتى بغيابي !.. إعتقدت بأنها ستقلق قليلاً و لكن.. ليس لهذه الدرجة !؟..

هل هي.. متعلقة بي إلى هذه الدرجة !؟..

هذا ما يقال له الإهتمام صحيح !؟..

" أجيبي !!"

إستعدت تفكيري إثر صراخها على أذني لأجيب بتلقائية دون تفكير..

" ماذا!؟.."

" أميليا لا تجننيني من الصباح لي ساعة و أنا أقول لكِ لما لا تجيبين علي لما تجعلينني أقلق !.."

لا أستطيع !..

الكلمات التي بداخلي لا يجب عليها أن ترسل عبر الهاتف !..

" إلارا هل يمكننا أن نلتقي !؟.."

" بالطبع ... بالطبع لنلتقي !.. لنلتقي لأكسر لكِ رأسكِ السميك ذاك !.."

مجنونة !..

إبتسامة لا إرادية إرتسمت على شفتاي قبل أن أجيب بنفس النبرة !..

" حسنا لنلتقي و لتكسري لي رأسي لا مشكلة لدي !.. هيا حددي مكانًا نائيا و أرسلي إلي الموقع !.."

" لا يمكنني !.."

قضبت حاجباي بحيرة !..

لما يا ترى !؟..

زميت شفتاي أترقب تكملة كلامها لتقول..

" وعدت تيمور بأن أخصص له هذا اليوم بأكمله و لو لم يكن نائمًا الآن لما إستطعت حتى الحديث معكِ !.."

هكذا إذن ...

إلارا... تعجبني الأخوة التي تقدمها لأخيها !.. و كأنه إبنها !..

تحاول أن تعوض له كل ما فقده !.. تحاول ان لا تشعره بفقدان والديه... و أن تملأ له الفراغ الذي خلفه والديه لديه !..

و لكن... ماذا عنها !؟..

" حسنًا إذن... نلتقي غدًا بالجامعة يا إلارا !.."

" حسنًا .. كوني بخير و أجيبي على إتصالاتي !.."

" حسنًا أعدكِ!.."

قطعت الإتصال أسحب الهاتف من أذني أضعه على سريري ..

أطلقت نفسا ثقيلا من صدري و كأنني أخرج معه الضيق الذي إنتابني من هذه القضية!..

صحيح.. إلارا لم تفي بوعدها لي!..

وعدها الذي قطعته لي عندما أخبرتها بكل شيء !.. عندما وعدتني بأنها ستنسى ما قصصته لها و أن لن تبوح به لأي أحد مهما كان السبب !..

و لكن... هي فعلت هذا من أجلي !.. من أجل أن أكون بخير و أن لا أتعرض لأي أذى !..

هي خافت علي فحسب !..

جربت أن أضع نفسي مكانها و .. نعم ، معها حق !..

لو كنتُ مكانها ربما كنت سأفعل نفس الشيء !.. لتشاجرني فيما بعد و لتشتمني و لتفعل بي ما شاءت !..

ما يهمني هو.. أن تكون بخير !..

لذلك .. أظن بأنني أفهمها !..

إرتديت ملابسي بعد أن جففت شعري و ضفرته على شكل ضفيرة أترك خصلات غرتي تنسدل على جبهتي كالستائر ..

قدت خطواتي نحو المطبخ أمام خطوات روكي و هو يتتبعني من ورائي لأفتح الثلاجة آخذ علبة الحليب و أسقي له في طبقه و أحضر القهوة لنفسي ...

سندت نفسي للثلاجة بعدما تركت القهوة تغلي و عيناي ظلتا معلقتان بروكي...

ليس لدي دوام بالجامعة اليوم كونه الأحد اليوم الثاني من العطلة الأسبوعية، كما أنه لا يزال الوقت مبكرا على الذهاب إلى العمل ..

ما الذي سأفعله الآن !؟..

سحبت نظري عن روكي أتجه إلى القهوة أطفئ نارها قبل أن تتسع مقلتاي للفكرة التي خطرت لي !..

إبتسامة جانبية اتسمت على شفتاي قبل أن أقول بصوت خافت ..

" لا ضرر ببعض الإبداع الآن !.."

✾⋆。°✩₊⸜⨳⸝₊✩°。⋆✾

أدخلت نفسًا عميقًا لصدري بعدما إجتزت الممر أقف أمام باب منزل السيدة فيرا..

نقلت بصري نحو العلبة التي أحملها بين يدي أستنشق رائحة الكعك الدافئة !..

نعم.. أعددت كعكًا و أحضرته معي إلى هنا !... لا أعلم ما غايتي من فعل هذا و لكن.. شعرت بأنني أريد فعله !..

ربما ... هذا سيقرب السيدة فيرا مني أكثر !.. أن أعد الكعك و أحضره لها.. كأنه نوع من محي الرسميات بيننا !..

تلك الطاقة الصباحية التي إنتابتني اليوم و لا أعلم مصدرها.. شعرت بأنني أريد إستغلالها !..

و سعيدة بأنني إستغليتها بهذا !..

و لن أخفي هذا.. إشتهيت هذا الكعك !..

سحبت يدي من العلبة أمدها نحو الجرس لأدق الباب أعدل غرتي و أطراف فستاني أنتظر أن يفتح ..

لأسمع حركة إدارة المقبض و تظهر وراءه الآنسة آنيا و هي تطل من وراء الباب بحركة لطيفة !..

" آنسة أميليا أهلا بكِ !"

تقدمت نحوها بطيف إبتسامة تزين ملامحي أجتاز العتبة لأقف أمامها..

" ألا يمكنكِ أن تستغني عن كلمة ' آنسة ' و تكتفي بإسمي فقط !؟.."

" حسنا و لكن.. إذا إستغنيتي عنها أنتِ كذلك في إسمي !.."

" أعدكِ أنني سأحاول !.."

قلتها رغم معرفتي بأن هذا سيكون صعبا لإعتيادي بإضافة هذا التقدير لكل شخص كبير علي !..

بإستثناء ذلك الوضيع.. لأنه وضيع !..

وضعت العلبة على طاولة صغيرة بجانب الباب أنزع معطفي قبل أن تنتبه آنيا للعلبة توجه بصرها نحوي ..

" هل أنتِ من أعددتها !؟.."

أومأت برأسي لها مبتسمة للتجه نحوي تأخد المعطف من يدي مردفة ..

" أميليا !.. رائحتها إخترقتني تبدو شهية جدًا و لكن.. لما أتعبتِ نفسكِ !؟"

" لم أتعب نفسي بالعكس.. سعدتُ كثيرًا و أنا أعده!.."

إتسعت إبتسامتها و هي تنصت إلي تعيد توجيه بصرها نحوي بعد أن علقت معطفي لتأخذ العلبة تحملها بين يدها مضيفة..

" حسنا !.. السيدة فيرا بالمطبخ أنتِ إذهبي إليها و أنا لأعدد لكما القهوة.. "

" دعي القهوة لي كذلك !.."

لا بأس بذلك أليس كذلك !؟.. لم أبالغ !؟..

قضبت حاجبيها ترمقني بحيرة قبل أن أزم شفتاي أضيف لكلماتي ..

" إعتبريها نوعًا من العلاج !.."

هذا ما خطر على بالي لأقوله ما بيدي حيلة !..

و لكنها قبل أن ترد علي مع زيادة تقضيبة حاجبيها إذ بنا نسمع صوت طرقات حذاء و هي تترجل عبر السلم !..

هذه الخطوات... أعرفها جيدًا !..

نفس خطواته في ممر المطعم يومها !..

آريان !!..

رفعت مقلتاي نحوه بعدما أنهى نزول الدرج يسند نفسه على مسند الدرج يضم ذراعيه لصدره يشبكهما و يأبى أن يفصل بصره عن خاصتي ...

أنا الآن... لما أشعر بشيء غريب !؟..

نظراته هاته ...

شبه إبتسامة وجهتها له بعد أن إنسحبت آنيا ببطئ عنا ليفرق بين شفتيه ينبس...

" أتيتِ !؟.."

كان يشك في مجيئي و عودتي !..

ربما كنت سأفعل... لو لم أتعلق بالسيدة فيرا و إرادتي بفعل كل ما بوسعي لتصبح بأحسن حال !..

سأكمل الطريق الذي بدأته .. حتى لو كنتُ أجبرتُ عليه !..

رفعتُ رأسي نحوه أجيب بكل ثقة أمتلكها داخلي...

" أتيتُ ! "

لو إستطعنا رؤية ما هو قادم لنا ...

لوجدنا أن حدسنا دائما ماكان صائبًا...

و لكننا فضلنا إغلاق آذننا ...

Instagram: wtt_mimi

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة