خمسة عشر

خمسة عشر

22 0

✿❖── أميليا ──❖✿

أمه تكلمت أول مرة... معي... أنا!؟

لحظة... لا يجب أن أقول له أمه.. لأنها أمه بالتبني..

مشيت و أتمشى و لازلت أتمشى و أنا أنفخ في كفاي أحاول تدفئتهما من الجو الذي يصبح أكثر برودة يوما بعد يوم متجهة إلى منزلي بعدما لم أجد داعٍ للبحث عن عمل بل التفكير في كلام إلارا الوحيد الذي يشغل عقلي..

أنا محتارة جدا من كلامها الذي يناقض كلمات آريان كثيرا، قالت أنه لا ينادي السيدة فيرا بأمي و لا ينسبها له رغم أنه قالها وكررها في الكثير من الجمل معي..

لو كانت تشبهك ربما قد عذرت أمي من تشبيهها لكِ... ممرضة لأمي ... أمي تريدك!..

لحظة لحظة !..

توقفت خطواتي مضيقة حاجباي و أنا أتذكر شيئا غاب عن ذهني كليًا..

قال أنها تكلمت أول مرة معي بعد شهور من إمتناعها عن الكلام ، كان يقصد الكلام الذي دار بيننا عندما أرادت أن تشكرني!..هو لا يعلم أنها تكلمت معي أول مرة أثناء نوبتها في البقالة...

ولكنه قال أنها تريدني قبل أن تتكلم معي!..

مهلا!..

كيف كانت ستطلب من آريان أن يناديني ... لو كانت لم تتكلم من قبل!؟..

إذا هي لم تناديني... بل آريان هو من ناداني!؟..

مستحيل !!..

لا هذا حقا مستحيل!!.. هذا يسمى خداع و نصب علي إعتبرني غبية و كان ... يختبرني و يجربني مع أمه منذ البداية!؟..

ما كمية الحقارة التي بداخله ليفعل شيء كهذا بي!؟.. الوضيع إستغلني...

وضعت يدي على فمي منصدمة و أنا لأكاد أستوعب النقطة التي وصلت لها باستنتاجاتي...

لحظة... و لما رأيت الموضوع من هذه الوجهة!؟..

ربما رأى قلقي و توتري و سعادتي بشأنها عندما كنا في المشفى لذلك... أراد أن يجرب إذا كنتُ سأنفعها و أزيل ولو القليل مما على قلبها...

فكما قالت إلارا.. هو لا يناديها بأمي و لكنه يحبها!.. ماهذا التناقض بحق !؟..

و لما أحتار!؟.. ربما هو عالم بأمه الحقيقية و هو متعلق بها لذا لا يريد قول تلك الكلمة التي ميزها لها فقط لشخص آخر!..

و لكن... ألم يؤلم و يضيق هذا السيدة فيرا!؟.. في الأخير هي تبنته لتتخذه إبنه... ألهذه الدرجة قلبها كبير و نقي !؟..

مهلا... و لما أهتم أنا لهذا أصلا... ما يهمني هو طريقته المعوجة مثله في إختباري!؟..

لما لم يخبرني منذ البداية أنه يريدني أن أتحدث مع أمه و يرى إذا كنا سنتفاهم!؟..

لأكن صريحة... لو أخبرني بهذا بمثل هذه الطريقة لما قبلت أبدًا ، إذا هو موقن لهذا... موقن بأنه لو أخبرني بالحقيقة لما قبلت طلبه؟..

كيف عرف هذا؟.. إلى أي مدى يدرس تحركاتي و يتوقع ردات فعلي!؟..

متى وصل إلى هذه المرحلة معي!؟.. لما أشعر و كأنني شفافة كثيرا أمامه!؟..

أف!... أشعر بأن أفكاري مشوشة كثيرا و لم أعد أطيق التفكير بشأنه أو بأي بشأن آخر، أريد بعض الهدوء فقط..

عقلي... أرجوك توقف قليلا... إرحمني...

وصلت أخيرا إلى منزلي منهكة بعد ساعة إلا ربع من المشي لأصعد الخمس درجات إلى الباب و أنا أبحث عن المفتاح في حقيبتي ، أدخلته في فتحة الباب أديره...

لما لا يفتح!؟..

لم يكن يعلق هكذا من قبل بل لم يكن يُغلق جيدا أساسا و بدفعة واحدة يفتحُ على مصارعيه...

و لكنني مهما أدرت المفتاح و شديت الباب و ضربته بجانبي لم يكن يفتح و لو بمقدار ذرة..

تبًا...

نسيت أمر حروق ظهري تماما و أنا أضرب الباب بجانبي لأشعر بصعقة ألم على طول ظهري جعلتني أسقط جالسة على الأرض أضع يدي على كتفي بإنكماش ملامحي من الألم...

ما الذي يحدث معي!؟.. ما معنى أن يعلق قفل باب بالكاد كان يغلق!..

و لكن جلوسي على الأرض جعلني أبسط يدي الأخرى على الأرض لأتحسس شيئا باردة بها..

نقلت مقلتاي إليه لأبصره أرفعه بيدي لأندهش من كونه... مفتاح!!..

المفتاح من مظهره يوحي لي بأنه جديد... ما الذي يفعله أمام منزلي!؟..

لحظة..

لم أعي على نفسي إلا و أنا أقف على رجلاي أدخله بقفل المنزل و الصدمة أنني عندما أدرته... فُتح!!.

هذا يعني أن القفل... غُيِّرَ!..

دفعت الباب بيدي و أنا أتفحص أرجائه و أعدل وضعية حقيبتي على كتفي بتوتر..

تظهر على الأرضية آثار خطوات أحذية رغم أنني نظفتها قبل خروجي !!..

من غير القفل !؟.. و من تجرأ على دخول منزلي لا و أزال القفل القديم ليستبدله بهذا القفل المشؤوم..

دلفت إلى المنزل بخطى مرتابة ألقي بحقيبتي بجانب الباب و أنا موقنة بأن هناك حركة قد سارت بمنزلي عندما كنت غائبة عنه ..

تعمقت في جوف المنزل و أنا أحافظ على رباطة جأشي أتفحص باتساع عيناي الأرجاء و لكنهما اتسعتا أكثر فجأة على ما شد إنتباهي داخل الصالة...

المدفأة ... مشتعلة!..

ألسنة اللهب تتراقص داخلها و تتمايل و هي تنعكس على مقلتاي المندهشتان.. و أنا أقول لما شعرت بدفئ يضربني بمجرد أن نجحت بفتح الباب!..

ألم تكن... بها عطب!؟.. لقد كانت معطلة ما الذي جعلها الآن تشتعل بهذه القوة و كأنها سعيدة بلقائها مع النار مرة أخرى!؟..

إصلاح قفل... ثم مدفأة... هذا فقط صحيح لا يوجد شيء آخر!؟..

لم أنتبه لنفسي و أنا آخد بخطوات ثقيلة نحو المطبخ أتفحصه هو الآخر و لم يشد إنتباهي سوى الثلاجة التي على يمينه لأتجه إليها أفتحها و ... المفاجأة!!..

البقالة كلها هنا بل السوق كله هنا!..

لحم .. بيض.. جبن ... خضر.. و العديد العديد من الأصناف التي أشعر و كأن ثلاجتي نفسها منصدمة مما بجوفها!..

لا أصدق... و كأن تعويذة قد سقطت فجأة على المنزل لتجعله بهذه الحالة...

أصبح منزلي ... منزلًا!!..

أغلقت الثلاجة أقود خطواتي نحو الصالة تتجول مقلتاي بها تائهة مما أراه لألقي معطفي و نفسي على الأريكة أسند رأسي للوراء أتنهد تنهيدة عميقة و بصري شارد على تقاسيم السقف و لازالت الصدمة تتربع داخلي..

ما كل هذا!؟.. أين أنا و ما الذي يحدث!؟.. ما معنى أن آتي إلى منزلي من الجامعة و أجد كل نواقصه مكتملة في لمح البصر و أنا التي أجاهد في العمل لشهور لأجمع مبلغ ناقص واحد !..

من الذي... قام بهذا!؟..

و ما هدفه من فعل هذا ، هل شفقة !؟.. أم مساعدة!؟.. أم شيء آخر أنا لا أفهم!؟..

مسحت بكفاي على وجهي بعدم استيعاب و ما إن أنزلتهما حتى لمحت ورقة صفراء على المنضدة التي أمامي...

لا أتذكر أنني كتبت شيئا و تركته هنا بل لا أتذكر أن لي نوع أوراق مثل تلك الورقة... تبدوا و كأنها قصاصة ملاحظات..

قضبت حاجباي باستغراب أمد يدي نحوها بتثاقل لأفتحها فأجد خطا غير مألوف عندي...

قربتها إلي و أنا أجول بعيناي بها أترجم كلماتها داخل عقلي..

سعر القفل : ألف روبل و نفس السعر بالنسبة للعامل

سعر إصلاح المدفأة : سبعة آلاف روبل مع سعر العامل

سعر الحاجيات التي بالثلاجة : ثلاثة عشر ألف و نصف روبل

و أخيرا سعر فاتورة الماء : خمس مئة روبل

المجموع الكلي ثلاثة و عشرين ألف روبل يا أميليا و يؤسفني أن أخبرك بأن العمال و البائعين ينتظرون مالهم غدا و إلا شكوكِ للشرطة بتهمة السرقة !..

و لكن إذا قبلتِ العمل في منزلي فسأدفع نيابة عنكِ و تعيدينه لي بالتقسيط بعملكِ عندي..

أميليا... أنا عندما أطلب و لا أحصل... أجبر !

اللعنة !!..

أنا ... أنا لم أجد ما أصف به ما أمر به الآن الكلمات عجزت عن وصف صدمتي و حقارة هذا الوضيع..

حتى الحقارة صارت شيء صغير أمامه هو يحتاج ليتم تأليف كلمة جديدة في قاموس اللغة لوصف مدى دنائته..

لم أشعر بنفسي إلا و أنا أجعد تلك الورقة في قبضتي و أضرب رجل الطاولة بقوة برجلي أفرغ بها غيضي منه و أنا أمسك خصلاتي أرجعها للوراء بحركة سريعة غير مستوعبة للموقف الذي وضعني به..

أقسم أنه... أقسم أنه لو أراه أمامي الآن فلا أمانع أن أطبق عليه كل أنواع العذاب التي أبصرتها عيناي في حياتي لأتخلص منه و من وجوده في هذه الدنيا بل لا أكاد أجزم أن الدنيا ستصفق لي و تجازيني!..

و كأنه لعنة سقطت علي من السماء لاختبار صبري!..

جعلني مديونة في لحظات... في لمح البصر!..

أنا التي عاهدت نفسي على أن لا أتدين أبدا مهما وصلت بي الظروف و وفيت بوعدي لنفسي حتى هذه اللحظة التي جعلني مدينة في أقل من دقيقة بمبلغ... خيالي !!..

هذا المبلغ... علي أن أعمل لشهور لتسديده و لكنه يحشرني في زاوية بجعل آخر أجل لي غدًا...

لحظة لحظة... أنا لا أستوعب شيئا..

هو جاء إلى هنا و قام بفحص المنزل... أحضر عمال و ملء نواقص هذا المنزل... أخبر العمال أنني سأدفع غدا و الآن يخبرني أنه سيدفع عني إذا قبلت عرضه!...

كنت سأقبل بعد كلام إلارا و لكن ليس بهذه الطريقة!.. هذا إرغام و إجبار و حشر و قلب الدنيا علي لأوافق رغما عني...

كنت مشوشة فأصبحت أكثر سوءً بعقلي الذي صار داخله عبارة عن خربشات غير مفهومة...

حتى الدفء الذي بمنزلي الآن أصبح يضايقني كلما تذكرت مبلغه..

لم أجد نفسي إلا و أنا أقف على قدماي أتمتم بسلسلة من الشتائم عليه و أنا لا أتوقف عن ترديد كرهي له بكل شتيمة..

أكرهه و سأستمر في كرهه و أتمنى أن يبعده الإله عن طريقي و حياتي لأنني لم أعد أطيق رؤية وجهه و أنا أخاف من أرتكب جريمة عندما ألتقي به و أضيع خمس و عشرون سنة من عمري بسبب مسخ مثله..

بينما أنا متجهة نحو الحمام إذ بروكي يدخل من الباب الذي وعيت إلى الآن أنني تركته مفتوحا من ارتباكي ..

دخل متقدما إلي بنبح متتالي بين كل بضعة أنفاس و لكن سرعان ما تجاوزني متجها إلى المدفأة ليستدير عليها بضع دورات و كأنه يتأكد من أنها ترسل و تنشر الدفئ في أرجاء المنزل الذي أصبح خانقا لي..

كنت أراقبه حتى تكور يبسط نفسه على الأرض بجانبها مسترخي مما أثار غيضي و حنكتي أكثر أقول بنبرة عالية!..

" ليس أنتَ أيضا يا روكي... على الأقل أنت لا تفعل هذا لأنني لم أعد أطيق المجانين الذين يحيطون بي هذه الفترة ، يا إلاهي إذا تبقى لي ذرة عقل فإحفظه لي لأنني أكاد أفقد صوابي من هذا الوغد !!.. "

ختمت كلامي بإبتعادي عنه أخطوا نحو غرفتي لآخد منشفة متجهة بعدها إلى الحمام أغمر نفسي بالماء الدافئ لعلي أستطيع أن أهدئ نفسي و أسترخي و أفكر في الأمر الواقع الذي وضعت به بعقلانية و أجد حلا ...

✿༄ ─── إلارا ─── ༄✿

يا إلاهي...

أجلس في الجهة الخلفية من سيارته و هو يقودها بعدما أخفض سرعته التي إنطلق بها واضعا نظارته الشمسية و هو يجول بين طرق المدينة بين البنايات و ناطحات السحاب و ها نحن نعبر من الجسر المعلق المشهور في فلاديفوستوك...

إلى أين يأخذني و ماذا يجول في عقله!؟..

أشعر بالتوتر بعض الشيء من كوني لست بهذا القرب منه بل بالكاد ألقي التحية عليه عندما نلتقي أو عندما أزور خالتي...

لم يمتد لي حديث معه من قبل مثلما إمتد اليوم رغم كوني كثيرة الوجود في بيت خالتي لصداقتي القوية بآيلا ... أو كانت ..

أشتاق إليها يوما بعد يوم و كم استصعبت تقبل وفاتها خاصة كونها أصغر مني، ورثت من خالتي و زوجها اللطافة و الإبتسامة الدائمة و كنت كثيرة اللعب معها في صغري..

حديث نفسي عنها جعلني أشتاق إليها أكثر و أرغب في زيارة قبرها لعلي أخمد بعضا من شوقي و حرقة قلبي عليها..

إعتدلت في جلستي عندما لمحت من النافذة أننا ندخل في إحدى الأحياء حتى رمقته من المرآة الأمامية لأنبس بقلق لما بدر في ذهني..

" سيد آريان... تيمور سيكون ينتظرني في الحضانة يجب أن..."

" لقد أرسلت آنيا إليه !"

ماذا !؟..

ظهرت تقضيبة على حاجباي أرمقه من المرآة و أنا مستغربة مما قاله..

متى قام بهذا!؟..متى أخبر خادمة منزله على أن تصطحب تيمور من حضانته...

آه تذكرت !...

تلك المكالمة التي قام بها عندما كان خارجا من الجامعة... هل كانت بشأن هذا الموضوع!؟..

الأهم هو.. أنني خائفة من ردة فعله عندما يلقاها أمامه عوضا عني كونه مصاب بالتوحد، لن يسمح لها أن تمسك يده أو أن تقترب منه...

ماذا... لو تعرض لإحدى نوباته!؟..

أشعر بالضيق الشديد بعدما فكرت في الأمر خاصة و أنها المرة الأولى التي أتأخر بها كل هذه المدة من العودة إلى المنزل ...

أخشى أن يظن أن مكروها قد حدث لي و يتوتر أو يضطرب و يحدث مشكلة لآنيا...

أردفت بنفاد صبر بعدما أوقفت رجلي من الإهتزاز بفعل توتري..

" يا إبن خالتي أرجوك أخبرني إلى أين تأخذني بهذه الجلبة أنا لا أفهم ما ..."

" لقد وصلنا.."

قالها و هو يركن سيارته يتنهد ضيقا و كأنه يخبرني أنه سئم من أسئلتي..

ما بيدي حيلة أنا خائفة على أخي هل إرتكبت ذنبا بهذا!؟..

فتحت الباب أترجل من السيارة بعدما خرج منها السيد آريان و أنا ألقي نظرة عن المحيط الذي وضعني به..

أنا في حي سكني يظهر و كأنه للطبقات المخملية وأصحاب الذوق الراقي و الرفيع...

بيوت و قصور كبيرة و عصرية تعكس واجهتها البدخ الذي يعيش به ساكنوه في حي هادئ نظيف معظم أشجاره قد تساقطت أورقاها الصفراء من أغصانها تزين بها الأرضية الرمادية النظيفة ...

ضميت نفسي بعدما ضربت وجهي نسمة البرد التي أسرت قشعريرة على جسدي أدلك مرفقاي و أخرج زفيرا أدفء به جوفي لأرفع رأسي إلى الأعلى فأرى الغيوم الرمادية المملوءة تتجمع فوق المدينة تغطي ما تبقى من خيوط الشمس لقروب مغربها...

يبدوا أنها ستمطر الليلة !..

أسر أفكاري عبور آريان أمامي بعدما سمعت صوت قفله لسيارته ليتجه للبيت الذي أمامنا يفتح باب حديقته قاصدا باب المنزل ...

المنزل محاط به طبيعة مبهرة ، أرضية خضراء بالكامل تتوزع بها مختلف الأشجار و الأزهار و الناظر إليها سيعلم مباشرة أن صاحبها محب للبيئة ...

هذا البيت به راحة غريبة... الهدوء الذي يحيط المكان و أصوات العصافير الصغيرة حتى أنني أسمع صوت تدفق ماء نافورة...

بعيد كل البعد عن صخب المدينة و الضوضاء التي تؤثر سلبا على نفسيتنا و أعصابنا...

تبعت آريان بخطواتي نحو الباب الذي فتح أقف بجانبه لتظهر وراءه خادمة أنيقة ، رمقتني باستغراب و لكن ما إن سقط بصرها على ابن خالتي إبتسمت بلباقة قائلة..

" أهلا بك سيد آريان... السيد فيودور في إنتظارك!.."

في إنتظارك!!.. هذا يعني أن هذا اللقاء مخطط له ..

السيد فيودور... أذكر أنني سمعت هذا الإسم من قبل يتوارى في بيت خالتي و لكنني لا أعلم تفاصيل عنه أو عن كينونته..

الكثير من الأسئلة التي تنهش رأسي و لكن ما علي سوى أن أكتمها داخلي لأنني أعلم أنني لن أسحب من هذا الذي أرافقه أي جواب من فمه خاصة و كونه قد ضاق ذرعا من أسئلتي..

ما علي سوى الصبر... و سأجد أجوبة مما سأواجهه من أحداث الآن..

أومأ لها آريان و أنا أتتبعه بعدما دلف إلى المنزل يطرق على باب بيمين المدخل دون التعمق داخل المنزل ...

كونه اتجه مباشرة إلى هذه الغرفة يعني أنه على علم تام بصاحب المنزل و قد تعددت زياراته إلى هنا...

و ما إن سمع صوت يأذن له حتى أدار المقبض يفتحه ليدخل و أنا وراءه بخطوات ثقيلة و فضولي يأكلني لأعلم من هو فيودور و ما يوجد داخل...

يال الروعة!!..

أنا ... أنا لا أصدق ... ما هذا الجمال!؟..

بتر كلماتي إتساع عيناي مندهشة للمنظر الذي أكاد لا أستوعب أنني أراه!..

غرفة شاسعة بلون دافئ فاتح يميل للون البندق به جدار كامل زجاجي يطل على الحديقة الخلفية الذي تظهر منه النافورة التي سمعت و أسمع خفقانها..

تستدير بها مختلف ألوان و أشكال الزهور و النباتات و كأنها تتدفئ بها أو جوهرة قيمة داخل هذه الجنة تحاول الأوراق الخضراء و الطيور حمايتها... يسيل ماؤها من جوانبها بسلاسة و صوتها يسكن كل الأصوات التي بداخلي و خيوط من الشمس التي على وشك الغروب تمردت من السحب الرمادية تسقط على مائها و قطراتها و كأنها أحجار كريستال من لمعانها..

بجانب الجدار زجاجي كرسي على شكل أرجوحة به وسادات و بطانية و كوبًا فوق كتاب بين صفحاته فاصل كتب واضح، بجانبها مدفأة خشبية تصدر النار المشتعلة بها طقطقات إندمجت مع صوت تساقط قطرات ماء النافورة...

على الجدار المقابل للزجاجي مكتبة ضخمة بها مختلف أنواع و أحجام الكتب و تظهر من أغلفتها أنها كتب قديمة فلسفية و نفسية و لكنني عندما دققت النظر وجدت بعض الأدراج التي تحتوي على نوعي المفضل و هو روايات أدبية...

المكتبة.. تعبق بها رائحة الورق الذي زاد لهذه الأجواء سكينة و جمالا...

لو أبقى هنا لسنة كاملا فلن أمل أبدًا و أنا أنتقي كتابا وراء الآخر من هذه المكتبة متأرجة بخفة في هذا الكرسي مع كوب قهوتي التي ستزيد للجوء استرخاءً برائحة البن المحمص و أنا أتأمل جمال هذه الحديقة حتى أنني قد بدأت أتخيلها وسط ثلج الشتاء الأبيض لفلاديفوستوك...

" يبدوا أن الآنسة قد أعجبها عالمي !"

قاطع تفكيري صوت رجولي غير مألوف لتسقط عيناي عليه فأجد يد ممدودة لي تنتظر أن أبدالها و ألصق كفي بها ...

بادلت تحيته أمد يدي بخجل من شرودي أبتسم إبتسامة متأسفة لأنقل عيناي على وجهه فأجد رجل أنيق ذو نظارات طبية أظنه في العقد الأربعين أو الخمسين من عمره من خلال بعض الخطوط البيضاء التي تخللت وسط خصلاته السوداء لأرد بلباقة على كلامه..

" و كيف لا يعجبني!؟.. ذوقك رفيع و راقي في إختيار عالمك و صنعه!.."

ظهرت إبتسامة دافئة على وجهه يفصل يده عن يدي برفق يستدير ليقابلني بظهره يتجه لمكتبه الذي لم ألاحظه حتى الآن رغم كونه مقابلا للباب مباشرة و أمامه كرسيان أسودان يتوسطهما طاولة صغيرة...

إقتربت خلف آريان و هو يقود خطواته نحو المكتب و لكن ما لفت إنتباهي من بين كل الأشياء المتواجدة فوق مكتبه هو تلك الصفيحة الذهية التي نقش عليها باللون الأسود عبارة...

د . فيودور نيكولايفيش

طبيب نفسي

إذا هو... طبيب نفسي!؟..

الآن فهمت كمية السكون و الاسترخاء في مكتبه الذي بالتأكيد يساعد مرضاه في الهدوء و الاسترخاء دون بعض الأشكال التي عليه كالكرات المعلقة تتضارب من الجهتين..

" أرعبتني من مكالمتك السريعة تلك و التي تقول بها أنك آتٍ لأفرغ وقتي لك ، هل حدث شيء للسيدة فيرا هل هي بخير ا!؟.."

تساءل جالسا و هو يوجه كلامه لآريان الذي اتجه نحو الجدار الزجاجي يتأمله للحظات ثم استدار ليسند عليه ظهره و هو يعقد ذراعيه لصدره يحدق بنا بنظرات هادئة...

" هذه المرة لم آتِ من أجلها..."

إذن هذا هو الطبيب الخاص لخالتي!.. لهذا كنت أسمع إسمه في بيتها...

توارى بعينيه عنا يلقي ناظريه نحو النافورة لينبس بصوت هادئ بعد تنهيدة خفيفة

" أتيت من أجل أميليا !"

مـ ... من أجلِ... أميليا !؟..

لحظة... و ما شأن أميليا بهذا و وجودنا هنا!..

مهلا... هو قد أحظرني إلى هنا بعدما أفصحت له عن مرض أميليا إذن هو..

" إجلسي يا آنسة"

وعيت على نفسي بتقبيض حاجباي أرمق آريان باستغراب و اندهاش من جوابه...

تقدمت لأجلس مقابلة لسيد فيودور أقابل آريان الذي يقف أمامي...

لم أتوقع أن يحضرني إلى هنا من أجل أميليا أبدا ، ولكنها فرصة ذهبية!.

فرصة ذهبية لأساعد أميليا على الشفاء من مرضها و معرفة كل شيء عنه و لكن... ألست بهذا... أخذلها!؟..

هي قد إئتمنتني سرها و أخبرتني أن هذا المرض هو نقطة ضعفها إذا فضح... فسيكون خسارتها!..

أشعر بالذنب الشديد و أنا هنا... و أنا أتكلم عن أميليا وراء ظهرها..

" حسنا يا أميليا..."

" عفوا !.."

قلت بعدما وجه كلامه لي و أخرج دفترا و قلما و قد بدأ بتدوين كلمات به لم أستطع رؤيتها ، إبتسمت أضيف لمقاطعتي له الذي إستغرب منه...

" أنا لست أميليا يا سيد فيودور ... أنا إلارا!"

" أوه حقا... معذرة تشرفت بمعرفتك سيدة إلارا ولكن... من هي أميليا إذًا!؟.."

" أميليا صديقتي !"

" أميليا هي الشخص الذي نبحث عنه يا فيودور!"

مـ... مالذي... مالذي يقصده!؟..

ما الذي يقصده بقوله أنها الشخص الذي يبحثون عنه؟.. و لما يبحثون عن أميليا أساسا ما الذي يريدونه منها!؟..

دهشتي لم تفرق عن دهشة الدكتور الذي رفع حاجبيه مندهشا من ما قاطعنا به آريان ليترك القلم يوجه كلامه إليه..

" و ما الذي جعلك تظن هذا !؟"

" لقد تكلمت أول مرة معها !"

إزدادت دهشته أكثر يطلق زفيرا طويلا يسند ظهره على كرسيه...

هما يتكلمون عن خالتي ولكن ... ما شأنها بهذا الشخص الذي يبحثون عنه ولما هذا الشخص هو أميليا تحديدا !..

" تقدم جيد... ما لم أستطع فعله بكل الجلسات التي قمت بها معها فعلته المسماة أميليا ، آريان... تعلم أنه علي أن أحدثها عن السيدة فيرا و أتقابل معها أليس كذلك؟ "

لم يجبه متجاهلا له ، يستدير ليقابل الحديقة تاركا سؤاله دون جواب ليسود الصمت لدقائق...

إذا ما كانا يقصدانه هو شخص ترتاح له خالتي و يتفهمها لتستطيع الإفصاح له عن ما بقلبها...

يبدوا أن السيد فيودور هو الذي إقترح لآريان هذا الحل ليظل يبحث عن ذلك الشخص حتى أسقطه القدر بأميليا...

يال القدر !..

كسر آريان ذلك الصمت حين قال دون أن يلتفت ...

" أميليا مريضة هي أيضا... إسأل صديقتها عنها"

إرتفع حاجبا السيد فيودور يوجه ناظريه إلي و كأن آريان بقوله هذا يريد التوقف عن الكلام و توجيه إهتمام الطبيب إلي بطريقته هذه...

آريان و أساليبه...

إعتدل في جلسته يعيد إمساك القلم يوجه إليه سؤالا...

" هل السيدة فيرا تعلم هذا !؟.."

" أظن لا.."

فهمت أنه يقصد مرض أميليا و لم يعترض آريان على إجابتي فعلمت أنني أصبت..

أسند مرفقيه على مكتبه يرفع مقلتيه الداكنتين إلي من دفتره ليقول بنبرة هادئة شعرت و كأن بها البعض من الصرامة أو الجدية..

" آنسة إلارا ... الآن سأقوم بجلسة معكِ عن أميليا من أجل أن نضمن تجاوبها مع السيدة فيرا و من أجل صحتها هي أيضا... و من أجل هذا أريدكِ ... أن تتخيلي نفسك أميليا في هذه الجلسة ، تجيبينني كما لو أنها هي التي جالسة أمامي و حسب ما يظهر لي يبدوا أن علاقتكما عميقة و قوية لذلك لا أظن أن هذه الجلسة ستكون صعبة عليكِ بهذا الشرط، أسألك و تجيبينني حسنا !؟.."

" على حسب السؤال ! "

قلتها بحزم و أنا أنزع حقيبتي من على كتفي أضعها في حجري فأرى على وجهه ملامح غير راضية و كأن إجابتي لم تعجبه ..

سأحرص قدر المستطاع أن لا أعطيه معلومات سرية و حساسة لدى أميليا ، معرفته بمرضها أساسا أمر كبير !..

طرق طرقتان على المكتب بقلمه ينبس..

" لنبدأ... أول سؤال هو... كم عمرها؟"

" أربعة و عشرون"

" تخرجت من الجامعة أليس كذلك؟"

" ليس بعد ... هذه سنة التخرج."

كدت أن أقع...

كدت أخبره أن سبب تقدم عمر أميليا عن سن الدراسي ليس إعادة إحدى سنوات دراستها و لكنني تراجعت و أطبقت فمي..

لو أخبرته فبالتأكيد سيسألني عن السبب و أضع نفسي بنفسي في سؤال لا يمكنني إجابته...

" سيدة إلارا لأسألكِ ... ما هو مرض أميليا؟ أم أنه لم يتم تشخيصه من قبل؟.."

" هيتاروفوبيا يا سيدي..."

قلتها بعدما تنهدت فإتسعت عيناه من إجابتي و أيقنت أنه لم يتوقع إجابتي تلك، زم شفتيه تأسفا قاضبا حاجبيه يدون ما قلته على دفتره لأسترق نظرة نحو آريان فأجده يحرك ساعة رسغه شاردا في الفراغ..

ساد الصمت للحظات فقطعته مضيفة لكلامي..

" لا أظن أنه الآن مجرد رهاب الجنس الآخر فقط.."

" ما الذي تقصدينه!؟.."

وقفت أخلع معطفي أضعه في حجري بعدما شعرت بالحرارة داخله نتيجة لتدفئة الخشب المشتعل داخل المدفئة للمكتبة و إشتعال توتري داخلي لأعاود الجلوس أرتب الأفكار التي سأسردها له داخل رأسي ألقيها...

" أنا... إستطعت بعد محاولات عديدة و توسل و رجاء أن أقنع أميليا بزيارة طبيب نفسي بعدما لاحظت عليها أعراض غير طبيعية... كان هذا قبل ثلاث سنوات أي عندما كان عمرها بين العشرين و الواحد و العشرين ، في البداية عارضتني بكل حزم و لكن فيما بعد إستطعت أن أقنعها و قامت بجلسة أو إثنتين مع الطبيب حينها... أخبرنا بمرضها و تفاصيله، و قبل أن نستمع لكلامه غادرت عازمة أنها جاءت لتتعرف على مرضها لا لعلاجه ، حينها شعرت بأنها تقبلت مرضها ولكن بصفة ... أكثر من اللزوم... شعرت و كأنها تظن أن مرضها حامٍ لها و كأنه درع لها يبعدها أكثر عن الجنس الذكوري و من المشاكل و لكن ما لم يكن بحسبانها أن مرضها سيتطور أكثر ما لم تعالجه و ... ما خفنا منه حصل ، مرضها في ذلك الوقت ليس نفسه الذي هو عليه الآن بل بعيد كل البعد عنه... لقد بحثت من قبل عن الهيتاروفوبيا و أعراضها و آثارها و علمت أيضا أنها ليست بالفوبيا القوية أو التي قد تضر الشخص و لكن ما عند أميليا أعمق و أسوء من هذا بكثير!! "

أظن أنني... تفاعلت في كلامي!..

ختمت كلامي برشفة من كوب الماء الموضوع أمامي آخد أنفاسا عميقة حزينة بينما أدخل و أخرج خاتمي من اصبعي ...

ليت الأمور لم تؤل إلى هذا الوضع ، ليتني كنت أعلم أن أميليا لو لم تتعالج في ذلك الوقت فستصل الأمور إلى ما نحن عليه الآن ...

لو علمت... لربما لجأت للعنف معها و أرغمتها على حضور تلك الجلسات رغما عن أنفها..

هل كان يجب ... أن يحدث كل هذا!؟..

سقطت عيناي دون صدفة على آريان فأراه قد عاد لوضعيته السابقة مسنده ظهره على الجدار يضم زراعيه لصدره و لكن نظراته... تخترقني!..

يصوب عينيه و تركيزه على كل كلمة أتفوه بها حتى على صمتي الذي نال هو الآخر نصيبا من تركيزه...

" ما مقدار تطور مرض أميليا يا آنسة إلارا !؟"

قاطع تفكيري سؤاله الذي جعلني أسند ظهري على الكرسي مواصلة اللعب بخاتمي أجيبه بشرود..

" ربما لدرجة أنها لا تستطيع البقاء بغرفة مع رجل ... أو لدرجة أنها تفضل أن تمشي مسافةً لساعات على أن تصعد في سيارة أجرة أو في حافلة... أو لدرجة أنها تتوتر بمجرد أن تشم رائحة رجالية ... أو أنها أحرقت ظهرها لمجرد تلامسه مع جسم رجالي ..."

" ماذا !؟.."

إنتفضت في مكاني لما صرخ به بخفة السيد فيودور منصدما لما قلته ..

تبًا... لم أكن أريد أن أكشف لهم بهذا و لكن شرودي جعل لساني يزل و يخرج ما لا أنوي قوله...

أخدت نظرة خاطفة نحو آريان لأجده يقضب حاجبيه يرمقني منصدما و مستغربا مما قلته...

ها قد عرف سبب توتري عندما أخبرني أنه لمسها و ها قد عرف نتيجة أفعاله المتهورة!! ...

عدلت جلستي أرجع خصلاتي الشقراء المتمردة على كتفي إلى ظهري بعد أن عاد للتدوين في دفتره مستمرا في زم شفتيه...

" أنا حقا... منصدم من كلامكِ يا ابنتي!.. ، أن تصل إلى إحراق ظهرها الآن يعني أنها ستصل إلى أشياء أبشع و أسوء من إحراق في المستقبل ما دامت لم تتعالج !.."

كلامه... أرعبني!..

ما الأسوء مما فعلته بنفسها ما الذي يمكنها فعله أكثر من هذا!؟..

علي أن أوقفها !!.. صحيح بأنها قد إقتنعت من تعرضها لطبيب نفسي و لكنها لا زالت مترددة..

أعلم أنها ستتراجع عن هذا في آخر اللحظات مثلما فعلت في المرة الماضية لذلك...

لذلك ماذا؟..أنا لا أعلم ما أفعله و لا أعلم كيف أمنعها ، يمكنني أن أمنعها من الجميع و لكنني لا أقوى على أن أمنعها من نفسها!..

" آنسة... إشرحي لي الفرق بين أعراض المرض قبل ثلاث سنوات عندما زرتم الطبيب و أعراضه الآن التي جعلتكِ تظنين أنه لم يعد مجرد رهاب الجنس الآخر.."

" وقتها كانت تتوتر و تتلعثم عند مقابلتها لهم و تشعر بالخوف الدائم من جنسكم ، في فترة الجلسات كان مرضها قد استطاع بعض الشيء التحكم في توازن جسمها حيث كانت ترتجف بصورة طفيفة عندما تتواجد معهم في محيط واحد... و لكن الآن.. الآن تتوتر بشدة لدرجة أنها لا تستطيع الكلام.. ترتجف بهيستيرية حتى تكاد تفقد توازنها كليا و تسقط على الأرض، يضيق نفسها و لا تستطيع إدخال ذرة هواء لجوفها حتى أنها تنسى كيف يتم التنفس ! تضع يديها على أذنيها تكتم الهواجس و الأصوات التي تنهش رأسها و الوحوش العائدة من ماضيها لتسود لها حياتها مرة أخرى... تظل بتلك الحالة حتى تنظف ما لمستهم أيديهم منها و إذا لم تجد ما تنظف به... تحرقه!!"

مسحت بسرعة ما تجمعت من دموع على محجراي أشيح بوجهي عنه قبل أن تنزل على وجنتاي..

مد لي علبة مناديل لآخد منها منديلا أشكره بنبرة خفيفة..

ما الذي فعلته بي يا أميليا!؟.. جعلتني أبكي بهذه الطريقة خلفكِ ... سأدفعكِ ثمن هذا يا لئيمة..

" هل أنتِ بخير يا ابنتي !؟.. هل نكمل ؟"

أومأت له بخفة بعد أن حركت يدي أمام عيناي أحاول أن أجففهما أحكم القبض على معطفي أفرغ به حزني..

" الهيتاروفوبيا عادة ما تصيب الشخص عندما يتلقى أفعالا و إساءة من عدة أشخاص من الجنس المضاد لجنسه حينها يتمسك العقل بفكرة أن تلك الفئة هي عدوته في الحياة و شيئا فشيئا يقتنع القلب و الروح بهذا أيضا... و لكن عندما أسأل المصابات بهذا المرض عن سببه يسردن لي حدثا واحدا !... حدثا واحدا قلب أفكارهن و حياتهن و معتقداتهن رأسا على عقب ،لذلك...ما هو الحدث الذي وضع أميليا بهذه الحالة يا إبنـ..."

" لا يمكنني إخبارك !!"

قلتها بحزم بزم شفتاي لأشعر به يخرج نفسًا طويلا يائسا ...

لقد بدأ يحتك بالأمور الممنوع علي نطقها على لساني و التي أفضل أن أقتل نفسي أو أرميها على أن أسرد هذه الأحداث..

أعاد مقلتيه إلي يشبك أنامله ببعضهما يسند مرفقيه أمامه على مكتبه ليقول بنبرة هادئة شارحا بها..

" أنظري يا آنسة إلارا... ما نتحدث به هنا و ما نسرده سيبقى هنا و سيموت هنا!.. هذه خصوصية المريض و كوني طبيبا نفسيا لا يحق لي إخراج أي كلمة قيلت في هذه المكتبة من هنا لذلك ، أنا لا أريد إلا الخير لمرضاي لذلك كوني مطمئنة و قصي لي عن..."

" أنت.. "

قلتها بعيون ضيقة أقطع له حديثه ليقضب حاجبيه ينتظر تكملة كلامي...

عدلت جلستي أضم يداي لبعضهما...

" ألم تقل لي أن أقوم بهذه الجلسة بصفتي أميليا !؟.. ها أنا أقوم بذلك !.. لو كانت أميليا هنا ما كانت ستسرد لك عن ذلك الحدث!.. هي لا تثق بأحد مهما كان و مهما كانت مبرراته و علمتني أنا الأخرى أن لا أثق بأحد !"

أضفت لكلامي و أنا أشير بسبابتي لنفسي..

" أميليا لا تعلم أنني هنا و لا تعلم أنني أتحدث للغير عنها و عن مشاكلها... هل أنت موقن بأنها إذا علمت ما أقوم به الآن فلن تنظر لوجهي مرة أخرى!؟.. و إذا علمت ما سردته لكم عنها فستعتبر أنني خذلت ثقتها بي و لكن... إذا حدث و أخبرتك عن ذلك الحادث و علمت بذلك... وقتها ستراني كخائنة لها و لأسرارها التي أفرغتهم بي في لحظة ضعفها و سأصبح من أغلى و أفضل صديقة وحيدة لها إلى خائنة و أشد أعدائها و لا ألومها على ذلك لأنها محقة بهذا ! أنا أساسا الآن يؤنبني ضميري بقوة لجلوسي و تحدثي معك عنها وراء ظهرها يمكنك أن تستنتج حساسية هذا الموضوع من كلامي فأرجوك .. أرجوك لا تصر كثيرا على هذا الموضوع!.."

قلتها و أنا أخرج زفيرا متأففا أكبت داخلي غصتي التي أغلقت مجرى تنفسي أكبت دموعي التي تكاد تنهمر على وجنتاي...

هل ما أقوم به صحيح!؟.. هل تقبلي للأمر الواقع الذي جعلني به آريان باحضاري إلى هنا و كل ما تفوهت به بالطريق صحيح!؟

هل سيكون كل شيء على ما يرام بعد هذه الجلسة!؟..

لتشهد الأرض و السماوات علي أنني لا أقوم بهذا سوى لمدى حبي لأميليا، لمدى حلمي برؤية إبتسامة صادقة و سعادة حقيقية على شفتيها و أنني لا أنوي و لا أريد لها سوى الخير و لكن... أنا خائفة..

لن أخبر بتاتا أميليا عن زيارتي لهذا المكان و قدومي بهذه الجلسة و لكن ... ماذا لو علمت؟.. ماذا لو عرفت أن آريان يعلم الكثير عنها بسببي؟... كيف ستكون ردة فعلها!؟..

مجرد التفكير بهذا يضايقني فما بالك لو حدث ؟..

" كم كان عمرها وقتها!؟.."

ألم يسأم !؟..

كم يسأل كثيرا... ألا يكفيه كل ما عرفه و كل المعلومات التي حصل عليها مني؟..

الآن فهمت شعور آريان و ضيقه لأسئلتي الكثيرة!..

أغمضت عيناي أكبت غيضي داخلي بنفاد صبر أجيبه بعد تأففي...

" خمسة عشر.."

خمسة عشر....

النقطة المشتركة بيني و بينها...

عدد سوء حظنا و عدد عذابنا.. العمر الذي إتفقت به الحياة أن تعذبنا به و العمر الذي قررت به أن تزيل لنا قناعها و تظهر وجهها الحقيقي!..

أشعر و كأن هذا الرقم يحمل طاقة سلبية كبيرة به... عدد بمجرد ذكره أتذكر تلك السنة التي أستغني بها والداي عني و عن تيمور...

السنة التي تعذبت بها كثيرا !... التي عانيت بها من الضغط و الانكسار و الشوق و قلة الخبرة في تربية الأطفال...

كنت أنتظر أن يعودوا... إنتظرت كثيرا حتى إقتنعت أنهم... ذهبوا دون رجعة!..

أي ضمير و أي قلب متحجر يملكه كلاهما!؟.. أشك بوجودهما أساسا... بل يسكتان ذلك الضمير بإرسال بعض الأوراق في نهاية كل شهر!..

تبًا لهم...

" حسنا يا آنسة إلارا أنا لن أصر عليكِ أكثر بهذا الموضوع ، لقد فهمت مدى حساسية هذا الأمر لدى أميليا و لديك كونكِ صديقتها الوفية و بكل صراحة لقد أعجبتُ بمدى وفائكِ و صداقتكِ في حبكِ لها حتى خلف ظهرها!.. أميليا محظوظة بكِ.."

إبتسمت بخفة بعدما أعادني لواقعي كلامه الذي أسعدني، أنا أيضا محظوظة بها و بامتلاكي لصديقة محبة مثلها...

و لكن... هل ستبقى هذه الصداقة هكذا بعد هذا اليوم؟...

أرجوا ذلك..

" ولكن... علي أن أعلم نوع ذلك الحدث الذي سبب لها الصدمة يا آنسة إلارا ، لأن دواء سم العقرب من سمه و دواء مرض أميليا في معرفة ما سببه لها... لذلك لنقم بشيء.."

عدل من جلسته بعد جملته الأخيرة و أنا أتساءل عما يفكر به أظهر تقضيبة لحاجباي مستغربة ...

" آنسة إلارا... أنا أريدكِ الآن أن تفكري في ذلك الحادث... أريدك أن تفكري به و ضعي نفسكِ في مكان أميليا و كأنكِ أنتِ التي مررتِ به... حسنا؟.."

لم أشعر بنفسي إلا و أنا أسدل جفناي أحاول أن أقوم بما قاله لي و أتخيل نفسي في مكانها ...

" الآن أخبريني ... بماذا تشعرين !؟.."

بماذا أشعر...

أغمض جفناي و أنا أتخيل تلك الأحداث تتسارع على مخيلتي و قد تقمصت دور أميليا بها ليتخلى عقلي عن لساني فينبس ..

" خوف... صدمة...عدم تصديق... خذلان... خيانة... خيبة أمل... خيبة... إنكسار... ضياع... هلع... توتر ... قلق...وحدة... وحدة مرعبة... لا أعلم هو مزيج بين هذه المشاعر و لكن ... أشعر أنه شيء ... أكبر من هذا!.. و كأن في تلك اللحظة... سقط القناع الوردي للحياة ليظهر وجهها الحقيقي ... في وقت غير مناسب... و بأبشع صورة!... "

قلت الكلمات الأخيرة بتلعثم حتى فتحت جفناي بروية فتسقط مقلتاي على السيد فيودور...

كان يرمقني بتقضيب حاجبيه و تجعد جبهته يسند مرفقيه على مكتبه يخلل أصابعه بين فراغات بعضها يحاول أن يعلم ما أوحي إليه بكلماتي ...

ليتني أستطيع أن أخبره أنه لن يتوصل إلى أي نتيجة أو توقع لما حدث ..

و لكنه فاجأني بنطقه بنبرة هادئة و صارمة و كأنه يريد أن يكشف لي أسرار الدولة!..

" آنسة إلارا... هل .. هل هذا الحادث... هو.."

بدا متلعثما و مترددا في قول ما بجوفه لأضيق عيناي أهز رأسي بماذا!؟..

أخد شهيقا يضيف إلى كلماته المتقطعة..

" هل هذا الحادث ... هو ... إعتداء..."

فهمت...

فهمت ما يشير إليه ...

أبعدت رأسي الذي كنت أقربه لسماع كلماته يترقب مني إجابتي...

تنهدت أسقط مقلتاي على آريان لأجده هو الآخر يقبض حاجبيه يترقب إجابتي لأشيحهما عنه أوجههما إلى الأرض فـ ...

أنفي برأسي!..

أنفي برأسي توقعه الذي راودني أنا الأخرى قبل أن أعلم الحقيقة منها...

الشكر للإلاه... رغم كل ما تعرضته أميليا إلا أنها لم تتعرض إلى هذا الشيء المقرف رغم كونها معرضة له بشدة!..

لو تعرضت له... فلا أظن أنها ستأبه لأي وعد أو هعد قطعته و لن تتردد للحظة في قطع أنفاسها!..

أجادت حماية نفسها من تربص أولائك الحيوانات بها و لكنها لم تستطع حماية قلبها و روحها منهم...

لحظة لحظة..

هل يخيل لي ما أراه أم أن هذا ... حقيقي!؟..

مستحيل!!..

هذا مجرد وهم فقط لا يمكن أن تكون ما تبصر عيناي حقيقة!!؟...

يخيل لي صحيح!؟.. يخيل لي أنني أرى طيف إبتسامة صغيرة جدا على شفتي آريان أو ربما هي إبتسامة عينين و لكن... هذا لا يغير حقيقة أن في تقاسيم وجهه إبتسامة هادئة إستدركها مباشرة بعد رؤيته لي و أنا أبصره يلصق قناع البرودة على وجهه..

هل معرفته بأن أميليا... لم يتعدى عليها جعلته مطمئنا بهذه الطريقة!؟..

لا بل إبتسم!!... هو سعيد لهذا!!...

أنا الآن ما الذي سأفهمه بهذا و ما الذي سأفكر به ... الحقير شوش لي عقلي أكثر مما هو مختلط بفعلته هاته...

أدرت نفسي للسيد فيودور أقول بحزم قاطعة الصمت الذي تربع على هذه المكتبة منذ أن سألني..

" هذا آخر سؤال أجيب عليه أنت تجعلني بطريقة ملتوية أجيب على أسئلة لا يجب أن أجيب عنها أرجوك قم بتحليل بما قدمته لك..."

" لقد أنهينا أساسا."

قاطع كلامي جوابه ذاك و هو لا يكف عن التدوين بذلك الدفتر ..

ما الذي سيتوقعه يا ترى بعد نفيي لتوقعه الذي كان المعقول الأكبر بين كل التوقعات !؟..

أنا موقنة بأنه لن يصل إلى الإجابة مهما نبش رأسه لأن القصة الحقيقية لن يتوقعها أي شخص بمجرد تلميحات كهذه!..

ترك القلم مصدرا صوتا يخرج زفيرًا عميقا ليشبك أصابعه مرة أخرى يبسطهما على سطح مكتبه أمامه و عيناه مصوبتان نحو ما دون على دفتره يردف بنبرة هادئة...

" لقد حللت مرض السيدة أميليا وفقا لما سردته لنا يا آنسة إلارا..."

أخدت نفسا عميقا أعدل خصلات شعري خلف ظهري و رجلي لا تقف عن الإهتزاز...

أرجوا أن لا يقول شيئا سيئا... رغم أن ملامحه و تنهده بين كل جملة يتفوه بها ولكن... لأتفاءل قليلا..

" أميليا لقد عبرت مرض الهيتاروفوبيا منذ وقت طويل يا إبنتي... أميليا مصابة بــ.."

يا إلاهي..

أطبق شفتيه بعد أن رأى توتري و هو متردد في قول ما بجعبته...

أزدردت ريقي بصعوبة أبلل حلقي الذي جف من التوتر و أنا أتوسله بعيناي أن يلقي ما على لسانه و يريحني ...

أعاد فتح فمه يضيف..

" مصابة بــ... الوسواس القهري الحاد يا إلارا !!"

تبًا.. توقعت هذا ..

زميت شفتاي أمنعهما من الارتجاف للغصة التي كانت كالأشواك على حلقي بعد خيبة أملي ...

بل لم يكتفي بكلمة الوسواس القهري فقط فأضاف عليه تلك الكلمة المشؤومة التي تصفه بالحاد !!...

أضاف إلى كلامه بنبرة هادئة و أنا أرتشف من كأس الماء الموضوع أمامي أكتم رغبتي في ذرف الدموع التي تجمعت على محجراي...

" كانت ستكون الأمور أبسط و أخف من هذا لو أنها قد قبلت بالعلاج وقتها... ما كان سيتطور و يصبح على ما هو عليه الآن !!.. "

" و ما العمل الآن!؟.. ما الذي يمكننا فعله أو تقديمه لها لمساعدتها و التخلص من هذا الوساس !؟..."

قلتها بنبرة مرتجفة بالكاد إستطعت بها إخراج تلك الأحرف من فمي..

عض شفتيه و هو يصوب عينيه المتأسفتان علي ليجيبني محافظا على نبرة صوته...

" حالة أميليا... تحتاج إلى جلسات و برنامج علاج مكثف جدا !!... علاج قد يدوم لأشهر أو ربما لسنوات ، و عليها أن تكون على دراية بمرضها !"

" لا أظن أنها لا تعلم هذا !!"

" كيف!؟.."

قالها قاضبا حاجبيه يرمقني بحيرة مما قلته لأضيف موضحة كلامي..

" هي لا تعد فارغة في علم النفس فهي تعتبر مهووسة بقراءة كتب هذا المجال... لذلك لا أظن أنها غير عالمة بمرضها و بما قد يؤذي عدم علاجها له..."

" إذا هي تعلم أنها بهذا تقتل نفسها شيئا فشيئا... تعلم أنه سيصل الأمر بها إلى عزل نفسها نهائيا عن العالم الخارجي... أو ربما سيتطور إلى أن تصبح لا تفرق بين لمسات رجل أو إمرأة !!.. أو ربما بلمسة واحدة قد تصاب بسكتة قلبية و كثير من الأمور الأخرى..."

" هي قد إقتنعت بالعلاج و لكن..."

" و لكن الوقت يداهمنا و قد تصاب بأي شيء مما قلته في أية لحظة !!.."

" أشعر بالصداع من كلامكم!.."

أنظروا أنظروا من يتكلم...

الذي يصوب جل تركيزه على كل كلمة تخرج من أفواهنا تحمل إسم أميليا...

لم يتكلم منذ أن ألقى إهتمام السيد فيودور علي و لكن تعابير وجهه كانت تتغير من لحظة لأخرى لما يسمعه في حديثنا..

إسترسل مضيفا إلى كلامه...

" لم آتِ إلى هنا من أجل علاجها أو مساعدتها ... هي راشدة و تعلم ما عليها فعله هذا ليس من شأني !!.. أريد أن أعلم كيف أجعلها مرتاحة في عملها فحسب!!.."

أسندت ظهري على الكرسي أخرج زفيرا طويلا متضايقة و مختنقة مما أسمعه..

إذا قد أحضرني من أجل أن يعلم كيف يجهز المنزل بحيث تكون مرتاحة و غير متضايقة من العمل ...

يال الروعة!..

أسند السيد فيودور هو الآخر نفسه على ظهر الكرسي يديره ليقابل آريان الذي لازال في مكانه يشير إليه بقلمه و يحركه على كلماته..

" لتحصل أميليا على الراحة في عملها عليها أن تشعر بالأمان!، و شعورها بالأمان يكمن في إبتعادها عن الجنس الذكوري... لذلك.. إبتعد عنها قدر المستطاع أثناء عملها! و أبعد عنها كل رجل متواجد في المنزل!.. أتركها بمفردها مع السيدة فيرا و دعها تجد راحتها في بيتك.. أشعرها بعدم اهتمامك لوجودها و أهم شيء هو... أن لا تشعر بأنك مثل الذين تخشاهم!!.."

و إذا أخبرتك أنها قد شعرت و فات الأوان!..

حركته الحقيرة تلك التي قام بها معها في تلك الليلة جعلتها تراه من المنحرفين و المنحطين الذين لا يفرقون شيئا عن الذين واجهتهم و لا تزال تواجههم!..

أضاف لكلماته بعد أن ساد صمت للحظات تظهر به تقضيبة و عيون حادة لأريان لا أعلم لما بدى لي و كأنه غير راضٍ عن الوضع و الكلمات التي سمعها..

" لدى أميليا أفكار مرسومة داخل عقلها عن جنسنا و أفكارنا و أفعالنا... لا تصدق بأن هناك رجال مختلفين عن الذين أذوها و الذين بعقلها تظننا كلنا سواسية تظننا متحجرين و عديمي القلوب!..و لكي تتعالج من مرضها عليها أن تقتنع بأن أفكارها خاطئة !.. بأن هناك رجال بهذه الدنيا و أن الذين قابلتهم مجرد حيوانات لا ينتمون و لا ينتسبون إلى جنس الرجال بشيء!.. و لكي تؤمن بهذا عليها... أن ترى مثالًا.."

أن ترى مثالا!!..

هل هذا هو العلاج حقا!؟..

هل هنا يكمن الحل!؟..

لا أظن!..

إذا رأت أميليا مثالا فستظنه مجرد مخادع!.. سيخدعها مثل الذين من قبله ، ستظن أنه يتلطف و يتصرف بتلك الطريقة فقط ليكسب ودها بعدها... سينقلب و ينضم إلى قائمة الحيوانات!..

بعدما عاشته... لا أظن أنه بإمكانها أن تثق بأحد منهم مهما حدث و مهما كان!..

هذا الأمر لا ينطبق على أميليا فحسب هذا أمر ينطبق علي و على كل فتاة في العالم تقريبًا !..

كلنا نتفق أن الثقة بالرجل ...صعب!..

أن تثق فتاة برجل لدرجة أن تقدم له نفسها و روحها و قلبها بين يديه ، أن تثق بأنه لن يجرح ذلك القلب... لن يخونه.. لن يخذله.. لن يهينه ... لن يتبدل عن الذي أحبته... هو أمر حقا في قمة.. الصعوبة!..

لأقل الحقيقة... أنا لا ألوم أميليا على خوفها أبدا !!..

" أتركينا بمفردنا !"

صوت آريان الذي قاطع تفكيري أعيد كلماته في رأسي حتى أستوعبها بعد شرودي...

وقفت على قدماي أعلق معطفي على ذراعي أحمل حقيبتي على كتفي..

إبتسمت بلطف للسيد فيودور أشكره برمشي ببطء لجفناي فيردها بابتسامته الهادئة...

ألقيت نظرة على آريان قبل خروجي من المكتب فأجده يحدق بالفراغ و هو غارق بتفكيره بعدما ألقى علي أمره..

أغلقت باب المكتبة التي أسكنت لي روحي بأجوائها و رائحة كتبها و أصواتها الهادئة و التي أتمنى لو أنه بإمكاني أن أعتزل فيها لمدة شهر أو أكثر عن الحياة الصاخبة التي تنتظرني خارجا..

وقفت أمام باب المخرج أرتدي معطفي أضم به نفسي لأعيد رفع الحقيبة لكتفي فأفتح الباب و ... الصفعة!!

نسيم الهواء البارد الذي صفع وجهي جعل قشعريرة تسري على طول جسدي مرتجفة لأضم ذراعاي لصدري أنفخ في كفاي لعلها تتدفؤ قليلا...

إزدادت برودة الجو خاصة و قرص الشمس يكاد يغرب و يودع هذا اليوم ليغيم علينا ظلام الليل...

قطرة ماء تقع على وجهي لأرمش أوجه نظراتي نحو السماء فأرى السحب قد تجمعت و بدأ يسيل منها ما تحمله من مخزون ماء لينظف به شوارع و أرواح سكان فلاديفوستوك..

لم يجل ببالي برؤيتها سوى أميليا لينقبض قلبي مفكرة بها..

كيف حالها يا ترى؟.. و ما الذي ستفعله لتقي نفسها من هذا البرد و المطر و مدفئتها لا تشتعل !؟..

أنا... خائفة عليها!..

خائفة عليها من قسوة برودة الحياة و الجو في الأيام القادمة ، هذا الجو في نهاية الخريف فحسب فما الذي ستؤول إليه الأمور في منتصف الشتاء و درجة الحرارة به في فلاديفوستوك لا ترتفع عن الصفر!!..

يا إلاهي تلطف عليها!..

أخفضت رأسي عن السماء أغلق الباب ورائي لأجد نفسي أتمشى في أرجاء الحديقة و أنا منغمسة في تفكيري ليقطعه صوت رنين هاتفي في حقيبتي..

رفعته إلي بعدما بحثت عنه في حقيبتي لأجد المتصل مسجل باسم آنيا..

يا إلاهي !... لم يحدث مكروه لتيمور أليس كذلك ، لا توجد مشكلة أليس كذلك!؟..

رفعت الهاتف إلى أذني بيد مرتجفة بعدما رفعت زر تلقي الإتصال لأسمع الصوت الذي فطر قلبي..

" أختي !"

أخرجت زفيرا طويلا مرتاحا أنفس به عن نفسي للتوتر الذي أصابني من إتصالها بعدما سمعت صوته الرقيق المتحمس و أنا مستغربة من تحمسه بعدما توقعت أن أسمع صوتا مكبوتا بالبكاء لعدم إصطحابي له من حضانته...

المهم أنه بخير..

المهم أنني سمعت و لازلت أسمع أختي بنبرته...مستعدة لأفدي حياتي من أجل سماع هذه الكلمة بصوته الصغير ذاك لأجيبه بلهفة ...

" يا حبيبي يا روح أخته ... كيف حالك هل أنت بخير هل وصلت إلى المنزل!؟.."

" أختي إسمعيني... لو ترين السيارة التي جئت بها... كـ... كـانت سوداء لامعة كبيرة...أ...أصدقائي إندهشوا بها ... تـ... تسرع كثيرا و جـ.. جميلة كثيرا..."

آريان..

كم أنني حمقاء!..

نسيت للحظة أن من أرسل له من يصطحبه هو مدير شركة فلاديميرسكايا!...

و سماعي لصوت فرط حماسه الذي جعله يتلعثم في حديثه و فرحه سعادة... لا توصف!!..

هذا الولد يصبح مهووسا بالسيارات أكثر يوما بعد يوم و لا تخلوا أحاديثه عن أنواعها و سرعاتها و جوداتها و أسعارها..

و لكنني أستمتع بهذا كثيرا... أصبحت أبحث عنها أنا الأخرى و أتعرف عليها لأستطيع الإنخراط معه في أحاديثه عنها ، حتى أنني صرت كالبلهاء أتحمس و أتفاعل في حديثي عنها معه...

" أختي... لنشتري مثلها نحن أيضا... أ... أنا أعلم أنني لا زلت صغيرا على القيادة و... ولكن أنتِ تستطيعين!.. تستطيعين أن تقودي سيارات... لـ... لنشتري مثلها.."

لم أشعر بنفسي إلى و دموعي تنهار على وجنتاي أكبت صوت بكائي بوضع يدي على فمي كي لا يصل صوته لمسامع أخي...

يا ليت... يا ليت الأمر بهذه السهولة!.. يا ليت الحياة سهلة مثلما تبصرها يا عزيزي...

حاولت إبتلاع ما يخنق حنجرتي من ضيق أعدل نبرتي لألا أشعره بعذابي أبتسم إبتسامة متوجعة أجيبه...

" و هل يعقل أن يطلب وحيد أخته و لا يحصل !؟.. بالطبع سنشتري سيارة نحن أيضا و أجملها أيضا و لكن ... لأتخرج أولا و لأحصل على شهادتي و أصبح أفضل مهندسة بعدها ... طلباتك أوامر يا حبيبي.."

يال الكذب!!..

قلت أجملها قلت ... مثيرة للشفقة!!..

قاطع حديثي معه سماعي لصوت فتح الباب لأمسح آثار دموعي على وجهي و قد ساعدني الهواء البارد في تجفيفها أستدير لأقابل آريان الذي خرج للتو من منزل السيد فيودور...

أضفت لكلامي مع أخي و عيناي تلاحقان السيد آريان...

" عزيزي... علي أن أغلق الآن لدي عمل مهم "

" متى ستعودين!؟"

" أنا آتية يا روحي لحظات و ستجدني بجانبك هيا أقبلك..."

" أختي!!"

" حسنا لا تغضب!!.. أعانقك"

أغلقت و الإبتسامة الساخرة لا تتوقف عن شق وجهي من ممزاحتي له...

يال قدري الذي كتبه لي بالعيشة مع المتوحدين أحدهما أخي و الأخرى صديقتي... إحفظ عقلي يا إلاهي..

إتجهت بخطوات سريعة أتمشى بجانبه و نحن نغادر حديقة المنزل متجهين نحو الباب الخارجي و قطرات المطر قد بدأت تتغازر فوق رؤوسنا ...

" شكرا... على أخي.."

تجاهلتي و لم يظهر أي تفاعل على كلامي مستمرًا في مشيه و كأنني شفافة هنا !..

سحقا لك كيف تجعلني ممتنة لك و مغتاظة منك في الوقت نفسه!..

" هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟.."

" و كأن لأسئلتك نهاية!.."

أسلوبه هذا...

هدأت من نفسي أزم شفتاي آخد نفسا عميقا و أقبضي قبضتي بغيض منه ...

" أميليا... كيف ستقنعها أن تأتي إلى هنا!؟.. أو بالأحرى كيف ستحضرها!؟.."

" لن تأتي!.."

كـ... كيف!؟...لم أفهم!؟..

كلام الطبيب كان واضحًا !.. يجب أن يتحاور مع أميليا بشأن خالتي و كيفية علاجها ما الذي يقوله!؟..

قضبت حاجباي باستغراب أرمقه بغير فهم أجادله...

" و لكن السيد فيودور.."

" أنا أثق بها!!"

سبقني تاركا لي فاغرة فاهي متصلبة يدخل إلى سيارته ليجلس وراء عجلة القياة...

أنا أتوهم صحيح!؟..

ما أسمعه غير حقيقي صحيح!؟..

هل هذا الكلام حقا... خرج من فم آريان الحقير الجامد.. عن أميليا المتوحشة المجنونة !؟؟..

أنا... لا أصدق!!..

لا و يقول... أثق بها !؟..

لحظة... متى و أين و كيف وصل الأمر به إلى... الثقة !!..

أظن أنهما تعارفا قبل أيام معدودات فقط...

أنا لا أستوعب شيئا!!..

انتفضت فزعة من صوت بوق سيارته حادة الأضواء مثل عينيه يحثني على الصعود و قد إبتل شعري جزئيا من المطر..

دخلت جالسة بالمقاعد الخلفية أسند رأسي للنافذة التي تتسابق عليها قطرات الغيث و الإبتسامة لا تفارق شفتاي كلما تذكرت كلامه..

هل من حقي أن أتحمس بشأن هذه العلاقة هكذا؟.. أم مجرد أفكار ينسجها لي عقلي لكثرة الروايات التي أقرأها!؟..

لا أظن ... يبدوا لي و كأن الأمر واضح الآن بالنسبة لآريان... أما أميليا.. فلا أتوقع و لا أأمل منها شيئا أبدا...

لو تعلم !!...

✦✧✦ 𓆩⚘𓆪 ✦✧✦

أوراق متناثرة في كل جزء من الطاولة التي أعمل بها في مكتبة الجامعة و أنا أبحث عن قلمي الذي نسيت لوهلة أنني أمسك به كعكة شعري ...

علي أن أنهي هذا المخطط قبل محاضرتي التي لم يتبقى لها كثيرا...

اليوم... ستدلي أميليا بقرارها بشأن عملها ببيت خالتي... أرجوا أن لا تقول قرارا نقيضا لتوقعاتي...

بالتفكير باليوم... كانت ليلة الأمس ليلة ممطرة بشدة مع صراخ السحب بالرعد و أخد البرق دور القمر في إضاءة عتمة الليل للحظات متقطعة..

لم يستطع أخي النوم طوال الليل بسبب صوت الرعد الذي يهابه منذ صغره و الذي جعله يتكور على نفسه نائما بحضني لأغني له تهويدته المفضلة أخفي بصوتي أصوات خلف النوافذ..

يا ترى... كيف أمضت أميليا ليلتها !؟.. كيف إستطاعت أن تتدفأ من صقيع الأمس الذي خزن نصفه لصباح اليوم !؟..

بالتفكير بها... أين هي حتى الآن!؟.. ليس من عادتها التأخر هكـ...

قفزت من مكاني فزعة ليد إمتدت على جانبي خصري تقرصني مدغدغة و أخرى تزيل القلم الذي على رأسي لينسدل على كتفاي...

إستدرت بعينين مجحوظتان أضع يدي على خصري مكان القرصة لأجد أميليا ورائي تضع يدها على ثغرها ضاحكة بخفة من ردة فعلي...

أخرجت زفيرا طويلا أضع يدي على صدري معاتبة لها ...

" تبًا لكِ كاد قلبي يقع من شدة هلعي ! تعلمين أنني أكره هذه الحركة!!.. لا تضحكي يا عديمة الضمير .."

" رديت لكِ فعلتك فحسب!"

قضبت حاجباي مستغربة مما تتفوه به بعدما هدأت ضحكاتها لأستفسر معيدة توجيه اهتمامي لأوراقي...

" لا أتذكر أنني فعلت شيئا كهذا لكِ!؟"

" أصمتي يا عقل الذبابة ألم تفزعيني الأمس أنتِ الأخرى لقضية ظهري!؟"

فرت ضحكة مني لتعليقها و لتذكيرها لي ألوح بيدي أمامها لتقود خطواتها خلفي تعيد تجميع شعري ...

" على ذكر هذا كيف حال ظهركِ؟.. وضعت لكِ المرهم في حقيبتكِ رأيته أليس كذلك!؟.."

" نعم رأيته و ظهري بخير.. بفضلكِ و لكن ... هناك سؤال يجول بذهني!؟.."

همهمت لها لأشعر بها تعبث في حقيبتها و تبدوا لي و كأنها تبحث به على شيء مضيفة...

" ما الذي يفعله مرهم حروق في حقيبتك؟.."

" أنظروا من يقول عقل الذبابة! ألم أخبرك منذ أيام أنني أحرقت يدي سهوا مني عندما كنت أطبخ!؟.. "

سمعت ضحكاتها من وراء ظهري ناكزة كتفي مداعبة ...

أميليا...

شعرت بتماسك ربط خصلاتي الشقراء التي كانت تعبث بها فأدركت أنها قد أحكمتها بربطة شعر ...

إذا هذا ما كانت تبحث عنه بحقيبتها...

تقدمت واقفة أمامي واضعة القلم بجانبي لتمد يدها ممسكة بيدي تتفحص حرقه...

" لقد شفي و لكن... ترك أثرًا.. لا يؤلمك أليس كذلك!؟"

حنونة...

إرتخت ملامحي و أنا أرى تفحصها و اهتمامها لحرق بسيط على يدي بالنسبة لحرق ظهرها ...

نبست بنبرة هادئة أشد بها إنتباهها...

" هل تعلمين؟.. أنتِ الشخص الوحيد الذي سأل عني و اهتم لألمي و مشاعري.."

أظهرت إبتسامة حانية مرتخية على شفتيها لأبادلها الإبتسامة أضيف..

" تعلمين كم أحبكِ أليس كذلك!؟.."

ظهر خط أسنانها لابتسامتها الجميلة تلك تسحبني لتضمني إليها...

أحبها... رغم مرضها و الخطر الذي يحيطني بمصادقتها إلا أنني أحبها !..

أحبها لاهتمامها بي و حنانها علي و عينيها اللتان لا تبصران غيري صديقة لها...

و لكن... هل ستظل تحبني هكذا إذا علمت ما فعلته الأمس!؟.. إذا علمت أنني أفشيت سرها الذي إئتمنتني به هل ستبقى محبة لي!؟..

ألن تكرهني!؟..

عندما أتذكر ذلك أشعر بنفسي و كأنني خائنة و أسوء صديقة يمكن التعرف عليها على وجه الأرض!!..

أشعر و كأن هذا الحضن ... لا أستحقه!..

إبتعدت عنها تدريجيا أمسح ما تراكم على محجراي من دموع أعود للإعتكاف في أوراقي و مخطوطاتي لتسألني..

" ما الذي تفعلينه ؟.."

" أصمم مخططا .."

" متى ستقدمينه!؟.."

" كم الساعة؟.."

إتجهت إلى هاتفي الموضوع بجانبها تشغله متفحصة أعداد الساعة قائلة..

" العاشرة و النصف "

" بعد ساعة..."

أومأت متفهمة لتجلس بجانبي محيطة وجهها بكفيها واضعة مرفقيها على الطاولة تتجول بعينيها بين الأوراق...

" مخطط لماذا !؟.."

" مخطط لقاعة زفاف.."

قضبت حاجباي مستغربة من نفس ضحكة أطلقتها على كلامي لتعلق ساخرة..

" خططيه لزفافك أنتِ و رجل أحلامكِ غريب الأطوار ذاك!.."

لم أعي على نفسي إلا و أنا أقفز إليها أحيط وجهها بكفاي أقبل رأسها لكلامها الذي أصاب قلبي مباشرة وسط صدمتها لأرفع يداي أوجه رأسي للأعلى ..

" يا إلاهي إستجب عاجلا غير آجلا لما تتفوه به هذه الفتاة الجميلة اللطيفة و ليأتي حب قلبي المثير ذاك و ينقذني من هذه الحياة البائسة و الدراسة المزعجة هاته ، عبدتك التي تحبك تستنجد يا إلاهي فاستجب لها.."

" لا ... أنتِ جننت رسميًا !"

قاطع مزاحنا صوت رنين رسالة على هاتفي لتتجه إليه أميليا تمده لي..

أخدته ألقي نظرة على المرسل و الرسالة التي كتبت بها..

" أميليا.."

همهمت لي لأضيف موجهة مقلتاي نحوها...

" هذا آريان... إنه ينتظرنا في المكان ذاته لتبدي له قرارك..."

" ذلك الدنيء..."

قضبت حاجباي مستغربة من تأففها و كلمتها الكبيرة تلك و هي تبتعد واضعة يديها على خصرها...

ما خطبها!؟..

بمجرد ذكر اسمه تبددت كل سعادتها و مزاجها المرتفع الذي جاءت به...

" هل هناك شيء ما لا أعرفه!؟.."

قلتها مستفسرة لتستدير إلي تزم شفتيها بضيق متنهدة فتوجه ناظريها إلي ساردة لي...

" الأمس ...عندما عدت إلى منزلي تفاجأت لخطوات شخص على أرضية رواق البيت لأدرك فيما بعد أن شخصا قد دخل منزلي عندما كنت غائبة عنه!.."

يا إلاهي...

عدلت جلستي أصوب جل تركيزي على كلماتها بجحوظ عيناي واضعة يدي على صدري فوق قلبي خائفة من تكملة القصة!..

" ما الذي سرقه!؟.."

" لم يسرق ... بل أضاف!.."

ما الذي... تقصده !؟..

لا هذه الفتاة مصرة على اللعب بملامحي و مشاعري حتى أنني لم أعد أعلم أي ملامح علي أن أبديها الآن !..

" لا تتكلمي كالألغاز ما الذي تقصدينه!؟.."

" آريان هو الذي كان بمنزلي... قام بإصلاح المدفأة و تغيير القفل و دفع فاتورة الماء و ملء الثلاجة و ماذا بعدها؟... قام بكتابة المجموع بورقة و قال لي أن أدفع قبل غد أو يدفع نيابة عني إذا قبلت بالعمل!..

و لكِ أن تتخيلي الثمن!.."

" كم؟.."

" ثلاثة و عشرون ألفا يا إلارا !... حشرني في الزاوية و أرغمني على قبول هذا العمل كيف تريدينني أن لا أجن من تصرفاته الصبيانية هاته!؟.. "

" و لما لتجني إفرحي يا مجنونة!..."

جعدت جبهتها مستغربة من صرختي بهذه الكلمات و إبتسامة واسعة تسلك شفتاي..

هذا... أفضل شيء... أسمعه اليوم!!..

أكاد أجري إلى آريان و أعبر له عن شكري على فعلته هاته!!..

" أميليا... لو تعلمين كم إرتحت لكلامكِ هذا و أنا التي كنت أفكر طوال الليل عليكِ بعد عاصفة الأمس!... هل هي بخير كيف ستدفأ نفسها هل هي جائعة !؟... أنظري أنا أفهمك و أفهم موقفكِ هذا و لكن... لنرى هذا الموقف من وجهة نظر أخرى؟... ألست أنتِ التي تقولين عندما لا تعجبين بشيء حاولي تغيير وجهة نظرك نحوه؟... دعينا لا نكذب على بعضنا أنا متأكدة كما أنا متأكدة من إسمي أنكِ كنتِ ستقبلين هذا العمل !.. أخبريني كم كنتِ ستتعذبين لموجة البرد القادمة دون مدفأة ؟.. لولا فعلته هاته كيف كنت ستكملين عيش الأيام القادمة و أنتِ تعلمين أنه لا يفصلنا عن دخول شهر تشرين الثاني سوى يومين أو ثلاثة و دخوله يعني نزول درجة الحرارة تحت الصفر !!.. فعلته هاته ستجعلكِ تعيشين و تعملين و تدرسين براحة و ستضمنين شتاءً دافئا و جميلا هذا العام !.. "

" ولكنه يبقى دين!.."

" و ليكن... دين لمرة واحدة في حياتك ستدفعينه بعملكِ عاجلا أم آجلا... و لنقل أنه حدث أمرا و لم تدفعيه... ثلاثة و عشرون ألف ما هي أمام ثروة عائلة فلاديميرسكايا أخبريني!؟.."

ظلت تائهة بين أفكارها تزم شفتيها بضيق و مقلتيها لا تفارقان وجهي لتتأفف بشدة تخلل أصابعها في خصلاتها..

" تبًا لما تبدين محقة !؟.."

أعجبني إطرائها!!..

لما أبدو محقة يا ترى!؟.. لا أعلم!!

أخدت ذارعها أضمه إلي نتمشى نحو خارج المكتبة و شفتاي تنسجان إبتسامة متكبرة أحرك يداي بحركات متكبرة هي أيضا...

" لأنني محقة يا سيدة أميليا... لأنكِ مع الخبيرة المستشارة المثقفة إلارا زارينا!.. المرأة التي لا مثيل لها في حل المشاكل و..."

" إرحميني من نرجسيتكِ أرجوكِ..."

قالتها واضعة يديها على ثغري تُجَّنب صوت لساني من الخروج...

أزلت يدها عن فمي بقوة لأقضب حاجباي متظاهرة بالإستياء..

"عيب عليكِ كان يجب أن تشكرني على الأقل!.."

" لنفترق هنا..."

عدلت من ملامحي لأجدها تسبقني متجهة نحو ذلك المجلس الذي إلتقينا به آريان في الأمس...

هل ألحقها يا ترى!؟..

و لما لا ألحقها !؟... فضولي سيأكلني لن أفوت لقاء هذين المجنونين أبدًا !..

كيف سيكون لقاءهم هذه المرة!؟.. سيكون الفلم رائعا!..

لحقت أميليا من ورائها و لا أعلم لما تلك الإبتسامة الماكرة تشق وجهي..

هذا اللقاء سيكون غير اللقاءات الأخرى... كلاهما غامضان... كل منهما يعرف الكثير عن الآخر... و كل منهما يظن أن الآخر لا يعلم شيئا عنه...

و بفضل من.. أنا !!..

يا ترى ، هل فعلتي هاته... صحيحة!؟..

أرجوا ذلك... أرجوا أن تسير الأمور على ما يرام بعد اليوم و أن لا تعلم أميليا عما فعلته و أرجوا... أن لا تنقلب الأمور علي فيما بعد..

أميليا التي كانت تبعدني بمسافة قريبة قد وقفت خطواتها لألمحها واقفة مقابلة لآريان بجانب الطاولة التي إلتقوا بها في اليوم الماضي...

لحقت لأقف مقابلة لهم أتجول بمقلتاي بينهم و أقضم ظفر سبابتي عادة لي منذ الصغر عندما يتربع داخل صدري التوتر..

نظراتهم لبعضهم... جعلت الهواء ثقيل على الصدر في الجو من حدتها ..

آريان يرمق أميليا بهدوء تام و لا مبالاة بينما أميليا تقف رافعة الرأس بعيون مظلمة حادة و كأنها ترى عدو أمامها لا رجلاً..

بالنسبة لها... الكلمتان مرادفتان!..

" ما قراركِ!؟"

كسر الصمت المطبق بينهما سؤال آريان لتطرف أميليا جفنيها تزم شفتيها و كأنها تحاول الحفاظ على ما تبقى لها من صبر بحركتها هاته..

أعادت نسج ملامحها السابقة على وجهها تجيبه ببرود...

" و هل تركت لي خيارًا آخر!؟.. حقير لدرجة أن تستغل وضعي !!.."

يا إلاهي...

هواء المكان أصبح مشحونا من نظراتهم المكهربة لبعضهم و كلمات هذه المختلة الساعقة...

إلا أن آريان... لم يعلق!..

ظل محافظا على ملامحه و رباطة جأشه بل لا أظن أن له ما عليه الحفاظ عليه لأنه لم يبدى أي حركة أو ملامح تنذر بانزعاجه من كلماتها...

" إذًا... مبارك عملكِ الجديد !"

مـ.... مـ.. ما الذي يفعله!؟..

هل جّن؟.. ما الذي يريده بحركته هاته ؟..

أفكر بهذا و عيناي متسعتان من الصدمة أرمق يده التي يمدها لأميليا منتظرا أن تبادله و تقدم له يدها !!..

أنا لا أفهم!.. هو يعلم حالتها و أنها تفضل أن تقطع يدها على أن تقدمها له... ما مغزاه من حركته هاته؟..

لا و شفتيه تنسجان شبه و طيف إبتسامة مستفزة يرمقها..

إنه... يستغلها!!..

ألا يعلم أنها بهذا تزداد خوفا و توترا منه أكثر!؟.. ما هدفه من هذا اذا!؟..

على ذكرها ... نقلت مقلتاي المتسعتان إليها لأجدها ترمق يده تارة و وجهه تارة أخرى باستغراب و استهزاء...

كيف ستكون ردة فعلها يا ترى!؟..

لأميليا حركة خاصة تصدر منها أحيانا و هي حركة مستفزة جدًا أخشى أن تقوم بها الآن و...

خاب ظني لأنها قامت بها ...

و هي أن ترفع حاجبيها بعينيها الحادتين لتطلق إبتسامتها المستخفة و المزدرئة تقلب عينيها مستديرة تاركة يده معلقة في الهواء و تاركة لي معه ...

حصد ما زرع...

الآن... كيف سأكتم ضحكتي!؟..

وضعت كفي على شفتاي أخفي ضحكتي به من الموقف الذي تركته به أميليا أترقب ردة فعله ليقبض يده التي لم تجد من يلاقيها يدخلها بجيبه يتتبع خطواتها بعينيه...

ما حيرني... أنه لم ينزعج هذه المرة أيضا !.. بل ظهرت شبه إبتسامة هادئة على وجهه للحظات لتتلاشى بسرعة عندما رمقني بحدة عندما رأى ضحكتي المكتومة ...

و لا أعلم من أين إستمديت تلك الجرأة و الشجاعة لأسأله بعدما أبعدت يدي عن ثغري ...

" لا تقل لي أنك كنت تنتظر أن تبادلك!؟.."

" أردت رؤية ردة فعلها فحسب!.. و لكنني سأحاسبها على حركتها هاته!.."

مؤكد..

نظراته و هي قد تصنمت على الخطى التي تركتها أميليا وراءها و قد غابت عن ناظرينا...

نظرات ... غير مفهومة البتا... أحاول أن أترجمها أو أعرف مكنونها و لكنني لا أفلح!..

و كأنها نظرات أسى أو يأس أو تألم أو ربما حتى سعادة أو.. لا أعلم..

لا أتذكر أنني سيئة في ترجمة مشاعر نظرات الإنسان و لكن بندقيتا آريان... تستطيع مزج أكثر من شعور بها...

ها قد قبلت أميليا بالعمل و ستبدأ أول يوم لها غدا...

صديقة الجامعة أميليا تعمل في بيت إبن خالتي آريان.. كم أن هذا غريب!..

لو قيل لي قبل أيام فقط بأن هذا سيحدث لما صدقت هذا أبدا !..

أشعر و كأن ... هذا العمل لن يكون مجرد عمل !.. أشعر و كأن الأيام القادمة لن تكون مجرد أيام روتينية لأميليا ، أشعر و كأننا سنعيش أحداث جديدة في الأيام القادمة !..

أشعر و كأن هذا اليوم... بداية لحكاية الأيام القادمة!!..

لو كان بيد الإنسان أن يختار قدره قبل ولادته لختار القدر الذي يعيشه الآن...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة