و أخيرا...
تعبت من الجري وصولا إلى المطعم ، كادت أرجلي تتشابك مع بعضها و أسقط من شدة الجري...
نسيت نفسي و الوقت مع إلارا التي رفعت لي ضغطي اليوم من غبائها و ها أنا أصل بأنفاس متقطعة...
دخلت إلى المطعم العصري ذاك من الباب الخلفي الخاص بالعاملين ...
و أنا متجهة مباشرة إلى المطبخ أجمع شتات أنفاسي المتقطعة من الجري و أرى العمال منغمسون في أعمالهم بينما أنا متأخرة كالعادة ..
وضعت حقيبتي جانبا ثم إرتديت مئزري و القفازات متجهة إلى...
يا إلاهي..
إتسعت عيناي و رفعت حواجبي من الفزع أتنهد بضيق لرؤيتي لذلك الكم من الأطباق و الكؤوس و الدهون متجمعة كلها في الحوض مشكلة جبلا ..
على كل حال لأبدأ قبل أن تتجمع أكثر...
رفعت أطراف قميصي أشمر عن ساعداي إستعدادًا لمواجهة كومة الأطباق المتراكمة أمامي...
ملأت الحوض بالماء و الصابون أغمس به الأطباق مع فركها طبق وراء طبق..
الماء بارد جدا!..
يداي متجمدتان ترتجفان تحت الماء ، هذا لن يزيد لحالتي إلا سوءً...
بما أن اليوم هو يوم الخميس فربما سأبقى هنا إلى منتصف الليل و أنا أغسلهم..
الشيء الوحيد الذي يعجبني في عملي هو سباحة أفكاري ، يداي و جسدي هنا و لكن عقلي في مكان بعيد جدًا عنهم...
يحاول جمع شتاته و تنظيم محتوياته و إستيعاب آخر الأحداث و التخطيط و تفكير للمستقبل..
نهاية الشهر لازالت بعد أسبوعين و أنا أحتاج إلى راتبي في أسرع وقت...
و لن يسمح لي المدير بأخد راتب يومي وفقا للقوانين التي وضعها...
لأتخرج فقط..
لأتخرج و أعمل عمل شريفًا مستقلًا لا يحكم علي أحد و لا يجبرني على السير بقوانينه..
بل أسير بقوانيني أنا...
و ستنتهي هذه الفترة و تصبح من الذكريات السوداء فقط بعدما يصبح لدي منزلا دافئا و لا أنام إلا و معدتي ممتلئة...
لا أن أقبض عليها من شدة جوعها و البرد ينهش عظامي و يتغدى بأحشائي...
عند ألمي ذاك أتمنى لو بإمكاني التخلي قليلا عن هذا الجسد الذي يرهقني بضعفه أستقل عنه لأرتاح قليلا...
و لكن ليصل ذلك اليوم الذي أحلم به... علي تجاوز هذا الشتاء، و لكن كيف؟..
هذا هو تفكيري للمستقبل الذي أتمناه و لا ننسى العودة للوراء و تذكر الماضي أيضا...
يأخذ هذا الجزء الكثير من تفكيري رغم علمي بأنه لن يجلب لي سوى الألم و لن يجعلني سوى مكبلة بالقيود ...
و لكن ما بيدي حيلة..
وساوسه ، هواجسه ، كوابيسه تلاحقني مهما هربت منها ...
تسحبني تذكرني بأبشع مناظره و أوساخه...
و كم حاولت التخلص منه و لكن هذا أكبر من طاقتي...
أحتاج من يساعدني...
عاد تركيزي إلى الواقع بشعوري لدخول شخص بخطوات بطيئة و كأنه يحمل حمل الدنيا كلها عليه...
إستدرت إلى مصدر الصوت فأرى النادلة تضع الأطباق المتسخة لي بملامح منطفأة و كأنها جسد بلا روح..
ما بها ؟...
عيونها و كأنها تحترق لشدة حمرتها واضح على ملامحها البكاء...
تلقي الأطباق في الماء بقوة غير معهودة منها تفرغ غيضها و غضبها عليهم وهي تكاد أن تكسرهم...
فضولي يقتلني لمعرفة ما جعلها تشتعل إلى هذه الدرجة...
طفح الكيل..
قلت بنبرة باردة و يداي منشغلتان في هذه الأطباق...
" آثار دموعكِ واضحة على عينيك لإحمرارها.."
لم أستطع السكوت أكثر و أنا أرى حالتها تلك ...
عهدتها دائما فتاة هادئة و كتومة كلماتها معدودة و لا تظهر مشاعرها كثيرا للآخرين...
لذلك دهشت برؤيتي لعصبيتها و تلك الشخصية التي كانت تخفيها داخلها...
أطلقتْ زفيراً طويلًا تحمحم و كأنها تخفي آثار إنكسارها في صوتها تعاكسني
" ليس بي شيء"
لم أخطئ عندما قلت أنها كتومة...
و لكن هذا سيء و يجب عليها إفراغ ما يضيق صدرها لشخص يفهمها لترتاح ...
سأحاول سحب الكلمات منها حتى أجعلها تفيض...
" أنتِ أدرى... أنا أعطيتك الفرصة لتخرجي غصتك و لكنكِ فضلتِ إبتلاعهَا ، و لكنها ستضر قلبك مالم تتقيئيها ! "
مرت دقائق لم تخرج بها صوتها و كأنها ترتب أفكارها و تستشير نفسها هل تخبرني أم لا ...
و ما إن نقلت عيناي إليها لمحت دمعة سقطت من عينيها تبلل وجنتها فتمسحها سريعا بكم قميصها ...
ما الذي تمر به ليجعلها متألمة إلى هذا الحد؟..
ما به هذا اليوم مليء بالطاقة السلبية!؟..
أدارت نفسها نحوي تتأفف فتقابلني و هي قد قررت أن تفصح لي عن ما بداخلها و هي تفرغ الحمل الذي على ظهرها...
" كنت عند مكتب المدير الآن ... طلبت منه مبلغًا من المال ينقصه من راتبي الشهري لأن... أمي مريضة جدًا... لو ترين كم ألححت إليه و توسله حتى كدت أركع له و لكن دون جدوى... أنا أتوسله و هو يتمتع من حالتي تلك و عجزي ينظر إلي بنظرة مليئة بالشفقة و أنا أشمئز من نفسي... رغم كل ما ضحيت به من كرامتي و كبريائي إتجاهه إلا أنه لم يلن و لا قليلاً !.. هل أصبح الناس إلى هذه الدرجة عديمي الضمير و بقلوب سوداء متحجرة ؟ هل أصبحوا يستمتعون برؤية حالتنا هذه بدلا من مساعدتنا؟ هل نحن في عالم وحوش خال من الإنسانية لا رحمة و لا شفقة فيه؟ أنا أخبره أن أمي تموت و تحتضر و تنزلق من يداي و هو يستمر بقول أن الدفع آخر الشهر!! و أنا من سيضمن لي بأنها ستعيش إلى ذلك الوقت و لن تسبقني... "
إنقطع صوتها لعدم تمكنها من إكمال جملتها لثقلها..
بُوِينَا...
هذه أول مرة أراها بهذا ... الضعف..
هي تكره عجزها هذا في إنقاذ أمها و تكره أن تساوم حياة أمها بعدة أوراق فقط...
لا أعلم ما أقول...
إذا كنتِ تقولين لهذه وحشية فماذا سأقول أنا عما رأيته و أراه؟..
ليتني أستطيع أن أعانقها...
تشعر أنها مسؤولة عن عائلتها و عن سلامتهم و صحتهم و إن تأذوا ستشعر بأنها قصرت في حقهم و ستندم و تلوم نفسها و تجلد ذاتها...
هذا سيء...
ستلوم نفسها عن شيء ليس بيدها، ستلوم نفسها على حساب القدر و تضيع نفسها..
و تصل إلى حالتي...
لهذا أنا أفهم شعورها جيدًا و لا أريدها أن تفقد نفسها مثلما فقدتها أنا..
لا أريدها أن تذوق ألمي أريد أن أساعدها و لكن كيف؟
أزلت يداي عن الأواني أمسحها بمنشفة ثم توجهت إليها أمسكها من كتفيها لتقابلني بنظراتها المستغربة نحوي أسألها ...
" هل تؤمنين بالمعجزات؟ "
أدارت وجهها تبعد أنظارها عني بفشل بعدما سألتها تخبرني بحركتها هذه إذا كنت أسخر منها...
شديت على كتفيها أكثر مما جعلها تعيد ناظريها إلي أؤكد لها ...
" أنا جادة!!.."
نظرت إلي بعيون تائهة و هي تفكر بإجابة لسؤالي حتى فرقت بين شفتيها تقول ...
" لا أعلم ... لم يحدث لي شيء يوما كالمعجزة ، أشعر و كأنها شيء خيالي يتواجد فقط في الروايات العاطفية و المسلسلات ، أنا لم أعد أأمل شيئا من هذه الحياة بعد الآن !! "
" المعجزات ليست خيالًا، بل واقع يعيشه من يؤمن أن كل شيء ممكن "
إبتسمت لها إبتسامة هادئة و ما إن فرقت بين شفتيها لتسألني ناداها أحد العاملين لتوصل الطلبات..
لقد فتحت لها باب فضولها الآن و سيبقى عقلها الباطني يفكر في حوارنا حتى تتكون رابطة بينه و بين الكون حتى يطبق قانون الجذب و يجذب إليها المعجزات..
لو يعلم الناس فقط عن قوة عقولنا و قدراتها الخارقة و أن المعجزات هي إيمان بأن كل شيء ممكن في الحياة وقتها سيقل التوتر و القلق في هذه الدنيا ..
لم تمر دقائق على كلامي معها إلا وهي تعود إلي منقطعة الأنفاس مرعوبة.
ماذا حدث معها؟
" بوينا ما بكِ ماذا حدث معكِ؟ "
" أنا إنتهيت ، إنتهيت! "
" ماذا حدث؟ "
" أخطأت و سكبت العصير على أحد الزبائن..."
ماذا فعلتِ؟..
وضعت يدي على فمي من الصدمة...
حسنا يبدو أن عقلها الباطني تحمس زيادة عن اللزوم !..
المدير... سيطردها لا محالة !..
يا إلهي... بهدوء لكل مشكلة حل.. ستمر ...ستمر..
إنقطع كلامي و شريط أفكاري بمجرد سماع خطوات في الممر الذي يؤدي إلينا ...
هل هو المدير يا ترى ؟..
ربتتُ على كتف بوينا أحاول تهدئتها و هي تفرقع أصابعها من التوتر...
حتى أطلقت زفيرا مرتاحا لدخول الزبون إلينا بسروال مبلل فوق ركبته...
ملامح الإنزعاج ظاهرة على وجهه رغم محاولته إخفائها بملامحه الباردة..
يرتدي ملابس رسمية توحي لي بأنه كان في إستراحة عمله...
معه حق في الإنزعاج و لكن ...
تكبره و دخوله بخطوات بطيئة ثابتة و صوت طرق حذائه الكلاسيكي على الأرضية...
ليتها سكبت عليه كوب قهوة ساخنة ربما وقتها سيبرد داخلي من تكبره و تصرفاته هذه...
ل..لحظة...
هذا الشاب مألوف عندي، أين رأيته؟
إستدرت أبعد عيناي عنه أقودها نحو الأطباق أعود لغسيلهم و أنا أعصر دماغي و ذاكرتي لعلها تعيد لي شيئا يفيدني في تذكره...
و لكن دون جدوى...
ربما مجرد هاجس يوحي لي بذلك...
أفزعتني بوينا بأخذها للمنشفة من يدي تمدها إليه ...
" أنا أعتذر جدا لم أقصد ذلك سقط بغفلة مني لم أرد أن يحدث هذا أنا..."
" بوينا ! إهتمي بعملك "
قلت هذا بعد رؤيتي له من المرآة غير مهتم بها و بإعتذاراتها ، ستظهر و كأنها مثيرة لشفقة..
غادرتْ بعدما أخذ منها المنشفة و راح يمسح ما على سرواله و يتأفف في إنزعاج ...
لا أعلم لما يضخم الأمر و كأن ما سكب عليه يحرق جلده ، لم يتبرع و لا بكلمة للفتاة و هي تتوسله أن يسامحها..
أعلم أن موقفا كهذا مزعج و لكن هي إعتذرت منه...
أخشى أن يتم طردها..
حسنا لن أستطيع التزام الصمت أكثر و هو يتأفف فوق رأسي!!
" ما كنت ستخسر شيء لو قلت لها لا مشكلة ! "
قلت و أنا ألتقط طبقا آخر أغسله و أنا أعطيه ظهري...
قد استوقفه كلامي عن مسح ما عليه بتوقف صوت حك المنشفة مع قماش سرواله و أنا أشعر بنظارته نحوي يردف...
" ربما لأنه مشكلة!!"
هل يفضل الناس دائما تحويل شعلة إلى حريق !؟
لما هو مصر إلى هذه الدرجة إلى إيقاع الفتاة في مشكلة!؟
هي لم تقصد ما الصعب في فهم هذا؟...
رغم أن مظهره يوحي لك و كأنه شخص متفهم و هادئ... من شعره البني الكثيف المنسدل على جبينه يرتدي سترة و سرولا بالبني الغامق و قميصًا صوفيا أبيضًا يصل إلى أعلى عنقه.
" أليس غريبًا ؟ "
علقنا...
قاطعني صوته عن صوتي داخلي و أنا أستغرب مما قاله ...
ماذا يقصد؟..
لم أجبه و لم أظهر إهتمامي بما يتفوه به و أنا أستمر في تنظيف الأواني واحدًا واحدًا و لكن تجاهلي له لم يمنعه من إلقاء ما يجول داخله..
" فتاة تدرس في أفضل جامعات البلد و تعمل في غسيل الأواني في مطعم ، أمركِ مشكوك به "
أوقفني كلامه عن حركتي أتصلب في مكاني و أنا أعيد كلامه داخل رأسي أحاول إستيعابه...
كـ... كيف علم أين أدرس و في أي جامعة؟..
هل أنا المشكوك بأمرها أم أنت؟..
نظرت من المرآة أرمقه لعلي أتذكر شيئا...
لحظة لحظة...
الآن تذكرت...
هـ... هو يدرس في نفس جامعتي!!..
أتذكر أنني كنت ألمحه في بعض المرات في ساحات و أروقة الجامعة لذلك بدا لي مألوفا..
و لكن كلامه إستوقفني للحظة عن عملي..
فهمت قصده الآن!..
و كلامه صحيح للأسف ...
هذا تناقض كبير في حياتي.. من جهة أدرس في أفضل جامعة في البلد التي يتنافس و يتمنى الناس الدراسة بها من البلد و خارجها ، لن تجد بها سوى أصحاب الطبقة المخملية...
و من جهة أخرى أعمل في غسيل الأواني من منتصف النهار إلى الليل لهذا المطعم من أجل لقمة عيشي و البقاء جائعة لأيام أحيانا...
طبعًا أمري مشكوك به فإذا كنت لا أجد حتى ما أكله فمن أين لي بمال الجامعة؟
وهذا دون التكلم عن منزلي..
إذا فهذا هو تفكير الناس إتجاهي...
عدت إلى واقعي و عملي بعد جمع شتات أفكاري الذي أحدثه...
لحظة.. هو لما يسألني ؟..
" و ما شأنك؟ "
" ماذا يحدث هنا؟ "
رائع...
هذا ما كان ينقصنا سوى مجيء المدير...
أغلقت صنبور الماء أجفف يداي بالمنشفة و أنا أقضم شفتاي متوترة بما سيقوله... أتمنى أن يكون صاحب ضمير و يقول أنها ..
" يبدو أن عُمالك متوترون قليلا اليوم ، لدرجة أن ترتجف أيديهم و يسكبوا الكؤوس على زبائنك "
تبًا لك... حقير..
تأملت زيادة عن اللزوم ... و خذلت
أغمضت عيناي أحاول كتم غيضي منه داخلي و أن لا أرتكب أفعالاً أندم عليها لاحقا...
و لكن نهايتك على يدي اليوم يا عديم الضمير ...
قبضت على يدي حتى إبيضت و على شفتي من الغيظ الذي ركبه لي أستدير لأقابل المدير و عيناه تطلقان الشرر نحوي..
نقلت مقلتاي إليه فأرى عيناه تبصرني و قد تبدلت نظراته فجأة من تلك الباردة المستفزة التي كنت أراها قبل إستدارتي إليه من المرآة إلى نظرات و كأنها.. مندهشة
ما بال تلك النظرات؟..
هو يخيفني... بعض الشيء من نظراته تلك...
" من فعل بك هذا سيدي؟ "
نظر إليه بنظرات متشتتة و كأنه إستفاق من غفوة ...
أين ذلك التكبر و الثقة و الجرأة التي كان يتحدث بها؟..
ماذا حدث له فجأة ؟..
" إنها..."
" أنا !! "
قلت و أنا أنظر إليه بثقة و هو قد ظهرت على وجهه ملامح الدهشة و الإنكار من فعلتي...
لقد... تهورت...
و لكن ما بيدي حيلة..
علي إنقاذ بوينا...
و سيؤيد كذبي كوني أمارس مهنتها أحيانا عند غياب أحد النادلين أو عند إكتضاض المطعم..
توجهت بمقلتاي نحو المدير فأراه يطلق الرصاص نحوي بعينيه هذه المرة !!..
" لا هي..."
" نعتذر عما حدث لك يا سيدي نعدك أن لا يتكرر هذا مرة أخرى ... و أنتِ... إتبعيني إلى مكتبي !! "
خرج من هنا بعد كلماته تلك يمسك يديه خلف ظهره محاولا دب الرعب بي من حركته هذه...
هل إنتهى من أخاف منه في هذه الدنيا لأخاف منك أنت!؟..
أضحكتني...
توجهت نحو العلّاقة أخلع مئزري و ذاك لازال واقفا في مكانه متجمدًا يثبت نظراته نحوي...
ما إن تأكدت من إبتعاد المدير حتى أخذت السكين أقترب منه ...
أنا فتاة لا تتراجع عن كلمتها !!..
بنظرات واثقة أضعها فجأة تحت رقبته مما جعله يفزع من حركتي تلك و يدور بمقلتيه في تقاسيم وجهي..
ينظر إلي بتفاجئٍ و لكن ليس بـ... خوف!..
نصل السكين يلمس جلد رقبته و حنجرته بحركة واحدة أقطع أنفاسه...
ألم تخفه حركتي تلك!؟..
نظرت إليه بنظرة حادة و أنا أقرب سكيني من ذقنه أنبس ...
" قل كلامًا فوق كلامي أو أخبره فقط أنني لست أنا... أقسم لك حينها أن لا تبصر شمس غد !! "
ما باله؟..
توقعت أن ترتجف عينيه من كلماتي لا أن يتسع بؤبؤ عينيه...
ينظر إلي و كأنه... سكران ...
و عينيه... ينظر إلي يصوب كل تركيزه على زرقة عيناي و كأنه غرق بهما...
و أنا من شدة كرهي لهذه النظرات أكاد أوصل سكيني إلى بندقيتيه أثبهما به..
وعيت على نفسي قبل أن أقوم بما يمليه علي عقلي أبتعد عنه و أعدت السكين إلى مكانها و ملامح الدهشة بادية على وجهه..
ربما يستيقظ ضميره بعدما حدث...
كان يجب أن أضحي بنفسي فالمسكينة لن تتمكن من البحث عن عمل آخر و أمها مريضة ...
أنا أصبر و لكنها هي لن تصبر..
ماذا كان سيخسر لو قال أنه حادث و سكت و لم يحدث كل ما حدث ؟..
ما كان أحد سيتضرر و ما كنت ... سأخسر عملي...
هل هو يستمتع بهذا أم ماذا ؟
ألهذه الدرجة الناس سيئون ؟..
مديت يدي إلى باب مكتب المدير أدقه فأذن لي بالدخول ..
دخلت بخطوات ثابتة و واثقة أحاول زرع تلك الثقة في نظراتي و صوتي إليه...
لايزال يستشيط غضبا ذاهبا و إيابا في الغرفة...
حتى ثبت نظراته نحوي و غير مسار خطواته يقترب بضع خطوات مني..
" أنتِ من هنا ؟ "
" غاسلة أواني "
" و أنا ماذا ؟"
" صاحب المكان "
" إذا !؟"
" إذا ماذا ؟"
ماذا يريد هذا مني؟..
زاد و إقترب خطوتين مني و أنا ثابتة في مكاني محافظة على نظراتي الواثقة و الحادة إتجاهه يمسك يديه ببعضهما خلف ظهره ينظر إلي نظرة إستصغار...
" أنتِ و لا شيء بالنسبة لي و أنا كل شيء بالنسبة لكِ، هل فهمتي المعادلة؟.."
مـ... مالذي يقوله؟..
ماذا يظن نفسه ليقول لي كلاما كهذا؟..
بعض المال فقط جعل من تكبره يصل إلى هذا الحد؟..
قبضت على يدي من غضبي و إشتعال داخلي حتى إبيضت و أميل حاجبي نحو الداخل بجبهة مجعدة أنظر إليه بغير تصديق...
إبتسم إبتسامة ساخرة أكاد أرطمه بقبضتي عليها لتنكسر أسنانه البشعة و المقززة تلك...
يتقدم خطوات أخرى نحوي حتى يقف أمامي يعلي و ينزل مقلتيه من رأسي إلى قدماي مستصغرا لي و كأنه يخبرني بها أنني...
مـ... مثيرة لشفقة !..
إلا تلك النظرات...
" أنتِ كوجودكِ و عدمكِ هنا تذهبين و يأتي غيركِ لا تضيفين شيء و لا تنقصين كعدد صفر ، حيادي لا يميل لا للسالب و لا للموجب و لكنني أرى أنكِ بدأتِ تميلين للجهة السالبة و أنتِ تطردين الزبائن من مطعمي ما غايتكِ أنتِ؟.. أنظري إما أن تعودي إلى مكانكِ و تكونين معدومة هنا و إما أطردكِ و تموتين من الجوع ، مثيرة للشفقـ..."
طفح الكيل...
قبل أن يكمل كلامه إختل توازنه و الحرارة تتصاعد على وجنته لطبعي ليدي بها..
لحسن حظ بوينا أنها لم تستمع هي لهذا الكلام!...
هي غير جريئة لدرجة أن تفعل فعلتي الآن...
إذا عندما كنا نعمل هنا طوال الوقت و عندما كان يتجول بيننا و هو يراقبنا كان في الحقيقة...يتقزز منا!!..
كان يستصغرنا و يرانا مثيرين للشفقة نعمل و نقتل أنفسنا في العمل من أجل بعض القروش في نهاية الشهر...
رفعت إصبعي في وجهه أحذره بعيناي المحمرتان برمش عيناي و أنا أستشيط غضبًا..
" لا أحد... لن أسمح لأحد في هذا العالم أن يقدر لي إعتباري و مكانتي خاصة نذل مثلك... لو ترى من زاوية أخرى ستجد أن المثير لشفقة الحقيقي هو أنت ! مسكين ينظر إلى الآخرين بإستحقار و إستصغار ليرى مكانته!! و ياليته كان جهدك كنت سأقدرك بعض الشيء ..مجرد ورث من والدك المتوفي يكاد يفلس و يغلق من سوء تسييرك له ، و لا تخف علي يا من يعتبر نفسه محور الكون لن أموت من الجوع إذا لم أغسل بضع صحون مطعمك القذر هذا و سترى ذلك، و أيضا..."
إقتربت منه بضع خطوات أقف أمامه و أهمس له بصوت خفيف أطبع على شفتاي إبتسامة ساخرة...
" لست عمياء ولا مغفلة لدرجة أن لا أعلم أنك تمول هذا المطعم بمال... المخدرات "
و انقلب السحر على الساحر ...
نظرت إليه بابتسامة منتصرة أرى جحوط عينيه لما قلته ...
لم يتوقع معرفتي لمعلومة كهذا !..
ينظر إلي بغير تصديق يحاول إستيعاب الموقف الموضوع به...
أنظر إليه بملامحي الحادة و رديت له تلك الابتسامة الساخرة و النظرة المستصغرة من رأسه إلى قدميه و قد لاحظت قبضه عليها حتى إبيضت...
إشتعل الآن...
و لكن سرعان ما أراد أن يأخد بأثره مني يقبض على شفتيه و يرفع يده ينوي رد الصفعة لي...
هو لا يعلم مع من يلعب...
أمسكت يده بقوة كوني أسرع منه في حركتي أغرس أظافري في جلد ذراعه أصلب ملامحي و نظراتي نحوه ...
" إلا كرامتي .."
كان يريد أن يخيفني فركبت الرعب به...
لم يخفى علي إرتجاف مقلتيه و هو فزع مني كونه لم يرى هذا الجانب مني يوما...
ها قد تعرفت علي...
و متأكدة أنه غير مسرور بمعرفة وجهي الثاني...
تعمدت ذكر كلمة الكرامة في ردي له لأشعره بأنني قست كرامته بصفعي له..
أشعر بالنشوة برؤيتي للخوف يكسوا ملامحه عندما أتذكر كيف يصرخ و ينبح كالكلاب عند أصغر خطأ من العاملين..
أشعر و كأنني إنتقمت لهم ولكن...
نزعت يدي من ذراعه بإشمئزاز أخفيها في جيب تنورتي و عيوني حادة إتجاهه و هو لازال مصعوق من معرفتي لأمره..
تركته مصدومًا مما قلت و أنا أبتعد عنه بخطواتي...
" أنا أستقيل... أطلب حقي في أجر أسبوع هذا الشهر"
توجه نحو مكتبه بخطوات مرتجفة يأخد مالاً من درجه يتجه نحوي...
ألهذه الدرجة هو خائف؟.. في العادة كان سيطردني و لن يمنحني حقي كوني لم أكمل الشهر...
أعلم أن هذا غير قانوني و إنساني و لكن... هذا هو العالم الذي نعيش به...
القوي يأكل الضعيف... الغني يذل الفقير ...
و كأن حياتنا أصبحت عبارة عن... قانون الغابة !!..
مدها إلي فأخدتهم منه متجهة نحو الباب و لكنه إستوقفني بكلامه و نبرة ساخرة..
" و كأنهم سيتركونك حية بعد معرفتكِ لأمري .."
" لا فرق عندي"
قلتها و أنا أكمل خطواتي خارج مكتبه...
و كأنني تواقة للأنفاس التي آخدها ...
إتجهت نحو المطبخ آخد حقيبتي و أغسل يدي بكل أنواع المنظفات للمسي لقذارة منه و لحسن الحظ وجدت بوِينا هناك تملأ السينية بالأطباق و الكؤوس ...
اتجهت إليها أشد يدها إلي باستغراب منها أضع بها المبلغ الذي حصلت عليه و ما إن أرادت أن ترفض شديتها أكثر إلي أهمس لها ...
" هذه هي المعجزة التي حدثتك عنها !.. بلغي سلامي لأمكِ."
♧ "المعجزة ليست في تغيير العالم، بل في تغيير نظرتك إليه"♧
Amilia_mimi