خزامى ذاوية

خزامى ذاوية

15 0

ولجت المطبخ قاصدة سقي ظمئي أملأ الكأس الذي لقيته بالماء أرفعه لشفتاي أرتشف بعضا منه !..

أفعل هذا و لكن... تفكيري بعيد كل البعد عما أفعله !..

من أبعاد ما فكىت به ... السؤال الذي وردني جراء تعبي من طول الطريق بين منزلي و عملي في منزل السيدة فيرا..

أتساءل... كيف سأتمكن من المجيء كل تلك المسافة عندما تتساقط الثلوج !؟..

أو الأمطار !؟.. أو عندما يشتد البرد في الشتاء !..

إعتدت على تحمل البرد و هذه الطقوس و لكن.. كيف سألحق واجباتي بين الجامعة و عملي هنا !؟..

إذا أخذنا بعين الإعتبار غروب الشمس المبكر في شتاء فلاديفوستوك مع هذه المعيقات فبالتقريب.. سيتبقى لي ساعة واحدة فقط للجلسات !..

ساعة واحدة !!..

يا إلهي ساعدني !.. ساعة واحدة لن تكفي لأي شيء !..

" أينَ شردتِ إلى هذه الدرجة !؟"

تبًا لك !..

حسنا.. يبدو أن هذا طبعه و لا ينوي قطع عادته المستفزة هذه و الظهور كالأشباح !..

ما يحيرني هو..

حذاءه له طرقات مميزة و ظهوره كأنه يمشي فوق الغيوم... أي تناقض هذا ؟..

إستدرت أقابل باب المطبخ بعدما أيقنت بأنه يتكأ على إطاره هناك كعادته دون أن أسقط بصري عليه أتأمل حركة سطح الماء الذي بين يدي بملامح محايدة..

" لا شيء مهم !.."

البتا..

ملامحي كانت حيادية و صارت أكثر عندما توصلت إلى لحظة إدراك من وقفته !...

يتكئ على الإطار و لا يدخل الى المطبخ !..

يعلم أنه إذا إقترب إنشا واحدًا الآن سأتوتر و ترتجف أطرافي لكوني بحيز مغلق مع رجل على إنفراد !..

لم يعد هناك ما يخفى... صار كل شيء واضح الآن!..

تصرفاته اتجاهي.. تفهمه و احترامه و حرصه على إعطائي مساحة كافية تناسبني !..

حتى أنني ... لاحظت شيئا ما...

عندما إلتقيت آريان في المرات الأولى... كان له عطر طاغٍ يعبق من بعد أمتار من قدومه و لكن... لم اعد أشمه او المحه بعد ان صرت اعمل هنا !..

هو... توقف عن رشه من أجلي !..

كان يعلم بانني أتوتر و أضطرب بروائح الرجال و لم يتردد في التوقف في رشه !..

كل ما كان مبهما ... زال عنه الضباب الآن !..

صمت ثقيل يسود للحظات بيننا قبل أن يخطر للحظة شيء على بالي!..

أظن أنه... سيكونا عيبا علي إذا لم أفعله !..

ابتلعت ريقي مترددة قبل أن أحمحم أشد إنتباهه إلي !..

" آريان أنا.. "

كسرتُ صمتنا بجملتي هاته أضع كأس الماء على مرصدِ المطبخ أرفع بصري هذه المرة لمقلتيه لأجده يوجه كل تركيزه لما سأتفوه به لآخذ نفسا قبل أن أضيف ..

" أنا.. أريد أن أشكركِ على يوم أمس !.. عندما أنقذتني من أولائك المنحرفين !..لولاك ، لما.."

" لولاي كنتِ ستقاتلينهم ! .."

اتسعت عيناي أرمق مقلتيه عندما شدني إليهما بجملته بعدما كنت أتهرب منهما في كلامي !..

أقاتلهم !؟.. هو كيف..

علا صدره للحظة مدركة بالنفس العميق الذي استنشقه قبل أن يضيف ..

" شكيت بهذا عندما ضربتني بتلك الطريقة يومها في منزلكِ!..و لكنني لم أهتم و قلت أنها حركة تلقائية منكِ و لكن... عندما رأيتكِ الأمس... ضربكِ برجلكِ لرأس ذلك الذكر و تكسيركِ لأنفه... تلك الحركة ... أدهشتني !..

و كنتُ أعلم جيدًا بأن تلك الحركة لا يقوم بها إلا محترف في القتال !.. عندها فهمتُ بأنكِ.. محترفة و لستِ بلا حيلة في القتال !.."

أخفضت بصري للفراغ بإبتسامة باهتة على شفتاي و أنا أعيد سماع كلامه بداخلي !..

محترفة... لست بلا حيلة في القتال ...

بلى... أنا كذلك !..

استدرت نحو مرصد المطبخ آخذ الركوة المملوءة بالماء بعدما حضرتها لي آنيا ..

ابتلعت ريقي أفرق بين شفتاي أنبس و أنا أملء الملعقة بالقهوة و أصبها على ماء الركوة لتتشتت بها..

" في هذا العالم... لا يستطيع شخص أن يعيش دون أن يشعر بالأمان !.. كل رجل خُلق ليصنع الأمان !.. و كل إمرأة خلقت لتحتمي في هذا الأمان !.. و لكن العالم صار فاسدًا بما فيه الكفاية لنضطر نحن النساء على صنع الأمان بأنفسنا !.."

عندما تفقد المرأة الأمان و الحماية من حولها... و تجد نفسها دون سند و دون حامي يحميها و تعتمد عليه في مشوارها ... حينها ستسعى لتكون سند و حامية نفسها !..

منهن أنا !..

نفس ثقيل أزفره و أنا آخذ الملعقة أدير بها محتوى الركوة أضيف بنبرة هادئة متمتمة إياها لنفسي...

" و أظن أنني صرت عاجزة عن صنعه بعد الآن !.."

مرضي ... هذا ما قصدته !..

صمت ثقيل ساد بيننا يلحنه صوت ارتطامات الملعقة بالركوة و هي تدير محتواها بعد أن شردت في أفكاري قبل أن يكسره صوت آريان مرة أخرى ..

" أنتِ... "

همهمت له بعد أن نبس بها بتساؤل و أنا أحمل الركوة أضعها على النار و هو يكمل..

" كيف إعتبرتِ مرضكِ حاميا لكِ ... رغم ما يفعله بكِ؟.."

رائع... حتى هذه لم تخفى عليه !..

شعرت بغصة تتشكل شيىا فشيئا بحلقي اثر سؤاله ، حينها إستدرت إليه أسند نفسي للوراء أسقط بصري في مقلتيه أجيبه بنبرة استطعت ان أخفي بها غصتي ...

" كيف يستمر المدخن بالتدخين رغم علمه بأضراره !.."

" هذا بسبب الإدمان و لكن أنتِ ... "

" أدمنتُ كرهي للرجال !! "

أظن أن هذه.. أنسب جملة يمكن ان تجيب على تساؤل كهذا !..

نعم... أدمنته.. و بشدة !..

أخذت خصلاتٍ من شعري إلى وراء أذني بحركة سريعة أشيح بصري نحو النافذة و غصة مزعجة تكونت في حلقي..

لم يعد هنالك ما يخفي و لكن... أكره نفسي و أنا أتكلم بهذا الموضوع معه!..

أن أتكلم عن كرهي لرجال مع رجل ...أن أتكلم عن رهابي مع من أَرهب منه !.. كان شعورا غريبًا جدًا !..

تلك النافذة .. و أنا أرمقها و أبصر بها.. لتتغير للحظة زاوية نظري فأرى في زجاجها.. نفسي !..

شعر أسود كالليل.. عينان حادتان أظلمت زرقاوتهما كالمحيط.. بشرة بيضاء كالسحاب ..

أميليا.. أرباتوفا !..

هذه هي أنا.. أو ربما لست أنا !؟..

ما أصلي !؟.. و ما الشيء الذي يجعلني أميليا !؟.. ما الشيء الذي يميزني كأميليا !؟..

لا أعلم شيئا عن نفسي!..

لا أعلم من أكون و ما دوري و ما فائدتي بهذا العالم !؟.. مجرد حمل عبئ عليها أثقلها بضيقي و الحمل الذي على ظهري !..

لا أعلم شيئا ... حتى عن مرضي الذي أرهبه !؟..

أنا لا أعلم و لكن..

" آريان !.."

صوتي الذي خرج عن غير إذني لأسمع همهمته من خلفي منتظرًا إكمالي لكلامي..

قلت أنني أكره نفسي عندما أتحدث معه بهذا الموضوع و لكن... ما بيدي حيلة الآن !..

أحتاج أن يُجَاب على سؤالي هذا..

عل الاقل لأعرف شيئا عني ...

" ما إسمُ مرضي !؟.."

قلتها و أنا أرمقه بطرف عيني بعد أن أطلقت نفسًا ضيقا من جوفي مشكلاً هالة ضبابية على زجاج النافذة..

لم يجبني مباشرة !.. ظل ساكتًا و كأنه يخشى أن يكسر شيئا بي داخلي !..

سكوته هذا.. خشيته من الكلمات التي سيتفوه بها.. بطريقة ما تضحكني !..

لا أعلم لما و لكن.. ربما لكوني أعرف ما بي.. و أعرف داخلي .. و أعرف ما تشتكي به نفسي.. لذلك.. لا أخشى أن تكسر كلماته ما بي !.. لأنه مكسور أصلًا !..

حمحمة صغيرة أو صوت نفس أدخله لصدره

صدر منه قبل أن يسود صمت ثقيلٌ علينا كاسرا إياه..

" الوسواس القهري الحاد !.."

هل إندهشت !؟... لا..

بل كما توقعت !..

إبتسمتُ ابتسامة منكسرة لذاتي .. لذاتي المجروحة و النازفة !.. و كأن تلك الإبتسامة تقول لها كل شيء بخير.. و لكن ذاتي تعلم جيدًا أنها كاذبة.. و تعلم جيدًا مكنون تلك الإبتسامة.. و أن كل شيء أسوء من السيء ..

كنت اعرف هذا و لكن... لما أشعر بنفسي تكاد تبكي !؟..

لما أشعر بأن محجراي يمتلآن!؟.. و أشعر بغصتي تكبر في حنجرتي !؟.. و أن شهقاتي المكتومة تضرب قلبي !؟..

لما جسمي سريع التفاعل !؟..

و لكنني لم أبدي الأمر !.. جامدة .. حادة.. دون ردات فعل..

سكون تام بخارجي و فوضى عارمة بداخلي !..

" لم تندهشي !؟.."

و هذا هو الدليل !..

زميت شفتاي أحاول أن أنسج ابتسامة صغيرة على شفتاي و أنا أرد بنبرة هادئة دون أن اوجه بصري نحوه ...

" كنتُ أعلم... أردت فقط تأكيدًا !.."

كان الإحتمال الوحيد لنوباتي و إرتجافي أساسا.. الوسواس القهري الحاد!...

" إذا تعلمين أيضا أن... "

" برنامجه العلاجي كثيف و معقد ... يحتاج لفترة ليست بقليلة أليس كذلك !؟.."

قاطعته لكوني قد قمت ببحث شامل عنه عندما توقعت كوني مصابة به... عن غيري كوني مهتمة أو بصيغة أخرى مهووسة بالعلم النفسي !..

زميت شفتاي أبتسم بانكسار أطلق نفسًا صوته كموسيقى إستسلام أعلنه بها أمام العقبات التي تخترق طريقي نحو عافيتي !..

ألا يمكن أن يكون شيئا واحدًا فقط !.. شيئا واحدًا سهل في هذه الحياة !؟..

أيجب أن يُعقد و يَصعبَ كل شيء تاركا لي مقوقعة مع نفسي متحسرة بقلة حيلة!؟..

ألا توجد رحمة!؟..

صوت آريان كسر ضوضاء رأسي و هو ينبس بنبرة هادئة..

" لن يكون كذلك إذا أشعلتي إرادتكِ و ثقتكِ بنفسكِ داخلك ِ!!."

" لن يكفي هذا !.."

" سيكفي إذا .."

" أغلق الموضوع... رجاءً !"

لم أعد أحتمل !..

لم أعد أحتمل حكمه على الأمور دون أن يعلم كل شيء.. بصفة كلية !..

فكرة أن أثق بنفسي.. و أن أشعل إرادتي .. و فكرة أن أشفى أتقبلها أو ربما أستطيع تقبلها و لكن..

فكرة أن يتلامس جلدي مع جلد رجل .. أن أقترب و أن ألتصق و أشم عطره .. !.. فكرة أرى تلك الهلوسات مرة أخرى .. فكرة أنني إذا دخلت إلى طريق التشافي سأرى و سأتذكر و سأفتح ذلك الدفتر مرة أخرى و سأعيش بداخلي كل ما عشته من قبل مرة أخرى و أن أرى ذلك الرعب و تلك الملامح...

لا أستطيع فعلها أبدًا !.. لا أتجرأ...

هو لا يعلم... أنه علي أن أُشفى من ماضيي أولا قبل مرضي !..

ماضيي الذي لم يصبح ماضيا بعد..

" هل أنتِ بخير !؟.."

وعيت بعد سؤاله على يدي التي تدلك مكان غصتي.. حنجرتي ، بقوة و عيناي لازالتا تجولان في الحديقة دون اكتراث !..

" نعم .. أنا بخير !.. "

كاذبة..

أعدت خصلاتي وراء أذني أتجه نحو القهوة التي عبقت رائحة بُنها في أرجاء الغرفة لتطلق سحرها داخلي تسكنني بعد الصراع الذي حدث بداخلي و كأن رائحتها خرجت كعلم أبيض بين الجثث تعلن الاستسلام بعد خراب و فساد كل شيء !..

مديت أناملي نحو مخمد النار أديره لتخمد النار تحت الركوة و صوت غليانها كموسيقى هادئة ترسل نغماتها بعبقها ..

" شكرًا !.."

وجهتُ بصري باستغراب نحوه لكلمته التي صدرت منه لأجده قد وجهها نحو آنيا بعد أن قدمت له ظرفًا أبيضا مغادرة تراكتًا إياه و هو يقلبه بين كفيه !؟..

لا شأن لي...

إستمريت ما أنا منشغلة به أمد يدي نحو مقبض الركوة أحملها نحو المرصد أضعها عليه..

" هذا لكِ !.."

رفعت بصري نحوه بدهشة قبل أن أجده يرفع ذلك الظرف أمام ناظري و يضعه على طاولة ركنية متراجعا بخطواته نحو الباب دون أن يفصل بصره عن خاصتي!..

هو.. يشير إلي.. أنا !؟.. لا أفهم شيئا !؟

رمقته باستغراب قاضبة حاجباي أشير نحو الظرف أنتظر توضيحه قبل أن يفرق بين شفتيه قائلا..

" أجرة الأيام الماضية ! "

لحظة.. ماذا !؟..

رمشت عيناي سريعا رافعة حاجباي بدهشة أحاول أن أستوعب كلامه..

" أتذكر أنني كنت أدفع ديني !؟.."

" لا دين لكِ عندي !.."

ما به هذا السافل !؟.. هل حصل على ضربة في شجار الأمس أثرت على ذاكرته !؟..

و لكن خاب ظني عندما أخذ نفسا عميقا يفرق بين شفتيه موضحًا..

" إصلاحاتِ منزلكِ و ما قدمته لكِ إعتبرته تعويضا و إعتذار لكِ لما حدثَ لكِ بسببي !.. و لكن.. لم تدري يومها أنني أعلم لذلك.."

" إتخذتَه دينًا علي و تهديدا لأعمل عندك أليس كذلك !؟.."

زم شفتيه متظاهرا بالتأسف هاربا بعينيه قبل أن يقول ضاغطا على كلماته !..

" حسنا.. يمكنكِ قول هذا !.."

" تعلم أنكَ وضيع أليس كذلك!؟.."

ضيق عيناه ممثلا دور الضحية المظلوم و البريء في حين أنني أعلم جيدًا.. أنه يعلم جيدًا أنه كذلك !..

" سامحكِ الإله.. أليست هذه الكلمة كثيرة قليلا علي !.."

" بالعكس.. تناسبكَ تمامًا ! "

قلتها و أنا أسكب القهوة في الفناجين و بخارها يبث بي دفئا خاصا ..

لو يعلم كم مرة قلت له هذه الكلمة بداخلي !..

هذا غير الكلمات الأخرى !..

" على ذكر هذا .. كيف حال ظهركِ !؟.."

أرتفع حاجباي في تفاجئ من سؤاله المباشر ارمقه و قد توقفت من تفاجئي عن سكب القهوة..

أعدت تركيزي نحو القهوة بابتسامة منكسرة أستمر فيما توقفت به...

" بخير... جف الحرق و لم يعد يؤلمني !.."

" أسعدني هذا !.."

قالها بطيف ابتسامة على شفتيه بعد ان قال هذا بنبرة هادئة و أشعر.. و كأنها بثت بي دفئا مطمئنا...

حينما فرغت من سكب القهوة وجهت بصري نحوه أرد له بنفس الصيغة !..

" و على ذكر هذا ... أريد أن أطلب منك شيئا !.."

عادت ملامح الجدية تنسج على ملامحي مثلما عادت إلى ملامحه أضع الركوة على المرصد و أشبكُ ذراعاي إلي أبصر بندقيتيه ...

" لا تأتِ إلى منزلي مرة أخرى ... مهما حدث !.. رجاءً !"

أومأ بخفة رغم رؤيتي لكثير من الأسئلة و شدة الفضول في مقلتيه من طلبي...

مثما مُنع على إلارا .. و مثلما منعتُ السيدة فيرا... سأمنعكَ أنتَ أيضا !..

لن أستثنيك !..

الأوضاع لم تعد مطمئنة.. و الإحتياط صار ضروريا أكثر !..

إلى أن أتأكد بأنني بأمان هنا.. سأبعدكم عن محيطي !..

" تشرب!؟.."

لم أكن لأقترح هذا لو لم تتبقى القهوة !!..

و زاد ندمي عندما رأيت تلك الإبتسامة الجانبية على وجهه رغم أنه حاول أن يخفيها و لكنها... لم تخفى علي !..

" دعيها هناك !.."

مستفز..

أخذت فنجانه أضعه على المرصد لأحمل السينية ذات الفنجانين بين يداي أتجه نحو باب المطبخ بعد أن إبتعد عنها آريان...

إجتزته بعدما أدخلت بين إصبعاي الظرف الذي قدمه لي أواصل خطو خطواتي و أطراف أصابعي تتحسس ملمس المال من فوق الظرف ..

ثلاثة و عشرون ألف روبل !!..

ما الذي سأفعله بمبلغ كهذا !؟.. ليس قليلا لأشتري به قوت يومي فحسب و ليس كثيرا لدرجة ان أشتري حاسوبًا يساعدني في دراستي !..

و دون وعي مني صدى صوت آريان في أذني عندما قال لي..

أنفقتِ مالكِ في ملابس عوض أن تستثمريها و تعيشي حياة أفضل !..

هذا ما قصدته بـأنني لم أعد أحتمل حكمه على الأمور دون أن يعلم كل شيء.. بصفة كلية !..

لا يعلم أنني لو طبقت الأفكار التي برأسي و لو استثمرت المال الذي لدي لما كنتُ هنا و لو كنتُ أدفعُ تكاليف جامعتي بنفسي دون منحة !..

لا يعلم انني أريد بتغيري.. باختبائي أن أتخفى !.. أن أبتعد عن الإستشمار و الأسواق خشية أن بنتشر صيتي و اسمي !..

لا أعيش في منزل هش و لا أعمل في مناصب دنيئة و لا أواجه الاحتياج لأنني فقيرة !.. بل لأنني ملاحقة !..

و لا أريد لأي أحد مهما كان ان يتورط معي !..

لا أخشى أن أؤذى أكثر من خشيتي من أن يتأذى شخص بسببي !..

قاطع سهوي صوت آنيا و هي تنادي باسمي من البوابة بينما كنتُ متجهة بالسينية نحو الحديقة لملاقاة السيدة فيرا !..

سرت نحو صوتها مقتضبة الحاجبين لتتقدم مني و قد بدا لي انها مستعجلة و منفعلة لأمرٍ ما أجهله !..

ما بها يا ترى !؟..

وقفت أمامي تمد ظرف مزينا بلون حنطي به زخرفات مبهرة ...

ما بهم مع الظروف اليوم !؟..

" هل يمكننِي أن أطلب منك يا أميليا أن تناولي هذا الظرف لسيدة فيرا !؟.. أنا مستعجلة للخروج !"

" هاتيه عنكِ سأوصله لها التفتي الى عملكِ و لا تشغلي بالكِ !.."

" ممتنة لكِ كثيرا حبيبتي شكرا لكِ !"

حبيبتي..

ابتسامة دافئة ارتسمت على محياي أوجهها لها كما تركت بداخلي دفئا خاصًا بكلمتها هاته !..

هل أنا التي اتأثر سريعا بالكلمات أم أن الكلمات حقا لها أثر خاص على القلوب !؟..

غريب تركيبتنا نحن البشر... كم نحن متناقضين !..

استدرت أستمر في خطو خطواتي نحو الحديقة بعد أن أمسكت الظرف بين اصبعاي عن آنيا و غادر طيفها وراء الباب !..

أتمنى أن تكون بخير مهما كان الأمر و أن لا يكون وراء استعجالها مشكلة ما !..

خطوت خطوتي أجتاز عتبة الحديقة لتحتضنني نسمات باردة تلامس وجهي و تلعب بخصلاتي بخفة ...

تجولت بناظري لألقى السيدة فيرا تجلس على كرسي تحتضن كتفيها ببطانية رصاصية اللون و خصلاتها البنية القصيرة تتلاعب بفعل الهواء و قد بدت لي... شاردة !..

تقدمت بخفة نحوها أضع السينية على الطاولة برفق قبل أن ترفع عينيها المتسعتين بدهشة مدركة بأنني... أفزعتها !

بدأ آريان يؤثر علي !..

" آسفة !.. هل أفزعتكِ !؟.."

لانت عيناها و هي ترمقني راسمة على شفتيها ابتسامة بعثت الراحة لصدري !..

" لا عليكِ... أنا التي كنتُ شاردة !.."

جلست بالمقعد الذي بجانبها أحمل فنجانها و أضعه أمامها و أفعل المثل لخاصتي و أنا أشعر بعينيها اللتان تراقبان حركة يداي قبل أن تقطع الصمت بسؤالها..

" هل أنتِ من أعددته !؟.."

وجهت بصري نحوها باستغراب لأرى مقلتيها تشيران للكعك الذي على طبق لأبتسم أومئ لها قبل أن أرها تحمل الفنجان و تقربه من شفتيها تستنشق عبقها..

" قالت لي آنيا أنكِ تحبينها مركزة و حاولت اعدادها وفقا لهذا !.. هل هي مناسبة !؟.."

" مثلما أحبها بالضبط !.."

لا أعلم لما و لكن هالة ارتياح تربعت على صدري مطلقة نفسا لم اعي أنني كنت أكتمه..

هل رضاها صار مهما لي الى هذه الدرجة !؟..

" كيفَ حالكِ !؟.."

حسنا ... لما بدا لي بأنه سؤال غريب !؟..

زميت شفتاي أجيبها بنبرة محتارة ..

" بخير ! "

" أنا أعلم كل شيء !.."

دون وعي مني أسقطت الكعكة التي كانت بيدي جافلة متسعة العينين لما تفوهت به !..

لحظة لحظة.. اريد ان أستوعب! ...

هل ما... سمعته صحيح !؟.. أرجو أن لا يكون كذلك..

تبًا لك أيها الوضيع !..

فتحت فاهي أرمش سريعا لأستبين ما تخفيه وراء لسانها إلا أنني لم أسطع أن أخفي إرتجافي في نبرتي !..

" ما ... ما الذي تعرفينه تحديدًا !؟.."

" كل ما حدث لكِ الأمس !.."

لن أنكر أنني شعرت بارتياح و كأن دلو ماء بارد سقط على صدري..

حمدًا لله ... ظننت انها تعرف أكثر من هذا !..

أرجعت خصلاتي المتمردة من ظفيرتي بحركة سريعة مضطربة و عيناي ضائعتان في الفراغ..

" كنتُ بالسيارة و شاهدت بقلب فزع كيف تعرضتِ لأولائك الأوغاد و كيف أتى آريان و أنقذكِ قبل أن تأخذه الشرطة !.."

" السيدة فيرا أنا آسفة جدا أنا اعتذر منكِ لما حدث لآريان بسببي أنا.."

لم يستطع صوتي الخروج أكثر لوضع السيدة فيرا يدها فوق فمي بابتسامة دافئة تمنعني من إكمال كلماتي !..

" لا تعتذري يا أميليا !.. لو لم يقفز آريان بسرعة متجها إليك كالمجنون بعد أن رآكِ لدفعته أنا !.. دعيه يجرب المخافر و يظهر جنونه قليلا كونه مهذب أكثر من اللزوم !.."

نعم مهذب ... كثيرا !..

أبعدت يدها عن فاهي لأطلق ضحكة خافتة كانت عالقة في حنجرتي آخذ فنجاني و أقربه لشفتاي مثلما فعلت السيدة فيرا..

لم أخطئ عندما قلت بأنني أزداد تقديرا و تعلقا بالسيدة فيرا يوما بعد يوم و لكن.. آريان في قولها..

هل.. خاف ... علي !؟ أنا !؟.. إلى هذه الدرجة !؟..

ما هذا السؤال بالطبع سيدافع علي و على أي فتاة كانت تتعرض لذلك الموقف و لكن.. الذين مرو علي وقتها و رأوني... لم يفعلو شيئا !..

لما هو فعل !؟.. لما دافع !؟..

" تعانين من هذا كثيرا... أليس كذلك !؟ "

نعم... كثيرا !..

زممت شفتاي بتأسف دون أن تلتقي عيناي بخاصتها لكلا تفضح عيناي المشاعر التي أكبتها...

" و ربما تعانين من هذا أكثر من أي إمرأة هنا !.."

أنا أعي جيدا ما تقوله !..

تصلبت فجأة لاحساسي فجأة بثقل غريب على رأسي لأرفع بصري نحوها لأرى يدها تمدها إلى رأسي !..

يدها التي تمر على خصلاتي تربت عليها بخفة و تلعب بمشاعري بقوة !..

" شعر أسود كالفحم... مقلتان زرقاوتان مظلمتان كعمق المحيط.. بشرة بيضاء كالسحاب!.."

قالت و هي تحتضن بكفها وجنتي و تمرر عليها ابهامها..

" جمالكِ الفريد هذا... نادرًا ما نراه في فلاديفوستوك!.. لهذا تتعرضين لهم بصفة أكبر أليس كذلك !؟.."

زممت شفاهي أحاول أن أستجمع شتاتي الذي أحدثه لمسات السيدة فيرا الدافئة الغير معتادة عليها !..

يتميز الفلاديفوستوكيين بالملامح الفاتحة ، مزيج بين البشرة الحنطية و السمراء ، عيون ضيقة و خصلات شعر بين البني و الأشقر .. مزيج من العيون الخضراء و الزرقاء و البندقية...

و لكن تركيب بين بشرة بيضاء و خصلات شديدة السواد و عيون زرقاء ... ليست شائعة هنا..

و هذا ما جعلني أسمع في الجامعة كلمات غير مرضية كأجنبية او لاجئة !..

و جعلني أتعرض للمضايقات خارجًا !..

شعرت بيدها إنتقلت إلى ضفيرتي تحملها من وراء ضهري إلى كتفي و شفتاي متفرقتان لحنية تربيتلتها علي !..

" و لكن اياك يا جميلتي ... أن تعتبري جمالكِ الآخذ هذا عيبًا فيكِ !.. أنتِ مميزة بطبعكِ.. بجمالكِ و روحكِ !.. لا تدعي مجرد حشرات تخفض ثقتكِ بنفسكِ !.. تذكري دائما أنكِ أميليا أرباتوفا !.."

قلبي يخفق.. يكاد يخرج من صدري من شدة أضطرابه..

لم أعتد على هذا !.. لم أعتد على لمسات تذيب الجليد الذي بصدري و نبرة هادئة و دافئة كحضن خفي يضمني اليه بذراعيه الوهمية ..

لحظة قصيرة.. تربيتة على الكتف و أنامل على ظفيرة و كف على وجنة.. لقطات غير مستوعبة تمكنت من تنظيم و تشويش أفكاري في الآن ذاته !..

كلماتها ... كانت دواء و احتياجا لبي لي بعد فترة عصيبة كُسرت روحي بها !..

" أنتِ لستِ فلاديفوستوكية أليس كذلك ؟.."

تصلبت أطرافي لسؤالها هذا أبتلع ريقي و أحكم قبضتي على أطراف ثوبي...

" ملامحكِ ، وجهكِ و حتى لهجتكِ أوروبية لذا أظنكِ من الجهة الأوروبية لروسيا !.. ربما سانت بطرسبورغ... قازان ... موسكو !.."

" آه نسيت شيئا !.."

قلتها بنبرة مبالغة تحت تصلب السيدة فيرا لصرختي فجأة آخذ الظرف الذي قدمته لي آنيا و أدفعه إليها أتحاشى نظراتها..

" ناولتني آنيا هذا الظرف قبل ذهابها و اوصتني بأن أقدمه لكِ !.."

دفعته اليها و أنا أشعر بنظراتها المحتارة و هي تخترقني قبل أن تتلمس الظرف و تأخذه بين ذراعيها تتأمله و تشرد فيه..

إستطعتُ إنقاذ نفسي !..

كان الظرف هو الشيء الوحيد استطت أن أجاري به الموقف الذي وضعتُ به..

ابتلعت ريقي أرسم إبتسامة متكلفة على شفتاي و أظن بأنها... قد فهمت أنني لا اريد الحديث عن هويتي !..

فتحت الظرف مع تقضيبة حاجبيها تأخذ الورقة الموضوعة داخله تفتحها بحركة بطيئة و مترقبة..

أخذت القهوة الى شفتاي أحتسي رشفة منها بعد أن توجست فجأة لتغير ملامحها من المستغربة إى.. منكسرة ؟؟..

لم يدم تعبيرها طويلا إذ بها ترسم ابتسامة متكلفة على شفتيها ترمش بشكل مسرع و كأنها تخشى أن يسيل رذاذ عينها فاضحًا حزن قلبها..

لم أستطع أن أستمر بالمراقبة فحسب اذ بي أمد يدي و أربت بها على يدها أنبس بنبرة يملؤها الاهتمام و الاستغراب !.

" سيدة فيرا هل أنتِ بخير !؟.."

" إنها دعوة زفاف ابن أخت زوجي !.."

سحبت يدي إلى حجري ابتسم لها ابتسامة دافئة لعلي أنفس بها قليلا عن الضيق الذي ارتسم على ملامحها فجأة..

" ألكسندر و إلينور !.."

إلينور!؟..

ضيقت حاجباي باستغراب أرمقها و قد لاحظت استغرابي بينما أفرق بين شفتاي أستفسر..

" أليس إسم إلينور إسم .."

" فرنسية !.. نعم حبيبته فرنسية! "

رفعت حاجباي بحيرة و إبتسامة تلقائية إرتسمت على فوهي..

هذا... جميل جدًا !..

رغم أنه هناك عقبات و ثغور كثيرة في هذا الوضع ... جنسية مختلفة لغة مختلفة و انتماء مختلف !..

" لم يكذب من قال أن لا شيء يعلو على سطوة الحب !.."

لا أظن أن هذه النقطة عامة...

دائما هناك من تعلو مصالحه و طمعه على الحب و المشاعر و الكرامة و أي شيء يمكن ان يعيق وصوله إلى جشعه..

عن تجربة...

" تبدين سعيدة بزواجهم من تعابير وجهكِ !.."

" ألكسندر متعلق بِي و يعتبرني داعمَة له عندما هاجمه الجميع !.."

لم أعد أستغرب..

بات إرتياح و حب الجميع لسيدة فيرا أمرًا شائعا و واردًا في كل محادثة أخوضها هذه الأيام...

" متى زفافهم !؟.."

" غدا مساءً !.."

" بهذه السرعة !؟.. ألا يجبُ أن تبدئي تجهيز ما سترتدينه !؟.."

مررت إصبعها على فنجان قهوتها و عينيها شاردتان في رغوتها قبل أن تلفظ بعد أن اختفت ابتسامتها من وجهها ..

" لن أذهب !.."

رمشت سريعا أحاول أن أستوعب الكلمة الصادرة من فمها..

لما !؟...

أنا .. لا افهم شيئا أليست هي من قالت أنه تدعمه في حين ان الجميع كان ضده ؟...

" ألستِ أنتِ من قلتِ بأنه متعلق بكِ !؟.."

أنهت فنجان قهوتها تضع على السينية و تبعد الكرسي تقف قائمة من مكانها ..

" تعالي لأريكِ شيئا !.."

رمقتها قاضبة حاجباي و لم أجد نفسي إلا و أنا أستقيم من جلستي أتبع خطواتها المتجهة نحو الدرج..

صعدت الدرج أتتبعها و أرمقها و هي تخطو أمامي متجهة نحو.. المجهول بالنسبة لي !..

و لم أجد نفسي بنهاية المطاف إلا أمام باب غرفة في نفس رواق مكتبة آريان..

وقفت على بعد مسافة جيدة من السيدة فيرا و هي تقف أمام هذه الباب ترمقه بأنفاس مضطربة مسموعة !..

لا تبدوا هذه الغرفة مجرد غرفة من تعابيرها !؟..

ما هذه الغرفة التي أحدثت بها هذا !؟..

أخذت نفسا عميقا بعد أن وضعت يدها على المقبض لتفتحه و تعبق منها فجأة رائحة ... الخزامى !..

حينها... أظن أنني قد أدركت ماهي هذه الغرفة !..

تقدمت بخطوات مرتابة نحو الغرفة أقف أمام عتبتها ألقي نظرة بعد أن إجتازتها و هي تحدق بكل ركن من هذه الغرفة !..

غرفة أنثوية بشدة !.. مزيجة بين اللون الوردي و البنفسج و الأبيض...

و سادات و دببة محشوة موضوعة بعشوائية على فراش زهري ذو بطانية بيضاء متناثر بها قلوب صغيرة زهرية بشكل مرتب..

أوراق و ألوان على مكتبها الذي بجانب شرفتها  و حاسوب بملصقات طفولية لطيفة...

مساحيق تجميل و منتجات عناية كثيرة مرتبة على طاولة المرآة بجانب سريرها ..

خزانة بيضاء على طول الجدار المقابل لسريرها بمصابيح صغيرة في أركانها...

ثريا ذات كريستال بنفسجي يلمع تحت أشعة الضوء الءي يتوسطه ..

مزهرية بنقوش زخرفية تتدلى منها خزامى معضمها ذابلة و ذاويةٍ !..

غرفة... لم تبدو لفتاة راحلة !.. غرفة حية و كأن صاحبتها قد ذهبت إلى المدرسة و ستعود بعد الظهيرة !..

عشوائية و فوضوية الأشياء فيها و كأن طاقة آيلا لازالت مخزنة بها...

حينها أدركت... ان السيدة فيرا لم تدخلها و لم تسمح لأحد بان يدخلها منذ وفاة ابنتها !..

أسقطت عيناي على السيدة فيرا التي كانت جالسة على سرير آيلا بين كفيها دب محشو أزرق اللون تمرر إبهامها عليه و تأخذه لأنفها مستنشقة عبقه و دموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة...

لا أظن أنه من الأصح أن أقترب او اتحدث و أفسد طقسها...

و لكن صوتها المرتجف كسر الصمت المتربع بيننا دون أن تقطع رؤيتها مع الدب..

" بدأت القصة قبل زواجي بديمتري !.. عندما تشجع ديمتري و صديقه إيفان و أنشآ شركة فلاديميرسكايا !.. بدأو بتجارة و صناعة عطور فريدة عن غيرها و بدأت الشركة تكبر و تصعد شيئا فشيئا.. و جاء اليوم الذي إعترف إيفان لديميتري أنه واقع في حبِ أخته الصغرى نتاليا !.."

وجدت نفسي فجأة مهتمة انتظر أن تسرد باقي القصة أتكئ على الجدار ورائي و أعقد ذراعاي لصدري...

" سأل ديميتري نتاليا و علم ان الأخرى واقعة بحبه !.. تقبل حبهما بشرط ان يتزوجا بأقصى سرعة كونه الولي عن نتاليا بعد وفاة والدهم منذ القدم و وفاة والدتهم قبل عام من ذلك الزمن !.. لم يدم شهرين إلا و نتاليا تزف إلى زوجها ايفان !.. وقتها كانت قصة حبنا انا و ديميتري قد بدأت !.. و لم يمضي عام آخر إلا و أنا الأخرى أزف إلى ديميتري !.."

ابتسامة تلقائية تشكلت على شفتاي و دفئ غريب تربع على صدري من القصة..

رواية رومنسية على ارض الواقع !...

رفعت السيدة فيرا عيناها المدمعتين إلى خاصتي تربت على السرير بجانبها تؤشر لي للجلوس بجانبها..

تقدمت خطوات و جلست بخفة على السرير و كأنني أخشى أن اُفقد روح آيلا به..

" كبرت شركتهم و قامو ببناء هذا المنزل !.. تصادقنا انا و نتاليا و عشنا فيه مع بعض الكثير من اللحظات !.. لحظة إنجاب نتاليا لألكسندر بعد عامين من زواجهما.. لحظة تبنيي لآريان ذو ست سنوات بعد سنة من ذلك الوقت !.. لحظة إنجابي لآيلا و لحظة افتتاح فرع لشركة في موسكو !.. و هنا يكمن فراقهم عن هذا المنزل !.."

لم تدع موسكو شخصا يعيش سعيدًا !..

ضيقت حاجباي باستغراب أرمقها و إبتسامة بين دموعها شقت طريقها نحو شفتيها..

" بحكم كون موسكو هي العاصمة و كبرها و كثافتها السكانية كبر الفرع هناك لدرجة أن أصبح أكبر من فرع فلاديفوستوك و هذا ما جعل التحكم به عن بعد أمر صعب جدًا !.. توجب على أحدهم أن ينتقل !.. و وقع الإختيار على ايفان كونه مجيدا لعدة لغات وسيسهل عليه التعامل مع المشتثمرين و الزبائن الأجانب الكثر هناك.."

تنهدت بخفة تشتد أصابعها على ذلك الدب المحشو و تزم شفتيها بإبتسامة متكلفة و منكسرة كسرت قلبي..

" تربع صمتٌ مرعبٌ على المنزل !.. صحيح أننا لم نفترق و كانوا كثيري القدوم إلى هنا و لكن... اعتدت على ازدحام المنزل و فوضى الأطفال فيه !.. إعتدت على نتاليا التي كانت امرأة مليئة بالطاقة و العفوية و مشاكستها التي ورثها ابنها منها !... "

فرت ضحكة خافتة و منكسرة مني بعد ان رسمت صورة لنتاليا بمخيلتي و بادلتني السيدة فيرا بابتسامة جانبية...

بصراحة.. لن أنكر أنني تفاجأت من كونه مشاكسًا عكس ما بدى عليه اسمه الذي يوحي بالنبل و الرزانة !..

" كبرنا... و كبر أولادنا.. و لم يتغير طبعهم !.. بقي آريان الهادئ الكتوم ... و آيلا الفتاة الطموحة البريئة.. و ألكسندر المشاكس الواقع في حب الفرنسية !.. أعجب بإلينور و أحبها عندما رآها في الجامعة و تعرف بها و إعترف لها بحبه بعد مدة من حديثهما و بادلته مشاعره !.. و لكن عائلة الفتاة لم ترضى بهذه العلاقة و حاولت قدر الإمكان إبعادها عنه بحجة اختلاف الثقافات !.. و لكن بطبيعة الحال كونه ألكسندر لم يستسلم !.. كان حبه لها صادقا و مضحيًا.. تعلم لغتها و نامَ أمام منزلها لترضى عائلتها عنه و لم يسلم من آريان الذي لقبه بالمشرد !.."

ذلك الوضيع.. لم يسلم أحدنا من تنمره !..

رفعت جذعها و ظلت تحدق بالسقف و هي تسرد القصة دون كلل !..

" مع الوقت صار والديه ضد هذا الحب أيضًا بعد أن رأو التضحيات التي يقوم بها ألكسندر من أجلها !.. ظلوا يحاولون إقناعه بتركها و البحث عن فتاة غيرها و ترك كل فتاة لأهل بلدها و لكن... من يستطيع إقناع رأس متحجر مثل الكسندر !؟.. عندما لم يجد دعمًا من والديه اتجه الي و صار يحادثني عن كل تفصيلة صغيرة و كل تطور في هذا الموضوع !.. أعطى حساب إلينور لآيلا و أنشأتا صداقة إلكترونية معًا كون آيلا مجيدة للإنجليزية !.. و مع بعض الخطط و الحيل إستطاع ألكسندر أخيرا نيل رضا والد إلينور و التقدم لخطبتها !.."

أنا... لما مستمتعة بالقصة !؟..

أنا التي لا أؤمن بالحب و لم أقرأ رواية رومنسية بحياتي ، ما الذي جعلني مستمتعة هكذا !؟..

فركت يداي ببعضهما أزم شفتاي محاولة أن أبعد هذه الأفكار من رأسي !..

و لكن.. لم أسمع بعد شيئا يمنع السيدة فيرا من حضور زفاف ألكسندر !؟..

" بما انكِ كنتِ وسيلة لجمع ألكسندر و إلينور و تعنين لألكسندر كل هذا .. ما العائق من حضوركِ لحفل زفافه !؟.. ألن يحزنه هذا !؟.."

تنهدت بشدة بعد سؤالي تستقيم من جلستها متجهة إلى مكتب آيلا تتلمس حوافه بأطراف أناملها بخفة و كأنها تخشى ان تزيل أثر ابنتها بهم ، لتسحب بخفة إحدى الاوراق تبسطها امام ناظرها !..

" كانت آيلا قد تم قبولها في كلية تصميم الأزياء قبل خطبة إلينور !.. و لشدة صداقتهما رغم فرق العمر بينهما .. و رغم كون عائلة إلينور ذات نفوذ و ثروة و تستطيع إقتناء فستان زفاف لابنتهم من أفضل المصممين و المتاجر !.. إلا أنها وكلت هذه المهمة لآيلا و قالت بأنها تريد ان تنال شرف إرتدائها لأول تصميم لها !.. "

حسنا.. لم أتوقع هذا !..

إذا.. الفستان الذي سترتديه إلينور غدا هو ... من تصميم آيلا !؟..

" آيلا بطموحها لم تكتفي بذلك بل ... "

تقدمت السيدة فيرا إلى الأمام لتقف أمامي أو بالأحرى أمام الخزانة البيضاء تأخذ نفسا عميقا لرئيتيها و تسحب باب الخزانة ليفتح و يظهر ما... ألجمني !..

" قامت بتصميم فستانٍ لها و لي !.."

اتسعت عيناي و انا أرى هذه التحفة أمامي !..

فستانان بالأزرق الليلي بجانب بعضهما تلمع بهما قطع صغيرة و كأن الليل قد تبرع لآيلا بقطعة منه لتنسج بها هاتين الحلتين !..

أحدهما قد أبت اكمامه الصغيرة أن تستقر فوق الكتفين و انحدرت برقة على منتصف الذراعين تاركتًا مساحة لكيان الأنوثة بالصراخ !..

يحتضن الصدر و الخصر مبرزا بريقه كنجوم ساقطة من السماء لينساب بانتفاخة فاخرة نحو الأرض !..

الآخر بنفس التفاصيل و لكن.. كان بريقه مشع أكثر .. و يحتضن إنحناءات الجسم كله يعطي لمختارته حضورًا نبيلاً تبهِر كل من تصادفت عينيه بعينيها ...

كانا تنسيقين لـ ... أميرة و ملكة !..

للاول نغمة شبابية مما أظهر لي انه لآيلا دون خاصة السيدة فيرا الذي له نغمة للأناقة البسيطة و النبل !..

" سمت هذان الفستانين بـ حلة جلالات القصر !.. "

لاقت مقلتيها الدامعتين بخاصتي المندهشة و هي تتلمس أطراف فستان إبنتها تضيف بغصة تخنقها اتضحت في نبرتها..

" و هل تكتمل حُلة الملكة من دون أميرتها !.."

لم تستطع ان تكتم شهقتها أكثر إلا و هي تضع يدها على شفتيها و دموعها تنهمر بغزارة !..

قلبي.. يؤلمني !..

وقفت على رجلي أتجه نحوها بخطوات بطيئة و مترددة و لم اجد نفسي إلا و أنا أسحبها إلي و أربت على ظهرها !..

من وجهة نظر أخرى... الأمور تجري بشكل جيد !..

هذه المرة هي من بدأت بإخباري بما يؤلمها !.. هي من أسارت المحادثة لست أنا ..

حينها ادركت أن السيدة فيرا ... قد بدأت بالشفاء !..

قد بدأت تتقبل آلامها و تتحدث بأرياحية دون أن تضطر إلى كتم أوجاعها بداخلها !..

أنا ... سعيدة جدًا لهذا !..

إنخفض صوت شهقاتها شيئا فشيئا لأقود خطواتي و أنا لازلت متمسكة بها إلى فراش آيلا...

أبعدتها بعض الشيء عني آخذ البطانية ذات القلوب الزهرية و أبعدها تاركة مساحة للإستلقاء..

رمقت السيدة فيرا بتردد دون تعبير خاص لأضيف رافعة حاجباي لها..

" ربما البعض من رائحة آيلا ستفيدك !.."

يؤلمني قول هذا..

جلست على حافة السرير قبل أن ترفع رجليها عن الأرضية تمدهما على الفراش تأخذ إحدى دببة آيلا و تحتضنها مستنشقة عبقها بهم..

سحبت أطراف البطانية أغطيها و أدفئها بها برقة بعد أن هدأت كليا و لم يتبقى على وجنتيها سوى أثار دموعها الجافة..

" سأذهب لأحضر لكِ الماء و.."

" إسألي !.."

إنقبض حاجباي في حيرة من كلمتها المفاجئة ...

ماذا تقصد !؟.. ما الذي علي سؤاله !؟..

" هناك تساؤل ظاهر في ملامحكِ ، إسأليه و لا تترددي !.."

لا... ليس إلى هذه الدرجة !..

حسنا .. كنت قد تقبلت كوني شفافة أمامهم هي و آريان و لكن ليس لدرجة أن تعلم ما يجول ببالي من ملامح وجهي فحسب !..

هل أنا الشفافة إلى هذه الدرجة أم هم الذين يمتلكون هذا الحدس و هذه القوة !؟..

" مجرد تساؤل عابر غير مهم و لا يعنيني لا تقلقي نفسكِ !.."

" صار كل غير مهم مهم و كل ما لا يعنيكِ يعنيكِ منذ أن وطأت رجلكِ عتبة هذا المنزل و أصبحتِ من عائلتنا !.."

أرجوكِ...

أنا ليس لدي عائلة و لا أنتمي لأي عائلة أرجوكِ توقفي عن قول أني من عائلتكم لأنني لستُ كذلك..

لا تجعليني أتمسك بهذا الخيط و أتعلق بهذا فأورط نفسي و أورطكم معي !..

" تتساءلين حول سبب رفض عائلة إلينور لألكسندر أليس كذلك !؟"

لن أستغرب معرفتها لهذا لأنه كان السؤال الغامض الوحيد في الحكاية كلها !..

أومأت لها بخفة ألقي ثقلي على الجدار أتكئ عليه...

قالت بأنهم رفضوه بحجة إختلاف الثقافات و ما إلى ذلك و لكن كلمة حجة جعلتني أدرك أن هناك سبب آخر لرفضه !..

" رفضوه بسبب كونه سجينا سابقًا !.."

سجين !؟..

شهقت بخفة عن ما سمعته و لم أتوقعه بتاتا و لا أستطيع أن أجزم كون عيناي متسعتان إلى آخرهما..

" أقسم بكونه بريئا و أنا صدقته !.. صحيح أن ألكسندر مشاكسا و لكنه واعٍ و ذكي في نفس الوقت !.. قوي شخصية و ليس بالشخص الذي يستدرج !.. و لكن ... هناك مجموعة من المنحطين قاموا بدس المخد.رات في حقيبته عندما كان بالجامعة !.. و قامو بشكوه لشرطة مما أدى لإعتقاله و تشويه سمعته ظلمًا ! "

" ما إسمه العائلي !؟.."

مستحيل !..

مستحيل أن يكون من بين الجميع هو !..

مستحيل أن يكون إيفانوف !..

لا تقولي إيفانوف ... لا تقوليها !..

" ألكسندر إيفانوف!.."

إيفانوف...

بدى صوتها و هي تذكر اسمه كطنين مؤلم يضرب رأسي..

أنا... أتخيل !..

لا مستحيل !.. مستحيل أن يكون هو !..

" أميليا لما إصفر وجهكِ فجأة !؟.. هل أنتِ بخير !؟.."

لستُ كذلك !..

إبتلعت ريقي أحاول أن أبدو طبيعية أمامها و أن لا أرتجف..

" سأحضر لكِ الماء !.."

هذا ما استطعت أن أتفوه به و أنا أقود خطواتي مسرعة أخرج من الغرفة و أختفي منها...

أغلقت الباب ورائي أضع يدي على شفتاي كاتمة شهقاتي و عيناي متسعتان إلى آخرهما دون رجلاي اللذان بالكاد أقف عليهما من إرتجافهما ...

خطوت خطواتي المسرعة نحو الشرفة و ما إن فتحت بابها القي نفسي بها إلا و أنا ألهث بشدة و أدلك بيدي صدري...

ليس هذا أيها القدر.. لا يمكن هذا !..

بالكاد تجاوزت فعلتي لا تلاحقني بها !..

لا أريد.. لا اريد أن أصدق كوني سبب كل ما مر به أرجوك !..

✾⋆。°✩₊⸜⨳⸝₊✩°。⋆✾

جالسة على الأرض... أضم ساقاي لصدري ساندة ظهري على أرجل أريكة الصالة ورائي و اثقل رأسي عليها بدموع و بصر تائه في تقاسيم السقف..

لا أزال غير مستوعبة ما أنا أمر به !..

و لكن .. لما الدهشة !؟.. اليست هذه لعبة القدر معي !؟..

أن يذكرني و يجمعني مع ماضيي مخترقا كل قوانين المنطق و الطبيعة معتمدًا على ما يسمى بـ ' الصدفة ' !..

كل دقيقة و كل لحظة تمر و أنا هنا بهذه الوضعية أزداد كرها و إشمئزازا من نفسي و من أفعالي !..

هو لا يعرفني و لكنني... أنا أعرفه !

لا يعرف كوني من تسببت بدخوله لسجن !.. و تشويه سمعته و مكانته !.. رفض عائلة حبيبته له !.. و كل ما عاناه... انا السبب!..

أنا السبب و اللعنة علي !..

" أين أنتِ شاردة هكذا يا أقحوانة !؟.."

لن يتأدب...

لحظة لحظة...

ما الذي قاله !؟..

أقحوانة !؟.. مرة أخرى !؟..

دون أن أوجه بصري نحوه و دون أن أقطع شرودي بتقاسيم السقف نبست بنبرة خالية من أي شعور و كأنها إحتضار ما قبل الموت..

" لا أتذكر أنني سمحت لك بمناداتي بالأقحوانة !؟.."

" و لا أتذكر أنني سمحتُ لكِ بمناداتي بالوضيع !؟.."

تبًا له و لطريقة رده على كل كلمة !..

و لكن .. بطريقة ما .. جوابه منطقي !..

لا بأس ما دمت لا تناديني بالوضيعة مثلك!..

عدلت وضعية حاجباي و أنا أرمقه بطرف عيني دون أن أبدي له و هو يجلس بجانبي تاركا مسافة جيدة بيننا !..

" هل أنتِ بخير !؟.."

لست كذلك... توقفوا عن سؤالي عن هذا !..

تنهيدة طويلة أطلقتها من صدري الضيق قبل أن أحمحم مزيلة أثار غصتي من نبرتي ...

" هل لي بسؤال !؟.."

" و لما الإذن !؟.."

مجرد سياق كلام لا تغتر !...

ابتلعت ريقي و انا لا أزال مترددة في سؤاله إلا أن لساني انطلق دون مشاورتي و كأن عقلي يقول لي لمرة واحدة تصرفي دون أن تفكري !..

" سمعتَ من قبل بمقولة ' قاتل القتيل يمشي بجنازته ' أليس كذلك !؟.."

همهم لي و أنا أشعر بنظراته المسلطة علي لآخذ نفسا قبل ان أضيف ..

" مهما كان ذلك القاتل.. سواءً مخطئا او مذنبا أو نادما أو تهمة ملصقة به فحسب...

لن يتغير شي في المقولة اليس كذلك !؟.."

" لن يتغير مادام هو مهتم بهذا !.."

ضيقت حاجباي لجوابه السريع و الغامض و لم أعي على نفسي إلا و أنا أدير رأسي ألقي بصري عليه محتارة ...

"كيف !؟.. لم أفهم قصدك !؟.."

" إذا كان هذا الشخص مهتم بهذه المقولة او بما سيقوله الناس عنه فكلامكِ صحيح !.. و لكن إذا كان مكتفيا بذاته !.. و بما يشعر به و أقنع نفسه بأنه مجرد تائب جاء لقبر ذنبه فهناك.. لن تنطبق المقولة عليه مع نفسه !.."

" و ماذا عن القتيل !؟.."

هنا أدار وجهه إلي لتلتقي مقلتينا مشكلان تواصل بصريا بيننا نأبى قطعه حتى تندثر كل أسئلتنا...

مال براسه قليلا يحدق نحو مقلتاي و بصورة مفاجئة رد بنبرة أهدا و أفخم من التي كان يلقيها على مسامعي !..

" سيعتذر منه ... سيعتكف بجانب قبره و يطلب منه العفو !.."

" و ما أدراه إذا كان يسمعه أو لا !؟.."

" و ما حاجته لمعرفة اذا كان يستمع اليه او لا !؟.."

ضميت ساقاي لصدري أكثر أعيد التفكير في آخر ما قاله قبل ان يجذب إنتباهي مرة اخرى و هو يضيف !..

" الموت هو أكبر سر في هذه الحياة !.. لا أحد يعلم ما وراءه !.. و من علمه لا يستطيع الرجوع منه !.. لا نعلم إذا كان مجرد جثة هامدة انطفأت تحت التراب مثلما ننطفئ بفراشنا !.. أو روح تنتقل آلى جسم آخر متناسية كل ما مرت به في الجسم الذي خانها !.. أو روح تتقدس و تصعد بها الملائكة نحو السماء !.. لا نعلم اذا كانت أدعيتنا و كلامنا بجانب قبره يصل إليه أم لا !؟.. و لكن .. ماذا اذا كان يسمع !؟.. ألا يستحق هذا أن نهدر أنفاسنا في سبيل أن يرتاح بقبره !؟.."

صحيح...

كلامه.. صحيح جدًا.. و منطقي للغاية !..

الموت ... الطرف الآخر من الحياة !.. الشيء الغامض و المخترق للطبيعة !..

لا أحد يعلم متى يباغته .. و متى يكشف له سره ... و متى يبتلعه اليه دون رجعة !..

يبدو شيئا مخيفا و لكن... يبدوا لي شيئا مريحًا !..

خالٍ من الرحيل.. من الفقدان... من الهرب و التوجس !..

خال من الخطر و مليء بـ... العدالة !..

" و ماذا إذا... لم يتقبل القتيل الاعتذار اذا وصل إليه !؟... "

" حينها ليعلم القاتل أنه أسند للعالم فضلاً بتخليصه من أناني !.."

انفجرت ضاحكة بخفوت من تعليقه أغطي شفتاي بكف يدي و أدير وجهي مشيحة اياه عن نظره...

هذه أول مرة من بداية حديثه لا أتفق معه !..

التقطت أنفاسي ليسود صمت قصير قبل ان أكسره بنبرة هادئة و منكسرة...

" ليس أنانيا !.. لأنه هناك بعض الذنوب لا تغتفر !.."

مثل ذنوبي ...

لا أعلم لما اشتد فكه فجأة و برز في وجهه ملامح التضايق وكأن ... هذه الجملة لمست فيه شيئا دفينا !..

لا تقلق.. لست الوحيد الذي له ذنوب لا تغتفر !...

أعدت اسناد رأسي على الاريكة خلفي و بصري و مقلتاي ضائعتان في الفراغ بعد ان ساد صمت ثقيل للحظات بيننا مكتظ بثرثرة أفئدتنا...

" لما هذا السؤال بالذات !؟.."

" لا شأن لك !.."

ارتفعت شفاه في ابتسامة جانبية من جوابي السريع و الحاد..

سألتك سؤالاً عامًا إذن أريد جوابًا عامًا !.. لو شئت لسألتك مباشرة عن الموضوع دون لف و دوران !..

نبس بعد صمت قصير للحظات و انا أشعر بنظراته المسلطة نحوي دون ان أبادله إياها ...

" هل إستطعتِ إقناع فيرا بحضور زفاف ذلك المشرد !؟.."

" ويحكَ !.."

قلتها بعيون متسعة أصوبها نحوه مما جعله ينفجر بضحكة خافتة من ردة فعلي !..

حسنا.. علمت انه يلقبه بالمشرد و لكن أن يناديه و يتحدث عنه بها .. هذا تنمر و ظلم مباشر !..

ابتسامة صغيرة رسمت على شفتي من ضحكته و سأكذب على نفسي إذا قلت أن ضحكته... ليست جميلة !..

إبتلعت ريقي مشيحة نظري عنه أدلك أصابعي ببعضها متذكرة الحديث الذي سار بيننا أنا و السيدة فيرا قبل قليل ...

" لم أستطع !.. حاولت و لكنها.. كانت مصرة !.."

" هل جربتِ كل شيء !؟.."

أعلم ما يرمي إليه و ما يريد أن يطلبه مني و لكن... لست متأكدة بعد !..

لا اريد أن أضع نفسي في موقف محرج إذا خاب ظني !..

" حتى الطريقة التي أقنعتها بها في المرة الماضية !؟.."

لم يخب ظني...

و لن أنكر أنني فكرت بهذا و لكن... صعب !..

" لن أتشجع على هذا هذه المرة !.."

" لما !؟.."

رفعت رأسي أوجه نظري نحو الحديقة أمامي بابتسامة منكسرة أدلك أصابعي ببعضها بشيء من التوتر و التوجس...

" هل تعلم !؟.."

هذه المرة أوصلت مقلتاي بخاصته المترقبتان لما سأتفوه به أرجع بعض خصلاتي المتمردة من ظفيرتي وراء أذني مترددة في ما سأضيفه لجملتي...

" أنا... لم أحضر حفل زفاف في حياتي !!.."

ضغطت على شفتاي و أنا لا أرى أي ملامح اندهاش في وجهه و لم... يبدو له الأمرا غريبًا البتا !..

" حسنا... و من وضع قانونا ينص على أن يتوجب على كل مواطن أن يحضر حفل زفاف و لو لمرة في حياته !؟.."

ضيقت حاجباي في ابتسامة واسعة تكاد تكون ضحكة مما قاله..

لم ينص عليه أحد و لكن.. أليس غريبًا !؟.. فتاة في الرابعة و العشرين من عمرها لم ترى زفافا في حياتها !؟..

" و لكن.. الا تظنين ان هذا سيكون مفيدًا لكِ !؟.."

ضيقت عيناي بعدم فهم لما يشير إليه ليرفع يده يمررها على خصلاته البنية بحركة صغيرة يرمقني..

" حفلات الزفاف.. هي من أكثر الأماكن التي يتواجد بها تناغم و اندماج للجنسين به !. ربما وجودكِ هناك.. وسط ذلك الاجتماع ... سيجعلكِ تقتلين توتركِ في الأماكن المختلطة و المكتظة !.."

حسنا... لم افكر بهذه الطريقة !..

ضميت ساقاي لصدري بشدة أكبر أزيح بصري عنه و انا أرى تساقط و رمي الرياح للأوراق الذابلة و انا أفكر في كلماته و اعيد تدويرها برأسي محللة كل جملة و لم اجد نفسي إلا و انا أزم شفتاي أحرك رأسي نفيًا للفكرة..

" لا لن أستطيع فعلها.. لن أذهب !.."

" أميليا... لن تستطيعي الشفاء من مرضكِ و انتِ مقوقعة على نفسكِ !.. عليكِ أن تتحلي ببعض الشجاعة و الاندفاع !.. "

" و ماذا لو إضطربت !؟.. و ماذا لو لمسني شخص و لو بالخطأ !؟.. و ماذا لو تعرضت لنوبة و أفسدت الحفلة عليكم !؟.."

" سأكون بجانبكِ !.."

ساد صمت مفاجئ بيننا بشهقة خافتة صدرت من جوفي مندهشة مما تفوه به!..

تحررت الشمس من قيود الغيوم الرمادية لتمد خيوط أشعتها مخترقة زجاج باب الحديقة نحونا ...

متجمدة.. و اراهن بأن وجهي قد احمر فاضحا لي قبل أن يضيف بابتسامة دافئة يبث بي...

الإطمئنان!؟..

" لا تقلقي !.. لن أسمح بحدوث اي من هذا .. أعدكِ !.."

وعدني..

هو... وعدني الآن !..

ارتخت عيناي و انا أرمقه محاولة ان أستوعب ما أنا به الآن !.. و محاولة أن أتوقف عن تصديقه و لكن.. شيء ما يمنعني !..

و للحظة.. شعرت بتغير في نظراته إلي متنازلا عن ابتسامته و مرتخيا في عينيه و ملامحه ..

كانت نفس النظرة !..

نفس النظرة التي رمقني بها عندما .. التقينا أول مرة !..

عندما وضعت سكينتي برقبته و وضع مقلتيه بخاصتي !..

أشحت عيناي عنه عندما ادركت إطالتنا في الشرود بأعين بعضنا و عندما أدركت أنني سبب نظراته هو لمعان زرقة مقلتاي تحت أشعة الشمس التي اخترقت جلستنا فجأة !..

كنت اعلم... أن مقلتاي تلمعان بشكل جميل في أشعة الشمس أو القمر ! و خاصته كذلك !...

تأففت محاولة أن أطرد هذه الأفكار عن رأسي محاولة أن أركز على موضوع حضوري للزفاف !..

مهلا لحظة !..

السيارات الحمراء... هل هي هنا .. من اجل زفاف ألكسندر!؟..

هل هذا يعني... أنها ليست هنا من أجلي !؟..

اذا كان الأمر كذلك فهذا لن يعني إلا ... أن ألكسندر في خطر !..

و لكن .. ما الذي سيريدونه من ضحية قذارتهم بماذا سيفيدهم !؟.. هم عادة لا يلتفتون لمن كان مجرد لعبة بين أيديهم بعد أن ينتهوا منه و لا يهتمون لأمره !..

إلا إذا ...

الإحتمالات ثلاثة !..

إما ان يكون عالمًا بشيء لا يجب أن يعلمه لذا توجب عليهم التخلص منه لمصالحهم !..

و إما قد إشتعل بجوفه نار الانتقام و قام بشيء أثارهم عليه و هذا إحتمال وارد أكثر لإستهدافهم لزفافه ليقلبو أسعد أيامه تعاسة !..

و إما ... قد يكون قد انضم إليهم !؟..

لا مستحيل...

أو ممكن !؟..

أميليا... تعلمين جيدًا أن هذه الأسئلة .. لن تجيبيها إلا..

بدخول ذلك الزفاف !..

و بحضوري لذلك الزفاف... و اذا كان ما توقعته صحيحًا... فسأكون قد رميت نفسي في النار بيداي !..

سأكون قد أخبرتهم ان أميليا أرباتوفا موجودة في فلاديفوستوك و لن يكون صعبًا ان يصل هذا الخبر إلى ... موسكو!..

و لكن... السنين التي قد مرت و تغيري جسميًا  و اذا استطعت ان أرتدي شيئا لا يفضحني كأميليا... وقتها ربما سأستطيع إبعاد أعينهم بعض الشيء عني !..

و سواء كان ألكسندر معهم أو ضدهم... فانا مدينة له بإعتذار !..

في الأخير ... أنا من أدخلته هذا العالم !.. و لو عندما يعلم عني .. لو يسحب سلاحا و يطلقه على رأسي فسيكون على حق !..

ليعلم.. و ليعلموا اني هنا.. و ليجدوني و ليقتلوني فأنا تعبت من الهرب و تعبت من التأمل في الانتقام منهم !..

أؤمن بالمعجزات و لكن... إسقاط منظمة متحكمة في روسيا أكثر من الدولة بحد ذاتها من محامية !.. أمر كالأساطير !.

ربما تكفير ذنوبي و الموت... هو ما يمكنني فعله فحسب !..

آسفة و لكن... لا أملك قوة لتنظيف الدماء المراقة !..

" أميليا !.."

استدرت نحو مصدر الصوت ورائي أحدق بتساؤل نحو آنيا التي نبع الصوت منها..

" السيدة فيرا استيقظت !"

أومات لها بابتسامة خافتة على شفتاي أرفع جذعي لأنتصب واقفة من جلوسي معدلة ثوبي..

كنت أرتدي فستانا بنيا فاتحا كخليط القهوة بالحليب دون اكمام فوق قميص ابيض بأكمام طويلة تنتهي عند المعصم بأساور قماشية أنيقة...

طابعي المعتاد...

قدت خطواتي نحو غرفة آيلا و قبل أن أبتعد عن الصالة بكثير استوقفني رؤيتي لحركة خافتة من آريان في مجلسه الذي لم يبرحه..

عضضت شفتي أتقدم بتردد نحوه أضم يداي لبعضهما قبل أن أنبس..

" سأفكر بالأمر !.."

استدار نحوي بعيون متفاجئة و كأنه لم يكن عالما بأنني لازلت اقف وراءه قبل أن تشق ملامحه ابتسامة صغيرة يومئ لي..

" خذي راحتكِ !.."

ابتسمت برقة أستدير مرة أخرى قاصدة السلالم نحو غرفة الخزامى..

∘₊✧──────✧₊∘

" ألازلتِ مصرة !؟.."

تساءلت بقلة حيلة مستديرة بينما خصلاتي بين أناملها و مشطها الفواح بالأقحوان نتيجة غمسها له بماء الأقحوان ، ينزل بسلاسة دافئة يفك تشابكات خصلاتي و يداعب فروة رأسي بحركة لطيفة...

صارت عادة يومية لنا حيث أنني قبل مغادرتي بنصف ساعة أقدم شعري لها لتسرحه و تعطره بماء الاقحوان و لن أنكر بأنه... أفضل جزء من يومي !..

لم أذق هذه المعاملة من قبل !.. لم يسرح لي شخص شعري و يربت على رأسي من قبل !.. كانت.. أشياء محرومة و ممنوعة علي!..

عندما فعلت السيدة فيرا هذا... شعرت و كأنني بدأت أعيش الطفولة التي حرمت منها !..

ظننت انني حساسة .. أو شفافة و لكنني في الحقيقة أنا... فاقدة !..

فاقدة للحب.. فاقدة للأمل.. فاقدة للاهتمام  و فاقدة للطفولة و الشباب و العمر بأكمله!..

عادت بتركيزي صوت السيدة فيرا و هي تمسك بخصلة و تمرر أصابعها بها تفك تشابكها مستغنية عن المشط...

" بماذا انا مصرة !؟.."

" بعدم حضوركِ لزفاف ألكسندر!؟.."

تنهيدة صدرت منها و شعرت بشدها لقبضتها بشعري دون أن أتألم مما بدى لي انني... ضايقتها بسؤالي ...

" ألم نتحدث عن هذا يا أميليا !؟.. ألم أقل لكِ أنني لن أخذل وعدي لمهجة فؤادي و لن أتواجد بزفاف بفستان دون فردته الأخرى !؟.."

" و اذا تواجدتِ مع فردته الأخرى !؟.. هل ستحضرين !؟..."

توقف يدها فجأة داخل خصلاتي و قد شعرت برجفته التي انتقلت الي !..

أراهن بأنها الآن ترمقني بعيون متسعة دون ان تستوعب ما تفوهت به محاولة أن تصدقه !..

أدخلت نفسا عميقا إلى رئتاي أستدير لأقابل وجهها الذي لم يختلف عن ما تخيلته البتا ، مديت يداي نحو خاصتها أضمهما بكفاي و أدلك بإبهامي ظهر خاصتيها...

لم أكن واثقة اذا كنت سأستطيع تفوه ما بجعبتي دون أن يظهر في نبرتي ترددي !..

" لا أعلم اذا كنت ما أتفوه به الآن صحيحا و لكن... بعد إذنكِ.. و اذا لم أكن أقلل إحترامي بهذا الطلب !.. "

ابتلعت ريقي و انا ارمق ملامحها المتجمدة و لا اعلم لما صارت يداي ترتجف فجأة فوق يديها..

استجمعت شجاعتي آخذ نفسا قبل ان أضيف لكلماتي..

" أريد أن لا أدع فستانكِ بعيدا عن توأمه !.. أريد أن أحمل فردته على جسمي و أملء لكِ جزءً من غياب آيلا !.. أريد أن أدخل بعض البهجة في قلبكِ و أن أساعدكِ لتوفي وعدكِ لابنتكِ!.. أريد ان يكون هذا الزفاف... إحياء لروح آيلا بتصاميمها و ابداعها !.."

لم يتغير شيء سوى.. دمعة جامدة سالت على خد السيدة فيرا !..

هل قولي كان خاطئا !؟.. هل أذيتها بكلماتي هاته !؟..

هل بديت و كأنني .. أطمع في مكانة آيلا !؟..

أنا لا افعل هذا و لكن... و كأنني ابدو هكذا من بعيد !؟..

سحقًا!..

ندمت أكثر بعد استمرار الصمت الثقيل بيننا دون أن تبدي أي ردة فعل لأجد نفسي فجأة ..

" حسنا.. انسي ما قلته !.. كنت حمقاء بطلبي و عرضي لشيء كهذا إنسي كل ..."

حينها لم أستوعب نفسي إلا و أنا داخل حضنها بعيون متسعة من الصدمة بعد أن شدتني من يداي أصطدم بصدرها تشبك ذراعيها وراء ظهري مدفئة إياي برائحتها الدافئة..

ما ...ما كان هذا !؟..

لم أشعر بعدها إلا بسائل دافئ عند رقبتي لأجدها قد ذرفت دموعها عنده تشد حضنها إلي أكثر ...

" شكرًا... شكرًا يا إبنتي !.."

حينها دون سلطة مني ذرفت عيناي دمعتان صامتتان كالصقيع و انا اعيد ترديد كلمتها بداخلي ...

إبـ... إبنتي !؟..

إبنتها !؟..

كانت قد قالتها من قبل عندما تعرضت لتلك النوبة في الحديقة بعد لمسة آريان و لكن... لم أكن بوعيي حينها..

و لكن الآن... نطقها ، صوتها.. نبرتها و هي تنبس بتلك الكلمة.. التي لم أسمعها بحياتي !...

ما كل هذه الفوضى بداخلي !؟..

حينها لم اجد نفسي إلا و انا أمد ذراعاي انا الأخرى وراءها أبادلها عناقها أدفن وجهي بحضنها سامحة لنفسي لأول مرة... أن أعبر عن مشاعري...

لقد قبلت !..

كل ما تفعله يعود إليك .. سواء كان خيرًا ام شرًا

- قانون الكارما -

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أقحوانٌ تحتَ الأنقاضِ

المؤلف Amilia_mimi
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة