الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

27 0

وقفت ليان أمام ذي اللثام الأحمر كمن أعلنت تمردها بعد صمت طويل. كانت تضمّ ذراعيها إلى صدرها، وحاجبها مرفوع في تحدٍ، تطقطق قدمها على الأرض بإيقاع صاخب، يكشف عن غضب متخم ونفاد صبر قاتل.

قالت بحدة وسخرية لا تخلو من مرارة:

– أخبرني، أيها الأحمق... أشيب الشعر، إلى متى ستستمرون في هذه المسرحية السخيفة؟ تلك اللعبة الشخصية فقدت متعتها منذ زمن.

كان رعد إلى جوارها، يحدّق فيها بدهشة، عاجزًا عن تصديق أن الكلمات الغاضبة تخرج من فمها هي بالذات. ليان الرقيقة باتت الآن تتكلم بلغة التمرد والوقاحة المتعمدة.

لكن "ذا اللثام الأحمر" لم يُبدِ أي انفعال. على العكس، بدت على محيّاه المغطّى لثامُه ابتسامة واهنة، كأنها سخرية ممزوجة بالتهديد، ثم قال بنبرة خافتة كأنها تُنذر بالعاصفة:

– ستغضبين من نفسك لاحقًا... لأنك خاطبتني بهذه الطريقة.

ضحكت ليان، ضحكة قصيرة شابتها السخرية والتحدي، لكن رعد كان قد اقترب منها بالفعل، وأمسك بذراعها برفق وهو يدفعها قليلًا إلى الخلف. كانت ملامحه مشدودة، وصوته حادًا حين قال:

– اسمعني جيدًا... أيًّا كنت، أنت أو الآخر، كلاكما أصبح عبئًا على هذه الحكاية... نحن لم نعد نهاب تهديداتكما، ولم نعد نكترث لتصرفاتكما السخيفة.

إن كانت الشريحة هي كل ما تريدونه، فلتحترق أنت والملثم وسراج والشريحة معًا.

وأؤكد لك أنني لا أتذكر مكانها، وإن كنت أتذكر، فلن أقول شيئًا قبل أن أعرف من أنتما، وما الغرض من هذا الجحيم الذي سقطنا فيه.

وقبل أن ينطق الرجل بكلمة، أردفت ليان، بنبرة امتزج فيها الغضب بالخذلان:

– لسنا بهائمًا تُساق إلى قدرها دون أن تسأل! نأكل، نشرب، نُسجن، دون أن نُخبر بشيء... لكن هذه المرة لن نسكت، لن نهدأ قبل أن نفهم... كل شيء.

للحظة، ساد الصمت.

ذا اللثام الأحمر لم يرد، لم يُعلّق، فقط استدار وهمّ بالمغادرة.

لكن رعد لم يحتمل هذا التجاهل، فرفع صوته قائلاً:

– هل سيدوم هذا الوضع طويلًا؟!

توقف الرجل للحظة على درجات السُلّم، دون أن يلتفت، ثم أجاب بصوت جامد، كأنه صادر من جدار لا روح فيه:

– لن يطول... إن تعاوَنتما فقط.

حينها ينتهي كل شيء... ويعمّ السلام... وتفهمان الحقيقة.

لكن عندما تفهمان كل شئ... ستندمان على كل كلمة نطقتما بها بهذه الوقاحة.

ومع اختفائه خلف الباب، تنفست ليان بعمق، كما لو كانت قد نسيت التنفس من شدّة التوتر. التفتت نحو رعد، بعينين مليئتين بارتباك خفيف، وابتسامة مجروحة.

ابتسم لها، تلك الابتسامة العفوية الدافئة التي يعرف أنها وحدها تستطيع طمأنتها، ثم قال:

– تعجبني قوتك.

ضحكت بخجل، كمن كُشف أمره وقالت:

– أكان واضحًا إلى هذا الحد أنني أتصنّعها؟

لم يجبها، اكتفى بابتسامة صغيرة، وانسحب كلاهما إلى غرفتيهما، يتقاسمان الصمت والأسئلة.

ورغم التعب، ورغبة كل منهما في الانفصال عن التفكير، لم يتوقف ذهنهما عن الدوران...

كيف يمكن انتزاع الحقيقة من اثنين لا يظهران منها شيئًا؟

ومن يكون حقًا هذا اللثام الأحمر؟

وما الذي ينتظرهما بعد هذا الغموض الطويل؟

*****

لم تمرّ ساعاتٌ طويلة حتى جاء "الملثم"، وعلى عينيه ارتسمت للمرة الأولى مزيجٌ من الحماس والتوتر كمن قبض على نَفَسِ الحقيقة بعد طول لهاث.

صاح بصوت متهدّج:

– وجدتها... أخيرًا، وجدتها!

انتفض "ذا اللثام الأحمر" من مقعده، كأن الكلمات أيقظت فيه نارًا خمدت منذ زمن. نظر إليه بذهول لا يكاد يُصدّق أذنيه، ثم قال باندفاع:

– وجدت الشريحة؟! أفعلتها حقًا؟! إذًا... ماذا الآن؟ أخبرني بكل شيء!

خفض "الملثم" صوته فجأة، وأشار له بيده لينتبه، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:

– أرسلني سراج لقلب منزل رعد رأسًا على عقب... وهذا بالضبط ما كنت أنتظره.

وجدت الشريحة مخبّأة في شق عميق بالأرض، بالكاد يمكن رؤيتها، بل ومن الصعب جدًا انتشالها دون أن يُلاحظ أحد.

لذا... تركتها هناك، كما هي، و...

وقبل أن يتمّ جملته، كان الملثم قد دفع "ذا اللثام الأحمر" برفق جانبًا، عينيه تلمعان بخطورة، ثم بدأ يخطو نحو الدرج بحذرٍ، كمن يسير نحو كنز لا يُقدّر بثمن.

في تلك اللحظة، كان كل من "ليان" و"رعد" قد بلغا حدّ الانفجار من الغموض والعبث. لم يحتمل أحدهما المزيد من الصمت، فقررا النزول مجددًا، لمواجهة "ذا اللثام الأحمر" بما يدور في رأسيهما.

خطيا درجات السلم ببطء، أنفاسهما محتبسة، وقلباهما يطرقان كأنهما يعلنان العصيان.

لكن ما إن التقطت آذانهما صوت "الملثم" يتحدث من بعيد، حتى توقفا فورًا، كأن الزمن نفسه تجمّد.

تقدّما بخفة كظلال خفية، آملين أن يظفروا بإجابة واحدة فقط، تنقذهم من متاهة الأسئلة.

ثم... سمعاها.

صوت "الملثم" قال بصوت شبه مسموع:

– أرسلني سراج لقلب منزل رعد رأسًا على عقب... وهذا ما كنت أنتظره بالضبط...

تسارعت أنفاسهما.

نظرت "ليان" إلى "رعد"، واتّسعت عيناها بدهشة ممتزجة بالخذلان.

هم إذًا... من رجال سراج؟!

كل ذلك الوقت... لم تكن إلا لعبة قذرة. لعبة عبثت بأعصابهما حتى آخر قطرة، وهم جميعًا في نفس الفريق الملوث!

وبينما كانا لا يزالان يستمعان، في توتر يشبه الوقوف على حافة سكين، حدث ما يحدث دائمًا في أسوأ اللحظات...

تعثّرت "ليان" فجأة على إحدى الدرجات، فصدر عنها صوت خافت، لكنه كافٍ لكسر اللحظة.

توقّف صوت "الملثم" فورًا.

عمّ الصمت، صمت ثقيل كالرصاص.

ثم قال كلً من ليان ورعد في نفسة:

– لقد انكشف أمرنا!

*****

أدرك كلٌ من ليان ورعد أن الأمر قد انتهى.

كُشف أمرهما، وانقطع طريق العودة، لا مهرب من العيون التي ستلتقي بهما عند أول التفاتة.

هبط رعد السلالم أولًا، خطواته ثقيلة لكنها مصمّمة، وعيناه تقدحان نارًا من الغضب المشتعل.

في المقابل، كان قلب ليان يخفق بجنون، كأن صدرها ضاق على نبضها، وكأن الهواء من حولها يُجهز على آخر أنفاسها.

وقبل أن يصلا إلى القاع، التقت أعينهما بأعين الملثم. تجمّد الزمن لوهلة.

لم يعد هناك وقت للكلمات، ولا مساحة للهرب.

تقدّم رعد نحو الملثم بثباتٍ غاضب، حتى باتت أنفاسه اللاهبة تحتك باللثام كأنها نيران تخترق القماش.

– كانت لعبة...؟

قالها بصوت متهدّج، يحمل وجع الخيانة، ويقطر مرارة الغدر، صوت مَن احترق في جحيمٍ ظنه مخرجًا.

تنهد الملثم، وصوته أخيرًا خرج هادئًا كأنه يسدل الستار على مسرحية طويلة:

– كان لا بد للحقيقة أن تُكشف، عاجلًا أو آجلًا.

لكن بينما يدور المشهد أمامها، كانت عينا ليان مُعلّقتين بعيني "ذا اللثام الأحمر".

نظرةٌ واحدة... كانت كافية لتُشعل داخلهَا شيئًا غريبًا.

تلك العينان... مألوفتان حد الألم. ليست كعيني غريب.

كأن ذاك الرجل اختُزن في أعماقها من زمنٍ بعيد، دون أن تدري.

قبل أن تتعمق في شرودها أكثر، قطعها صوت رعد، يصرخ وقد بلغ السيل الزُبى:

– أيُّ حقيقة؟! لماذا لم تقتلني هناك؟! لماذا هذا التمثيل الحقير إن كنت من رجال ذاك القذر سراج؟! اللعنة عليكم جميعًا!

فتح "الملثم" فمه لينطق، لكن رعد لم يمهله، تحرك كالصاعقة، ورفع يده لينتزع اللثام بضربة حاسمة!

شهقة ملأت المكان.

شهقة رعد كانت كأنها ابتلعت هواء الغرفة بأكمله، وليان وضعت يدها على صدرها تمنع قلبها من التبعثر.

– الصامت؟!!

قالها رعد مذهولًا، بينما همست ليان بارتجاف:

– كنتَ أنت؟ طوال هذا الوقت... الصامت؟! اليد اليمنى لسراج؟ لا... لا أصدق...

– كيف لم نعرفك؟! كيف خَذلتنا أعيننا؟!

لم يرد الصامت. فقط التفت نحو "ذا اللثام الأحمر"، تبادلا نظرة صامتة، لكنها مشبعة بكل ما لا يُقال.

فهم الآخر الرسالة، وقال بهدوء:

– هل يعني هذا... أنّ الوقت قد حان؟

أومأ الصامت برأسه.

ثم، ببطءٍ شديد، ويدٍ ترتعش رغم كل ما أظهرت من جبروت، رفع "ذا اللثام الأحمر" لثامه، وكأن العالم كله يتنفس في انتظار ما سيُكشف.

وبمجرد أن انكشف وجهه...

توقّف العالم.

توقّف الهواء، تجمّدت الجدران، والضوء تلاشى من عيني ليان، إلا من تلك الملامح التي انفجرت في ذاكرتها كقنبلة زمنية.

تهاوت على الدرج، جلسَت كمن خارت قواها فجأة، وعيناها تغرورقان بالدموع قبل أن يسبقها صوتها المرتعش، الخارج من أعماق قلبها المنهك:

– أبي...؟!

*****

بمجرد أن لامست أذنَي رعد كلمة "أبي"، كأن صاعقةً ضربته في صميم روحه.

التفت إلى ليان بحدة، عيناه تتسعان، وصوته يخرج مبحوحًا، مخنوقًا بالذهول:

– ماذا تقصدين... بـ "أبي"؟!

كانت ليان تحدّق في وجه الرجل الذي كشف لثامه لتوّه، عيناها لا تزالان تسبحان في دوّامة الصدمة، وصدرها يصعد ويهبط بسرعة جنونية.

كأن شيئًا في داخلها انهار، شيء ظلت تبنيه طوال حياتها على كذبة.

تمتمت بصوت بالكاد يُسمع، صوتٍ ارتجف بين الشك والحقيقة:

– ولكن... أمي قالت إنك... إنك ميت...

وقف رعد متيبّس الجسد، وكأن الهواء حوله لم يعد يُستنشَق، أو كأن العالم يدور بسرعة خارقة لا يستطيع أن يلاحقها.

أمسك رأسه لثوانٍ، تهاوت أفكاره وتاهت أنفاسه، ثم همس بجزع:

– ما الذي يحدث هنا؟! هل هذا حلم؟ هلاوس؟ كابوس؟!

امتدّت يد الملثم – الذي لم يعد ملثمًا – لتستقر بثقلٍ على كتف رعد، نظر في عينيه مباشرة، وصوته خرج صادقًا، حازمًا، يحمل وقع الإعلان المُنتظر منذ زمن:

– سَتفهم كل شيء الآن، يا رعد... حان وقت كشف الحقيقة كاملة.

سادت لحظة صمت، كأن الزمان نفسه يحبس أنفاسه ليستمع، ثم قال:

– لكن قبل كل شيء... دعني أُعرّفك على نفسي.

نظر إليه رعد بذهولٍ متزايد، بينما كانت ليان لا تزال تفتح عينيها على اتساعهما، تشهق بصمت.

ابتسم الرجل ابتسامة شاحبة، وقال:

– اسمي جبران.

وصمت، كأنه يُمهّد للأرض أن تتزلزل تحت أقدامهما، ثم أكمل ببطءٍ مقصود، كل كلمة منه كأنها سهم يخترق صمت المكان:

– وقد تظنّ أنني جُننت، لكن ما سأقوله هو الحقيقة…

أنا... عمّك يا رعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة