الفصل الرابع

الفصل الرابع

40 0

وقف رعد على بُعد خطوات، يراقب الفتاة التي لم يسألها عن اسمها، أو عمرها، أو حتى عن قصتها. كانت تتقدّم نحو منزله بخطى مترددة، وهو يراقبها حتى وصلت إلى الشرفة وأغلقَت الباب خلفها. عندها فقط، تنفّس الصعداء وهمّ بالرحيل.

الورشة لم تكن مكانًا مناسبًا للمبيت، لكن رعد غرق في نومٍ عميق، ليس فقط بسبب الإرهاق، بل ربّما لأنه كان يحاول، بيأسٍ صامت، أن يهرب من كلّ شيء… من الحياة، من الوحدة، ومن نفسه.

صباح اليوم التالي، توجّه إلى الجامعة كالمعتاد، ثم عاد إلى منزله في تمام الخامسة، كما وعد.

طرق الباب، ففتحت له الفتاة وهي تحني رأسها خجلًا. لمح على جسدها قميصًا واسعًا وبنطالًا من ملابسه. ابتسم تلقائيًا، فالتقطت نظراته سريعًا، واحمرّ وجهها بشدّة حين أدركت أنها ترتدي شيئًا يخصه. شعر بحرجها، فغيّر الموضوع بلطف، وسألها عن اسمها وعمرها.

"ليان... عشرون عامًا"، أجابت بصوت خافت.

لم يشأ أن يثقلها بالأسئلة، فاقترح أن يتجوّلا قليلًا ويتحدّثا في الهواء الطلق. ترددت للحظة، ثم دخلت لتُخرج فستانها الذي غسلته في المساء، لكنه كان لا يزال رطبًا. وقبل أن تنبس بكلمة، بادرها رعد قائلاً بلطفٍ وإلحاح:

— "ابحثي في ملابسي عن ما يليق بكِ وارتديه، لا تقلقي... سأنتظرك بالخارج."

مرّت دقائق قليلة، ثم خرجت ليان، وقد صفّفت شعرها وظهرت ملامحها أكثر وضوحًا. لا تزال عيناها العسليتان أكثر ما يشدّ رعد، وكلّما همّت عيناه بالشرود فيهما، أشاح بنظره بخجلٍ واضح.

راحا يتمشّيان في الطرقات بصمت، قبل أن تكسره هي على استحياء:

— "لم أسألك حتى الآن... ما اسمك؟"

ابتسم برقة، وأخبرها أن اسمه رعد، وأنه بعد شهور قليله سيكون في الثانية والعشرين من عمره. ترددت قليلًا، ثم سألته عن سبب وحدته. صمت، ثم شاركها بقصته، وألمه، وفقده. رأت في عينيه ما لم يقدر على قوله، فملأت وجهها ملامح الأسى الصادق.

حاول هو تغيير الموضوع بسرعة، فسألها إن كانت تملك هواية أو مهارة يمكن أن تساعدها في العثور على عمل. وأخبرها بنبرة جادة أنه ينوي استئجار شقة صغيرة لها، إلى أن تقف على قدميها.

توقّفت ليان فجأة، وقد اتّسعت عيناها بدهشة، نظرت إليه بذهول، كأنها لا تُصدق ما تسمعه. فهم ما يدور في خاطرها، فابتسم وأردف:

— "كنتُ أدّخر بعض المال لأشتري شقة يومًا ما… حين أتزوّج ربما. لكن بعد رحيل والدي… لم أعد بحاجة إلى ذلك. لذا…"

قاطعته وقد خجلت بشدّة:

— "هذا كثير… لا أستطيع قبوله."

أجابها برقة حاسمة:

— "إنه واجبي. لا تقلقي، يمكنكِ ردّ المال لاحقًا إن استطعتِ. ما أفعله لا يُقاس بجميل، بل هو ما يجب أن يكون."

ترددت ليان، لكن شيئًا في نبرته، في صدقه، جعلها تستسلم. احمرّ وجهها خجلًا، وتمتمت بشكرٍ خافت، لكنه حمل بين حروفة ألف امتنان ودهشة.

حلّ الليل وسكونه يلفّ الشوارع، بينما تشارك رعد وليان بعض الحديث، وكأن السكون الخارجي كان يفسح المجال لكلمات صغيرة تُقال لأول مرة.

قالت له، بصوتٍ خافت، أنها لا تتذكّر الكثير عن ماضيها. فقط تتذكّر نفسها، مشردة، تتنقل من بيتٍ لآخر، تلوذ بأي سقف يحميها من البرد... حتى جاء ذاك الرجل القذر الذي طمع فيها، فهربت.

لم يسألها رعد عن تفاصيل أكثر، لا رغبةً في التطفّل، بل احترامًا لجرحٍ يبدو أنه لم يندمل بعد.

ثم أضافت بأنها رغم كونها فتاة، عملت في ورشٍ كثيرة من قبل، وأن لديها خبرة واسعة بالآلات والأدوات. عندها، نظر رعد إليها نظرة مختلفة؛ ليس نظرة شفقة، بل نظرة تقدير. وأخذ قراره دون تردد:

— "ستعملين معي في الورشة. هكذا، أضمن أن حقكِ لن يضيع، وتضمنين أنتِ مصدر رزق آمن."

تابعا السير في الشارع، حتى مرا بجانب متجر، وكانت عيناه تسبقانه دائمًا إلى ملامحها. لمح بريقًا خاصًا في عينيها، حين توقّفت للحظة تنظر إلى فستان أسود أنيق معروض خلف الزجاج. مشى خطوات قليلة، لكنه لم يستطع مقاومة تلك النظرة.

فجأة، وبدون مقدمات، أمسك بيدها برقة وسحبها إلى داخل المتجر. اندهشت ليان، وبدت كطفلة لا تصدّق أن أمنيتها الصغيرة قد تتحقق بهذا الشكل العفوي.

اشترى لها الفستان دون نقاش، ودون أن يترك لها مجالًا للاعتراض، وكأن الأمر كان طبيعيًا تمامًا بالنسبة له.

قبل أن يفترقا، استأجر لها شقة صغيرة قريبة من الورشة، وأخبرها أن يلتقيا في تمام الساعة الثالثة عصرًا.

وفي اللحظة التي كانت ليان تودّعه فيها، لم تستطع إخفاء إعجابها بشهامته وصدق معاملته. أما هو، فكان داخله يتقلّب بشعور جديد… غريب، لكنه مريح.

لأول مرة منذ زمنٍ بعيد، لم يشعر بأنه وحيد.

لأول مرة، يشعر أن هناك من قد يشاركه طريقه… ليس بالكلام فقط، بل بالعمل، بالعينين العسليتين، وبالهدوء الدافئ الذي يسكنها.

كان هناك شيء يتغيّر في أعماقه، دون أن يُدركه تمامًا… لكنه أيقن أن الأيام القادمة لن تكون كما مضت.

مرّت الأيام في هدوءٍ لم يألفه رعد من قبل… أيامٌ مُزينة بابتسامات دافئة، ونظرات خجولة من عيونٍ عسليّة كانت تُشعل شيئًا بداخله في كل مرة.

كانا يلتقيان يوميًا في الورشة، في حدود الثانية أو الثالثة عصرًا، يعملان جنبًا إلى جنب حتى التاسعة مساءً. بعد ذلك، يتشاركان لحظاتٍ من المشي في الطرقات الهادئة، يتحدثان عن الحياة، والآلات، وأشياء صغيرة لا تُقال إلا حين يُستأنس القلب.

لم يكن يتخيّل أن يجد فتاةً تعمل بهذا الشغف مع الآلات، بل تفوقه أحيانًا في الحِرفة والدقة، حتى بات يستشيرها، ويعتمد على رأيها.

ومع الوقت، بدأ يشعر بانجذابٍ عميقٍ نحوها. لم يكن إعجابًا عابرًا، بل شعورًا ينبت من الراحة التي تزرعها داخله. والأجمل من ذلك… أنه كان يشعر أن الأمر ليس من طرفٍ واحد.

في أحد الأيام، لاحظ أنها تحمل هاتفًا قديماً أخبرته بأنها اشترته مؤخرًا بثمنٍ زهيد لأنه مستعمل. لم يهتمّ كثيرًا بالأمر حينها، لكن كل شيء تغيّر في لحظةٍ واحدة…

بينما كانت ليان منشغلة بإصلاح آلة معطّلة، أضاء هاتفها باتصالٍ وارد.

ولم يكن رعد يقصد النظر، لكنه لمح الاسم واضحًا على الشاشة:

"سراج"

تجمّدت عينيه للحظة. الاسم اخترق ذاكرته كخنجرٍ قديم عاد ليُفتح جرحه.

سراج؟ هل من الممكن؟

هل هو نفس "سراج" الذي يعرفه؟ نفس الاسم الذي ظلّ حبيس رأسه منذ زمن؟

تظاهر بعدم الاكتراث، وابتعد وكأن شيئًا لم يحدث.

لكن حين اقتربت ليان من الهاتف، لاحظ الارتباك في ملامحها… توتر خافت تحاول إخفاءه خلف ملامحها الهادئة.

كان ذلك كافيًا ليشعل الشكّ في صدره.

لم يعلّق، لم يسأل… لكن داخله كان يغلي.

هناك شيء غامض… وسراج، الاسم الذي ظنه دُفن، عاد ليوقظ كل الأسئلة.

ومن تلك اللحظة، قرر رعد في صمتٍ أن يفهم… كل شيء.

رغم قرار رعد بتأجيل الحديث، لم يستطع كتم النار التي تأكله كلّما تذكّر ذلك الاسم.

وأثناء سيرهما معًا، بعد انتهاء العمل كالمعتاد، لم يقدر على التظاهر أكثر.

توقّف فجأة، نظر إليها بنظرةٍ حاول أن يُفرغها من كل شك أو غضب، وسأل بهدوءٍ متكلّف:

"من يكون سراج؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة