الفصل الخامس (صدمات)

الفصل الخامس (صدمات)

39 0

ذُعرت ليان بمجرد سماع الاسم، واهتزّت شفتاها في توترٍ واضح، وبدت ملامحها مضطربة كأن زلزالًا ضرب أعماقها.

"ماذا ستقول؟"

"أي ورطة هذه التي أوقعت نفسها فيها؟"

شردت للحظات، تبحث في عقلها عن إجابة مناسبة، لكن صوته قطع تيهها:

"اسمعي يا ليان… هناك سؤال واحد فقط أريد إجابته، دون تردد أو كذب…

ماذا أكون أنا بالنسبة إليك؟"

تجمّدت. احمرّ وجهها من الخجل والذهول، وارتعشت أنفاسها، لكن عينيه كانتا حادتين، تطالبان بالحقيقة ولا شيء سواها.

فقالت بصوتٍ خافت، مرتجف، يحمل من الصدق أكثر مما يحمل من الكلمات:

"أنت… أنت بالنسبة لي أكثر مما يمكنني وصفه أو اختصاره في كلمة."

كلماتها المبهمة لم تُشفِ فضوله تمامًا، لكنها لم تتركه خالي الوفاض. بل شعر برضا خفيف، كمن تلقّى وعدًا خفيًا.

فقال دون أن يمنحها مهربًا:

"ومن يكون سراج إذًا؟ أريد الحقيقة، بلا لف أو دوران.

سأتفهم أي شيء، أيًا كان… لكن يجب أن أعلم."

تسلل الذعر من جديد إلى ملامحها، ولم تجد سوى إجابة واحدة تدوي في رأسها الجاف كصحراء:

"إنه… صديق قديم. التقى بي مؤخرًا، وطلب أن نعود للتواصل… لا يوجد بيننا شيء، أقسم لك، مجرّد علاقة سطحية."

تنهد رعد، وكأن حجرًا ثقيلًا أُزيح عن صدره.

"ليس سراج الذي أعرفه… ليس هو، أرجوك."

تمنى ذلك بشدة، في داخله، وهو يشيح بنظره عنها.

وحين طال صمته، قالت ليان برجاءٍ صادق:

"أرجوك، لا تغضب مني. أعدك… أنها آخر مرة أخفي عنك شيئًا."

نظر إليها… ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة، لكنها صادقة، ومضى معها يُكمل الطريق بصمتٍ مريح، حتى افترقا ككلّ ليلة.

*******

حين استيقظ رعد في الصباح التالي، لم يكن يتوقع أن يومه سيبدأ بلقاء مع شبح من الماضي…

تهيّأ للنزول، التقط مفاتيحه، وفتح الباب بخطوات روتينية…

لكنه تجمّد فورًا.

ذاك الوجه…!

توسّعت عيناه، وكأن الزمن أعاده قسرًا إلى كابوسٍ لم ينتهِ.

"سراج؟!"

نطق الاسم بصوت مبحوح، يحمل رعشة ذعر خفيّة.

لكن الصدمة لم تتوقف هناك.

كان هناك رجل آخر يقف إلى جوار سراج…

نفس الرجل الصامت الذي لم ينسَ ملامحه حين رآه أول مرة، تلك الملامح التي تنذر بالخطر دون أن تنطق بكلمة.

لم يمنحه الوقت لفهم أو تحليل،

ففي لحظة خاطفة، رأى الصامت يُخرج مسدسًا من جيبه، ويوجّهه مباشرة نحو رأسه!

ارتدّ رعد خطوتين إلى الوراء، قلبه يدق كطبول الحرب،

لكنه لم يكن أسرع من يد سراج، الذي دفعه بقوة إلى الداخل وأغلق الباب خلفهم.

دون أي تمهيد، وبصوتٍ غاضب مشحون بالتهديد، صرخ سراج:

"أخبرني حالًا، أيها الوغد… الآن!

أين الشريحة اللعينة؟!"

تجمد رعد، وعيناه تتنقلان بين سراج والمسدس الذي يتلألأ في يد الرجل الصامت.

عقله عاجز عن الفهم، الكلمات ضائعة، والأسئلة تتصاعد بداخله كالدخان

كانت عيناه لا تزالان معلقتين على فوهة المسدس، المرتفعة بثبات في يد ذلك الرجل الصامت، ملامحه القاسية توحي بجديّة قاتلة، كأن لا شيء في العالم قد يمنعه من إطلاق النار.

رعد كان ملقى على الأرض، يتنفس بصعوبة، والبرد يسري في أطرافه رغم حرارة الغضب المتصاعد داخله. بلع ريقه بصعوبة بالغة، وصوته بالكاد خرج هامسًا:

ـ أي... شريحة؟

نظرة سراج كانت كفيلة بأن تجمد الدم في عروقه. عيناه تشتعلان غضبًا، بينما ضحكته الشيطانية ترددت في أرجاء الغرفة كخنجر يقطّع الأعصاب. ثم انحنى على ركبتيه أمام رعد، وقبض على قميصه بشدة، ملامحه تفيض جنونًا وهو يردّ بنبرة أشبه بالزمجرة:

ـ لن أكرر كلامي، أيها الوغد. أين الشريحة؟ أخبرني الآن!

الرجل الصامت حرّك المسدس في يدٍ ثابتة، وجهه لا يشي بأي شعور، سوى الاستعداد التام للضغط على الزناد.

ارتجف رعد، وابتلع ريقه مرة أخرى، لكن فجأة... توقّف كل شيء في رأسه للحظة.

الشريحة!

نسيها تمامًا!

تلك الشريحة التي وجدها صدفة، وكان عليه أن يسلّمها للدكتور حسان، لكنه لم يفعل. شيء ما كان غريبًا حولها، لكنه لم يدرك وقتها مدى خطورتها. والآن، كل شيء بات أوضح... ربما لم يكن موت الدكتور حسان مصادفة... وربما...

رفع نظره ببطء، وصوته خرج محمّلاً بالوجع والغضب:

ـ هل لديكم علاقة بموت والدي؟

ضحكة سراج هذه المرّة كانت أقسى من سابقاتها. نظر إليه باحتقار وسخرية، ثم أردف بنبرة مستفزة تقطر إجرامًا:

ـ علاقة؟!

يا غبي...

انا الذي قتلته بيدي.

ارتجّ كل شيء في صدر رعد، وكأن قلبه انفجر في مكانه. عيناه اتسعتا، وكل الدم في جسده اندفع إلى رأسه. لم يتمالك نفسه، كان أقرب للانفجار... وفي لحظة عمياء من الغضب، اندفع بجسده رغم ضعفه، ووجّه ضربة قوية إلى وجه سراج.

سراج ترنّح قليلًا، لكن رفع يده بإشارة خاطفة للرجل الصامت كي لا يطلق النار.

ثم اعتدل، ومسح الدم من زاوية فمه، وابتسامة متوترة ارتسمت على شفتيه وهو يهمس:

ـ إذاً كنا سنتعامل بالعنف...

فأنا أعشقه.

صرخة مكتومة خرجت من حنجرة رعد، وهو يصيح بيأس، وهو يسبهم بمرارة:

ـ كيف لك أن تجرؤ أيها الملعون على قتل أبي؟! لقد كان رجلاً شريفًا!

ضحك سراج بسخرية واحتقار، ثم أردف قائلاً بصوت هادئ مفعم بالتحدي:

ـ أزلت لا تفهم أيها الأحمق؟ موت الدكتور حسان، ثم موت والدك... ألم تعلم أن الأمر يتعلق بتلك الشريحة اللعينة؟

لكن جهلك بأهميتها وما تسببت فيه يجعلني مطمئنًا أنك لم تعلم ما بداخلها بعد.

ثم أطلق ضحكة شيطانية قذرة، قبل أن يتابع:

ـ لن يتوقف الأمر عند موت الدكتور حسان ووالدك فحسب، إذ لم تعد إلينا تلك الشريحة. هناك الكثير من الأرواح ستكون على المحك، ومن بينهم روح محبوبتك الحمقاء.

ابتسم ابتسامة قذرة، ثم أردف قائلاً:

ـ ليان!

لم يحتمل رعد سماع المزيد، فأنقض عليه بقوة وهو يصرخ في وجهه:

ـ لا تمس شعرها واحدًا منها! ليس لها علاقة بكل هذا!

ثم أكمل وهو يستجمع بقايا قوته، بينما أدرك في نفسه أنه لم يعد يتذكر مكان الشريحة، بل إنه نسيها تمامًا.

اشتعل الغضب في عيني سراج، ثم قال بمكر واضح:

ـ أنت أحمق تمامًا يا رعد... أحمق إلى الحد الذي يجعلك تقول إن ليان ليس لها علاقة بالأمر، والذي يجعلك أيضًا تظن أن بإمكانك إخفاء تلك الشريحة!

صدقني، إذا لم تعلم مكانها الآن، فستتمنى الموت الذي لن تناله أبدًا حينها!

توقف رعد عند كلمات سراج الأخيرة، وكأنها سكين غرزت في قلبه.

"أحمق لأنني أعتقد أن ليان ليس لها علاقة بالأمر؟! ما الذي يعنيه هذا...؟ هل كان كل هذا مدبرًا منذ البداية؟ مستحيل!"

تدور تلك الأفكار في رأسه بعنف، حتى شعَرَ بالدوار وهو يحاول أن يستوعب ما يجري حوله.

لكن تلك اللحظة من شروده، كانت كفيلة بأن يعيده صوت سراج الجاد والصارم إلى الواقع:

ـ والآن يا رعد... أين هي تلك الشريحة؟

نظَر إليه رعد بنظرة شاردة، وكأن عقله قد أصبح مفقودًا بين الأسئلة والمفاجآت.

"قاتلا والده أمامه، الآن يطلبان شريحة لا يتذكر مكانها، ويهددانه بليان، تلك التي لا يعرف كيف تورطت في هذا كله. اللعنة، ما هذه الحياة الغريبة؟"

كل شيء أصبح أكبر من تحمله الآن.

ثم نظر إليه رعد بنظرة حادة، ورد بحزم:

ـ لا أتذكر أين هي!

قالها وهو يجز على أسنانه بقوة، كأنه يحاول دفع الألم الذي يعصف به بعيدًا عن قلبه.

ثم أشار إليهما قائلاً:

ـ المنزل أمامكما، يمكنكما تفتيشه إذا أردتما.

ضحك سراج ضحكة مليئة بالغضب، قبل أن يرد بنبرة ساخرة:

ـ أظننا حمقى، أيها المختل! لقد بحثنا في البيت كله من قبل. أتتذكر لقائنا الأول وفقدانك للوعي؟!

هل تظن أنها كانت مجرد صدفة، أيها الساذج؟! كفاك غباءً! أدرك جيدًا أنها ليست في منزلك، لذا أرشدنا إليها، وإلا...!

قال الجملة الأخيرة وعيناه تكاد تنفجر منها الشرار.

لم يتمالك رعد نفسه، واندفع نحو سراج في لحظة غضب لا توصف، ليوجه إليه لكمة أقوى من سابقتها.

ابتسم سراج ابتسامة شريرة مليئة بالجنون، ثم قال بنبرة قاسية:

ـ إذًا هكذا! تود أن تلعب دور البطل؟! ستندم إذا يا رعد.

قالها وهو يراقب عن كثب، بينما اقترب الرجل الصامت من رعد، وضربه على رأسه بمؤخرة المسدس

ارتطم مؤخرة المسدس برأس "رعد"، فانطفأت كل أضواء الوعي دفعة واحدة، وسقط جسده على الأرض كما لو أنه دمية قُطعت خيوطها فجأة.

لم يُنقل مباشرةً. تركوه هناك، في صمتٍ ثقيل، داخل شقته المظلمة، بينما جسده المسلوب من الحركة يستلقي فوق الأرض الباردة. لم يكن الهدف التسرع، بل الانتظار حتى يحلّ الظلام... فالليل وحده كفيل بإخفاء آثار الجريمة.

جلس "الرجل الصامت" بجواره يراقب أنفاسه، فيما وقف "سراج" يراجع خطواته القادمة بدقة. مرت الساعات ببطءٍ خانق، والشمس تهوي شيئًا فشيئًا نحو المغيب، حتى ابتلعها الأفق أخيرًا، وساد الليل المدينة.

حينها فقط، تحركوا. سُحب جسد "رعد" من باب خلفي كان قد تُرك مواربًا، وعبروا به ممرًا ضيقًا بين المباني حتى وصلوا إلى سيارة سوداء خافتة الملامح، بلا أرقام أو علامات. انطلقت السيارة في صمت، لا يرافقها سوى همسات الريح ودقات قلب الليل.

*******

بدأ "رعد" يفتح عينيه ببطء، والبرودة في جسده تتصارع مع حرارة ألمٍ ينهش رأسه بلا رحمة. كان الصداع يُطبق على جمجمته كما لو أن عاصفة تضربها من الداخل. حاول أن يحرك أطرافه، لكنه شعر بشيءٍ يعيقه… كانت ذراعاه وساقاه مقيدة بشدة إلى الكرسي، ولم يكن أمامه سوى الهواء الثقيل المشبع برائحة الصدأ والخوف.

رفع رأسه الذي يكاد ينفجر من الألم، ليرى أمامه "سراج" واقفًا، وإلى جانبه "الرجل الصامت" بوجهه الجامد. وخلفهما، عددٌ من الرجال بملامح خالية من الرحمة، كأنهم خُلقوا من الظلام ذاته.

لكن ما خرق قلبه حقيقةً لم يكن الرجال… بل كانت "ليان".

مُقيدة على بعد أمتار منه، رأسها منكس، وعيناها تطاردان الأرض دون حراك.

صرخ بصوتٍ متهدج، ممزوج بالغضب والخوف:

— لا تلمسوها! ليست لها علاقة بكل هذا! ابتعدوا عنها أيها الأوغـ—

لم تتركه الكلمات يُكمل جملته، إذ قاطعه "سراج" بضحكة عالية، متقطعة، ساخرة إلى حد الألم، ضحكة اخترقت سمعه كخنجرٍ صدئ:

— أيها الأحمق…! ما زلت تظن أنها لا علاقة لها بما يحدث؟! إنها تستحق الموت، بل تأخرت كثيرًا عن ذلك!

حدّق فيه "رعد" مذهولًا، بينما تابع "سراج" كلماته وهو يلتفت نحو "ليان":

— لقد كلفتها بمهمة واحدة فقط… أن تجلب الشريحة، لكنها فشلت! فشلت بجدارة! كان عليها بعد أن بحثت في منزلك ولم تجدها، وبعدما أُتيحت لها فرصة المبيت في بيتك، أن تفتشك بالكلام، أن تنبش كل زاوية في ورشتك أيها الأبله! تمثيلها كان مقنعًا، نعم… لكن للأسف، كانت قد اختارت أن تتقمص الدور الخطأ.

تجمد الزمن عند "رعد".

الذهول يسري في عروقه كحممٍ لا تبرد، شهق شهقة قوية وهو يحدق فيها… "ليان"، تلك التي سكنت قلبه دون استئذان، تلك التي ظنها أمانه الوحيد، كانت تنظر إلى الأرض، ووجهها احمر من الخجل أو الذنب أو الخوف… لا يدري.

كانت ترتدي الفستان الأسود ذاته… الفستان الذي اشتراه لها بنفسه، قبل أن يستأجر لها الشقة، قبل أن يظن أن كل شيء قد بدأ للتو…

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة