أخرج رعد هاتفه من جيبه، وأخذ يقلب فيه بفتور لا يخلو من اللامبالاة، حتى استوقفه سيلٌ من الرسائل المتدفقة على مجموعة الدفعَة، يتحدث أصحابها عن أمر غريب وقع في الجامعة ذلك اليوم.
كتب أحدهم:
"الدكتور حسّان كان مضطربًا على غير عادته."
فردّ آخر:
"نعم، لم يُلقِ أيًا من محاضراته اليوم، بدا كمن تاه عن نفسه."
وتدخل ثالث قائلًا:
"أظنه أضاع شيئًا هامًا؛ كان يقلب حقيبته بجنون، يفتّش جيوبه بارتباك، ثم دخل مكتبه وأخذ يُقلب محتوياته رأسًا على عقب، وكأنما يبحث عن قلبه المفقود."
حين قرأ رعد تلك الكلمات، ارتسمت في ذهنه صورة خاطفة، كلمعة برقٍ في سماء ذاكرته.
"الشريحة!"
همس في نفسه وقد اشتدّت نبرة الحذر في داخله،
"أيمكن أن يكون الدكتور حسان يبحث عنها؟"
سارع بفتح نافذة المحادثة مع الدكتور حسان، وكتب له رسالة مقتضبة:
"مرحبًا دكتور حسان، هل فقدت شيئًا مهمًا اليوم؟"
لم تمضِ سوى دقائق حتى جاءه الرد:
"لماذا تسأل؟ هل عثرت على شيء؟"
تردّد رعد لحظة، ثم أجاب:
"نعم… شريحة."
فما إن أرسل رسالته، حتى جاءه الرد سريعًا:
"نعم، نعم! إنها لي!"
ثم أردف بوصفٍ دقيق:
"شريحة صغيرة، مغلفة بغلاف شفاف، مدوّن عليها بخط دقيق رقم تسلسلي يبدأ بحرف H، ومُحاطة بحواف ذهبية دقيقة."
أجاب رعد وقد تملكته نبرة من الحسم:
"نعم، هي ذاتها. سأحضرها لك غدًا."
فرد الدكتور حسان بنبرة بدت كتحذير خفي:
"حسنًا إذن، لكن مهما حدث… لا تنسها يا رعد."
أغلق رعد هاتفه بهدوء، ثم تناول الشريحة ، تأمّلها لبرهة طويلة، كأنما يحاول فك شفرات صمتها، أو استنطاق سرّها المدفون. وبعد أن ألقى عليها نظرة أخيرة، وضعها في حقيبته، وعاد لينغمس في يومه كأن شيئًا لم يكن.
***
انتهى رعد من عمله ومذاكرته في وقتٍ متأخر، وقد كان يحاول جاهدًا أن يمنح جسده بعضًا من الراحة، استعدادًا ليومٍ جديد لم يكن يعلم ما يُخبّئه له.
وفي الصباح، ما إن وطئت قدماه حرم الجامعة، حتى بدأ يسأل عن الدكتور حسان، غير أن الردّ الذي وصله من هنا وهناك أنه لم يحضر بعد.
أثار ذلك دهشته، فالدكتور حسان لم يكن يومًا ممّن يُعرف عنهم التأخّر، بل كان صارمًا في مواعيده، حريصًا على كل لحظة.
ومضت ساعة...
بدأت الهمسات تنتشر في الأرجاء، ملامح زملائه تنوّعت بين القلق والحزن، وبعضهم كان يتلفت بذعر، وآخرون في حالٍ من ذهولٍ صامت.
وقبل أن يُتاح لرعد أن يستوضح ما يحدث، دخل أحد الأساتذة إلى القاعة، يحمل على وجهه علامات الأسى، وصوته خافت مشوب بالحزن، وقال:
ـ "لقد توفّي الدكتور حسان فجر هذا اليوم..."
ثم مضى في طريقه، تاركًا خلفه غُصّة في الصدور، دون أن يمنح أحدًا فرصةً للسؤال أو الاستفسار.
شعر رعد أن الخبر قد سبقه إلى البعض، فكانت وجوههم تعرف ما لا يعرفه، وكأنهم قد علموا قبل أن يُعلن الخبر.
أصبح اليوم باهتًا، شاحبًا، حتى لأولئك الذين طالما تذمّروا من محاضرات الدكتور حسان.
أما رعد، فقد ظلّ واقفًا في مكانه، لا يقوى على تصديق ما سمع.
الذهول أطبق على روحه، وتاهت عيناه في الفراغ، ونسي تمامًا أمر الشريحة، وكأنّ شيئًا لم يكن.
عاد إلى منزله بخطى متثاقلة، لا يشعر بمن حوله، لا يرى شيئًا بوضوح، وما إن أغلق باب غرفته حتى انفلتت دموعه في صمت.
لم تكن بينه وبين الدكتور صلة وثيقة، لم يكن قريبًا منه أو صديقًا له، لكنه كان بالأمس حيًّا، حاضرًا، يتحدث، يتحرك...
واليوم، أصبح ذكرى.
يا لغرابة الحياة!
بكى رعد قليلًا، ولم يُدرك متى غلبه الإرهاق وألقى بنفسه على الفراش.
نام دون أن يتنبّه أنه لم يذهب لمساعدة والده كعادته... وكأنّ الدنيا قد توقّفت فجأة، وأطبقت على قلبه بصمتٍ ثقيل.
استفاق رعد متأخرًا، وما إن فتح عينيه حتى اجتاحه الذعر كفيضانٍ مباغت.
لقد غلبه النعاس بالأمس، ولم يذهب لمساعدة والده في عمل الورشة كما يفعل كل يوم.
نهض على عجل، نظر من حوله، لم يكن والده قد عاد بعد...
لابد أنّ العمل قد أثقل كاهله، وها هو يدفع ثمن غيابه بمزيدٍ من الإرهاق.
بدّل ملابسه على عجل، التقط حقيبته، كان يأمل أن يجد فسحةً صغيرة وسط العمل ليراجع بعضًا مما دونه في دفاتره.
ركض بخطواتٍ مسرعة نحو الورشة، وهناك، وجده... منهمكًا، غارقًا حتى كتفيه في العمل.
اقترب منه بخجلٍ ووجَل، وبدأ يعتذر بصدق، لكن والده، كعادته، لم يقل شيئًا.
ربّت على كتفه بابتسامةٍ صامتة، تلك الابتسامة التي كانت دومًا تحمل بين طيّاتها عتابًا خفيفًا ومغفرةً واسعة.
أصرّ رعد بإلحاح أن يذهب والده إلى المنزل ليأخذ قسطًا من الراحة، على أن يتولى هو ما تبقّى من العمل.
ولأن الإصرار كان هذه المرة عنيدًا، وافق الأب بعد تردّد، وغادر الورشة بخطى بطيئة.
غاص رعد في العمل، ولم يُدرك كم من الوقت مضى...
ولمّا انتبه أخيرًا، كان المساء قد أرخى سدوله، والعياء قد أرخى بثقله على عينيه.
حمل حقيبته، سار بخطى مثقلة، كل عظمةٍ في جسده تصرخ بالتعب، وكل خليةٍ فيه تتوق إلى بعض الراحة.
لكن الراحة لم تكن بانتظاره هذه الليلة.
ما إن اقترب من باب المنزل، حتى سمع صوت ارتطامٍ مفاجئ، وصخبًا مكتومًا، وهمساتٍ متقطّعة.
جحظت عيناه، قلبه خفق بعنف، ودون تردّد، فتح الباب بسرعة...
الفوضى كانت تملأ المكان: كراسي مقلوبة، أوراق مبعثرة، ستائر ممزقة، وأحد الشبابيك مفتوحٌ على آخره.
ركض إلى النافذة، فأبصر ظلّين يبتعدان برشاقة عبر الزقاق، ملثّمين، يتواريان عن الأنظار كما يظهر الشبح ويختفي.
ـ "لصوص؟! ما الذي قد يجدونه في هذا البيت الفارغ؟!"
تمتم بغضب، لكن الغضب ما لبث أن تحوّل إلى ذعر، حين تذكّر والده.
ـ "أبي!"
انطلق كمن لسعته نار، جاب المنزل غرفةً غرفة، يبحث، يركض، ينادي، دون أن يجيبه أحد.
كلما فتح بابًا، ازداد قلبه خفقانًا... حتى بلغ باب غرفة والده.
هناك... توقفت قدماه فجأة.
أنفاسه تقطّعت، كأن الهواء غادر الدنيا كلها، وتركه في خواءٍ قاتل.
يده ارتجفت وهو يمدّها نحو المقبض... عيناه اتسعتا كأنهما تريان الموت قبل أن تفتحا الباب.
دفع الباب ببطء، وما إن فعل، حتى سقط قلبه في هوّةٍ لا قرار لها.
والده... كان ممددًا على الأرض، جسده ساكنٌ كتمثال، وقد غطّت الدماء صدره وأكمامه، وتسرّبت على الأرض في خطوطٍ خائفة.
وفي يده... كان يمسك صورة قديمة، تجمعه بزوجته الراحلة.
جثا رعد على ركبتيه، وانزلقت الحقيبة من يده دون وعي.
ملامحه تكسّرت، ارتعشت شفتاه، عينيه ظلّتا تحدّقان في ملامح والده، وكأنهما ترفضان تصديق المشهد.
جحظت عيناه، ثم انكمشتا ببطء.
بكاءه لم يكن صاخبًا، بل كان بكاء من أُصيب بصدمةٍ أفقدته القدرة على التعبير، بكاء مكتوم، يرتجف في الصدر دون صوت.
مدّ يده نحو الصورة، نظر إليها...
كم كانا يبدوان سعيدين! كيف سُرقت هذه السعادة؟ وكيف انتهى به المطاف هكذا؟!
تحجّرت ملامحه، بين دمعةٍ لم تكتمل، وصراخٍ لم يُطلق.
في تلك اللحظة، لم يكن رعد يرى شيئًا حوله.
كأنّ الزمن توقف عند هذا الباب، والكون كله اختزل في هذه الغرفة، وهذه الدماء، وهذه الصورة...
sarab mahmoud