الفصل الثامن

الفصل الثامن

31 0

توقّفت السيارة أخيرًا بعد رحلة طويلة غلبها الصمت، كأنّها انزلقت في عمق المجهول.

فتح الرجل الملثم الباب ببطء، وساعد كلاً من رعد وليان على الخروج. لم يكن هناك صوت سوى خفقان قلبيهما المتسارع.

فكّ الرجل القيد الحديدي عن معصميهما، ثم قال بنبرة هادئة ولكنها تحمل من التحذير ما يكفي لإسكات أي سؤال:

"يمكنكما الآن نزع الغطاء عن أعينكما."

رفع رعد الغطاء عن عينيه... وتجمد في مكانه.

المكان الذي ظهر أمامه لم يكن كما تخيّله...

قاعة مستطيلة الشكل، متوسطة الاتساع، ولكنها متمددة بشكل طولي، تملأها أضواء خافتة زرقاء، تعكس على الجدران طيفًا يوحي بالبرد والغموض.

الجدران مغطاة بألواح معدنية رمادية، تتخللها أنابيب وأسلاك ممتدة بدقة هندسية تُشعرك بأنك داخل مختبر تحت الأرض أو قاعدة سرية.

على الجوانب، تراصّت عشرات الحواسيب ذات الشاشات المتوهجة بأكواد وبيانات لا يمكن فهمها، وبعضها متصل بأجهزة معقدة تُصدر أزيزًا منخفضًا متقطعًا.

سُلَّمٌ معدني ضيق يمتد من الطرف الأيمن للمكان، يصعد بشكل لولبي إلى الأعلى حيث طوابق أخرى مجهولة.

رائحة المعدن والزيوت التقنية تعبق في المكان، ممزوجة بشيء من الرطوبة الخفيفة، كأن الهواء نفسه محمّل بالأسرار.

كانت ليان تقف بجانبه، تراقب ما حولها بدهشة أقلّ حدة، لكنها لم تخفِ توترها.

نظراتها تحرّكت في كل زاوية، بين الحواسيب والأبواب المغلقة، وكأنها تحاول رسم خريطة ذهنية للهرب إن تطلب الأمر.

قاطع تأملاتهما صوت الرجل الملثم، صارمًا حادًا كالسوط:

"اصعدا الآن إلى الطابق الثالث... ستجدان هناك العديد من الغرف. فليختر كل منكما واحدة."

كادا ينطقان، ولكن صوته عاد مجددًا، أشد قسوة هذه المرة:

"أخبرتكما مرارًا... لا أسئلة الآن."

استسلما.

كان التعب قد نخر أجسادهما بما فيه الكفاية ليكبحا فضولهما.

صعدا السلم المعدني الذي يُصدر صريرًا خافتًا تحت وقع أقدامهما، ليجدا نفسيهما في ممر ضيق، طويل، ممتد، تصطف على جانبيه أبواب معدنية متشابهة، مرقّمة بأرقام صغيرة محفورة في لوحات سوداء باهتة.

أرضية الممر من الأسمنت المصقول، تعكس الأضواء الخافتة في سقفه، مما يزيد الشعور بالعزلة والجمود.

كان كل شيء مرتبًا أكثر من اللازم... مريبًا أكثر من اللازم.

اختار كلٌ منهما غرفة بشكل عشوائي، دلفا إليها دون تفكير.

الغرفة لم تكن أكثر من مساحة بسيطة... جدران رمادية عارية، سرير معدني، ومصباح معلق يصدر ضوءًا باهتًا.

لا نوافذ، لا مرايا، لا هوية.

وبينما كانا يستعدان لاعتراض هذا الغموض، خانتهما أجسادهما...

وبدون أن يدركا متى أو كيف، غطّا في نومٍ عميقٍ، ثقيلٍ، كأن الأرض نفسها سحبت وعيهما إلى الأسفل...

—----

كان سراج يقف وسط الغرفة المظلمة، جسده يرتعش كمن يتلقّى حُكمًا بالإعدام. أي مصيرٍ دنِيء ينتظره بعد الإخفاق الذريع الذي سببه إهماله؟

لم يحصل على الشريحة، بل وكانت كارثة هروب رعد وليان القشة الأخيرة التي قصمت ظهره أمام الزعيم.

اشتعل غضبه كالنار في هشيم.

وقف أمام رجاله، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا كذئب جريح، يصرخ بهم بهستيريا، ينهال عليهم بالسباب والشتائم، كأن الشتائم باتت لغته الأم.

صفع هذا، وركل ذاك، وانطلقت يداه تصفع الهواء حين لم يجد من يسكب عليه نيران غضبه.

كلما دوّى صوته في المكان، ارتجف السكون، وارتدت الجدران رجعه كأنها تواسيه أو تخشى بطشه.

صرخ بهم جميعًا بصوتٍ مبحوح:

"أيها الأغبياء! أيها العار! ماذا سيفعل بي الزعيم الآن بفضلكم؟ أقسم أنني سأمزقكم... ثم أبعثر أشلاءكم... ثم أعيد تمزيق ما تمزق منكم حتى يرتوي غضبي!"

كانوا يقفون كتماثيل من صخر، لا يتحركون، لا يعترضون، كأنهم مخلوقات برمجت على الصمت والذل، لا تملك سوى الامتثال.

وفجأة، اخترق الصمت صوتٌ أجش، تردد صداه في المكان:

"أحدهم خائن يا سيدي... لا شك. هو من حرّر رعد وليان."

هذه الكلمات، البسيطة في ظاهرها، كانت كافية لتفجّر بركان الجنون في صدر سراج.

تغيّر وجهه، ازداد شحوبًا، وعيناه اشتعلتا بحُمّى الانتقام.

ضحك... ضحكة هستيرية، مجنونة، لا تصدر إلا عن عقلٍ بلغ مرحلة متأخرة من الانهيار.

صاح بصوتٍ ملأ أركان المكان، حتى ارتعدت أجساد رجاله وتراجعوا خطوة إلى الوراء:

"سأسلخ جلده... سأقطع أطرافه واحدًا تلو الآخر، سأجعله يتوسّل الرحمة ولن أستجيب!

وسأفعل بكم جميعًا ما أفعل به إن لم تحضروه لي في أقرب وقت... أريده ومعه جثّة تلك الوغدة ليان!

أما رعد... فأريده حيًّا... لأتلذذ بقتله بيدي، بعد أن أجبره على البوح بمكان الشريحة."

صمته اللحظي بعد تلك الكلمات لم يكن راحة، بل كان سكونًا ما قبل العاصفة القادمة...

سراج لم يكن فقط غاضبًا، بل كان على حافة الانفجار.

—---

في الصباح الباكر، بدأ رعد يتقلب في مكانه، يئن بصوت منخفض، كمن يعاني من عذاب داخلي غير مرئي. فجأة، استيقظ مفزوعًا، وكأنما كان على حافة السقوط في قاع الجحيم، هالكًا دون عودة.

حين فتح عينيه، وجد نفسه يغط في عرقه، وكان حلقه جافًا كصحراءٍ قاحلة، وجسده كأنما مر عليه قطار سريع، يدهس جسده ذهابًا وإيابًا. الدوار شديد، والصداع كان يكاد يفتك بعقله، لدرجة أنه ظن للحظة أن رأسه سينفجر.

تدافع لترك سريره وهو يترنح، فخرج من غرفته، وقد تغلفه حالة من الضعف والتوهان، ليجد ليان تخرج أيضًا من غرفتها، وكأنها كانت تنتظر فقط أن يخرج هو ليبدأ حديثًا ما.

نظرت ليان إلى وجهه نظرةً واحدة، وكانت كافية لأن تخرج منها شهقة فزع مكتومة.

"ما بالك؟!" قالتها، محاولًة كتمان الذعر الذي تسلل إلى كلماتها.

لم تنتظر إجابة منه، بل اقتربت منه بسرعة، تتحسس جبهته بيديها. شعرت بالحرارة تنبعث منه قبل أن تلمسه.

"أنت محموم!" قالتها بقلق، وقد بدا الخوف واضحًا في صوتها.

أغمض رعد عينيه، ثم وضع يده على جبهته. كانت حرارته عالية جدًا لدرجة أنه لم يصدق أن تلك الحرارة هي منه هو.

بدأ يترنح في مكانه، وبدت ليان مستعدة لاحتجازه في أي لحظة قبل أن يسقط، لكن المفاجأة كانت أن صوت الملثم قطع اللحظة المتوترة التي يعيشونها.

"صباح الخير، أرى أنكما استيقظتما!" جاء الصوت الهادئ من خلفهما.

نظرت ليان إليه بسرعة، بينما لم يتمكن رعد من الالتفات بسبب حالته.

"إنه محموم، حرارته عالية جدًا، ووجهه شاحب... وأعتقد أنه سيسقط في أي لحظة..." قالت ليان، ثم توقفت فجأة عندما وقع رعد على الأرض بلا مقدمات.

نظر الملثم إليه بنظرات هادئة، ثم هم بالانصراف، مما أثار استفزاز ليان، التي جزت على أسنانها حتى كادت تتكسر.

"أي وغد هذا الذي يترك أحدًا في هذا الوضع؟" همست بين أسنانها بغضب.

لكن لم تمر دقائق قليلة حتى عاد الملثم من جديد، حاملاً بيده بعض الأدوية ودلو صغير يحتوي على الماء والثلج، ودخل غرفت رعد.

ثم أخذ يسند رعد إليه بحذر، ويسير به نحو الفراش دون أن ينبس بكلمة واحدة.

ثم أشار إلى ليان نحو الدلو والأدوية، كأنما يطلب منها أن تكمل ما بدأه.

كانت ليان في حالة من الذهول، لا تزال غير قادرة على فهم تصرفات الملثم هذا.

"غريبٌ أمر هذا الملثم!" تمتمت في نفسها.

—---

بعد دقائق طويلة مرت وكأنها دهور، بدأ رعد يفيق أخيرًا من غيبوبته القصيرة، التي كادت تثير الذعر في قلب ليان. فتح عينيه بصعوبة شديدة، وكان يحاول النهوض، لكن ليان لم تمنعه رغم قلقها الكبير عليه.

حاول رعد أن يعدل وضعه ليجلس نصف جالس، وكان تركيزه على ملامح ليان التي بدت مفزوعة ومتوترة بشكل واضح. استمر في النظر إليها لعدة لحظات، حتى تاه عقله في عينيها العسليتين.

لكن سرعان ما قطعت شروده كلماتها القلقة:

"هل تشعر بتحسن؟"

استفاق من شروده وقال بتلعثم:

"ها؟... ماذا؟.. ن..نعم أنا... أنا على ما يرام."

ابتسمت ليان برضا، رغم أنها كانت تعلم أنه يكذب عليها. لكنه على الأقل كان أفضل من الحالة التي كان عليها في الدقائق السابقة.

ثم قاطع الحديث صوت الملثم البارد، الذي أصبحا يعتادان عليه:

"أرى أنك أفضل الآن."

ثم أضاف وهو يتابع كلامه بنبرة عادية:

"الفطور جاهز في الأسفل إن كنتما تشعران بالجوع. إن لم ترغبي في النزول فلا بأس."

قالها ثم غادر المكان دون أن يقول المزيد.

شعرت ليان بالضيق الشديد، وكأن الملثم كان يستمتع بتعذيبها واستفزازها.

"أي مغفل هذا! بالطبع نحن جائعون بعد كل ما مررنا به! يا له من ساذج قليل الذوق!" تمتمت في نفسها، لكن كلماتها خرجت عن غير قصد، فسمعها رعد الذي ضحك ضحكة عفوية رغم نفسه.

شعرت ببعض الإحراج، وبدأت تتأمل ملامح رعد قليلاً. لابد أنه بدأ يصفو لها أخيرًا، وأنه قد يسامحها.

طلبت منه أن يسمح لها بمساعدته كي ينزل معها إلى الطابق السفلي، لكنه بنظراته أخبرها أنه غير قادر على التحرك الآن. فقررت النزول بمفردها.

كانت على وشك أن تسأل الملثم إن كان بإمكانها إحضار طعام رعد إلى الأعلى نظرًا لعدم قدرته على النزول، لكنه رد قبل أن تنطق بكلمة، وقال بصوته البارد:

"لا بأس، يمكنكي أخذ الطعام إلى فوق."

ثم سار بعيدًا وكأنه كان فقط ينتظر نزولها ليقول لها هذه الجملة ويرحل.

كل شيء، كل كلمة، كل فعل، يثير استفزازها، لكنها الآن ضيف في مكان لا تعرف فيه مصيرها. لذا، قررت أن تلتزم الصمت.

أخذت بعض الطعام: الفاكهة، والجبن، وكل ما استطاعت حمله، وصعدت إلى الطابق الثالث حيث يوجد رعد.

رغم أن رعد كان قد توقع أن تفعل هذا، إلا أنه قابلها بابتسامة شكر وبعض الذهول في عينيه. بدأت ليان تأكل، وترمق رعد بين الحين والآخر لتتأكد أنه يأكل أيضًا.

وفجأة، قطع الصمت صوت رعد الذي قال برقة:

"أسامحك، ليان... لكن، أرجوك، لا تخذليني من جديد."

—------

مرت دقائق هادئة، لم يُسمع فيها سوى صوت أنفاسهما، قبل أن يقطع سكون اللحظة صوت الملثم بحدّة، قائلاً:

"لقد علموا بأمر هروبكما، وهم الآن ينهشون كل زاوية وكل ركن للوصول إليكما."

ارتسمت علامات الرعب على وجهَي ليان ورعد، بينما تابع الملثم كلامه بجدية أشد:

"سأخرج من هنا وأعود صباح الغد... مهما حدث، لا تخرجا من هنا أبداً."

قالها بصرامة، وركّز بشكل واضح على كلمته الأخيرة: "مهما حدث".

لم ينتظر ردًا منهما، بل همّ بالمغادرة فورًا.

احتاج الأمر إلى بضع ثوانٍ فقط كي يستوعبا ما قاله، فها هو سراج ورجاله يلاحقونهم، بينما الملثم يختار الرحيل؟!

أتراه يهرب ويتركهما لمصيرهما؟ أم أنه منذ البداية جزء من هذه اللعبة القذرة، وكل ما فعله مجرد عبث بأعصابهما المتهالكة؟!

نظرت ليان إلى رعد، الذي بدا عليه الحيرة والتفكير هو الآخر، وكأن عقله يُصارع ألف سؤال.

لعنت في نفسها اليوم الذي تورطت فيه في كل هذا، ويوم زواج والدتها من الدكتور حسان... ثم لعنت الدكتور حسان نفسه بضيق، وأعادت النظر إلى رعد، الذي بدا شاحبًا من جديد، وهمست في داخلها:

"ما ذنبي؟ وما ذنب ذاك المسكين؟!

—-----

وصل إلى سراج خبر أن الزعيم قد طلب مقابلته في أسرع وقت.

كان هذا الخبر كفيلًا بأن يجعله يتمنى الموت حرقًا قبل أن يقف أمام الزعيم!

من يدري أي رد فعل سيصيبه؟ وأي عذاب سينتظره؟

جلس مستسلمًا على كرسيه، ورأسه يكاد ينفجر من شدة التوتر، بينما جسده يرتعش كأنه على وشك التحليق في الهواء.

دخل أحد الرجال، بوجهه الصارم المعتاد.

سأله سراج وهو يلهث توترًا:

"هل هناك أي أخبار جديدة؟"

هز الرجل رأسه نافيًا، محافظًا على صمته، كعادته التي لا يكسرها أبدًا.

نظر إليه سراج، وعيناه تشعان شرارًا، اقترب منه وقال بصوت مخنوق:

"ذلك الخائن… لن أتركه يموت على يدك، كما تركتك تقتل حسان بنفسك… بل إني سأقتله بيدي الاثنتين، وسأختار له أكثر الطرق إيلامًا وبطئًا."

قالها بنبرة متوعدة، ثم أشار للرجل الصامت بالانصراف.

---

على الجهة الأخرى، كان كلٌّ من رعد وليان يعيش صراعًا مرعبًا مع نفسه.

كلاهما يلعن الحظ العاثر الذي أوقعهما في شيء كهذا…

أما رعد، فقد تمنى لو يستطيع الرجوع بالزمن فقط ليحطم تلك الشريحة إلى ألف قطعة!

بدأ الوقت يمر ببطء خانق، بينما شعرت ليان بالجوع أخيرًا.

هبطت إلى الطابق السفلي علّها تجد شيئًا يُؤكل… والصّدمة أنها فعلًا وجدت!

يبدو أن الملثم عديم القلب ترك لهما شيئًا ليأكلاه!

أخذت ما استطاعت حمله وصعدت إلى الطابق الثالث، لتتقاسم الطعام مع رعد...

المسكين رعد، الذي لم يكتفِ التوتر والقلق والأحداث من تعذيبه، بل انضم إليهم المرض ليكمل عليه!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة