الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

27 0

لم تمرّ سوى ساعات قليلة، حتى جاء ذلك الصوت من جديد...

ليس صوت الملثم، وإنما صوت ذي اللثام الأحمر.

وقف أمام الغرفة، وعقد حاجبيه في ذهول:

"لماذا لا تزالان مستيقظَين حتى الآن؟!"

توترت ليان، بينما أجاب رعد بجدية وصرامة مصطنعة:

"نحاول أن نعطي أنفسنا القدر الكافي من الخصوصية... كما ترى، هنا لا توجد خصوصية على الإطلاق."

شعرت ليان بحرج شديد، إذ أدركت أن رعد يكذب لإخفاء حقيقة محاولتها البحث عن طريقة للهرب... لكنها كانت كذبة غبية!

تنهد ذو اللثام الأحمر وقال:

"الملثم قد غادر من جديد، وسأبقي معكما الليلة إن احتجتما إلى شيء..."

وقبل أن يُكمل جملته، سبقه كلٌّ من رعد وليان بصوت واحد:

"ستجدنا في الأسفل..."

ثم صمتا لثانية، قبل أن يُردفا معًا:

"... بلا أسئلة!"

ضحكت ليان قائلة:

"أجل، لقد حفظنا شعارك أنت والملثم: لا للأسئلة!"

نظر إليهما ذو اللثام الأحمر في ذهول، ثم تنهد وهمّ بالنزول.

نظر كلٌّ من ليان ورعد إلى الآخر... فكلاهما يدرك الآن أنهما، بمجرد التوصل إلى طريقة للهروب، لن يكون الأمر مستحيلاً كما هو الحال مع الملثم.

مع وجود ذي اللثام الأحمر، بالتأكيد سيصبح الهروب أقلّ صعوبة، أو على الأقل... غير مستحيل.

****

كان سراج على حافة الجنون.

الدقائق تمر، والساعات، والأيام...

أيام معدودة، قليلة جدًا، تفصله عن مصيره القاسي، إن لم يتمكن من إيجاد رعد!

يريد بشدّة العثور عليه... ليس وحده، بل على ليان، والخائن الذي معهما!

تردد في ذهنه اسم "ليان" مرارًا، قبل أن يهمس بغضب:

"سأقتلع رقبتك أيتها العاهرة!"

ولم تمضِ دقائق، حتى ظهر أحد الرجال، وقال لسراج إن "الصامت" على وشك الحضور.

أخبره سراج أن يستدعيه فور وصوله، بينما وضع رأسه في كفّيه، يتمنى من أعماق قلبه ألا تنقضي مهلته... دون أن يعثر على رعد!

*****

كان ذا اللثام الأحمر جالسًا في زاوية معتمة من الغرفة، السكون يطبق على المكان كأن الزمن توقف احترامًا لشروده. سكنت ملامحه، وخيم على قسماته شيء من الحزن الصامت، كأنما يستعرض شريطًا من الذكريات يحاول الفرار من وطأته.

كان على وشك التهور... قبل أن تتردد في أذنه، كصدى من زمن آخر، كلمات قالها له الملثم يومًا:

"أيًّا كان ما حدث، أو يحدث، أو سيحدث... لا تتخلَّ عن صرامتك أبدًا، ولا تجب عن أي سؤال."

انحنى برأسه إلى الأمام، وغاص وجهه بين كفيه، كأنما يناجي ذكرياته أن تبقى حيث هي، ساكنة لا تتمادى، لا تعود، لا تصرخ باسمه في أزقة الندم.

في زاوية أخرى من القصة، كان رعد وليان يتقاسمان الليل بصمت مثقل بالأسئلة.

لم يكن الخوف وحده هو ما يؤرقهما، بل ذلك الإحساس الغامض بأن العالم بأسره صار ضدّهما.

كلّما شرعا في نسج خطة للهروب، تشابكت خيوط الأفكار وتشوهت الملامح؛ فأين هما؟

أفي جوف الأرض؟ أم في قبوٍ من النسيان؟

ولو خرجا... إلى أين؟

إن خرجا، فلمن؟

سراج وأعوانه ينهشون الأرض بحثًا عنهما، كذئاب مسعورة لم تذق طعم الدم منذ دهور.

وكانت ليان، أكثر من يعرف سراج...

تدرك كل شق في ملامحه، وكل التواء في قلبه، وكل نبرة زيف في صوته.

كانت ترتجف كلما خطر طيفه بذهنها، كيف يمكن لرحمٍ واحد أن ينجب نقيضين؟

هي، قطعة من الطهر المكافح.

وهو، تجسيد للجشع والخراب.

تسللت القشعريرة إلى جسدها كزحف الظلال عند الغروب، وابتلعت ريقها بصمت حين تذكرت كيف كان ينظر إلى الناس... كأنهم درجات على سلّم يصعد عليه بأقدام دامية.

*****

في الجهة المقابلة، كان سراج جالسًا أمام الصامت، والغضب يتأرجح في صدره كجمراتٍ تنتظر نفخة واحدة لتشتعل.

قال بنبرة تحمل ما بين التهديد والعتاب:

"أين تكون حين أكون في أشد الحاجة إليك؟"

لم يحرّك الصامت ساكنًا، واكتفى بإيماءة صغيرة من عينيه، تحمل في طياتها آلاف العبارات، كأنها تقول: لم يكن الأمر بيدي.

تنهد سراج، كمن ألقى حملًا فوق حمل، ثم أردف بنبرة أثقل من الحديد:

"تعلم أنه رغم غموضك... أنت أكثر من أثق به، أليس كذلك؟"

وأومأ الصامت إيجابًا، بنفس الجمود الذي يكسو ملامحه دومًا، تلك الملامح التي كأنها نحتت من حجر، لا يخترقها شيء.

تابع سراج بصرامة وهو يشد على كلماته كمن يزرع الشوك بيديه:

"فلا تُضِع هذه الثقة بأفعالك..."

ولم تكن الإجابة سوى إيماءة أخرى، صامتة كصاحبها... لكنها كانت تحمل شيئًا آخر، شيئًا لا يُقال... بل يُحَسّ.

*****

كان رعد قد لاحظ شرود ليان منذ مدّة، نظراتها السابحة في الفراغ، وذاك البريق الحائر الذي يسكن عينيها العسليتين كأنما تبحث عن مأوى في زحام الذكريات.

كان يدرك أنّ الوقت ليس مواتياً لسؤالٍ مباشر، فالألم أحياناً يرفض أن يُستفزّ، ويصرّ على أن يُترك وحده ليتعفن في صمت.

لكنه حين رأى أن شرودها طال، وملامحها ازدادت تيهًا، لم يستطع كتمان قلقه أكثر، فاقترب بصوته الهادئ كنسمة ليلٍ حانية وقال:

"ليان... هناك شيء ما؟"

انتفضت من شرودها كمن أيقظه صوت من حلمٍ لا يرغب أن يفيق منه، رمشت بعينيها سريعاً وكأنها تحاول إخفاء ما كان فيهما من حزن، ثم ردّت بتوترٍ ظاهر:

"لا... لا، لا شيء... أنا... أنا بخير."

كان جوابها هشًا، كصوتٍ يتكسر على أطراف جبل، لم يقنع رعد للحظة.

لكنّه لم يشأ الضغط عليها، فاكتفى أن يمدّ لها حبل الأمان قائلاً:

"إن كان هناك ما يشغل بالك... أو ما تخفينه عني، يمكنكِ..."

ولم يُكمل.

قاطعته بحدةٍ مفاجئة، ارتفعت فيها نبرتها وكأنها تدفع شيئًا عنها بالقوة:

"لا! لا شيء! أخبرتك أنني بخير!"

ارتسمت الدهشة على وجهه، لم يكن يتوقّع منها هذه الحدة، ولا ذاك القلق المرتجف في صوتها.

لكنه لم يرد، بل رمقها بنظرة طويلة، صامتة... نظرة تبحث عن حقيقتها خلف جدار الخوف.

أما هي، فما إن لمحت تعبيره حتى خفّ صوتها، واهتزت كلماتها بندم صادق:

"أنا آسفة... أعتذر عن أسلوبي... أنا فقط..."

لكنها لم تُكمل.

ورعد، لم ينتظر منها المزيد.

في تلك اللحظة، كان قد أدرك شيئًا لا ثالث له:

إما أن ليان تخوض صراعًا داخليًّا بسبب ما يحيط بهما من خطرٍ وضغط،

أو... أنها تخفي عنه شيئًا.

شيئًا يُثقل صدرها، ويأبى أن يُقال.

في كلتا الحالتين، كان يعلم جيدًا أن الاقتراب منها بالقوة سيزيدها بعدًا، وأن الوقت وحده كفيل بجعلها تبوح.

فاختار الصمت...

ذاك الصمت الحكيم الذي يليق بالقلق العميق، وبالقلوب التي تتكلم حين تصمت.

****

كان ذا اللثام الأحمر لا يزال غارقًا في شروده، يحدّق في الفراغ كأنما يحاور أشباح الماضي أو يناجي أطيافًا لا يراها سواه.

تلبّدت نظراته بشيءٍ لا يُفسَّر، كأن في صدره نارًا تخبو تارةً وتشتعل أخرى، لكنه لم يتحرك، ولم ينبس ببنت شفة.

حتى قطع ذلك السكون صوتٌ مألوف….

صوت الملثم، ذاك الصوت الذي لطالما جاءه كالوخز في خاصرته، يعرفه جيدًا، ويكاد يتوقعه حين يخلو بنفسه.

رفع ذا اللثام الأحمر عينيه نحوه ببطء، وكأنّه كان يتنبأ بقدومه... لم يظهر عليه أيّ اندهاش، بل وكأن وجود الملثم كان أمرًا مُسلّمًا به.

لم ينتظر الملثم أن يُلقى عليه السؤال، ولم يطلب منه تفسيرًا.

اقترب منه بخطى ثابتة، وجلس إلى جانبه، ثم قال بصوته العميق الهادئ:

"لا بأس... لم يتبقَّ الكثير. سيعلمان الحقيقة عاجلًا أم آجلًا، وعندها، ستُفصح بكل ما في قلبك... كل شيء."

ثم ربّت على كتفه ربّتة تحمل من الصرامة أكثر مما تحمل من الحنان، لكنّ عينيه كانتا تتكلمان بلغةٍ أشد وضوحًا:

"ليس وقت التراجع. عليك أن تكمل."

أومأ ذا اللثام الأحمر ببطء، بعينين تفهمتا الرسالة، وإن كان قلبه لا يزال متمردًا عليها.

جلس الملثم بجانبه، وراح يُحدّق أمامه، ثم أردف بصوتٍ خفيض:

"عليك أن تراقبهما جيّدًا... لا أدري لماذا، لكنني لا أشعر بالراحة مؤخرًا. جلوسهما معًا لفترة طويلة يُقلقني، أشعر أنّ بينهما أمرًا ما... شيء يتشكّل بصمت."

صمت قليلاً، ثم زفر كمن يحاول طرد هاجسٍ ثقيل:

"لا بدّ أنهما يخطّطان لشيء... ونحن لا نملك ترف أن نتفاجأ."

لم يُجبه ذا اللثام الأحمر، لكن عيناه ضاقتا قليلاً وكأنهما تُقيمان الحساب، تتأملان المشهد القادم بحذرٍ لا ينام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة