سكونٌ يسبق العاصفة
في أقصى الشمال، حيثُ يختلط نسيم البحر بعبق الأرض الباردة، ويمتزج الغموض بالهدوء، تمتدّ مدينة "ناريسا" كأنّها وُجدت خارج حدود الزمن. ليست مدينةً عظيمةً في عمرانها، ولا مقصداً للحالمين بالثراء، غير أنّ لها هيبة لا تُوصف، كأنّها تحتفظ بسرٍ ما، وتخبئ في أزقّتها ظلالاً لا تنام.
في أحد أحيائها القديمة، ذات البنايات العتيقة والنوافذ المتقشفة، كان "رعد" يعيش مع والده في شقّةٍ صغيرة تُطلّ على شجرة ليمون هرمة، غرسَتها والدته الراحلة ذات يوم، وظلّت شاهدةً على حضورها وغيابها، هذا ما كان والده يقول دائمًا.
وُلد رعد في هذا المكان، وعاش فيه طفولته ومراهقته، ولم يكن يحمل في ملامحه ما يُثير الانتباه عند النظرة الأولى، لكنّ المتأمّل فيه يُدرك شيئًا لا يُفسَّر. كان وجهه يحمل جمالًا هادئًا، لا يصرخ طلبًا للانتباه، بل يُجبر الناظر أن يُطيل التحديق قبل أن يصرف عينيه. عيناه بلون العسل الداكن، ساكنتان كأنّهما تغزلان حكمةً من صمت، وتُرى فيهما لمحة من براءةٍ لم تُدنَّس، وقوةٍ خفيّة تنام تحت جلده في انتظار يقظة. شفتاه مرسومتان بهدوء، ونظرته تجمع بين السكون والصلابة، كأنّ في قسماته خليطًا من الطفولة والرجولة، من الطموح والانكسار.
كان في عامه الحادي والعشرين، طالبًا في السنة الأخيرة بكلية "علوم التقنيات التطبيقية"، تخصصه "استكشاف الأنظمة الذكية وتطويرها". اختار هذا المجال بدافع الفضول أكثر من الشغف، وكان يرى في كل آلةٍ لغزًا يستحق الحل، وفي كل نظامٍ احتمالًا لسرٍ لم يُكشف بعد.
ورغم بساطة حياته، وفقرها الظاهر، لم يكن ناقمًا قط. لم يكن من أولئك الذين يتألمون جهرًا، بل كان يُخفي وجعه خلف ابتسامة خفيفة، ويخوض أيامه كما يخوض الموج البحر… لا يبحث عن برّ، لكنّه لا يغرق.
لم يكن له أصدقاء كُثر، ولا قصص تُروى في المقاهي، ولا شهرةٌ بين زملائه. لكنه كان حاضرًا في كل مكانٍ بصمته، وكان الأساتذة يلحظون فيه شيئًا لا يستطيعون تسميته، كأنّ به وهجًا لا يُرى، لكنه يُشعّ لمن يقترب منه.
ولم يكن يعلم… أنّ حياته التي تمضي بتؤدةٍ وهدوء، ستنقلب في لحظةٍ واحدة إلى فوضى لا خلاص منها
*****
استفاق رعد مبكرًا، قبل موعده المعتاد بساعة، كما جرت عادته في السنوات الأخيرة. كانت عينيه تكاد تقاومان الانفتاح بعد نومٍ قصير لم يتجاوز الثلاث ساعات. لقد أصبح هذا الأمر جزءًا من روتينه اليومي، استيقاظه المبكر، الذي لا يتخلله تذمر أو شكوى. فكل صباحٍ كان يبدأ بحرب صغيرة ضد نفسه، ضد الكسل، وضد الإرهاق الذي يعصف بجسده وروحه. لكنه، في العمق، كان يعشق هذا الجهد الصامت، رغم أنه لا يتوقف عن شكاوى جسده في كل لحظة.
كان رعد، كعادته، ينهض لتجهيز نفسه للذهاب إلى الجامعة، لكنه لم يكتفِ بذلك. بعد يوم طويل في قاعات الدراسة، حيث يغرق في محاضراتٍ تقنية لا تنتهي، كان يعود إلى والده ليُعينه في ورشته الصغيرة التي لا تهدأ أبدًا. كان يُساعده في تصليح الآلات الميكانيكية، لا يتذمر أبدًا ولا يعترض، بل كان يجد في هذا العمل الراحة التي لا يستطيع الحصول عليها في أي مكان آخر. رغم التعب الشديد الذي كان يعتريه، كان يشعر بشيءٍ ما يُلزم قلبه بالاستمرار، شيئًا يشبه الواجب أو ربما كأنه الخيط الذي يربطه بالعالم رغم معاناته.
وفي نهاية يومه، لم يكن لديه رفاهية الراحة. كانت مشاريعه الجامعية تنتظره، وأوراقه التي لا تنتهي تحتاج إلى تدقيق. كان يُذاكر ساعاتٍ طويلة بعد انتهائه من أعماله مع والده، لم يكن يسمح لنفسه أبدًا بالاسترخاء أو التراخي، حتى أنه غالبًا ما كان يسرق ساعاتٍ قليلة من النوم بين طيات الليل قبل أن يُجبر على الاستيقاظ من جديد ليواجه يومًا آخر مليئًا بالمشقات.
ومع كل هذا، كانت نفسه دائمًا تتطلع إلى شيءٍ آخر. كان يأمل في يومٍ يبدأ فيه حياته بلا ملل، يومًا يمتلئ بالإثارة وليس فقط بالتعب. كان يردد تلك الكلمات في نفسه، وهو ينظر إلى السماء من نافذة غرفته، وترتسم على شفتيه ابتسامة هادئة، طموحة، وكأنها تعبيرٌ صامت عن إصراره على أن يكون له يومٌ مختلف، يومٌ يجعله يشعر بأنه حقق شيئًا يستحقه.
بينما هو يتحرك في غرفته، تذكر صورة والدته التي كانت تقبع في إطارٍ قديم على الطاولة بجانب سريره. كانت صورة باهتة قليلًا، لكن ملامحها كانت واضحة في عينيه، كما لو كانت جزءًا منه. يتأمل في الصورة بعيونٍ هادئة، ويشعر بشيءٍ عميق يُشده نحوها، شيء لا يمكن تفسيره.
"أمي..." همس بها بصوتٍ منخفض، وكانه يحاول محاكاة صوتها في رأسه. لم يرَ والدته يومًا، ولكنه كان يشعر بأنها موجودة في كل لحظة من حياته. كان والده دائمًا يقول له إنه ورث عن والدته شكلها وطباعها، وكان هذا الشيء يبدو واضحًا، رغم أن ملامحه كانت تحمل الكثير من ملامح والده أيضًا.
على الرغم من أنه لم يشعر بها يومًا إلا في ذكرياته، إلا أن فكرة فقدانها بسبب ولادته كانت ترافقه دائمًا. كانت تلك الفكرة تؤلمه كثيرًا، وتجعله يغرق في شعورٍ عميق من الذنب في كل مرة يمر بها ذكرى تلك اللحظة. كانت تقفز في ذهنه وكأنها ستلتهمه في لحظات ضعفه. لكن والده كان دائمًا ما يخفف عنه هذا العبء الثقيل. كان يقول له: "الحياة هكذا، روح تذهب وأخرى تأتي. هذا هو قانون الحياة، لا يمكننا سوى المضي قدمًا."
كلمات والده كانت تواسيه، وكانت تمنحه القوة في كل مرة يغرق فيها في تلك الأفكار المظلمة. كان يعلم أن والدته كانت ضحية الحياة، وأنه لم يكن في مقدوره تغيير شيء، لكنها لم تتركه أبدًا. كان يُشعره بحبها في كل لحظة، حتى وإن كانت غائبة.
بعد لحظات من التأمل، نهض رعد من مكانه، وأخذ خطواتٍ هادئةً نحو المطبخ. شعر بالكسل يتسلل إلى جسده، لكن مع ذلك، حرك يديه برشاقةٍ وأعد فطوره، يطوي ذلك اليوم الذي بدأه متعبًا لينقض عليه مجددًا. كانت حياته، رغم كل شيء، مملوءة بالأمل الخافت، لكن الأمل الذي لا ينطفئ.
----
ترجّل رعد من عتبة المنزل بهدوء، مغلقًا الباب خلفه بإحكام، وكأنّ ما يتركه خلفه جزءٌ من نفسه لا يريد لأحدٍ أن يراه.
ألقى بنظره إلى السماء، كانت الغيوم تسبح ببطءٍ كسول، والشمس بالكاد تُرسل خيوطها الباردة عبر كفنٍ رمادي، كأنها لا تملك الشجاعة لتدفئة هذا الصباح الشاحب.
كان الشارع شبه خالٍ، لا تسمع فيه إلا وقع خطواته المنتظمة على الأرض الرطبة، وصوت أوراق الشجر المتساقطة وهي تُداعب الرصيف ثم تستسلم لصمتٍ ثقيل.
كان رعد معتادًا على هذا السكون، بل ربما وجده مألوفًا أكثر من ضجيج البشر. فالصمت لا يُخفي شيئًا، أما الناس... فكثيرًا ما يتحدثون ليُخفوا ما بداخلهم.
وصل إلى الموقف، استقلّ الحافلة كعادته، وجلس في المقعد القريب من النافذة، يستند برأسه إلى الزجاج البارد، يتأمل المدينة التي تمرّ كسيلٍ من الصور العابرة، وجوه مجهولة، أبواب موصدة، محالّ تستعدّ ليومٍ جديد، وعالم يمضي من حوله دون أن ينتظر أحدًا.
حين وصلت الحافلة إلى محطّتها، نزل رعد بخطى هادئة، دخل حرم الجامعة وقد بدأ المكان يستعيد حيويّته شيئًا فشيئًا.
كانت المباني شامخةً في صمت، توحي بالهيبة والعراقة، جدرانها الحجرية تشهد على أعوامٍ مضت وأجيالٍ مرّت، أما الساحة الواسعة، فبدأت تمتلئ بالطلاب، كلٌّ يحمل معه حقائب، وكتب، وتعبًا غير مُعلن.
سار بخطوات ثابتة، لا استعجال فيها، ولا تردّد. يعرف طريقه جيدًا، يعرف ما ينتظره، ويعرف أيضًا أنه لن يُبدي ضيقًا ولا ضجرًا، فقد علّمته الحياة أن يطوي يومه دون شكوى، وأن يحمد الله على كل ما يستطيع فعله، حتى وإن كان مرهقًا.
دخل قاعته الأولى، جلس في مكانه المعتاد، لا في الأمام، ولا في الخلف، بل في المنتصف تمامًا... كما لو أنه يرفض التطرف في أي شيء، حتى في الجلوس.
فتح دفتره، راجع ملاحظاته، انتظر بصمت حتى دخل الدكتور، وبدأت المحاضرة.
مرت الساعات بتثاقلٍ معهود، كأنها ترفض أن تمضي، لكنها في النهاية تمضي. كانت المحاضرات طويلة، والمعلومات كثيرة، والمقاعد خشبية لا ترحم.
ورغم كل ذلك، لم يفقد تركيزه، كان يُسجّل بدقة، يلاحظ بتأمل، ولا يتكلم إلا إذا طُلِب منه.
في الاستراحات، لم يكن كثير الحركة، يقف تحت ظل شجرة قرب أحد المباني، يُخرج زجاجة الماء من حقيبته، ويرتشف بهدوء. يُلقي نظرة سريعة على أوراقه، يُفكّر فيما تبقّى من اليوم، وفيما يجب أن يُنجزه حين يعود إلى البيت.
قرب نهاية اليوم، وبينما كان يهمّ بالخروج من إحدى القاعات همس له احد رجال الامن قائلًا "اوقع هذا الشئ منك؟"، نظر الي الارض ليرى شيئًا صغيرًا على الأرض ، قطعة إلكترونية دقيقة، تكاد تكون غير مرئية لولا بريقها الذي التقطه الضوء.
انحنى والتقطها، تفحّصها للحظة، لم يعرف ما هي تمامًا، لكنها بدت كأنها تنتمي إلى عالمٍ دقيق، خاص، وربما ثمين. مغلفه تحمل حرف"H" وضعها في جيبه بهدوء، دون أن يُدرك أن تلك القطعة الصغيرة ستكون بابًا لعالمٍ آخر... بابًا لا عودة منه.
خرج من الجامعة في الموعد المعتاد، ألقى نظرة أخيرة على المبنى، لا لشيء، بل لأنه اعتاد أن يفعل ذلك دومًا... كأنّه يُلقي السلام على صديقٍ قديم، قبل أن يعود إلى واقعه الثقيل، ويومه المزدحم، وحياته التي لا يتذمّر منها، وإن أنهكته.
وأثناء عودته من الجامعة،
أخرج رعد القطعة الصغيرة من جيبه، تطلّع إليها بتأملٍ هادئ، لم يكن متأكدًا إن كانت شريحة حقيقية أم مجرد جزء مكسور من جهاز ما.
ورغم بساطة شكلها، إلا أنّها أثارت في داخله شيئًا من الفضول... ذلك النوع من الفضول الذي لا يدفعه إلى التطفل، بل إلى التفكير.
كان يعلم تمامًا أنه لا يحب لأحدٍ أن يقترب من خصوصياته، ولذلك لم يرد هو أيضًا أن يُخِلّ بهذا المبدأ.
لم يكن يملك النية لمعرفة ما تحتويه تلك القطعة، وإن استهواه شكلها للحظة، فإن ما يُثقل صدره دائمًا، هو حرصه على عدم اقتحام ما لا يعنيه.
حين بلغ المنزل، اقتنص بعض الدقائق ليتناول وجبة خفيفة، ثم أسرع إلى غرفته، وضع حقيبته جانبًا، وبدّل ثيابه دون تردد، فقد حان وقت التوجّه إلى ورشة والده لمساعدته، كما يفعل كل مساء.
استقبله والده كعادته، ذلك الرجل قليل الكلام، شحيح الابتسام، إلا حين ينظر إلى رعد... حينها فقط تُضيء ملامحه بشيءٍ من الرضا الصامت.
وبدآ معًا العمل، انغمسا في صيانة الآلات، يدًا بيد، دون ضجر أو تذمّر، كأن الصمت بينهما اتفاق لا يحتاج إلى شرح.
ولم ينتبها إلى الوقت حتى أسدل الليل ستاره.
وفي طريق عودتهما إلى البيت، أحس رعد بوجود الشريحة لا تزال في جيبه، فأخرجها للحظة، ألقى عليها نظرة عابرة ثم أعادها دون اهتمام، فقد كانت يومه حافلًا كفاية لئلا يمنح تفكيره لما لا يعنيه.
حين وصلا، دخل رعد إلى غرفته، وضع الشريحة في درج مكتبه، كما يُودع شيئًا لا يعرف إن كان سيعود إليه لاحقًا أم لا، ثم جلس إلى طاولته وأخرج دفاتره ومشاريعه، مستأنفًا سعيه المعتاد خلف ما تبقّى من واجباته الجامعية.
مرت الساعات ببطء، تثقلها هموم اليوم، حتى غلبه النعاس، فانطفأ كشمعة أنهكها الضوء، تاركًا كل شيء في مكانه...
وكأن الحياة أرادت له أن يرتاح قبل أن تبدأ في تقليب صفحاتها الأكثر غرابة.
sarab mahmoud