ما إن بلغت كلمات "جبران" أُذُن "رعد"، حتى خرّ على ركبتيه، كأنّ صاعقة نزلت عليه من السماء. أمسك رأسه بكلتا يديه، وقد تجمّدت تعابيره بين الصدمة والانهيار، بينما خرجت من أعماقه صرخة حارقة، أشبه بصوت من يعانق الموت وجهًا لوجه، لا من يسمع الحقيقة فقط.
اقترب جبران ببطء، وهبط على ركبتيه بجواره. لم يقترب ليواسيه، بل ليحمل معه ثقل الذنب الذي أثقل صدره أعوامًا. تنفّس بعمق، ثم قال بصوت هادئ، أقرب إلى الهمس:
– اسمعني جيدًا يا رعد... أنا شقيق والدك، كنا مقربين إلى حدٍ كبير... إلى أن بدأت أنزلق في طرق مشبوهة.
رفع رعد رأسه قليلاً، والدموع تحفر وجنتيه، عيناه متوسعتان في ذهول لم يعرف له جسده تفسيرًا. تابع جبران بنبرة تختلط فيها الندم بالمرارة:
– كنتُ طائشًا... حتى وجدت نفسي متورطًا في أمرٍ جلل. أمرٌ أكبر من مجرد تجارة غير شرعية. لقد وقعت في قبضة منظمة تُدعى "نيكسوس"، منظمة لا تعرف الرحمة، تهدد استقرار العالم ذاته.
رمق جبران الفراغ أمامه، كأنّه يستحضر شبح ماضيه، ثم أردف:
– حاولت الهرب... ظننت أن الأمر قد يُحلّ بالفرار، لكنني كنت مراقبًا. لا مهرب، لا خلاص. لم يكن أمامي سوى اللجوء إلى أخي، والدك. حينها، لم تكن قد تجاوزت أيامك الأولى في هذه الحياة.
توقف للحظة، ثم أغمض عينيه، وقال بصوت مثقل بالأسى:
– توسّلت إليه أن يحميني. رفض في البداية، لكنه حين أدرك أن الأمر مسألة حياة أو موت، أخذني إلى مكان آمن. أراد أن يحميك، ويحمي والدتك. لكن قبل أن يعود إلى البيت… كانت العصابة قد وصلت.
كان رعد يرتجف، أنفاسه تتسارع، كأنه يخشى سماع ما تبقّى.
– والدتك، رحمها الله… أدركت الخطر حين رأت وجوههم، فحاولت الصمود. لكنهم، حين لم يجدوني، قتلوها أمام عينيك… فقط لأنها رأتهم. عندما عاد والدك ووجد جثّتها، لم يعد بإمكانه مسامحتي أبدًا. علم أنّ وجودي هو ما جرّ الخراب إلى بيته.
صمت جبران، ثم أردف بصوت مكسور:
– قاطعني والدك تمامًا… كرهني بصدق. ترك منزله القديم، وأخذك معه إلى المكان الذي نشأت فيه.
بدت على رعد ملامح الحيرة والخذلان، بينما كانت قبضتاه ترتجفان على الأرض كمن يفتّش عن توازن فقده منذ زمن.
تابع جبران بصوته المتكسّر:
– كنت أعلم أنني لن أُفلت من المنظمة، فعدت إليهم… وكأنني أفعلها برغبتي. خضوع لا فرار. ومع الوقت… أصبحت عضوًا فاعلًا في صفوفهم.
تنهّد ببطء، ثم نظر إلى رعد بعينين تملؤهما مرارة عمر بأكمله:
– كنت صامتًا. لا أتحدث. لم يكن أحد يعرف ماذا يدور بداخلي. لذلك… اعتبروني مخزنًا آمنًا للأسرار. قليل الكلام… حتى خارج حدود المنظمة. وهكذا صار لقبي بينهم "الصامت".
لمعت عينا جبران وهو يضيف:
– خلال اثني عشر عامًا، كنت أجهّز هذا المقرّ… المقرّ الذي نحن فيه الآن. كنت أراك تكبر، أنت وليان. راقبتكما من بعيد، أحاول أن أكفّر عن خطاياي بما أستطيع. عرفتُ أنّ أباك أخبرك أنّ والدتك توفّيت أثناء ولادتك، فقط ليُبعدك عن الحقيقة الثقيلة.
هنا، تغيرت ملامحه فجأة، وصار صوته أكثر توترًا:
– في تلك الفترة، كانت المنظمة تعمل على "الشريحة". وكانت من أبرز العاملين عليها… رزان رميح.
فجأة، انتفضت ليان من مكانها كمن لدغها عقرب، وارتسم على وجهها مزيج من الذهول والرعب.
تابع جبران دون أن يلتفت إليها، بل وكأن الألم يُكبّله:
– رزان رميح… هي والدتكِ يا ليان. و"سراج"، ابنها من رجلٍ آخر.
عمّ الصمت المكان، حتى قطعه صوت "رماح" – الرجل ذو اللثام الأحمر – بنبرة متهدجة:
– كان عمر سراج اثنا عشر عامًا عندما تزوجتني رزان، وأنجبتك يا ليان. كنت أحبها بصدق، وكنت أظنها امرأة أخرى غير التي عرفتها لاحقًا.
نظر إلى ليان نظرة مترعة بالحب والخذلان والحنين:
– عندما اكتشفت علاقتها بالمنظمة، حاولت إقناعها بالابتعاد. توسّلت إليها… لكنها لم تكن مجرد عضو، بل كانت من الرؤوس الكبرى في ذلك العالم المظلم. وحين شعرت بالخطر، قررت أن تتخلّص مني.
أخفض عينيه، كأنّه لا يقوى على النظر إلى الماضي:
– دبرت لي حادثًا… أرسلت من يُشعل النار في سيارتي. ولولا أنني لم أكن بداخلها تلك الليلة، لكنتُ الآن في عداد الموتى. وحين علمتُ أنها من وراء ذلك، أخفيت عن الجميع أنّني لا أزال حيًّا.
تابع بصوت منخفض، كأنما يخاطب نفسه:
– حاولت أخذكِ، ليان، مرارًا… لكنني اكتشفت أنها تزوجت من الدكتور حسان طه، أحد كبار المنظمة أيضًا. وبعد عامين، علمت أنكم تعيشون معًا… هي، وحسان، وسراج… وأنتِ.
صمت لحظة، ثم رفع عينيه إلى ليان، وقد تخلّت ملامحه عن قناع التماسك:
– حينها فقط… خفت. خفت أن تكوني قد أصبحتِ مثلهم. لم أحتمل هذه الفكرة. لم أجرؤ على اختطافك، ولم أجرؤ على الاقتراب. كنت أراقبكِ بصمت… وأنتِ تكبرين في بيتٍ يعجّ بالوحوش.
أخذ رماح نفسًا عميقًا، كأنّه يستجمع بقايا روحه التي نُزعت منها الطمأنينة منذ سنين، ثم قال بصوت متحشرج كأنّ الكلمات تخرج من بين أنقاض صدره:
"لذا... قررت أن أؤجل الانتقام قليلًا، حتى أتيقن. وفي اليوم الذي علمت فيه أنكما، أنتِ وسراج، لستما في المنزل، وبقي ذلك الوغد حسان... وتلك المرأة التي كنتُ أظنها يومًا زوجتي... أشعلتُ النار في البيت. نعم، كما أشعلوها في قلبي أول مرة، وكما أشعلوها في عربتي من قبل... لكن هذه المرة كنتُ أنا من يمسك بعود الثقاب."
كانت ليان في تلك اللحظة كمن فُرغت من الهواء، اتسعت عيناها وارتجف فكّاها، كأن الألم يصفعها لا الكلمات. طافت نظراتها في الفراغ، تبحث عن نقطة تستند إليها، عن مخرج من دوّامة الحقيقة التي خنقتها.
أردف رماح، وصوته يتهشم على صخور الذكريات:
"لكنّ حسان... نجا. نجا بأعجوبة لم تترك في جسده أثرًا، لا ندبة، ولا حتى رماد... أمّا رزان، فقد تُركت تحترق هناك... بين الجدران التي بنيتها ذات يوم ليحتمي بها قلبي."
انكمشت ملامح ليان، لم تعد ترى أمامها، اختلطت دموعها بالذهول، وسقطت كلمة "أمي" من بين شفتيها كأنها تتفتت، لا تنادي بل تودّع.
تابع رماح، يطوي المسافات بين ماضٍ موحش وحاضر يصرخ بالثأر:
"بعدها، علمت أن حسان ما يزال على قيد الحياة... وأن سراج أيضًا، لا يزال موجودًا. كنت أعلم أن الخطر لم يزل بعد. وفي أحد الأيام، تبعتُ حسان... كنت على وشك إطلاق النار عليه من بعيد، لكن..."
صمت لبرهة، ثم عقد حاجبيه وكأنّ ذكرى تلك اللحظة تستفز قلبه:
"رأيته يقف مع اثنين. الأول كان سراج. والثاني... رجل ذو هالة لا تُخطئها العين. كان واقفًا بجانبه، بصمتٍ يشبه السكون الذي يسبق الزلازل. لم ينطق بكلمة، ومع ذلك، كان كل شيء فيه يصرخ... ذلك الرجل، لم يكن عاديًا."
هنا، خفّت نبرة صوته كأنها تسير على رؤوس الأشواك:
"وحين لمحني... فقط لمحني... شعرت بجسدي يتجمد. أطلقت الرصاصة... لا إراديًا... بعشوائية. فأخطأت. سراج وحسان هربا، سراج بدأ يطلق النار بعشوائية كذلك، لم يكن قد رآني بعد. أما الصامت... ذلك الشبح الذي يحمل ملامح بشرية... فقد أخرج سلاحه بهدوء مميت. كأنه لا يقتل... بل يُنهي قدَرًا."
ارتجف صوته للحظة، ثم قال:
"حاولت إطلاق النار مجددًا... لكن طلقاتي تناثرت حوله كالرماد، لم تمسّه حتى الريح... وفي ومضة، كان فوقي، صامتًا، صارمًا، ينظر لي بعينين لا تعرفان الرحمة."
أومأ الرجل الصامت رأسه تأكيدًا، ثم حدّق في ليان، كأنّه يقرأ ما انكسر فيها قبل أن تنطق به، وقال بصوت هادئ وعميق:
"وهكذا... تعرفتُ على رماح، والدكِ يا ليان."
بدت ليان كمن ابتلع الحقيقة وهي تغصّ، نظراتها متجمدة، شفاهها ترتجف دون أن تصدر صوتًا، كأن الحروف تموت قبل أن تولد.
تابع الرجل الصامت، وكأنّه يسحب خيط الحكاية من تحت الركام:
"رأيت فيه حليفًا... شخصًا يحمل ندمًا يشبه ندمي. كنتُ في تلك الفترة على وشك الانفجار من الداخل، شوقًا لأخي... وندمًا على ما جرى لزوجته التي ماتت بسببي."
أومأ رماح بعينين يغمرهما الأسى، بينما تابع الصامت:
"تحالفنا، أنا وهو. هو يريد القضاء على حسان، واستعادة ابنته... وأنا أريد إنهاء سراج... وتدمير الشريحة. كنت أعلم أن تدميرها يعني تدمير المنظمة كلها."
نظر إلى رعد مباشرة، ثم أكمل:
"لكن لم أكن أريد أن أثير الشكوك، لذا أجلت قتل سراج حتى أنتهي من أمر الشريحة. وكنت أحتاج شخصًا بارعًا في التكنولوجيا والبرمجة. درست لسنوات، بجهد لا يلين، وصنعت هذا المقر..."
التفت رعد وليان من حولهم. بدت الجدران كأنها تنبض بالذكاء الاصطناعي، شاشات ضخمة تعرض أكوادًا متحركة، أجهزة متعددة تنبض بالأضواء، وأصوات خافتة تصدر عن آلات بدت كأنها تهمس في أذن العالم لتعيد تشكيله. الهواء نفسه بدا مشحونًا بالكهرباء، وكأن الأفكار تسبح فيه.
عادا بأنظارهما إلى جبران، الذي أنهى:
"من هنا، بدأ تحالفنا. لنقضي على المنظمة التي دمرت حياتينا... وكادت تدمر العالم."
ثم قال بنبرة أكثر قتامة:
"اضطررت حينها إلى قتل كلبٍ بالنار... ولوّثت قميصي بدمه. عدت إلى سراج وحسان وأنا مغطى بآثار الدم، دون كلمة واحدة... لأنهم لا يحتاجون كلامي... ثقتهم فيّ تنبع من صمتي."
أطرق برأسه للحظة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة:
"سراج يثق بي ثقة عمياء... أو بالأحرى، هو مضطر لذلك. فهو يعلم... ويعلم الزعيم أيضًا... أنني إن نطقت... فستعلو مكانتي فورًا، وربما أتجاوزهم جميعًا. لكن صمتي... هو اللجام الوحيد الذي يمنع الزعيم من أن يعطيني مكانه عاليه وهو الذي يبقي سراج في مكانة."
قال جبران، وهو يحدّق في وجوههم بجديةٍ لم يعتادوها، ونبرة صوته تهوي في قلوبهم كصخرةٍ ألقيت في بئرٍ عميق:
"بعد أن انتهيت المنظمة من تصنيع الشريحة، أوكِلت المهمة إلى سراج، ليكون أول من يسلّمها إلى الدكتور حسان. ومنذ أن لمست يداه غلافها، كانت قد دخلت مرحلة اللاعودة. فبمجرّد تفعيلها، لن يقوى على إيقافها أحد، لا عبقريٌّ ولا محترف. عندها فقط... اتخذتُ قراري. لم يكن أمامي سوى سرقتها. أو، لأكون أدقّ، كان عليّ أن أجعل الأمر يبدو وكأنّ الدكتور حسان هو من أهملها أو أضاعها."
لمعت أعين ليان بقلق، بينما ظلّ رعد واجمًا، يُصغي بصمتٍ متوتر، وكأنّ كل خلية في جسده تحبس أنفاسها. تابع جبران بصوته الرزين:
"كنت أعلم أنني إن سرقتها بنفسي، سينكشف أمري بسهولة. فالمراقبة لا تفارقني، خصوصًا في منزلي. ثم قد تسألني، يا رعد، لماذا لم أحضرها إلى هذا المقرّ؟ الجواب ببساطة... لأن هذا المقرّ، الذي اعتقدتم أنه الملجأ الآمن، يقع تمامًا تحت مقرّ المنظمة نفسها!"
شهقت ليان، وارتسم الذهول كصفعةٍ على ملامحها. أما رعد، فتوسّعت عيناه بشدّة، وكأن الزمن تجمّد حوله فجأة. عضّ على شفتيه، كمن يحاول أن يردم في داخله بركانًا من الدهشة والخوف، لكن جبران لم يُمهلهم لحظةً واحدة ليهضموا الصدمة:
"هذا المكان الوحيد الذي لن يخطر ببال أحد أن يكون مخبأً... مقرٌ سريّ تحت أقدام العدوّ. لا أحد يجرؤ على الظنّ أن أحدًا سيصنع مقرًّا سريًّا تحت المنظمة نفسها. لكن، حتى مع ذلك، لم أتمكّن من إحضار الشريحة إلى هنا، لأنني علمت بأمر تجربةٍ قاموا بها مؤخّرًا. إن اقتربت الشريحة من المنظمة، أو حتى من هذا النطاق المحيط بها، فستلتقطها الحواسيب على الفور، وتفضح موقعها خلال لحظات."
صمت للحظة، ثم أضاف وهو ينقل نظره بينهما:
"حينها، لم يكن أمامي سوى خيارٍ واحد... أن أضعها في يد من أثق به أكثر من نفسي... أخي وابن أخي. جلال والدك... وأنت، يا رعد."
لم يعد الذهول مجرّد ملامح على وجه رعد. تحوّل إلى زلزالٍ هزّ كيانه، مزّق داخله بعنف، وتركه مكسور النظرة، منطفئ الملامح. تراجع خطوة إلى الوراء، وقد خذلته قدماه، وكأنّ الأرض تحتها لم تعد تحتمل سرًّا آخر. تمتم في نفسه، وشفاهه بالكاد تحرّكت:
"لم تكن صدفة إذًا..."
تابع جبران حديثه وكأنه يسكب الحقيقة كأسًا مرًّا في فم الزمن:
"بعد سنواتٍ من القطيعة، طرقتُ باب والدك... أخي الأكبر، جلال. ألححت عليه أن يستمع إليّ، لكنه رفض مرارًا. وحين استسلم أمام إصراري، رويتُ له كلّ شيء. أخبرته عن الشريحة، عن الخطر، عن نيّتي في إنهاء كلّ ما بدأناه. كان يعلم أنني أحاول التكفير عن ماضٍ أسود... عن خطايا لن تُغتفر. وافق بعد تردّد، لا حبًّا في ما أفعل، بل انتقامًا لزوجته، أمّك، التي سُلبت من بين يديه ظلماً."
ساد صمتٌ ثقيل، وكأنّ الأرواح عالقة في حلق الغرفة، لا تعرف إن كانت تبكي أم تصرخ.
قال جبران أخيرًا، وهو يُسدل على اعترافاته الستار:
"هي وضع الشريحة في منزل والدك مؤقّتًا، فقط لإيهامهم بأن حسان هو المقصّر. وكنت أعلم، إن اختفت الشريحة، فسيبدأون بالتفتيش بين رجالهم، وأوّلهم... أنا. كنت سأضعها في بيتكم، لئلا تُكتشف لديّ. وكانت مهمتكم أن تعطلوا آليّة تتبّعها، أنت ووالدك. ومن ثم، آتي أنا بها، إلى هنا. لم تكن مجرد أداة، كانت نقطة البداية، وكانت ثقتي فيكما، آخر أوراقي."
رفع رعد عينيه إلى جبران، والدمعة تلمع في عمق النظرة. لم يكن الحزن وحده ما يقطنه، بل خليطٌ مسموم من الدهشة، وتأنيب الضمير، والأسف. لم يعرف والدَه، لم يفهمه، لم يُدرك يومًا أنه قاتل في الظلّ ليحميه.
أحسّ بخنجرٍ يغوص في قلبه، لا من طعن، بل لان والده المتوفي كان كل علم بالكثير من الأشياء ولم بخبره عنها قط
أكمل جبران حديثه، وصوته يزداد غموضًا، وكأنّه يُخرج الحقيقة من تابوتٍ دُفن في أعماق السنين:
"انتظرتُ اللحظة المناسبة بدقة جرّاح، لا يُخطئ موضع شفرته. خرج الدكتور حسان لإلقاء محاضراته، وسراج اتّجه إلى مكتبه، أما ليان فقد غادرت المنزل كعادتها. عندها كلّفت والدك، جلال، بالتسلل إلى بيتهم، والبحث فيه بعناية. اقتحم المكان كما لو كان لصًّا في الليل، لا صوت يُسمع إلا أنفاسه التي ترتجف بين الحذر والعجلة. قلب الأثاث، فتح الخزائن، دقّق في كلّ زاوية... لكنّه لم يجد شيئًا."
تنهّد جبران، وكأنّ خيبة الظنّ لازالت تخنقه، ثم أردف بصوتٍ متهدّج:
"في تلك اللحظة، ترسّخت في ذهني فكرة واحدة لا غير: الدكتور حسان خشي من أن تعبث ليان بالشريحة، فحملها معه إلى الجامعة. وعندها... أيقنت أن فرصتي لسرقتها بنفسي أصبحت من المحال."
ارتسمت على وجهه نظرة ماكرة، كمن رسم خريطة النجاة في ذهنه قبل أن يغرق الجميع، وتابع:
"أرسلت رماح. نعم، رماح كان ذراعي في التنفيذ، ورأسي في الشطرنج. توجّه إلى الجامعة، ورشا حارس البوابة بمبلغٍ ضخم، يكفي لشراء صمته وولائه معًا. لم يكن الأمر صعبًا، فالنقود كالسحر، تُخرس الضمائر وتفتح الأبواب المغلقة. بعد أن عبر البوابة، توجّه إلى مجموعة من الشبان الطائشين، أولئك الذين تلهث أعينهم خلف المال كما تلهث الكلاب خلف قطعة لحم."
رمق رعد بنظرة جانبية، ثم استأنف، وقد أضاءت نبرة صوته بوهجٍ ساخر:
"أقنعهم أن الشريحة تحتوي على محاضرات مهمّة، ويريد إتلافها بسبب ضغينة قديمة بينه وبين الدكتور حسان. نعم، ادّعى أنه طالب سابق يحمل في قلبه حقدًا دفينًا، وأراد أن يجعل من الماضي انتقامًا حيًّا. عرض عليهم مبلغًا لم يحلموا بربعه، لا هم، ولا عمّال النظافة، ولا حتى رجال الأمن، الذين باعوا ضمائرهم في لحظة لا تتجاوز رمشة عين."
"كان الاتفاق دقيقًا كأنّه مشهدٌ سينمائي. حين يدخل حسان إلى المحاضرة، يندفع ثلاثة من أولئك الفتيان إلى مكتبه، يفتّشون بهدوء تام، بينما يتّجه ثلاثة آخرون إلى القاعة نفسها. أحدهم، بموهبة التمثيل، تظاهر بالفرح ورمى نفسه في حضن الدكتور، محتضنًا إياه بضحكة مفتعلة، بينما الآخران شغلاه بأسئلة ساذجة وأوراقٍ زائفة. وفي لحظةٍ لم تستغرق أكثر من ثوانٍ، انزلقت الشريحة من جيب معطف الدكتور إلى يدٍ ماهرة خبّأتها في طيّة سرواله الداخلي، كما يُخبّأ السلاح في جيب قاتل مأجور."
"خرج الفتى سريعًا، وأوصلها إلى رماح، دون أن يسأل عن موضعها، أو عن طبيعة ما تحويه. المهمّ أنّها كانت بين يديه، وحين بعث لي رماح إلي الصورتها، عرفت أنها هي. الشريحة التي قد تقلب موازين العالَم إن وقعت في الأيدي الخطأ."
كنت حينها اتواصل مع رماح بعد أن اعيطت شخصا عاديا مبلغا لا يحلم به ابدا فقط لاخذ هاتفه بضعة ساعات بينما يسير هو بجانبي بدون أن ينطق ... وبعد أن انتهيت من متابعة الأحداث مع رماح مسحت كل شئ وحطمت الهاتف كأنه لم يكن .. لم يتكلم الرجل أو ينطق فالمبلغ الذي كان معه كفيل أن يحضر له مائه من هذا الهاتف او غيره !
صمت لبرهة، ثم نظر إلى رعد نظرة أثقل من الاعترافات ذاتها، وقال:
"هنا بدأت المرحلة الثانية من الخطّة: أن تقع بين يديك، أنت يا رعد."
تقدم خطوة للأمام، وانخفض صوته كأنّه يهمس بسرٍ دفين:
"أخبرتُ رماح أن يرشي حارس البوابة نفسه مرّة أخرى. أخبره أن الشريحة تحتوي على شئ يخص دراستك، وأنّه قريبٌ لك، ويريد أن يصنع لك مفاجأة مريبة بعض الشيء بدون أن تعرف من هو . صدّق الحارس... بل التهم الكذبة بشهية، وكأنّه لم يذق طعم الشكّ في حياته. كلّ ما طلبتُه منه أن يُلقي الشريحة أمام قدميك لحظة خروجك، ويناديك باسمك، ليلفت نظرك... وهذا ما حدث بالضبط."
رفع جبران رأسه، ونظر إليهما بشيءٍ من الزهوّ المختلط بالمرارة:
"سقطت بين يديك الشريحة، بينما كان رماح يُتابع المشهد من بعيد، يُرسل لي التفاصيل أولاً بأول. لم تكن مصادفة، يا رعد، بل خطة نُسجت بخيوط الخداع، وذُيّلت بثقةٍ عمياء وضعتُها فيك. أنت لم تكن صدفة في هذه القصة... كنت القصد."
sarab mahmoud