تابع الفصل الثاني (الكارثه)

تابع الفصل الثاني (الكارثه)

54 0

هبط على يديه كمن سُحبت منه الحياة، لا صوت، لا حركة، لا دمعة واحدة استطاعت النجاة من طوفان الذهول.

كانت جثة والده مسجّاة أمامه، ساكنة... خالية من النبض، خالية من كل دفء اعتاد أن يجده في وجوده.

لم يصرخ. لم يبكِ.

فالصمت حين يُغلف الفاجعة، يصير أقسى من كل صراخ.

وكأن ملايين الأيادي، بل بلايينها، كانت تسحق روحه في اللحظة ذاتها، تطعن قلبه بسكاكين لا تُرى، لكنها تُشعره أن صدره على وشك الانفجار.

كان يتنفس بصعوبة، صدره يعلو ويهبط بجنون، وكأن أضلاعه ستُكسر من الداخل وتفرّ هاربة من شدة الألم.

وبيدين مرتجفتين كأنهما تتحللان، مدّ يده المرتعشة نحو يد والده... ليلامسها.

البرودة التي استقبلت أنامله كانت كفيلة أن تُسقط قلبه أرضًا.

هذه ليست يد أبيه... هذه يد الغياب، يد النهاية، يد الموت الذي لا يُعطينا فرصة لوداعٍ أو ندم.

ارتجف جسده بعنف، كأن بردًا قارسًا اجتاحه رغم حرارة دمه المتدفقة بالخوف.

عقله كان يصرخ، لكن لسانه أُصيب بالشلل.

شعر بأن رأسه يكاد ينفجر، كأن كل ضوء في الدنيا صار سكينًا في جمجمته.

أخرج هاتفه...

كل زرٍّ عليه بدا وكأنه بعيد، مائع، لا يُرى بوضوح.

ضغط على زر الاتصال، ارتجاف أصاب صوته حتى بالكاد استطاع أن ينطق...

ـ "الشرطـ..."

لكنّه لم يُكمل.

فجأة، تلاشت الألوان، تلاشت الأصوات، حتى الجثة أمامه لم تعد واضحة.

حلّ الظلام... ظلام كثيف لا يشبه ليلًا ولا يشبه إغماءةً، بل كأنه سقوط في حفرة لا قرار لها.

وفي لحظة، هوى جسده بجانب جثة والده، بلا صوت... بلا حراك...

كأن الحياة قررت أن تأخذ منه كل شيء دفعة واحدة.

******

لم يمر وقتٌ طويل حتى امتلأ الحيُّ بأنين السيارات وصفاراتها، كأن السماء نادت بالعزاء، فلبّت الأرض بنداءٍ حزين.

أضواءٌ زرقاء وحمراء مزّقت ظلمة الليل، تسلّلت عبر الجدران، وارتعشت فوق وجوه الناظرين، كأنها أرواحٌ تائهة تبحث عن خلاصٍ ما.

تقاطرت سيارات الشرطة والإسعاف أمام بيتٍ لم يعهد غير السكون.

الجيران خرجوا تباعًا، بملامح تَحمل كلّ شيء: الذهول، الريبة، والخوف من المصير المجهول.

كانت إحداهن – امرأة خمسينية تُدعى نوال عارف – قد لمحَت من شرفتها شخصين ملثّمين يقفزان من النافذة الغربية للمنزل، فبادرت بالاتصال بالشرطة دون أن تدرك تمامًا ما الذي رأته.

اندفع رجال الشرطة إلى الداخل، يتقدمهم العقيد عزمي فهيم، رجلٌ حادُّ القسمات، داكن النظرات، يحمل هدوءًا يُربك أكثر مما يُطمئن.

وقف في مدخل المنزل يُلقي نظرة سريعة على الفوضى: الكراسي مقلوبة، الأدراج مفتوحة، والدماء تمتدُّ على الأرضية كأنها توقيع النهاية.

صوت المسعفين شقّ السكون:

ـ "وجدنا أحدهم... شاب في العشرينات... لا جروح ظاهرة، لكنه فاقد الوعي تمامًا."

اقترب العقيد منهم، وألقى نظرة على الجسد الممدد قرب جثة الرجل.

ـ "من هذا؟"

أجاب أحد الضباط:

ـ "نعتقد أنه ابنه... اسمه رعد جلال. هو من اتصل قبل أن يُغمى عليه."

هزّ العقيد رأسه ببطء.

ـ "انقلوه فورًا... نريد أن يبقى على قيد الحياة، على الأقل ليُخبرنا بما حدث."

---

داخل قسم الشرطة، كانت رائحة السجلات القديمة تعبق في الجو، ممتزجة بشيءٍ من الترقب المُمضّ.

في غرفة ضيّقة، ذات جدران رمادية وبابٍ حديدي لا يرحم، جلس رعد على الكرسي كأنّه لا ينتمي للمكان... أو حتى للعالم.

وجهه شاحب كقمرٍ في آخر الشهر، عيناه زائغتان كأنهما تبحثان عن شيء فُقد منه، أو ربما عنه.

شفتاه مضمومتان كأنّ الكلام صار فعلًا لا يستطيع إليه سبيلا.

جلس أمامه الرائد سُهيل المرامي، شابٌ دقيق القسمات، لا تزال في عينيه بقية من حنوّ لم تُطفئه القضايا المتكررة.

أخرج دفترًا صغيرًا، قلّب فيه، ثم نظر إليه وقال بصوت هادئ:

ـ "رعد... أعلم أنّك في حالة صعبة، لكنّنا نحتاج بعض المعلومات، لنُساعدك، ولنُساعد والدك."

لم يرد رعد.

كان يُحدّق في الأرض... أو ربما في اللاشيء.

عيناه زجاجيّتان، لا تعكسان سوى الفراغ، كأنّ روحًا انكسرت فيه ولم يجد بعد ما يُعيد لها التوازن.

تبادل الضباط النظرات، همس أحدهم:

ـ "البيت كان في حالة فوضى، وكأنّ الجريمة سرقة... لكننا لم نجد شيئًا مفقودًا. لا نقود، لا مجوهرات، ولا حتى أجهزة ثمينة."

قال العقيد عزمي بصوتٍ أجشّ، وهو ينظر من خلف زجاج الغرفة:

ـ "ليست سرقة... الأمر أعمق من ذلك."

اقترب الرائد سهيل أكثر من رعد، ثم قال بلطفٍ نادر:

ـ "رعد، هل تتذكّر شيئًا؟ أي وجه؟ أي صوت؟ أي شيء؟"

لم ينبس ببنت شفة.

يداه كانتا مسترخيتين في حجره، لكن أطراف أصابعه ترتجف، كأنها تُكمل ما عجز قلبه عن التعبير عنه.

بعد لحظات، أشار العقيد بيده أن يكفّوا.

ـ "دعه يذهب... ليس هذا وقت الإجابات."

---

خرج رعد من القسم في ساعة متأخرة من الليل، يسير كهيكل بلا روح، لا يرى الطريق، ولا يسمع الأصوات من حوله.

المدينة من حوله تمضي كأن شيئًا لم يحدث... لكن داخله كان كل شيء قد انتهى.

كان الحزن قد تجذّر فيه كجدارٍ عتيق في منزل مهجور.

والده... جلال... ذلك الرجل الذي لم يترك ظهره لابنه يومًا، قد أُسقط غدرًا، بينما هو عاجز عن الفهم، وعن الصراخ.

وفي قلبه سؤالٌ يتردّد في صمتٍ مدوٍّ:

لماذا؟

عاد رعد إلى منزله المتشظي، تُرافقه خُطى ثقيلة وأفكار مشروخة، كأنّه يسير في مقبرةٍ مفتوحةٍ على جراحٍ لا تندمل.

دخل بصمتٍ مطبق، لا يسمع سوى صدى تنفّسه المُتحشرج، وعيناه تائهتان في الفراغ، كأنّه يبحث عن ظلٍّ لروح والده التي لم تجد بعد سبيلها إلى السلام.

وقف في منتصف الغرفة، يتأمّل الأركان التي فقدت معناها، كلّ شيء بدا ساكنًا... إلا قلبه الذي كان ينزف بلا دم.

اقترب من البقعة التي سقط فيها والده، ذات الأرض التي اختلطت فيها البرودة بالذكرى، وانحنى ببطءٍ حتى جلس على ركبتيه، ثم مدّ يديه المرتجفتين ليلامس الأرض كأنّه يتحسس أثراً، بقايا من الزمن الذي مضى، أو ندبة باقية من صراخ لم يُسمع.

وفجأة، انفجرت بداخله العاصفة.

صرخ.

صرخ كما لو أنّه يحاول انتزاع حزنه من صدره.

ضرب الأرض بكفيه حتى احمرّتا، ثم انكمش على نفسه كطفلٍ وحيدٍ على رصيف العالم.

كان يبكي... لا، كان ينهار كليًّا.

كلّ ما كتمه في لحظات التحقيق والسكون والتجمّد، انسكب الآن كفيضانٍ جارف.

نحيبه تمزّق في صمت الليل.

"لماذا؟"

كلمة واحدة تردّدت على لسانه، كأنّه يُناجي بها القدر أو يُعاتب بها الوجود.

ثم سقط على جنبه، وضمّ صدره بذراعيه، وكأنّه يحتضن شيئًا مفقودًا لا يُرى.

---

صباح اليوم التالي –

ارتفعت شمس الصباح على استحياء، كأنّها تخجل أن تُضيء يومًا مُحمّلًا بالأسى.

غصّ المنزل برجال يرتدون السواد، ونساء يهمسن بأدعية الرحمة، والعزاء يتدفّق من الأفواه التي لم تعرف ماذا تقول في حضرة الفقد.

رعد كان جالسًا في المقدّمة، بين التعازي والمواساة، شاحب الوجه، مُنهك العينين، وروحه لا تزال تائهة في مكانٍ ما بين البارحة واليوم.

كان يردّ بكلمات قليلة، غالبًا بهزّة من الرأس أو همسة شكرٍ خافتة، لكنّه لم يكن هنا، لم يكن بينهم، بل في مكانٍ آخر... حيث الألم يُقيم.

وقف مالك وهيثم قريبًا من الباب، يتحدثان بخفوتٍ كمن يخشى أن تُفضحه الكلمات:

قال مالك، وعيناه تتحرّكان بحذر:

ـ "هيثم... أليس غريبًا ما يحدث؟ جريمتان في يومٍ واحد؟! والد رعد... وقبلها دكتور حسّان؟"

تردّد هيثم، ثم همس بنبرة قلق:

ـ "حقًا، سمعت بالأمر مساءً... قالوا إنّ الشرطة وجدت دكتور حسّان جثةً هامدة في منزله، والطبيب الشرعي أكّد أنّه قُتل خنقًا.. لكن عند ذهابنا للعزاء لم يكن لديه أقارب هناك أو عائله لذا لم نتمكن من الاستفسار."

أومأ مالك، ثم أردف متنهّدًا:

ـ "قبل الحادث بيوم، رأيته في الكليّة، كان يتصرّف بغرابة شديدة، يتلفّت حوله بتوتّر، وكأنّه يخشى أن يُلاحقه شيء، وكان يُفتّش مكتبه كمن يبحث عن شيء مفقود... أو شيء يُخفيه."

ثم سكت لحظة، وتابع بصوتٍ خافت:

ـ "هل تُراه كان يعرف أنّه في خطر؟ أو... أنّ ما كان يُخفيه هو سبب موته؟"

في تلك اللحظة، تحرّكت عضلات وجه رعد لا إراديًّا.

كأنّ إدراكًا عميقًا قد اخترق ظلال ذهوله.

التفت إليهما فجأة، وقد خرج صوته مبحوحًا، ولكنّه حادٌّ كالسهم:

ـ "ماذا قلتما؟... أعيدا ما قلتماه عن دكتور حسّان."

تجمّد الاثنان مكانهما، ونظرا إلى بعضهما في ارتباك.

قال هيثم بتردّد:

ـ "كنّا... نتبادل الحديث فقط، لا شيء مؤكّد..."

قاطعه رعد بنبرةٍ أكثر حدّة:

ـ "هل تقول إنّه قُتل؟ لا تُوارب... أجبني بوضوح."

أطرق هيثم للحظة، ثم قال:

ـ "أجل... يُقال إنّها جريمة، لكن لا شيء رسمي حتى الآن."

ظلّ رعد واقفًا، عيناه تشتعلان بحيرة وارتباك، كأنّ سيلًا من الأسئلة اندفع داخل رأسه دون إنذار.

ثم فجأة، اندفع من مكانه كمن أصيب بصدمة كهربائية، شقّ طريقه بين الحاضرين بخطى متسارعة، صعد إلى غرفته، وأخذ يُقلّب حقيبته بجنون.

حتى وجدها.

الشريحة.

قبض عليها بقوّة، بينما عروقه تضجّ بالتساؤل، وداخل صدره صرخة واحدة:

"ما الذي كنت تخبئه عني، يا دكتور حسّان؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة