الفصل السادس (العوده للبداية)

الفصل السادس (العوده للبداية)

39 0

تشنّجت عضلات وجه "رعد" للحظة، ثم ارتخت كأنما الحياة انسحبت منها. حدقت عيناه في "ليان"، دون أن يراها فعليًا. لم تكن تلك التي أمامه هي الفتاة التي أحبها، التي سكنته بحنانها، التي ظنها طوق نجاته في عالمٍ موحش. لا… كانت شخصًا آخر، غريبًا، كاذبًا، خائنًا.

اهتزّ جفنه، وارتجف أنفه، وبدأت شفتيه ترتعشان… الألم لم يكن عاديًا، بل كان يُغرز في أعماق روحه، كأن أحدهم فتح صدره وانتزع قلبه بيده العارية. شيء داخله انكسر… شيءٌ عزيز لم يعد كما كان.

ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الهواء قد تحوّل إلى غصة. التوت ملامحه بين الذهول والخذلان، وتكوّرت أصابعه بعنف فوق الحبل الذي يقيده، كأنما يتشبث بأي شيء يمنعه من الانهيار.

"ليان؟!" نطق اسمها داخل قلبه فقط… كصرخة مكتومة محشورة في زوايا صدره.

كيف؟ متى؟ ولماذا؟

صرخة مكتومة تحاول شق طريقها عبر صمته، لكن الألم أغلق الحنجرة.

وفجأة…

رفع "سراج" مسدسه أمام رأس "ليان".

شهق "رعد" شهقة أقرب للأنين، وصاح بأعلى صوته، كأن قلبه قد انفجر:

— كفّ عما تفعله، أيها الـ... الخسيس!

التفت إليه "سراج"، وضحك ضحكة ساخرة كأنها صفعة على وجه "رعد"، وهز مسدسه بخفة وقال:

— لازلت تشفق عليها؟ حتى بعد ما علمت بما فعلت؟ يا لك من مغفل ساذج... لقد لعبت بك كما يُلعب بالدمى!

تسارعت أنفاس "رعد"، وخُيّل له أن رأسه سيدور، أن جسده سينهار… كانت نظراته تصرخ بينما وجهه يشي بالدمار، بالحيرة، بالغضب، لكنه… لم يقل شيئًا.

وسراج يضحك ويضحك، بينما يبدأ بالتراجع للخروج، تاركًا خلفه جحيمًا مشتعلًا داخل "رعد".

وقبل أن يختفي، هتف بنبرة باردة:

— سأقتلها… وسأعرف منك مكان الشريحة. سأعطيك بعض الوقت لتتذكّر، إن كنت "قد نسيت" فعلًا. وإن لم تخبرني… سأجعلك تتمنى الموت كل يوم، ولن تناله!

ضحكته الأخيرة كانت كرصاصة، اخترقت صدر "رعد" ومزقت قلبه.

ثم رحل.

---

ظل "رعد" صامتًا.

لم يكن بمقدوره النظر إليها… تلك الفتاة التي لم يعد يعرفها. تلك التي خدعته بدموعها، بنظراتها، بحكاياتها الملفّقة. شعور مرير بدأ يتسرّب إلى جوفه… مزيج من التقزّز والمقت والخذلان.

كم كانت بارعة! كم كانت ماكرة!

أما "ليان"، فكانت ترتجف في مكانها، وجسدها يتقلص كمن ينتظر الصفعة القادمة. لم ترفع عينيها إليه… كانت دموعها تنهمر بصمت، ووجهها ينكمش في ذنبٍ قاتل. كأنها تحترق بصمته أكثر من أي صراخ.

لكن "رعد" لم يكن يرى سوى رمادًا الآن. رماد ما تبقى من ثقته. من حبه. من نفسه.

---

مرّت دقائق، وكأنها ساعات من العذاب، حتى دخل رجلٌ غريب، ملثّم الوجه، وقف خلف سراج، وبهدوء وضع في يده شيئًا… سكين صغيرة.

تسارعت دقات قلب "رعد"، تملّكته الصدمة، لكن الرجل مرّ بجانبه دون أن يؤذيه، وهمس:

— سأشعل النار بعد قليل، إن تمكنت من الهرب، ستكون محظوظًا… لا تسأل كثيرًا عن السبب، ربما إن نجوت ستفهم. باب الهروب خلف الفتاة… أو ذاك الممر أمامك، لكنه أطول قليلًا.

ثم اختفى، كما لو لم يكن موجودًا أصلًا.

---

تلفت "رعد" في ذهول، عاد إليه وعيه دفعة واحدة، وبدأ يقطع الحبل الموثوق حول يديه. استجمع كل ما تبقى من قوته، ومن غضبه، ومن صدمته… وراح يقاتل الحبل بأسنانه وأصابعه المرتجفة.

وأخيرًا!

انقطع الحبل.

انكبّ على قدميه ليحررهما، لكن قبل أن يُنهي، دوّت صرخات من الخارج:

— حريق! حريق!!

وفجأة، ألقيت سلة بها نار مشتعلة، وسقطت بالقرب من الكرسي الذي تجلس عليه "ليان".

علا اللهب بهدوء خبيث، كأن النار تتسلل كالسمّ… تنتشر دون استعجال، تستمتع بالرعب.

"رعد" أنهى الحبل سريعًا، عرقه يتصبب، أنفاسه تحترق، ثم…

تحرر!

لكن أمامه الآن خيار واحد… إما أن ينجو وحده… أو… ينقذ الخائنة.

******

وهكذا، نبدأ من جديد، أيها القارئ، من النقطة الأولى.

من النار التي بدأت تزحف،

من الفستان الأسود،

ومن نظرات "رعد" الجامدة التي سكنت وجهه وهو يراها مقيدة أمامه.

من رجائها البائس… ومن صمته المتجمد.

ومن اللحظة التي قرر فيها أخيرًا أن يتحرك.

رجعنا إلى حيث بدأ كل شيء،

إلى النار،

وإلى الباب الخشبي…

الذي لم يكن خلفه سوى بابٍ حديدي،

كأن القدر يصر على أن لا يجعل الهروب سهلاً،

ولا النجاة قريبة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رعد..

المؤلف sarab mahmoud
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة