فُـيِّ عٌأّلَمًٍ وٌُضًـِعٌ مًيّزأّنِهّـ بًأّلَمًقُلَوٌبً، لَأّ تٌـُنِأّلَ أّلَعٌدٍأّلَةّ إلَأّ بًدٍمًٍ أوٌ خِـيِّأّنِةّ."

تتنفس بصعوبة، جلستها مستقيمة و تحمل في يدها الشوكة لكن بالكاد تستطيع الاكل من شدة التوتر ، تناظر الملك يترأس مائدة الطعام، و السكون في المكان يوترها،
تسمع فقط الملاعق تصطدم في الصحون، يترأس هو المائدة، على جانبيه يتوزع رجال لم ترهم قبلا و من بينهم والدها..
و ذاك المدعو انزو و تالين.. بينما ريكاردو كان مع مجموعة اخرى اقرب اليها و كان بينهم ليونارد و ذاك الدانتي..
اما هي فكانت في اخر المائدة الطويلة تجلس متصلبة على يمينها كايون، و الذي حين لاحظ جمودها و نظراتها للجميع نكزها بمرفقه يخرجها من شرودها..
رفعت رموشها تنظر نحوه ليهمس.
"تناولي عشاءك.. "
أومأت له تحمل قطعة لحم تضعها في فاهها..
"أهلا بك.. انجيلينا.. "
فقط قول الملك لهذا جعل اللقمة تعلق في حنجرتها تجعلها تسعل تطبطب على صدرها، و كايون منحها كأس ماء فشربته دفعة واحدة و اخيرا رفعت عينيها لهم..
يا الهي!
الجميع يناظرها، كل العيون عليها، من الملك حتى كايون امامها..
فقط بلعت ريقها تنزل نظراتها بسرعة و تتمنى حقا لو انها لم ترفعها في البداية..
"ارفعي عينيك ايتها الصغيرة..حين يحادثك الملك "
من تحدث هذه المرة لم يكن الملك بل رجل في منتصف العمر يجلس مقابلا لثيودور و ملامحه تحمل جدية، ليس بالمختلف عن جدها للعلم..
فقط رفعت نظراتها مرة اخرى و راقبت كيف ارتفعت شفاه الملك في ابتسامة خفيفة لم تختفي معها ملامحه الحازمة و رفع كأس دماء قائلا..
"كأس دماء ترحيبا بها.. "
مع فعله لذلك رفع الجميع كؤوسهم عاليا و هذا ما جعلها تتنفس بوتيرة سريعة..
تشعر بالفخر، الفرح، التوتر و كل شيئ..
فاهها مفتوح تناظر والدها يبتسم، كانوا ينظرون لها، لكن لم تنتبه لهم بقدر انتباهها مع الملك و والدها..
همس احد الحراس للملك و هذا جعل حاجبه يرتفع يتنهد بقلة حيلة، العيون نحوه ينتظرون تصريحا عما نطق به الحارس..
حمحم و اومأ للحارس فمشط الاخر خطواته خارج قاعة الطعام..
ثانية صمت، ثانية اخرى و اخرى قطعها غراب يدخل سريعا يستقر على الارض بجانب الملك و فجأة تحول الى رجل انيق بشعر اسود كسواد عينيه.. انحنى انحناءة خفيفة له و نبس..
"مرحبا سموك..آسف على التأخير.. "
ملامح الملك كانت مشدودة تراقب زافيير و الذي شعر بنظراته القرميزية ناحيته، يعلم ما سؤاله القادم و يعرف لما هو غاضب..
"سنتحدث بعد العشاء... "
اوه جيد، سيتحدثان بعد العشاء يعني لا فضائح امام افراد العائلة.. كم يحب هذا الملك بحق..
أشار الملك لمكان فارغ بجانب انجيلينا و فهم الاخر أنه يخبره ان يجلس و يأكل..
ما جعل ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه يتقدم الى مكانه..
جلس بمحاذاة انجيلينا و التي فور ان رأته اصلا انتفضت مبتسمة، تراه كيف بادلها الابتسامة يربت على رأسها قبل ان يحمل شوكته يبدأ بتناول قطعة اللحم..
حسنا، زافيير كان من نوع الاشخاص الذين حين تراهم لأول مرة تحترمهم لا اراديا و تقدم لهم كامل ثقتك ولا تدري لماذا..
ما يفسر توزيعه للابتسامات على افراد العائلة..
............
"أين هو ذاك الفتى؟ اعلم انك تعرف زافيير! "
من قال هذا كان كايلوس _الملك_ يجلس على اريكته في مكتبه و زافيير يقف مقابله...
يده خلف ظهره كأنه يتعرض للتأنيب..
كان يسأله عن مكان نايز...
و هو و لأنه صديق وفي لن يخبره بمكان حفيده و لو على جثته، لذا جوابه كان انه ابتسم و نبس..
"لا ادري"
كان يكذب و لم يحاول ان يزيف كذبته، لم يرى في اخفاء حقيقة انه يعلم مكان صديقه اهمية، لأنه ضرب من المستحيل..
ضرب من المستحيل ان يفشي عن مكانه..
ما جعل كارلوس يمسد منطقة بين حاجبيه يشرد لبرهة قبل ان يزفر و يسترسل..
"قل له ألا يأتي حتى يذهبوا.. "
رمش الاخر بتفاجؤ، صمت لثواني ثم تقدم من كايلوس يقطب حاجبيه ينبس بنبرة اشبه الى عدم التصديق..
"سموك هل انت مريض؟ هل استدعي الحكيم؟ ربما القى احد السحرة الاوغاد تعويذة عليك! ام انه الخرف؟ "
"لا.. فقط اذهب اخبره بذلك! "
قال الاخر الاخيرة يهرب عينيه كأن اخر كلمة قالها زافيير ازعجته بعد استقام واقفا و صفع مؤخرة رأسه.. الغراب امامه اطلق ضحكة بعد ان صفعه الملك..
......
يجلس على غصن شجرة يمسك احدى اوراقها الخضراء يحدق بها...
يبدو مجنونا لكنه كان شاردا في شيئ عداها...
يفكر هل للحياة ثمن ما حتى يستمتع بها؟
هل عليه الاستمتاع؟
اليس الارجح ان يطلق العنان لنفسه؟
لما يعجز عن رسم ابتسامة؟ هذا بسيط فلما لا يفعل؟
أحيانا يأتيك قسر في الاستمتاع..
فتصبح الاشياء التي تمتعك نادرة..عندما تملك عائلة تتقاتل لأجل الحكم و السلطة كيف بحق خالق الجحيم ينتظرون صعود جيل مستمتع..
و خاصة هو..
هو لا يهوى الجلوس معهم في نفس المائدة خشية أن يقلبها عليهم..
يكره مصطلح رابطة الدم و هذا مبدأ عنده..
هو بالكاد يرفع نظراته لإخوته و ووالدته و ربما القلة من ابناء عمومته، و ليس لأنهم يجعلونه مستمتعا بل لأن اخوته اخوته ووالدته والدته التي حملته..
ربما نستثني منهم ابنة اخيه الشقراء تلك..
تلك تجعله يستمتع..
كيف ترفع خصلاتها التي تسقط على وجهها بظرافة حين تكون مركزة في كتاب و كيف تلمع عيناها و هي تحاول اخباره بمعلومة هو اصلا يعرفها و اعادها الاف المرات في صغره..
الجميع يكره الكتب و هي تحب ذلك..
الجميع مهما كانوا ربما يبتعدون عنه بعد دقائق او حواراتهم عابرة معه لكنها تأتي كل مساء تحضر معها كتابا و تقرأه على مسامعه..
لم يعلم انها هكذا حتى خالطته..
تذكره لذلك جعلته لا اراديا يرسم ابتسامة رافعا فيها زاوية شفاهه و التي سقطت فور ان انزل عينيه اثر شيئ ضخم حطّ تحت الشجرة...
"تأخرت دقيقتين.. "
"اسف لهذا.. لكن احضرت هذا! "
فقط نطق بها التنين تحته و الذي في غمضة عين تحول الى هيئته الادمية بشعره الداكن يحمل حقيبة و التي قد القاها ناحية ابيض الشعر ليلتقطها..
"ما الاخبار هناك؟ "
"اولا... لا تقتلني.. "
"ماذا هناك؟ "
قطب نايز حاجبيه كأنه ينتظر ان ينطقها حتى يقتله..
يرجو الا يكون ما سيقوله هذا الغراب الاحمق تاليا ما في عقله لانه حتما سيفقد صوابه لكنه زفر و ناظر الاخر الذي عض شفته الشفلى يريد ان يصيغ الكلمات المناسبة ليكون وقع الصدمة اقل..
"لم اجد قطعة البودينغ خاصتك في المطبخ.. "
"لا تمزح.. "
"لست امزح، لم احضر اي بودينغ.. "
كيف سيعيش دون شيئ هلامي بطعم الفانيلا و الكاراميل في يومه و ذالك انه و اخيرا قام برد فعل..
اتسعت عيناه كأنه سمع خبر وفاة احدهم و نبس يزفر بقلة حيلة..
" كن مستعدا ان تسافر وحدك لتحضر لي البودينغ كل مرة اشتهيه.."
اومأ زافيير مرغما على الموافقة بينما رجع ابيض الشعر يستند على جذع الشجرة و اضاف..
" كيف حال- "
قاطعه زافيير بإبتسامة غير مصدقة بحد ذاتها..
"جدك اصيب بالخرف.. "
"هل اكل المانغو او انه اشترى لك هدية؟ "
نفى الاخر بحماس و قد تحول الى غراب ليحط على الغصن امامه..
"شيئ اكبر! "
"باع ثروة العائلة لتاجر سلاحف؟ "
"حسنا ليس لتلك الدرجة..لقد اخبرني ان اخبرك الا تأتي حتى يذهب اعمامك ووالدك.. "
"تطور ملحوظ.. "
فقط قالها و فتح الحقيبة يخرج منها كتابا و قد ارتسمت تقضيبة اخرى على حاجبيه..
"الم اخبرك ان تحضر الكتاب ذو الغلاف الازرق؟ "
"لم اجده فأحضرت هذا.. "
حسنا.. هو يكذب.. لقد وجده حتما لكنه لا يريد من صديقه الكئيب و الوسيم رغم انفه ان يعيد ذاك الكتاب للمرة المليون بعد الالف..
هو ليس اسفا، هو فقط لا يريد من صديقه ان يصنف ضمن قائمة المجانين..
لذا احضر كتابا يكرهه..
هو هنا، لما عليه التحدث الى الكلمات بينما يستطيع التحدث معه..
"ستعود ادراجك و تبحث عنه و حين تجده و تحضر البودينغ... ارني وجهك.. "
القى نايز كلماته و فتح الكتاب بين يديه كأنه مرغم على ذلك قسرا و عليه قراءته حتى لا يجن..
"محال! لقد تلقى سموه نبأ احراقنا لقصر المستذئبين بعد ذهابي فورا انا لن اعود الى هناك.. س. ي. ق. ت. ل. ن. ي."
انهى زافيير جملته بتهجئة ما هو بإنتظارهما فور رجوعهما الى هناك، و هذا فقط ما جعل نايز يبتسم..
سيطول غيابه هذه المرة، ربما حتى يهدأ ذاك العجوز او يموت بسكتة قلبية..
ناظر زافيير الذي يتمتم بين انفاسه.. الارجح انه يشتم الكتب التي يظنها تسبقه في مرتبة بعد البودينغ قي تفضيلات الجالس على غصن الشجرة امامه..
ما جعل قرميزي العينين يحمله بيده يضعه على كتفه..
فعل عادي لكنه جعل من الغراب ينتفض يدير كامل رأسه لنايز و الذي لسبب مجهول ليس حبًا له طبعا، اغلق الكتاب الذي فتحه منذ ثواني و نبس..
"ما اخبارك.. اخمن انك تريد ان تحدثني عن ذاك الذئب البرتقالي.. "
رمش زافيير عدة مرات و حلق مقابلا لنايز و تقضيبة فوق عينيه زينت وجهه الغرابي..
"نايز... هل.. هل اصبت انت الاخر بالخرف؟ "
..........
ايميليان
لا ندري إلى أي مدى قطعنا الطريق حتى تلك اللحظة. لقد ألقت بيرتا جسدها على الأرض، زفرت بضجرٍ وامتلأ وجهها بالتململ، فجلستُ إلى جانبها.
قد تسللت منا حوافّ القوة هاربة، فبات جسدانا يئنّان من التعب تلهثان وراء جرعةٍ من الراحة.
، ظلّت تلك الفراشةٌ تحلق فوقنا ، همسَت بيرتا بنبرة مستاءةٍ..
" هل استطيع رفسها؟ "
هززتُ كتفي بلا اكتراث كأنني انا ايضا اريد رؤيتها مرفوسة..
ثم انها لن ترفسها هي فقط تمزح..
انتفضت بيرتا جالسة بعد ان كانت مستلقية ومالت نحوي مبتسمةً ابتسامةً اتّسعت فيها ملامحها وأظهرت خطّي الضحك عميقين على خديها.
"حقا؟؟ استطيع؟ "
سألتني وعيناها تلمعان حماسًا.
ضحكتُ، وهززتُ كتفيّ باستخفافٍ مرة اخرى، فاندفعت تمشي على اطراف اصابعها خلف الفراشة كأنها لبؤة ترصد غزالا ،
لكن فور ان انقضت تريد ان تمسكها الفراشة اختفت..
الفراشة اختفت يا الهي!
اختفت و تركتنا وسط غابة لا ندري جهة الشرق فيها او حتى الغرب..
"اقسم اني لم المسها!"
قالت بيرتا و قد توترت تنفي برأسها كأنها طفلة تم تأنيبها على كارثة لم تكن هي فاعلتها...
وضعت يدي على كتفها و كنت اقصد بهذا'لا داعي للقلق.. '
رغم اني قلقة بحد ذاتي لكن قلقي و قلق بيرتا ليسا نفس الشيئ..
لو واجهت قلقها ستصبح مشكلتنا ثلاث مشاكل..
اختفاء الفراشة و ضياعها و قلق بيرتا و ربما ضياع بيرتا مني.. فقط حين زفرت بنية الشعر براحة فهمتُ ان رسالتي من الا تقلق وصلت بأمان لذا اضفت افتح حقيبتي..
"لدي قطعة بودينغ سرقتها من مطبخ ما في القصر بدت لذيذة.. هل تأكلين؟ "
بيرتا ارتسمت على شفاهها تلك الابتسامة المتحمسة..
"لما لم تخبريني ان معك هذا قبلا؟؟ "
"تركته للحاجة.. "
فور ان اخرجت قطعة البودينغ انبعث صوت يشبه الانذار من حقيبتي البنية المعلقة على كتفي،
اوه.. انها أداةٌ سحريةٌ منحها لي جاك طبعا، ترصد أيّ تحرّك غريبٍ عدانا في الأرجاء المحيطة بنا.
"ما هذا؟؟"
"هناك شخص هنا عدانا.. "
سحبت خنجري الصغير من غمده و عيناي تنتقلان بين كل شجيرة و اخرى كون الاشجار فقط ما تحيط بنا من كل جانب.
بيرتا رفعت غصن شجرة متين بيدها كحذر..
لو ضربت احدهم به لمات فورا..
تحركت اجمة صغيرة منذرة بأن شيئا ما سيخرج منها..
فلتفتنا نحن الاثنتان لها..
مخلوقةٌ صغيرة بحجم كفيّ، لا.. كانت جنيةٌ رقيقة الأجنحة، شعرها الاشقر ممتد الى اطول من جسمها، ترتدي طوق ياسمين على رأسها و عيناها الذهبيتان تحدّقان بنا بصمتٍ تامّ مميلة رأسها و الدهشة جمّدت تنفّسها،حيث انها بقيت تناظرنا لثواني كثيرة و هذا شيئ غريب بالاضافة الى حجمها و اجنحتها..
بيرتا تقدمت نحوها و تبعتُها انا بناظري و لوّحت بيدها مقابل وجهها،
هزت الجنية رأسها يمنة و يسرى محاولة الخروج من شرودها هي الاخرى..
ثم، وكأن لحظة استيعاب أضاءت عقلها، حلّقت نحوي فرجعت انا خطوة بقدر ما هي اقتربت..
قطبت حاجبها و اقتربت مرة اخرى لكن هذه المرة انا لم ابتعد..
ذلك ما جعلها تصل الي، بل و تعانق خديّ قبل أن تهمس بنبرةٍ ملؤها الفرح المختلط بالحنين..
"ديالااا.. اشت... "
توقفت فجأة، وابتعدت خطوتين، جبينها تقلص وعيونها ضاقت في تقطيب.
"أنتِ لستِ هي."
أمعنت النظر فيها، وأولتني الدهشة لسؤالٍ تردد على شفتاي.
" كيف تعرفينها؟"
" بل كيف أنتِ تشبهينها؟"
وبين وقع سؤالي و جوابها لي بسؤال ظللتُ واقفةً..
وقفت بيرتا على بعد خطوة منا ، و نظراتها تنتقل بيننا قبل أن تضع يديها على خصرها وتنبس بحدة تشبه الغرور لحد ما تشير الى الجنية التي تحلق على بعد خطوة منها، كأنها متنمرة..
و هذا ما كانت اليه اصلا..
"اسمعيني جيدًا… إذا كنتِ تظنين ولو لوهلة أن صديقتي هي الخال… أقصد، المدعوة ديالا، فأنتِ واهمة. هذه الفتاة، أنا عرفتها منذ كانت ترتدي الحفاظات! ولم تتغيّر قيد أنملة منذ ذلك الحين… لذا، رجاءً، لا تخربي حياتنا أكثر مما هي عليه."
اشارت لي كأنها تعرض تحفة ثمينة اثناء حديثها و هذا ما جعلني ابتسم بلا وعي، و حتى ان تلك المخلوقة قهقهت بخفة، ثم طارت لتقترب منا، وقد لاح شيء من الإدراك في نبرتها، كأن ما قالته بيرتا جعل الأحجية تكتمل في ذهنها، لذا اشارت لي..
"هل أنتِ… ابنتها؟"
في اللحظة التي خرجت فيها تلك الكلمات من فمها، اتسعت عيناي بذهولٍ لو ارتديت اقنعة المجتمع كلها لفشلت في اخفائه و لم أجب، لكن صمتي، ورعشة خفيفة عبرت وجهي، كانا كافيين لتتأكد هي من ظنونها.
اقتربت مني مجددًا، ولمست خدي بيدها الصغيرة ، همست بصوت متهدّج يكاد ينهار تأثرًا:
"يا لَطولِ ما مر… كنت بانتظاركما انت و امك طوال السنوات الفائتة! أين هي؟ هل… هي بخير؟"
تجمد الزمن في تلك اللحظة. لم أكن أظن أن هذا السؤال، البسيط في ظاهره، سيقلب عليّ العالم كما فعل توا..
كنت قد فكرت بهذا كثيرًا. توقعت أن يسألني أحدهم عنها ذات يوم… أحد من عالمها الذي لم أكن يومًا جزءًا منه، أحد من الذين أحبّوها. توقعتُ السؤال… وتمرّنت على الإجابة، مرارًا.
لكن الحقيقة أنني لم أكن مستعدة.
أن أنطق بذلك أمام أحد كان يعرفها، و اصارحه و انا التي لم املك القدرة على مصارحة نفسي بموتها..
ارتجفت شفتاي.
لم تطلق عيناي الدمع، لكنهما امتلأتا به على حين غرة، عقلي أدرك الحقيقة قبل قلبي.
قلبي لازال يحمل ذرة امل انها لم تمت و من كانت هناك تلك الليلية ليست والدتي..
انا لم اجهر بحقيقة موتها علانية و لا اريد ذلك،لأن قولها جهرا يعني انها حقيقة..
حقيقة مرّة تلحقني حتى في كوابيسي..
كنت في الخامسة عشرة حينها. لم أكن صغيرة كنت ارى و اسمع و افهم..
شعور الذنب و العجز الذي تلبسني..
كيف يمكنني تكفير هذا الذنب الذي اخذ يغزو عقلي مع تقدم عمري..
و مع تقدمي في هذا العالم العجيب..
خمسة عشر عامًا كانت كفيلة بأن تمنحها وسام "أفضل أم في التاريخ" في نظري. امرأة لم تترك ظلي يبتعد عنها، ولم تسمح للعالم أن يؤذيني، حتى عندما أتاها الموت، احتضنته وحدها..
مبعدة اياي جانبا..
اجل كنت اول سبب لموتها..
أردت أن أخبر الجنية… أن أقولها، أن أضع الحقيقة على الطاولة امامها و امام نفسي..
لكن الكلمات خذلتني...
ل
ساني، قلبي، و عقلي وقفو ضدي في هذه اللحظة..
"تَبًّا لكِ!"
صرخت بيرتا، وقد هرعت ناحيتي لتطوّقني بذراعيها، تدفنني في حضنها كما تفعل أم مع طفلتها، وأصابعها تمسح خصلات شعري البني المائل إلى الشقار...
"لماذا ذكّرتها؟!"
رفّعت الجنية يدها واضعة لها على صدرها وقد بدا وجهها شاحبًا..
"ذ… ذكّرتها بماذا؟"
لم يجب اي منا..
وجهها كان يحمل ملامح آملة ان ما استنتجه عقلها خاطئ..
انا تحديدا.. لم يكن في وسعي التكلّم. كنت غارقة في زمني الخاص… ذلك الزمن الذي طُبِع على مقلتيّ يوم ممات والدتي. صور تتداخل مع رعشة شفتَي الآن.
عدتُ إلى تلك الليلة، حين كنت أتوسّل للزمن أن يعود، لأقول لها كم أحببتها، وكم أنني لست مستعدة للعيش من دونها.
كلماتي لم تخرج ودموعي اختنقت في منتصف الطريق، كلّها عادت إليّ دفعة واحدة.
كنت أتذكّر… ولا شيء كان يستطيع أن يوقف ذلك.
اسفة لكمية الضغط الذي وقع علي و عليكم..
بيرتا كانت صامتة حد اللحظة..
خرجت من دوامتي اثر لمستها على خدي مرة اخرى و قولها بصوت هادئ حزين نوعا ما..
"إيميليان، عليكِ أن تتبعيني الآن.. "
رفعت حاجبي.. كيف تعرف اسمي؟
هذا غريب و الغريب ايضا انها ابتسمت و اغرورقت عيناها هي الاخرى بالدموع فأخذت تمسحهم..
شعرت بشيء ما يتقلّب في صدري، مزيج بين رغبتي في معرفة كيف تعرف اسمي، و معرفة ما علاقتها بوالدتي لدرجة تذرف دموعا على موتها..
"كيف يمكنني الوثوق بك؟ "
رفعت حاجبي نحوها فرأيتها تبتسم مرة اخرى..
"ذكية مثل والدتك تماما.. لا تقلقي.. انا طيبة صدقيني.."
"لم ارتح لك"
من قالتها هذه المرة كانت بيرتا و هي تقف خلفي تتستر بجسدي و تطل ناحية كتفي..
طريقتها في الاستهزاء..
الجنية تنهدت بقلة حيلة و رفعت يدها طرقت باصابعها فظهرت عدة فراشات كالتي لحقنا بها..
"لحقتما احداها الى هنا صحيح؟ "
لم اتحرك فقط ناظرت بيرتا التي تقف ورائي و هي بادلتني نفس النظرة.
يالدهشتنا..
الفراشة التي اخبرني ذاك الهمس الذي لا ادري حد الساعة لما اطيعه ان اتبعها، مصنوعة من طرف هذه الجنية..
انا ابتسمت اخيرا..
"لنفعلها... اصلا لا ندري اين سنذهب الان. "
بيرتا انتفضت تبتعد عني و تقترب منها ، حاجبيها ترسمان تقطيبة و ذراعاها معقودتان أمام صدرها..
"أنا آتية معها."
تقصد بأنها اتية معي كون الجنية قالت"اتبعيني" مخاطبة لي و ليس كلانا..
الجنية ابتسمت ، رفعت نظرها نحوها، وردّت بنبرةٍ هادئة..
" ستأتين معنا الى مكان معين و لن تكملي معها الطريق.."
قهقهت بيرتا بسخرية... ثم بجدية اتتها فجأة صرحت..
"أوه، طبعًا. ولماذا سيدة يرقة؟ هل سأتحوّل الى فطر ان ذهبت معها؟"
"المكان محميّ بحاجز قديم لا يستطيع احد عبوره هناك رخصة فقط لحاملي دم ديالا."
ثم اشارت إليّ..
"هي وحدها القادرة على العبور."
نظرت إلي بيرتا بشيءٍ بين الغضب لانها ستذهب، و القلق لاننا سنضطر الى الافتراق هنا مرة اخرى . اذ انها فتحت فمها لتردّ، ثم أغلقته كأن لا مجال للاعتراض اكثر..
سرنا طويلاً بين الاشجار..
الجنية تطير أمامنا تقودنا، لا تنظر خلفها. بيرتا كانت خلفي، تمشي بتأفف واضح كلما اصطدمت بفرعٍ أو تبللت قدمها من أرض رطبة.
رغم اعتراضاتها و تعكر مزاجها لم تفضل البقاء هناك..
توقفنا.
"ها هو الحاجز.. "
نبست الجنية فتقدّمت بيرتا، وعبست وهي تنقل عينيها في الارجاء..
"لا أرى شيئًا. هل تمزحين؟ قلت لك ايمي، لا اثق بها.. "
"تقدمي اكثر قليلا.. "
تقدمت خطوة.. اثنتان الثالثة لم تصل لها اثر اصطدام جسدها بشيئ غير مرئي، دفعته، حاولت المرور، ضربته بكتفها عدة مرات لكنها لم تفلح في العبور..
"ما هذا…؟"
تمتمت، مصدومة ترجع خطوة للخلف، اما الجنية نظرت إليّ، كأنها تقول: "دوركِ الآن."
تقدّمت خطوة، ووقفت أمام الحاجز. لم أره، لكنني أحسست به…
مددت يدي ببطء. أصبعي اقترب من الحاجز، و لامسه.
أغمضت عيني، وتقدّمت أكثر، حتى غمرت يدي الحاجز، ثم ذراعي… وجسدي..
"أنتِ… ما اسمكِ؟"
الجنية اعتدلت في وقفتها فور ان سألتها و انا داخل الحاجز و هي خارجه رفقة بيرتا التي تعقد ذراعيها و بدت ملامحها عابسة،
"اسمي لورين."
نظرتُ إليها طويلاً، ثم التفتّ نحو بيرتا،تقوس حاجباي في حزن..
بيرتا كانت نصفي الثاني في حياتي..
لا توجد خطوة في حياتي لم تكن هي فيها..
ربما تظنونها مبالغة لكننا لا نستطيع الابتعاد عن بعضنا لمدة طويلة..
عدت ادراجي ارجع لخارج الحاجز اعانق بيرتا و التي بادلتني العناق بدورها و بنبرة شبه باكية قالت دون ان تفصل العناق..
"قطعة البودينغ تلك نحن لم نأكلها"
"لا بأس سآكلها وحدي.. "
"هذا غير عادل"
قهقهنا و فصلنا العناق فنظرتُ إلى الاثنتين، وقلبي معلق بين العالمين. قالت لورين، وهي ترفع حاجبًا تتصنع استلطاف بيرتا..
"اطمئني، سأعتني بها جيدًا."
نظرت إليها بيرتا ، وردّت بنبرة جافية:
"أوه، شكرًا جزيلاً يا يرقة. لكن إن كنتِ ستُطعمينني مما يُقدّم لمخلوقات بحجمك، فلا تزعجي نفسك. إن كان عشاؤك بحجم حبّة أرز… فلا أرغب."
كانت الجنيّة تزمّ شفتيها بحماس كأنها انتظرت هذا اليوم منذ وقت طويل ثم استدارت إلى بيرتا وقالت،
"حجم الطعام ليس بالمشكلة.. سأتدبّر أمركِ، يا طويلة اللسان... انتظرت وصول ضيف ثقيل منذ الاف السنين لاطعمه قدم ثعلب.. "
زمّت بيرتا شفتيها، وأدارت وجهها نحوي متجاهلة لورين..
"فقط لا تتأخري، وإن خرجتِ من هناك وقد نبتت لكِ أجنحة أو قرون او انياب… فحضري نفسك معنويا لاني سأركلكِ حتى تعودي بشريّة."
.............
تقدّمت لاورا، وخطاها ترنّ فوق الرخام الأسود .
إلى جانبها، مشت مريم، تحمل طرف عباءتها الطويلة حتى لا تتسخ، نظراتها متوجسة تناظر هذا القسم من القصر و ااذي يعتبر الافخم من ناحية التصميم..
كانت القاعة الكبرى تزخر بانواع جميلة من النقوش التي طال عليها الدهر فأصبحت ايقونة جميلة من الماضي...
الخليط الراقي بين الاخضر الداكن و الذهبي في الاثاث يمنح طابع المستذئبين و فطرتهم..
وجوه شيوخ جلسوا فوق مقاعدها الحجرية في نصف دائرة، أشبه بتماثيل على جانبي عرش فولغار، ملك المستذئبين الذي تخلل الشيب لحيته و شعره البني.. و بنيته رغم كبر سنه غير انها لا تزال قوية و متينة..
تقدّمتا حتى بلغتا دائرة منقوشة في منتصف الأرض. .
تكلم المتربع على العرش ،و يا الهي صوته..
سنوات من الحرب عاشها،و التي تركت اثارها على رقبته بندبة..
"لاورا... نكران أم اعتراف؟ تنكرين انك انت من اضرمت النار في الجناح الجنوبي؟ ام تعترفين؟ "
رفعت لاورا رموشها نحوه ونظرت مباشرة في عينيه، وقالت بصوتٍ ثابتٍ متحدي..
"إنكر اني الفاعلة قطعا.. لا أنا، ولا هذه الفتاة، أشعلنا شيئًا. أنتم تعرفون من الفاعل فلما تفتعلون هذه الشوشرة؟.."
اجل كل الادلة تقود الى ان مصاص الدماء هو الذي اشعل المكان، و تعرف ما تحاول عشيرتها فعله..
لو لم يريدوا قتلها سيحبون لو انها لا تقابلهم كونها هجينة..
و لا بد ايضا ان وجود مريظ في القثر ازعحهم ايضا فارادو افتعال ذريعة لطمسهما..
تململ بعض الشيوخ في مقاعدهم، وتبادل بعضهم النظرات..
"لا دليل لك.. "
صرّت لاورا على أسنانها، ثم صرخت لدرجة ان نابها ظهر..
"هل احتاج دليلا غير اني مستذئبة ايضا؟ "
"لدينا أدلّة."
الصوت كان آت من المدخل استدار الجميع… ليجدوا سيلفيان وإيريك، ابني عمّها، يقفان هناك.
تقدّم سيلفيان ناظر حال الفتاتين ثم رفع اعينه الخضراء للملك بتقضيبة بين حاجبيه..
"لاورا ليست الفاعلة.. "
"ما دليلك؟"
"كانت تجلس على قاعدة نافذة حين بدأ الحريق اشهد على ذلك و كذلك الذئاب الذين تواجدوا في الحديقة، و ايضا ذاك 'الميرالس' اسود الشعر لوح لها وسط كلامنا مع مصاص الدماء..اذن ارى الا تتسرع سموك... "
ا
يريك تحدث هو الاخر مشيرا الى مريم و الجدية المرتسمة على وجهه بدت غريبة عنها..
"كانت معي اثناء اضرام الحريق.. "
حسنا الفتاة العربية وسطهم و التي لم تعتقد يوما انها سترى خيرا من هذا العالم القى لها القدر هذا المستذئب صاحب الابتسامة ليشهد لثصالحها في محاكمة من نوع ما..
هذا جعلها مرة اخرى تحمد الله في سرها..
"لن تُدانا لكنك لن تُبرّئا ايضا، لن تسجنا لكن ستكونان تحت المراقبة."
ساد صمتٌ ثقيلٌ في القاعة بعد انتهاء عرض الأدلة. و الحكم..
اعتدل الملك فولغار في مجلسه، ونظر إلى لاورا نظرة طويلة، كأنّه يبحث في ملامحها عن فشل..
حسنا هو يكرهها تعلم ذلك، لكن ليس لهذه الدرجة..
"الوقائع متشابكة، والأدلة ناقصة. لا يليق بنا أن نُسقِط حكمًا قاطعًا، ولا أن نُطلق سراح أعمى."
هنا يقصد الاعمى عن الحق او المجرم بتعبير آخر..
انى له ان يدعوها بالمجرمة بهذه الطريقة؟
لو ارادها ان ترحل فقط فليخبرها لما عليه فعل هذا و تلقيبها بالمجرمة، سمعتها في الحضيض الاسفل و مناداتها بالعمياء عن الحق يزيد الامر سوءا..
بعض الشيوخ أومأوا بالموافقة، و لاورا رفعت بصرها ناحيته و قالت بنبرة جافية..
"أرفض البقاء."
رأت الثدمة في وجوه من بالقاعة لذا اضافت...
"أطلب الإذن بالمغادرة… إلى مملكة الألثا إذا كان هذا سيريحكم.. "
(。◕‿◕。)
كملنا 👄💓
رايكم؟ 🌸
انجيلينا و التوتر الذي تلبسها؟ 🤣
هل كنت ستقوم بنفس رد الفعل لو ناظرتك عائلة بضخمها؟ 😃
زافيير و الملك؟ 😭
هل تريدون ان تروا نايز دون جرعته من البودينغ؟؟💀
سيقتلني و يقتلكم و يقتل زافييران شاء الله😌🤌🏻
الحرب بين مصاصي الدماء و المستذئبين قربت🖤🫡
رد فعل الملك كايلوس على الحريق💀
مريم و لاورا عند الالثا؟ 🌝
بيرتا و الجنية لورين 🤣
ماذا سيحدث لإيميليان؟؟ 🙂✨
البودينغ سرقته لنايز😃💔
🌸فلاد دراكوليا تألقكم🌸
Felina