لَآ يَوٌلَدٍ آلَشُرُّير شُريَرًآ، بًلَ تٌصّوٌغُهّ آلَخِيَبًآتٌ وٌتٌطِرقُهّ آلَخِيَآنِةّ. لَآ يَکْرهّ أحًدٌٍ آلَعٌآلَمً عٌبًثًًآ، بًلَ ثًمًّةّ جّرحًٌ غُآئر، خِذِلَآنٌِ دٍفُيَنِ، جّعٌلَ آلَظُلَآمً مًأوٌآهّ وٌآلَضوٌء عٌدٍوٌهّ.
.
.

.
.
إيميليان
أنا متعبة حد النخاع لا أستطيع تحريك أطرافي ،
أريد فقط معرفة الشيئ البارد الذي يستقر على وجهي يداعبه،
مقيدة الساقين و اليدين مستلقية على سرير، لا أستطيع الحراك. ابدو مخدرة حتى أني لا أقوى على فتح عيناي..
تثاقلت أجفاني وهي تنسحب عن عينيّ ، تغالب نفسها للعودة إلى السُّبات،
حسنا..
تمنّيت لو أنها لم تفعل.
بجانب السرير ، جلس زير النساء الأشقر ذاك على الأرضية ، مستندًا بذراعيه على الفراش يقابلني بإبتسامة، أنامله تجرّأت على وجهي، تُداعب خدي، يريد أن يوقظني..
إيميليان، لديكِ خياران: إما أن تنهضي وتواجهي هذا المشهد و تواجهي معه هذا الرجل مصاص الدماء أو..
الخيار الأكثر منطقية الا و هو أن تتظاهري بالموت.
الخيار الثاني بدا مغريًا و أقل خسائر .
لقد سمعتُ عن هذه الإستراتيجية من قبل، استراتيجية الأرانب، عندما تواجهُ أحد المفترسين تتظاهر بالموت،
حسنًا، لا أرى ضررًا في أن أجرّبها.
أغمضتُ عينيّ ، مستندةً إلى أملٍ هشّ أنّه ربما لم ينتبه للحظة الخاطفة التي فتحتُ فيها عيناي.
ربما..
"لن يفيدكِ التمثيل، ديالا. لن تخدعيني، حتى لو كنتِ أعظم ممثلة أنجبتها خشبات المسارح."
آه، كم هذا رائع.
استسلمتُ لقدري، فتحتُ عينيّ ببطء، وزفرتُ براحةٍ مُبالغ فيها. نظرتُ إلى عينيه..
كانتا زرقاوان.
ليستا قرمزيتين، ليستا جائعتين، ليستا توحيان بنهاية مأساوية لي.
الأزرق بات لي كالمحيط في يومٍ هادئ في هذه اللحظة،
مخيف لأعماقه ، لكنه على الأقل لا يحترق كالقرميزي فلا تدري اسيحرقك او يدفئك...
شعرتُ بتنهيدتي تحررني من خوفي حين لمحت لون عينيه، وكأنني أنفض عن صدري ثقلاً لم أكن أدرك أنّه جثم عليه في هذه السويعات القليلة منذ ولوجي لهذا العالم.
للحظة، نسيتُ أنني محاصرة في غرفة مغلقة، برفقة مصاص دماء، زير نساء، رجلٍ لا أملك سببًا واحدًا للوثوق به.
لكنه على الأقل... ليس متعطشًا لدمائي الآن.
حاولتُ أن أجد مفرًّا، أيَّ مفرٍّ، من هذا المشهد الذي زُجِجتُ فيه دون مبرر، ومن نظراته المصوّبة نحوي و التي أربكتني،
لم أستطع حتى الوقوف، فالأغلال كانت خيرَ تذكرةٍ على عجزي.
لذا، سافرتُ بعيني، لعلّهما تهربان حيث تعجز قدماي.
الغرفة مثيرة للإهتمام. كصندوق كنزٍ منفتح على مصرعه،
كل ما كان يُفترض أن يكون زجاجًا، كان بدلًا من ذلك ألماسًا مصقولا .
المكتبة، التي يُفترض بها أن تكون موطنا للكتب، أصبحت محرابٍ للذهب،
لا بد أن له مفهوما أن التاريخ يُقرأ من وزن المعادن أكثر مما يُقرأ بكثرة الكلمات.
"هل ستتخذين الصمت ملجأ؟ "
رفعتُ عينيّ ببطء، التقت زرقاواتي بعينيه، حاجباي انعقدا في صمتٍ مطوّل، لم أتحدث فقط رمقته بنظرات أنا نفسي لم أصنفها أهي ارتباك أم غضب أم شفقة على نفسي أو حنق تجاهه..
" قلتُ سابقًا إنني لستُ هي."
لاحظَ جمودي، استشعر أنّني لستُ في مزاجٍ يسمح بالمزاح، وكلماتي لم تكن سوى دلو الماء الذي زاد الطين عنده بِلّة.
تغيرت نبرته، اكتسى صوته إنزعاجا..
"تظاهري أنكِ هي... وإلا متِّ."
كم هو شخصٌ مباشر، بلعت ريقي و رعشة سرت في انحاء جسمي تبتدأ من أسفل عمودي الفقري.
استطرد، بنبرةٍ أشبه بجرسِ إنذارٍ يهددني..
"أحتاج إلى وجهكِ لأتذكرها بكِ، وإن استمر عنادكِ، فسأقطع رأسكِ وأُودِعه مجموعتي من النفائس. مفهوم، عزيزتي؟"
قالها بابتسامةٍ واسعة، تحمل من الوعيد ما يكفي لخلخلة روحي. وبما أنّي أُجيد فنّ البقاء على قيد الحياة، ابتسمتُ. ليس لي شيئ آخر قد أؤذيه به غير إستفزازه، هو بادلني الإبتسامة..
اردت أن أستفزه فسقطت في هاوية فخي له بدلا منه.
أسدلتُ رموشي نحو الأسفل و زفرت ، متفحّصةً ملابسي الممزقة التي ما زالت تحمل آثار الدماء. ذكرياتُ الليلة الماضية ليست مشوشة تمامًا في رأسي ... عضة، جوعٌ في عينيه، و ساعة ذلك المنفصم، و اتذكر أني رجعت للغرفة التي يجلس بها البشر الآخرون.
"فك قيدي إذا لم يكن لهذا أعراض جانبية عليك "
نبست و عيني صوبه لم تتحركا، أصررت اناظره بتحدي و جدية عله يبعد فكرة استضعافي عن رأسه.
لكنه..
ضحك بخفوت و نبس..
"أنت ظريفة ديالا، كما عهدته! "
كم مرة علي إخباره اني لست أمي ديالا حتى يكف عن مناداتي بإسمها.. كم مرةً عليه أن يسمعني أُصحّح هذا الخطأ حتى يعي الحقيقة؟
اكره هذا ! زفرةٌ أخرى أفلتت مني كاتمةً غيظي، الثالثة اليوم. يبدو أن رئتيّ قررتا أن تتخذا الزفير هواية جديدة،
أولًا، أنا لستُ ديالا. ثانيًا، فكّ قيدي وأعدني إلى عالمي، أو.. "
توقفتُ لحظة، ثم أضفتُ بسخريةٍ أقلب عيناي ،
"على الأقل زوّدني ببعض المعلومات عن هذه الديالا التي تُصرّ على رؤيتها في وجهي!"
في داخلي، همستُ باعتذارٍ خافتٍ لشبح أمي... آسفة، يا أمي، لكن لا خيار لديّ سوى أن أتجرأ على هذا. ان اخرج اسمك من فاهي كغريبيْن..
وقف من الارضية و جلس بجانبي على السرير و تلك الابتسامة التي لو كانت يداي محررتين لصفعته نية في ازالتها تنحتها ملامحه..
كان صمته أكثر إزعاجًا من كلماته. حيث اكتفى بالنظر إليّ،
"ماذا؟"
قطعتُ الصمت بنفاد صبر،
"وجهكِ."
"وجهي؟"
"نعم. يحمل ملامحها، لكن ليس تعابيرها. ديالا كانت تعرف كيف تتظاهر، أما أنتِ... أنتِ تقاتلين لتفعلي.. "
شعرتُ بانقباض غريب، أعلم أني أشبه أمي، لكن سماع ذلك منه، من رجل يطارد ظلها بي، جعلني أشعر وكأني نسخة رخيصة لم تكتمل منها و أنا التي لم تحاول ان تكون هي أصلا..
لف خصلة من شعري على سبابته و نبس و عيناه مركزتان عليها..
"أعيدكِ إلى عالمكِ؟ لا أعتقد أن الأمر بهذه السهولة، بل هذا مستحيل.. "
ضحكتُ، رغم أنه ما من شيئ مضحك.
"إذًا، ما الحل؟ ستبقيني هنا لأستحيل شبحًا باسم شخص آخر؟"
لم يرد. فقط نظر للفراغ لهنيهة...
شعرتُ بمعدن القيد وهو يُفك ينزلق بعيدا عن معصمي.
الحرية أخيرا!
حدّقتُ في يديّ للحظة، غير مصدقة، ثم رفعتُ بصري إليه.
"ما هذه الكرم الذي تلبّسك فجأة ؟"
قلتُ بسخرية وأنا أفرك معصمي، أحركه بغية استرجاع الاحساس به..
"هروبكِ لن يكون مشكلة. ستعودين إليّ بنفسك."
"واثق جدًا من نفسك، "
"لستُ واثقًا ديالا، أنا متأكد."
تنفستُ بعمق، ووقفتُ، متجاهلةً له، لمناداته لي بإسم والدتي و للطريقة التي تألمت بها ساقاي بعد جلوسي الطويل.
إذا كان يظن أنني سأبقى هنا طوعًا، فهو لا يعرفني جيدًا.
"سأخرج."
"بالطبع."
وضعتُ يدي على المقبض، ثم التفتُ إليه، عيناه تحملان ابتسامة، ابتسامة اللعوبين،
"لديّ سؤال. و اود صراحة اكثر الآن.. "
رفع حاجبًا، منتظرًا.
"من تكون ديالا بالنسبة لك حقا؟"
مرّت لحظة صمت، ثم همس، وكأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثني..
"ديالا... كانت النور لي في عالمٍ لم يعرف سوى الظلام."
هززت رأسي في إيماءة و خرجت من الغرفة.
(. ❛ ᴗ ❛.)
بقي يحدّق في الباب الذي خرجت منه،
نظراته تحاول اختراق الجدران للحاق بها. إزدادت وتيرة تنفسه فجأة وخفض نظره إلى الطاولة حيث الكأس المملوءة بالسائل القرمزي.
مدّ يده يرفعها إلى شفتيه وشربها دفعة واحدة. طعم الحديد والدفء الذي يتسلل إلى جسده قد أرواه.
لما منع نفسه من الاقتراب منها؟ لم يفهم لمَ تردّد أصلًا. هل كان الشبه هو ما كبّله؟ تلك الملامح التي تذكره بامرأة لم يستطع دفن ذكراها ؟
(。◕‿◕。)
يميليان
إلى أين عليّ الذهاب الآن؟
أتجول بين الممرات كما لو كنتُ أعرف وجهتي، لكني في الحقيقة تائهة.
هذا رجل افترض أنني سأعرف طريقي..
آه، صحيح... نسيتُ أنني ديالا الآن، ولستُ إيميليان.لا بد أن أمي تحفظ هذا المكان.
التقمُّص القسري ليس أمرًا ممتعًا، خاصة عندما تكون الشخصية التي فرضوها عليك لتتقمصها لغزا ضاعت نصف قطعه.
أسندتُ ظهري إلى الجدار أفكر...
أمي، بحقّ خالق الكوابيس، ما قصتكِ مع هؤلاء؟ كيف يتداخل اسمكِ مع هذا المكان؟ ولماذا أنا هنا؟
والأهم... أين بيرتا؟
تخيّلتُ للحظة أنني أجلس حول طاولة، وكل شخص في هذا القصر يقابلني ، وأصرخ بهم "حسنًا، من سيشرح لي القصة؟!"
لكن للأسف، الواقع لا يمنحني هذا الحق..
عبثتُ بخصلات شعري، أحاول ترتيب أفكاري و أنا أراها قطع أحجية مبعثرة، لا شيء منها يلتصق بالآخر،
كل شيء ضبابي... مجهول... دهليزٌ بلا مخرج.
ولأنني لا أحب هذا النوع من الدهاليز لا بدّ لي من أن أخلق طريقي بنفسي.
" اوه هذه انت...كيف يمكن أن تستيقظي بعد عضة ريكاردو؟"
رائع... استيقظتُ أخيرًا، لأجد أسئلة، رفعتُ رأسي ، وعيني اصطدمتا بخضراويتن جديتين رأيتهما من قبل... أجل، كان موريان، الرجل الذي يبدو في أواخر الثلاثين، والإبن الأكبر للإبن الأكبر لعائلة هوجين، يقف أمامي بذراعين معقودتين، و حاجبه مرفوع.
"هل فقدتِ السمع؟"
أنا أجبته بنبرة هادئة متزنة.. لا يجب أن أظهر توتري معهم، سيستغلون هذا.
"لا..لا لم أفعل..."
"دعي آذانك البشرية تصغي إلي....لما شيئ مثلك.."
توقف لبرهة ثم استطرد..
"بل بأي جرأةٍ تطئين عتبة جناحي؟"
آه، هذه نبرة مَن يذكّركِ بأنكِ دخيلة... غير مرغوبٍ بها... و...
مهلًا، "شيء مثلي"؟! كم هو لطيفٌ هذا الرجل! حتى أنه يراني شيئا..
" لم أعلم أنني دخلت جناحك، في الواقع أنا تائهة و.. "
" أخرجي من جناحي..."
بقيت متسمرة هناك انظر إليه لأقول متسائلة..
" دلني على سبيل الخروج منه.؟"
ابتسم.
لا، بل أشرق وجهه بابتسامة أشد إشراقًا من اللازم، حتى أنني أحتاج نظارة شمسية الآن..
أشار بيده إلى الخلف وقال بصوت مفرط اللطف.
"المخرج من هنا، يا آنسة."
آه... فهمت، هذا الرجل منفصم حد النخاع و ها قد تأكدت..
هذه العائلة غريبة. هذا القصر أغرب. وهذا الرجل تحديدًا... لا بد أن عقله يسير في مسار حلزوني يتغير مزاجه دون سابق إنذار..
كيف لعقلي الذي يعمل بالمنطق الا يتوقف عن العمل؟
لم أنطق، فقط ألقيت عليه نظرة ضيقة، نظرة تقول كل شيء واللا شيء.
ثم زفرتُ بهدوء، كأنني أشكر الله على النجاة هذه المرة.
استدرتُ لأغادر، لكنه... لوّح لي مودّعًا، بابتسامة لا أستطيع أن أقرر إن كانت ساخرة أم بريئة أم مجرد نوبة أخرى من نوبات شخصيته المتقلبة.
حسنًا... مجنون منفصم، حُكمٌ نهائي.
وأخيرًا، خرجتُ من جناحه... إلى جناح آخر،
هنا، لا حركة، لا أصوات، فقط هدوء يذكّرني بحقول الثلج الممتدة في سيبيريا،
على عكس باقي أروقة القلعة، هذا الجناح مشبع بهدوء أنيق .
جناح شخص يملك من الذوق ما يكفي ليختار جدرانًا بيضاء مائلة إلى البيج، مع لمسات من الأحمر القرميزي والأسود العميق لتزين المكان.
حسنًا... أخيرًا، مكان يُشعرني أنني لستُ في مشهد من رواية مرعبة.
جثوتُ على إحدى السجادات، أسندُ ظهري إلى الجدار وأتنفس الصمت. مر الوقت ببطء، شعرتُ فيه بالإنحطاط، أحنّ إلى هاتفي الذي نسيته فوق المائدة في المنزل...
أوه، منزلي! عالمي البعيد الذي يبدو الآن كحلم .
...
كما تعلمون، الفضول مرض، وأنا مصابة به منذ الولادة.
نهضتُ، أنتفض برغبة لا مبرر لها سوى أنني لا أستطيع الجلوس دون محاولة فك شيفرة المكان و أمي و هذا العالم .
تحركتُ نحو الباب الأكبر، الذي اغواني لإستكشافه..
حين فتحته، قابلني الظلام خانقًا، تلمّستُ الجدار بحثًا عن مفتاحٍ للكهرباء، لكنني تذكّرت أنني في قصرٍ بُنيَ قبل أن يخطر لأحدهم اختراع المصابيح.
تراجعتُ خطوة إلى الوراء أرجع للممر ، بحثتُ بعيني عن أي مصدرٍ للضوء، و على طاولةٍ خشبية عند المدخل، لمحتُ مصباحًا زيتيًّا.
مددتُ يدي، رفعته، نظرتُ إليه للحظة... ثم ابتسمتُ.
أشعلته، وراقبتُ كيف تمددت ألسنة اللهب في الفتيل ، تلعق الزجاج من الداخل قبل أن تُسدل ضوءها على ملامح الغرفة التي كساها الظلام يهيبته...
رفعتُ المصباح الزيتي قليلًا،
لا أدري كيف تبدو الغرفة، لا أدري أين يقبع الأثاث، لكنني على الأقل لن أختبر معنى الارتطام المفاجئ بطاولة. او شيئ من ذلك اللقبيل بفضل المضيئ في يدي.
تقدمت داخل الغرفة، و ما لمحته فيها،، قطع شكي و جعل عقلي يتوقف..
(。◕‿◕。)
" "أيها الحمقى، كفى هذا الهراء!"
كايون صرخ.
التفت إليه كلٌّ من تالين وليونارد، بينما كانت الأولى تمسك شعر الثاني في حين كان هو يمسك بياقة قميصها
تالين زفرت وألقت نظرة منزعجة على كايون وكأنه حشرة..
"ماذا تريد أيها الصغير المدلل؟ أهذا وقت دخول الأطفال الذين ينتظرون أخواتهم ليحاربوا بدلًا منهم؟"
"معها حق الذين يعتمدون على النساء ليسو رجالا.. "
تشنج فك كايون، قبض على يديه، ونطق بإندفاع..
"أنا على الأقل لا أبيع كرامتي لمن يدفع أكثر مثل بعضهم !"
ثم إستطرد يحاول عدم النظر لأخيه الاكبر..
"ثم إني أتيت بالأوراق."
عندها، ترك ليونارد قميص تالين ، ثم استدار نحو كايون،يعدل خصلات شعره التي تحولت إلى فوضى بسبب العراك ، وبابتسامة مشرقة وضع يده على كتف شقيقه الأصغر وقال بنبرة لطيفة زائفة.
"أين هي؟ أوراقي، أين هي يا أخي الصغير اللطيف؟"
أجابه كايون بابتسامة المنتصر..
"لن أعطيك إياها."
عند هذه الجملة، وضع الآخر يده على صدره وكأنه يواسي قلبه المجروح، ثم زفر، وهز رأسه ، قبل أن يرفع عينيه مجددًا وينطق وكأنه يشرح لطفل في الروضة..
"يا صغيري، ما يزعجني ليس أنك لم تبلغ سن الرشد بعد، ولا أنك قليل الخبرة، بل أنك لم تتعلم حتى الآن أساسيات المقايضة. وهذا أمر محزن، يا أخي العزيز."
كانت تالين قد أخرجت سيجارة وأشعلتها، متجاهلة حديثهما تمامًا، وقالت وهي تضع قدمًا فوق قدم، بشكل أرستقراطي، شعرها البني المنسدل على كتفيها، و ملابسها الانيقة المتمثلة في تنورة شبه ضيقة تصل حد تحت الركبة و قميص عاجي بأزرار بها نقوش جميلة و دقيقة و عينيها الزرقاوتان قد جعلا شكلها يبدو كإمرأة نبيلة لكن السيجارة في يدها تمردت تجعل من المظهر مميزا..
" لننتقل إلى الأهم... ماذا نفعل بشأن تلك البشرية التي تتجول في القصر كقط أضاع بيته؟ أليس من المفترض أن يكون مكانها حيث يتم عصر الدم من البشريين؟"
ليونارد، الذي كان قد عاد إلى وضعيته المتكئة على الأريكة تاركا كايون الذي بقي يناظر تالين بتقضيبة بين حاجبيه،
في حين رفع ليونارد حاجبه وكأنه تذكر الموضوع، ثم قال بلا مبالاة..
"أوه، تلك الفتاة؟ بدت مثيرة للاهتمام، فظننت أن كايون سيستمتع بها حتى يملّ، ثم يقوم بالتخلص منها كأي شيء تافه آخر، هل استمتعت برفقتها؟ "
خاطب كايون في الجملة الاخيرة فأطلق الاخر جوابه وهو يرفع رأسه بنظرة قاتمة باردة نحوهما..
"اقضوا عليها. إنها مملة."
رفعت تالين حاجبها ونظرت إلى ليونارد كأنها تقول "أرأيت؟"، فرد عليها الأخير وهو يفتح عينيه ببطء وينظر نحو كايون..
"افعل ما تشاء. إن كنتَ قادرًا على قتلها، فلن أمنعك."
(. ❛ ᴗ ❛.)
إيميليان
تقدّمت للداخل، أخشى أن يبتلعني المكان إن أصدرتُ صوتًا خاطئًا. أناملي تشدّدت حول المصباح الزيتي، أرفعه قليلًا لأرى ما خبّأه الظلام...على الطاولة أمام السرير،
وجدت... شيئا قطع شكي باليقين..
يبدو أن فكي قرر القيام بسقوط حر نحو الأرض.
كانت صورة..
لما مجرد صورة تأثيرها ضربني كصفعة، حدّقت بها، أعيد التركيز لنفسي ، أغمض عيني، أفتحهما... لا، ليست هلوسة. إنها هي.
والدتي.
واقفة في المنتصف تبتسم بشقاوة بملامح شابة ، نسخة قديمة من الذكرى التي أحملها عنها.
على يمينها، ريكاردو الأحمق و قد بدا أصغر سِنًا وأقل استحقاقًا للّكم.
كان يبتسم بإشراق ، يضع يده فوق رأسها كطفلة كونه يبدو أكبر منها قليلا، بينما يده الأخرى ترفع إصبعيه في علامة النصر أو إعلان غلبة.
لكن انتظروا... من هذا؟
إلى يسارها، رجل بشعر ناصع البياض، عيناه ليستا متجهتين نحو الرسام، بل نحو ريكاردو، نظراته نحوه تحمل في طياتها الانزعاج، وكأنه يسأل نفسه" لماذا أتحمل وجود هذا المخلوق بجواري؟"، لون عينيه لم تتبينه كون الظلمة تطغى على المكان.
كانت اوراق الاشجار الحمراء تغطي ثلاثتهم، كان مشهد عفوي .
لقد تأكدت توا أن امي لها علاقة...و علاقة وطيدة تجعل أحدا منهم يضع صورتها في إيطار امام سريره..
صوت الباب يفتح...
تُرى، هل قدّر لي يومًا أن أُكمل استكشاف شيء حتى نهايته دون أن يُقاطعني أحد؟
القدر قد قرر، وبلا استشارتي طبعًا، أن يختبر مهاراتي في التخفي.
صوت خطوات يقترب… تبًّا. لم أنهِ تأملي في الصورة بعد! من يكون؟ صاحب الغرفة؟ أم فضولي آخر قرر أن يقتحمها كما فعلت؟
أفضّل الخيار الثاني، فمن الجيد أن يكون هنالك شخص آخر يشاركك الخطأ أحيانًا.
الباب انفتح مُصدِرًا صريرًا . وفي اللحظة ذاتها، أطفأتُ شمعة المصباح بسرعة، وانزلقتُ خلف السرير، قابضة على المصباح الزيتي..
إنه آخر وسيلة دفاع ضد الموت في حالتي هذه، ربما سيفيد في كسر جمجمة أحدهم على الأقل.
بدأتُ أرتجف رغمًا عني… لماذا بحق السماء لم يشعل الضوء؟ لماذا يبدو وكأنه يشعر بوجودي؟ صوت بارد شقّ الصمت، محمّلًا بتلك الثقة التي تخبرك أنك في ورطة..
"أيُّ إنسيٍّ لعينٍ هذا الذي تسلل إلى غرفتي؟"
رائع. أنا اللعين المقصود هنا، على ما يبدو.
"أشعر بوجودك. أخرج."
أوه، ليت الأمر كان بهذه السهولة! لكنني للأسف ما زلت أحب الحياة قليلًا.
صوت خطواته على الرخام كان واضحًا… قادم نحوي، بلا استعجال لينتزعني من مخبئي.
وحين وضع يده على السرير و انحنى ليُطلّ علي.
التقت أعيننا.
أصبح كل شيء حولي عديم الأهمية مقارنة بتلك النظرة.
عيون قرمزية، ناظرتني بخلوٍ و للحظة فقدت هدوءها، اتسعتا بصدمة قصيرة لم تلبث أن تلاشت بسرعة،
أنا خائفة، ع.. عيناه ق.. قرميزيتان إنه عطش للدماء، سيقتلني!
سيشرب دمائي كعصير و يتلذذ به كوني لطيفة و بريئة و حلوة!
هذا ليس عدلا مازلت صغيرة، لم أرى شيئا بعد في هذه الحياة التعيسة..
شفتاي ترتعشان، اريد البكاء..
يبدو أنه أعاد ترتيب أفكاره في أقل من ثانية.
لحظة أخرى، و قد بدأ يدقق في ملامحي، في تفاصيل وجهي المتجمدة، وأنا…
حسناً، لنقل إنني كنت على وشك أن أصبح ديكورًا إضافيًا للغرفة من شدة الرعب. تلاحظ فقط نظراتي المرتعبة نحوه، شفتاي ترتعشان و حركتي للخلف في كل مرة يتحرك مقدار شعرة..
أجل... بلا وعي مني ، بدأتُ أزحف بعيدًا، محاولةً توسيع المسافة بيني وبين هذا الكائن ذي العيون الدامية.
عقد ذراعيه لصدره و طال صمته، وكأنه يشاهد فأرًا مذعورًا يحاول الهروب ، ثم تنهد… كأن وجودي هنا ليس مهما...
رائع. على الأقل أحدنا لا يأخذ هذا اللقاء بجديّة كما يفعل الآخر.
شعره الأبيض كخيوط من ثلج ، يرجعه للخلف بينما تحاول بعض الخصلات المتمردة أن تعانق وجهه مضيفةً لمسة من الرقي إلى مظهره الشاب.
لون شعره كان يبرز بشكل لافت، وجهه كان يحمل تعبيرًا هادئًا و غامضا يجعل الجو ثقيلا نوعا ما ...
بأنامله رفع شعره الأبيض المائل للفضي و تمتم..
" إنه الأبله ريكاردو...ذلك الرجل سيقتلني في أحد الأيام.."
"إنه سيقتلني أيضا.. "
قلت هامسة بين انفاسي فلمحته يرفع حاجبه نحوي.
اوه يا إلهي لالالالالالالا..
ما حسبته همسًا لم يكن كذلك.
كانت الجملة قد خرجت في اللحظة ذاتها التي عمّ فيها الصمت، ليبدو الأمر وكأنني كنت أتحدث معه..
بلعت ريقي ، لست متأكدة إن كان قد سمعني حقًا أم أنني مجرد مخلوق غريب يثرثر بكلام غير مفهوم بينه و بين نفسه في نظره الآن .
حدقت به للحظة، ثم مفتعلة اللامبالاة، أشحت بنظري إلى الجدار، متظاهرة أنني لم أقل شيئًا على الإطلاق.
لم يتحدث، بل مثل أنه لم يسمعني هو الآخر بعد جولة تحديق مطولة فيّ. لا شيء يحدث، لا تعليق، لا مصّ دماء مفاجئ. لعلني نجوت.
" انت.....قفي...هل تنتظرينني لأحملك للخارج؟"
وقفت و أنا متسمرة كروبوت، تنفسي غير منتظم، ماذا لو كان يخدعني ، و ينتظر مني التحرك ليجعلني فطوره؟؟
لالا لا أظن ذلك لو كان يريد ذلك لفعلها و أنا متسمرة..
لما لم ينتحل الفرصة و يمتص دمي بما أنه عطش للدماء؟؟
"أخرجي قبل أن أغير رأيي "
لذا، في خطوة كانت غلطة لا تغتفر، سألته:
"ألستَ عطشانًا؟"
رمقني بنظرة أشبه برجل يسأل نفسه كيف وصلت كائنات حمقاء مثلي إلى هذا العمر دون أن تموت بشكل طبيعي. ثم قال بصوت خالٍ من الاهتمام..
"ولِمَ يهمّك ذلك؟ كوني سعيدة لأنني لم ألتهمك... واغربي عن وجهي."
طبعًا، لم أستطع تفويت الفرصة للتمتمة بين أنفاسي بشيء مهين، لحسن الحظ، لم يسمعه. لكنه صمت للحظة، وكأنه يمنحني فرصة لقول المزيد، قبل أن يضيف ببرود قاطع:
"لو رأيتكِ هنا مجددًا... سأقتلك. سأجعلكِ تحلية للعشاء. ليس ذنبي أن أخي الأبله يحب النساء الفضوليات ليأتين جناحي."
الهدوء الذي تحمله عيناه شيء أشبه بسكون منتصف الليل، حين يخلو العالم من الضوضاء، لا صوت، ظلام...غموض...ربما غضب...حزن...هذا ما شعرت به في عينيه..
هذا الذي أمامي ببرود الثلج... لم يكن بحاجة لأن يحترق ليكون مخيفًا.
كانت كلماته القليلة كفيلة بزرع القشعريرة في كل خلية من جسدي.
أوه، بالطبع، كان بإمكانه أن يمتص دمي كما يحتسي الآخرون نبيذهم ، لكنه لم يفعل. لم يكن بحاجة إلى ذلك.
هناك أنواع من الوحوش لا تحتاج إلى الأنياب لافتراس فرائسها، يكفي أن تنظر إليك، أن تخبرك بهدوء أنه قادر على إنهائك، دون أن يفقد شهيته، او ان يشعر بالذنب..
أخرجني من أفكاري خطواته نحو السرير..رفع بصره نحو الطاولة، حيث الإيطار الذي كنتُ أتأمله، و فورا أسدله على وجهه حيث لا تظهر الصورة التي يحملها .
نظراتي التصقت به، لم تفوّت أدنى تفصيل، كيف جالت عيناه عليها للحظة، كيف انخفضت جفونه..
ولا أدري لما مازلت واقفة هنا حد اللحظة، بلا سبب واضح، وكأن قدميّ قد استحالتا إلى جذور تلصقانني بالأرض.
لما فعل ذلك؟
سؤالي لم يكن سوى نأمة خافتة في أروقة ذهني، فأنا ولحسن الحظ أو لسوئه، لستُ بتلك الغباء الذي يدفعني للنطق به علنًا. لكن، دعونا نتحدث بمنطق؛ حين يخفي شخص ما شيئًا بهذه السرعة، أليس من الطبيعي أن يتضاعف فضول الآخرين بدلاً من أن يُخمد؟ خصوصًا إن كان الفضول متجذرًا في كياني كعلماء الآثار الذين ينقبون عن الكنوز المفقودة منذ قرون؟
"ما زلتِ هنا؟"
تصريح بارد يُنفي وجودي في هذه المساحة. نظرته كانت تخبرني أن خروجي هو المصير الوحيد المتاح لي.
لكني اريد أن أعرف ما علاقة هذا الرجل بأمي؟
الصورة التي كانت على طاولته امام السرير..
لم أرَ شيئًا مشابهًا في جناح ريكاردو، ولا حتى في الخاص بموريان. فكيف لها أن تكون هنا؟
ابتسمتُ، تلك الابتسامة التي تتقن غريزتي افتعالها عندما يكون البقاء على قيد الحياة خيارًا مطروحًا في وجودها.
"بالتأكيد! سأذهب..."
استدرت للمغادرة لكن صوته أوقفني..
"تجنبي أي مكان يوجد فيه شخص يدعى نايز."
توقفت أفكاري عن الهرولة للحظة.
"لِـ.. لما؟"
"ستموتين."
الموت... مجرد كلمة، لكنها عندما تُقال بهذه البساطة، تصبح ثقيلة كأنها حجر ألقي في قاع روحي. رمقته وهو يسترخي على سريره، وكأنني لم أكن هنا قط.
من يكون هذا "نايز"؟ ولماذا يجب أن أتجنبه؟
مهلاً... ثلاث أبناء للملك، موريان، ريكاردو، و... نايز؟
ربما... ربما هذا الرجل نفسه هو نايز.
"هل... هل هو أنت؟"
لم يفتح عينيه، لم يرفع رأسه حتى، فقط قال بصوت متعب:
"اخرجي قبل أن أتحول إلى الفعل."
"ح.. حسناً! سُررت بلقائك! إلى اللقاء!"
خرجت، وأوصدت الباب خلفي كما لو كنتُ أغلق تابوتًا على كابوس كاد يبتلعني. زفرتُ براحة، راحة ليست نابعة من النجاة، بل من كون هذا النايز هو الوحيد هنا الذي لم ينادِني بديالا.
يا للإنجاز العظيم! أخيرًا، وجدتُ عقلاً يحتفظ ببقايا المنطق .
لكنني لم أكن أسعى للمنطق حقًا أكثر من سعيي للبحث عن بيرتا.
انا متأكدة أنها صرخت "بفلاد دراكوليا" بعد أن سمعتني أفعل و هي هنا الآن ، و لن أُفاجأ إن عثرتُ على جثتها مُلقاة في أحد الأروقة ة هي صديقتي، وأنا أعرفها جيدًا... تعرف كيف ترمي بنفسها في قلب المتاعب،
...
خرجتُ من جناحه، تاركةً خلفي ثقله، كم أشتاق للأبيض الكريمي الذي كان يعتريه... ذلك الصفاء الذي لم أدرك قيمته حتى ابتلعني هذا المكان القاتم، حيث كل شيء بلون الدماء والخفافيش.
توقّفتُ.
مهلاً، مهلاً، مهلاً... إلى أين سأذهب الآن؟
يا لحماقتي، كان يجب أن أفكر في ذلك قبل أن أغلق الباب خلفي وكأنني أعرف وجهتي. لم يكن لدي سوى خيارين، أن أتوه في هذا القصر المتاهة، أو... أن أعود.
أعدتُ نظري نحو الباب. حسنًا، أعلم، أعلم! إنه تصرّف متهور، غبي، وربما حتى انتحاري أن أعود إلى غرفة شخص هدّدني للتو بألا أفعل.
لكن... فلننظر إلى الأمور من زاوية أكثر منطقية. جناح ذلك المنفصم الآخر ليس خيارًا، لأن المنطق يتبخر في وجوده كما يتبخر الماء في صحراء لاهبة و ريكاردو لا أريد لقاءه لأنني سأصبح اما عصيرا له أو رأسا يضعه مع مجموعته القيمة من النفائس، وأنا بصراحة لا أملك رفاهية التجربة مع الكائنات غير المتزنة.
أما نايز... فربما، وربما فقط، يمكن التفاوض معه.
يبدو أنه أكثر تماسكًا من بقية سكان هذا القصر المجنون. بالطبع، "ربما" هذه كلمة زئبقية لا أثق بها ، لكنني لا أملك خيارات كثيرة على اللائحة.
طرقتُ الباب.
مرة...
ثم مرة أخرى...
انتظرتُ، بدأ صبري ينفذ، جاءني الرد و لكن وكأن صاحبه بالكاد تكلّف عناء الكلام خرجت كلماته.
"المخرج على اليسار."
ابتسمتُ، ثم وبنفس الهدوء، بنفس النبرة ، قلت..
"شكرًا لك."
.... ʕ´•ᴥ•'ʔ......
على الجانب الآخر، كان نايز يُنصت الى تلاشي وقع خطواتها، تضاءلت شيئًا فشيئًا حتى لم يبقَ منها أي أثر، و ذابت رائحتها في الهواء..
فتح عينيه.
أعاد الإطار إلى وضعه الصحيح، لتظهر صورته هو، ديالا، وريكاردو. نظر إليها طويلًا.
الزمن تشابك في زواياها، يسحبه نحو ذكرى سعيدة لطيفة..
حين قرروا الهروب من الأكاديمية، حين وطأت أقدامهم أراضي المستذئبين بغية افتعال المشاكل معهم..
يتذكر جيدًا كيف اضطر جدّه لمعاقبتهم، وكيف أمضوا ساعات لا تُحصى في جمع أوراق الأشجار من الحديقة الرئيسية،
و عند انتهائهم ، التقطوا هذه الصورة... صورة تحمل في طياتها لحظة تمرد، شقاوة، ووعدًا بأنهم سيبقون معًا، مهما حدث.
يبقون معا..
كانت نظرة اشتياق واضحة تتربع على عروش داميتاه سرعان ما أخفاها.
ألقى بنظره نحو صندوق البودينغ الذي جلبه من عند ليونارد و حمله بين يديه،
..لحظة تصفية ذهنه أخيرا..
وجود تلك البشرية المتطفلة شبيهة ديالا التي اقتحمت جناحه قبل قليل لم تكن إلا عقبة أخّرت لقاءه بمحبوبته الأبدية، الشيء الوحيد الذي أقسم ألّا يخونه مع أي طعام آخر.
أخرج القطعة الأولى... تلتها الثانية... ثم الثالثة... ومع كل قضمة، خفت صخب العالم من حوله،
لا يرى، لا يسمع، لا يشم، حواسه وهبها لقطعة البودينغ في يده.
حتى أنه تسلّلت إلى شفتيه ابتسامة ، كان هذا الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يبتسم له بصدق، و لن يبخل عليه بذلك ..
ʕ´•ᴥ•'ʔ
حتى الآن، لم نرفع الستار عن العالم خارج أسوار القلعة، ولم نحدّق في أفقه المجهول بحثًا عن خفاياه..
أكاديمية "فلاد دراكوليا."....
ما من شك أنكم سمعتم به من قبل، أو ربما لمحتم طيفه بين السطور،...أقصد إسم المدرسة.....ذلك ما صرخت به كل من إيميليان و بيرتا ليأتوا إلى هنا من ذلك اللامكان، كان مفتاح العبور لهذا العالم..
في حديقة الأكاديمية، حيث يفوح العشب بندى الصباح، كانا جالسين على مقعد خشبي، يواجهان شمسًا قانية تتسلل بين الأغصان بنورها الخجول، تلامس وجهيهما
"يقولون إن العائلة ستجتمع قريبًا!... وهذه ستكون المرة الأولى التي أحضر فيها الاجتماع..."
نطقت الأخيرة بحماس، تجلس قبالة كايون، وابتسامة كضوء الفجر ترتسم على محياها، كان وجهها مرآة تعكس إشراق الروح.
شعرها الأشقر ينسدل كأشعة الشمس المتسربة من بين الغيوم، يرقص مع نسمات الهواء كأمواج ذهبية ، عيناها الخضراوان بلون المروج في أول الربيع،
حيّة و نضرة.
"أوه! كم هذا رائع!"
هتف كايون بدهشة، كأن الكلمات قفزت من فمه قبل أن يمنحها الإذن. سرعان ما اجتاحه الحماس، فانتفض معتدلا في جلسته و استرسل،
"أخيرًا! لقد غيّر والدك رأيه!"
أومأت برأسها، وابتسامة هادئة تعلو شفتيها،
"عمي ريكاردو تحدث معه."
مدّ يده وربّت برفق على رأسها، كما يربّت أخ كبير على إخوته الصغار قبل أن يدفعهم نحو النضج.
كانت تبدو أصغر منه،
"على الأقل لن أُرغم على الجلوس بين كوكبة الحكماء المملّين وأنتِ هناك!"
ضحكت بخفة، قبل أن تميل برأسها متسائلة،
"أهم مملّون إلى ذلك الحد؟"
"ليس تمامًا... زافيير يشعل الأجواء بعبثه، وريكاردو وليونارد لا يسمحان للركود بأن يخيّم طويلاً."
"أنا متحمسة لهذا الاجتماع!"
انتفضت لتفقد توازنها و تسقط و يسقط وشاحها و الذي كانت تغطي به جروحا على مستوى ذراعها ساعدها كايون على الوقوف و قد لمح الجروح لينبس بقلق..
"ذراعك..."
تلعثمت، الكلمات تتعثر على شفتيها ..
"لقد... لقد... سقطتُ. ليست بتلك الأهمية "
حاولت الكذب لكن عينيها خانتاها، فهي لم تُولد بمهارة الكذب، وكأن الصدق وُسم في فطرتها. قبض على كتفيها، كمن يحاول إيقاظها من حلم مزعج، ونبرته حملت أكثر من مجرد اسمها:
"أنجي!"
ترددت، قبل أن تهمس،..
"إنهم... زملائي في القسم."
"حمقى."
عقد حاجبيه، احتقن الغضب ملامحه،
وبلا إنذار، استدار، قدماه تقودانه نحو قسمها، نحو أولئك الذين ظنّوا أن بإمكانهم رسم الألم على بشرتها دون عواقب.
"كايون، لا تفعل شيئًا طائشًا!"
لحقته بسرعة مستعملة قوة مصاصي الدماء لتزيد سرعتها و تمسكه.. فاستدار لها و الصدمة في محياه..
"أنجي... لماذا؟! لماذا استخدمتِ قوتك؟! هذا ممنوع هنا !"
تراجعت أنفاسها، وكأنها أدركت متأخرةً خطيئتها غير المقصودة..
"لقد... حدث ذلك بلا إرادة مني."
كان في نبرتها رجاء، تقدم خطوة، خافضًا صوته كأن الريح قد تتآمر لإفشاء السر..
"كوني سعيدة أن أحدًا لم يركِ..."
كايون صاحب الشعر الأشقر المبعثر بينما عيناه اللامعتان تنظر إلى الواقفة امامه، رفق أصبع خنصره و مد يده باتجاهها بإبتسامة شقية...... نظرت إلى أصابعها، ثم نظرت إليه بتردد، قبل أن تلتقط بيدها الصغيرة خنصره وتشبكه مع خنصره. لينبس بإبتسامة قصد تخفيف قلقها
"عديني ألا تتستري عليهم مني و سأعدك ان أحميك "
"ماذا؟ "
"وعد؟ "
على شفتيها، وُلدت ابتسامة خجولة، لم تكن ابتسامة سعيدة، بل تلك الابتسامة التي تأتي حين تكتشف أن الأمان قد يكون أقرب مما ظننت لتردف..
"وعد.. "
تبادلا الابتسامات،
في خضم تلك الأجواء بينهما ...صدرت ضحكة هادئة.....و عندما تقول هادئة...أول ما يخطر ببالك ذلك الرجل عاشق البودينغ....
لكن ها هو ذا، جالس على غصن شجرة، كتاب مفتوح بين يديه، وعينان قرمزيتان ترصدان المشهد تحته..
والأغرب من ضحكته؟ أنه يضحك وهو ينظر إليهما، وهما لا يزالان متشابكين بخنصريهما،
هذا ليس ممكنًا. هذا لا ينبغي أن يكون. كيف لوجوده أن يتقاطع مع الأكاديمية؟ بل كيف له أن يكون هنا، فوق غصن شجرة، يبتسم؟
شهقت أنجيلينا، كمن أيقظها كابوس من نومها، وأبعدت خنصرها عن يد كايون بسرعة،
استدارت ببطء، نظرتها المرتعبة تتوسل الرجل الجالس فوق الغصن، بعينين دامعتين ،
"أرجوك… لا تخبر أبي…"
""وأي سرّ تريدين مني أن أكتمه؟ التنمّر الذي تتعرضين له؟ أم أنك أطلقتِ طاقتك في الأكاديمية؟"
نزل نايز من الغصن، خطواته هادئة تتمشط نحوها ، ونظرته ثابتة، لا توحي بغضب، ولا تُنبئ بشفقة. هذا الجمود فيه كان أكثر ما يخيفها.
مع ريكاردو، تشعر بوجود حبل أمان ، كونه الأقرب إليها من أعمامها .
أما نايز؟ فوجوده في حياتها سطحي..
"لِمَ أنتِ خائفة هكذا؟"
صوته اخترق ارتعاشها،
"لن أقتلكِ، كما أنني لا أهتمّ حقًا… سأمثّل أنني لم أرَ شيئًا."
ارتعشت شفتيها، عقلها يرفض تصديق ما سمعته للتو، ضحكة صغيرة فلتت منها محاولة دحض الحيرة، خرجت منها دون أن تدرك…
"حقًا؟! حقًا عمي؟!"
"لا تناديني بذلك اللقب السخيف… سأبدو عجوزًا في المليون سنة ."
ناظرها لبرهة عم فيها الصمت، هي رمشت عدة مرات و لم تبعد عينيها على خاصته القرميزية، ثم القت نظرة خاطفة نحو كايون الذي كان يرفع حاجبه بتساؤل هو الآخر..
في لحظة مفاجئة ترك كتابه جانبًا، ثم رفعها عن الأرض كما لو كانت دمية محشوة ، نظراته تفحصتها ثم رفع حاجبيه كمن تفقد نمو نبتة نسي أنه زرعها ذات يوم فوجدها كبرت.
"كم أصبح طولك؟"
تلعثمت قليلاً قبل أن تهمس..
"متر وخمسون سنتيمترًا…"
رمقها بحاجبين مرفوعين، قبل أن يعلّق ساخرا
"ما زلتِ طفلة."
\(^o^)/
رأيكم ؟
ريكاردو و إيميليان؟رايكم في ريكاردو في هذا الفصل ؟🫤👈👉
موريان سجل دخول منفصم↗️
سر صورة ديالا...🤔🤫
نايز هيبة والله...دخوله في الفصل أخذ جائزة...😎🔥😭✨️
علاقة ليونارد بإخوته...✨️😁
احم احم يا جماعة قررت أن أصبح قطعة بودينغ ...🙂
..
..
...
🌸فلاد دراكوليا ترجو أن تكون قد نالت إستحسانكم🌸
Felina