حًلَمً أمً وٌآقُعٌ...

حًلَمً أمً وٌآقُعٌ...

12 0

آلَسِيَفُ ذِوٌ حًدٍّيَنِ... لَکْنِ لَآ تٌخِدٍعٌ نِفُسِکْ، فُکْلَآ آلَحًدٍّيَنِ يَجّرحًآنِ. لَآ تٌنِتٌظُر مًنِيَ أنِ أوٌآسِيَکْ بًوٌهّمً آلَأمًآنِ، فُلَآ أمًآنِ فُيَ قُبًضتٌکْ إنِ کْنِتٌ تٌجّهّلَ کْيَفُ تٌمًسِکْهّ. فُآحًذِر... فُإنِ لَمً تٌکْنِ آلَجّآرحً، کْنِتٌ آلَمًجّروٌحً.

.

.

أتعلمون ذلك النوع من الأحلام الذي يعبث بإدراككم؟

حيث تغوصون في عالمٍ موازٍ يبدو أكثر واقعية من الواقع؟ بألوانه، بأصواته، بروائحه، ثم فجأة، تستيقظون ،

تتلمسون ملاءات سريركم، تزفرون براحة إن كان كابوسًا، أو تغرقون في حزنٍ لا يدوم للحظات إن كان حلمًا جميلاً.

ثم، وبمنتهى المنطقية، تكملون يومكم وكأن شيئًا لم يكن.

لكن ماذا لو لم تستيقظوا؟ ماذا لو ظللتم عالقين في ذاك الحلم، مهما قرصتم أنفسكم، مهما أغمضتم أعينكم و حاولتم ان تعودوا لغرفتكم، لوطنكم، لحياتكم ؟

مرحبًا بكم في كابوسي الطويل، حيث المنطقية رفعت الراية البيضاء منذ زمن.

أنا إيميليان، وللمرة المليون، لم أستيقظ.

عدتُ لنقطة الصفر، إلى تلك الغرفة التي أصبحت عالمي الجديد. كان يفترض أن تكون مزدحمة، أن يملأها صخب الناجين الآخرين، لكن الكبار... رحلوا. لم أسأل إلى أين، لأنني أكره معرفة الإجابة.

تبقى الأطفال فقط، ستة أرواح صغيرة، بعضهم يبكي بصمت، وبعضهم يحدق بدهشة في السرير الجديد.

آه، السرير...الهدية الغريبة التي جاءت بأمرٍ من ذلك المدعو ريكاردو.

سرير كبير يبتلع نصف الغرفة، فخم، ببطانية حريرية بلون قرمزي...

اللون القرمزي...

لطالما كان القرمزي نذير سوء لي . كلما التهم بصري، حدث شيء سيئ.

اللون الذي لا يرحم، لون الغروب حين يودع العالم نور الشمس .

هؤلاء الأطفال لا يرون في هذا السرير سوى ملاذًا من أقسى ما عرفوه. حيث أن أحدهم رفع رأسه إلي بعينين متوسلتين وهمس..

"أختي... إنه سرير جميل... هل يمكننا النوم فيه معك؟"

كم هو بسيطٌ هذا الرجاء... بسيطٌ لدرجة جعل شيئا يهتز في نفسي،

"ح...حسنًا."

مريم، كبرى الأطفال، كنت أناديها ماري عن قصد، رغم علمي أن اسمها العربي مريم.

أتمّت اليوم خمسة عشر عامًا، و قادمة من الجزائر، وحدها بيننا تنتمي إلى أرض العرب. كانت الوحيدة التي، رغم وضوح فهمها لما أقول، آثرت الصمت أمامي،

باقي الأطفال ينحدرون من بلدان كالولايات المتحدة وأستراليا، حيث الإنجليزية تجري على ألسنتهم كالماء،

و هذا العالم لا يجد في لغتهم دخيلًا، بل يمنحها عرش اللغة الأم.

أما مريم، فكانت استثناءً، جدارًا من الصمت ظللت أتوق لكسره.

لكن، والحق يُقال، لو كنت مكانها، لفعلت الشيء ذاته.

بشرتها الحنطية تذكّرني بدفء ، وعيناها العسليتان الواسعتان كقطرة عسل في كاس حليب. شعرها البني انسدل بانسيابية تحاكي الأمواج..

تناغم مدهش بين ألوان الطبيعة كان يرسم ملامحها .

لطالما سمعت عن جمال العرب، لكن أن تراه بعينك، أن تلمسه بحواسك، فذلك أمر آخر تمامًا،

العرب آية في الجمال... بل لوحة فنية أبدعها الخالق.

حين أعود إلى عالمي، سأجعل من زيارة البلاد العربية مقصدًا لا يقبل التأجيل، سأجوب شوارعها وأشبع عينيّ من هذا الجمال النقي، حتى تحفظه ذاكرتي إلى الأبد.

"ماري!"

ناديتها، فرفعت رأسها نحوي، والتقت نظرتنا، عيناي تبتسمان و عيناها ذابلتان، اتفهم ذلك، فقد شهدت مقتل احدهم البارحة..

"ماذا؟"

أجابتني بإنجليزية متقنة، ما جعل ابتسامتي تتسع لتشق وجهي نصفين.

"إذًا، تتحدثين الإنجليزية؟"

لم تزد على إيماءة مقتضبة، تحفظتْ كأنما لا تريد أن تهبني حتى لذة سماع صوتها مجددًا.

فُتح الباب، لكن، ليس كالمرة السابقة، لم يُسحب أحد منا إلى القصر ، بل قُدِّم لنا... الطعام.

أو هكذا زعموا.

أمامنا، وُضعت صينيات ..

قطعة خبز، متيبسة كحجر وحساء...

حساء؟ دعونا لا نخدع أنفسنا، ما كان في تلك الصحون ماء غُسلت به الخضر...

ملامحي ترددت بين الاشمئزاز والتساؤل.

تأملت الصحن أمامي للحظة، ثم رفعت بصري نحو الحارس،

"أليس هناك شيء آخر في القائمة؟"

لم يبتسم. بل منحني نظرة باردة، كأنني اقترفت جريمة جحود لا تُغتفر.

"كُلي واصمتي، واحمدي الله أنهم لم يأكلوك ، بل أطعَموك."

ابتلعت تعليقي وقررت أن أشكر القدر على أنني ما زلت حية..

ʕ'•ᴥ•'ʔ

ضوء المصباح الزيتي فوق الطاولة القريبة، واهنٌ كأنما يجاهد للبقاء في وجه العتمة التي أحكمت قبضتها على الغرفة.

جلس على كرسيه، يسند ظهره ، بينما يتناول البودينغ..

في هذه اللحظة، العالم خارج حدود هذا الطبق في يده لا يعنيه، بل لعله لم يكن موجودًا من الأساس في عقله.

مظهره يظهر أنه خرج توا من مأدبة ملكية، لا عيب يشوب أناقته، ولا اضطراب يعكّر هندامه.

سترته السوداء، وربطة عنقه المثالية .

كان نشازًا، غريبًا عن المكان، كلوحة فاخرة معلّقة وسط أطلال مهدّمة.

بين الفينة والأخرى، كانت نظراته تتسلل للحائط المقابل، حيث أجساد ثلاثة أطفال، معلّقين من أقدامهم، يتأرجحون كدمى . أنفاسهم المتقطعة، جلودهم الندية تعرقت، واهتزت أطرافهم .

"أتريد المزيد؟ لقد شعرت بتأنيب الضمير..."

سكب أحدهم الكلمات بنبرة مسترخية، مخاطبا نايز.

الآخر لم يرفع عينيه عن الحلوى في يده، اكتفى بأخذ ملعقة أخرى ثم أشار بها نحو الأطفال المعلّقين،

"أكمل، لم أخبرك أن تتوقف."

الرجل ذو الشعر الأسود أمامه ابتسم بفتور،

اللعبة تروق له!

مدّ يده إلى الكوب أمامه، به سائل قرمزي تدفقت رائحته في الهواء حتى اصطادته أنوف الصغار، أجسادهم ارتجفت أكثر ،أعينهم تسمرت على الكوب في يده..

لم يكن نايز بحاجة إلى ادوات لتعذيبهم، فالعطش كان العذاب الأشد.

جعلهم يلهثون للدماء حتى التصق جفاف الحاجة بأرواحهم، ثم لوّح بها أمامهم،

قريبة لتوقظ غرائزهم، بعيدة ليطاردوها كسراب في صحراء، كأنه مدّ كأس الحياة لميت، ولم يسمح له إلا باستنشاق رائحتها .

كلما اشتد العطش اشتدت الرغبة وكلما اشتدت الرغبة، تعاظمت المحنة.

كان هذا تعذيبًا في أنقى صوره، لا سوط فيه ولا دماء، لكنه بلغ في وحشيّته ما تعجز عنه أدوات التعذيب..

"لم تقل لي لما تفعل هذا؟ "

"لأنهم يزعجون ذات المتر و الخمسين سنتيمر.. "

"من؟ "

لم يجد في التوضيح ضرورة..

"أكمل عملك زافيير.. "

(ง •̀_•́)ง

بيرتا

"هل أنت على يقين من المسار الذي اخترته، كايون؟"

نطقت بها أحرك رأسي يمنة و يسرة و تقضيبة خفيفة تربعت على حاجبي...

" كم مرة قلت لك أن تناديني سيدي، انت وقحة "

" من تكون لأفعل...أنا هي التي يجب عليك مناداتها بذلك...لأني أبدو أكبر منك"

ثم نزلتُ إلى مستواه، وضعت سبابتي على جبينه في حركة مستفزة ، بابتسامة لا تخلو من السخرية،

"وأنا، يا صغيري، أطول منك ايضا ؛"

"أنت تلعبين بالنار ايتها الإنسية، بالإضافة أنني أيضا أكبر منك بأكثر من ألف و تسعمائة و خمسين سنة . "

وضعت يدها على صدرها بتأثر و هي تقول..

" لم أتوقع ان تزيد عن كلمة وقحة لكن...... لست في الخمسين من عمري...أنت أكبر مني بألف و تسعمائة و ثمانية و سبعين سنة...جعلتني بعمر الخمسين و انا في عز شبابي! "

تنهد كايون و سبقني يتحرك بين الأشجار...

العشب، بدلًا من أن يكون أخضر يانعًا، كان أحمر قان ،

وأنا كنت أقف متسائلة، كيف يأكلون هنا؟ أعني، أعلم أن سؤالًا كهذا يبدو ساذجًا عندما يكون المرء عالقًا في عالم غريب يهدد بقتله، لكن كيف يمكن لأي كائن حي أن يعيش دون تركيب ضوئي؟ التركيب الضوئي إن لم تخنني ذاكرتي المعطوبة، يشترط على اليخضور...

أوه، لا تهتموا!

أنا فقط أحاول تشتيت نفسي عن الحقيقة التي تجذبني كلما حاولت إشاحة تفكيري عنها...

أنا هنا، لأن مصاص الدماء الصغير هذا استيقظ صباحًا وفكر انه ربما حان الوقت لأخذ هذه البشرية الثرثارة إلى نزهة تنتهي بجريمة قتل!

لا ضيْر، أتفهّم ذلك، ليس كل من في هذا الكون يتقبل جنوني..

الوغدة إيميليان، التي تركتني ورحلت إلى الجحيم..

تلك المرأة نذالة تتنفس..

هل تصدقون؟ مجرد أن أختفي للحظة، تذهب لتستمتع من دوني،

لا شك أنها الآن تلعب سوبر ماريو مع الشياطين وتضحك رفقتهم ، بينما أنا... أنا هنا، في انتظار موتي الوشيك، بصحبة طفل .

آه، اشتقت إليها تلك الثعلبة..

كانت لديّ عادة، حين أبدأ بالتفكير، يتوقف العالم.

حرفيًا. لا ضوضاء، لا حركة، لا إدراك لما يجري حولي. أضغط زر الإيقاف المؤقت للواقع ، وأغرق في متاهات ذهني..

اخرجني منها كايون..

يبدو أنه كان يصرخ. لا أدري منذ متى، لكن من طريقة وقوفه أمامي، ورفع حاجبه بتلك الطريقة التي تعني "هل أنتِ غبية أم تتظاهرين؟" يمكنني أن أخمن أنه كان يفعل ذلك منذ مدة لا بأس بها. عشر دقائق؟ ربما أكثر؟

قادتني الأفكار حتى وصلت إلى: لماذا لا نخلط رقائق البطاطا بالمثلجات؟

أو ماذا لو علم والدي باختفائي؟ لا شك أنه سيقلب الطاولة، ويصرخ: "أين ذهبت تلك المجنونة؟!"

عدت إلى الواقع..

نظرت إلى كايون، متأملة وجهه المتجهم، هززت رأسي أحاول تذكر اين انا..

سؤال جال في ذهني يطرق الباب و لساني لم يبخل عليه بخدماته..

" هل تريد قتلي؟"

أطلقت سؤالي أنتظر منه اجابة قد ترضي قلقي و تحوله لإطمئنان..

كايون تجمد ، حاجباه تراخيا ،وكأنهما فقدا وظيفتهما في التعبير عن مشاعره. ثم أعاد ضبط ملامحه إلى البرود وأجابني..

"أجل... هل لديك اعتراض؟"

"لا اعتراض عندي. ها أنا أمامك، فلماذا لا تفعلها فحسب؟"

كلامي بلا شك لم يكن متوقعا أبدا له، جعلته بذلك مصدوما ، هو لا يزال صغيرا بعد كل شيئ لن يقتلني..

أعاد يديه إلى جيبيه ، كأنما يجمع شتات أفكاره، ثم استدار وعاد أدراجه، مشيرًا لي أن أتبع خطواته. لكنني لم أتحرك.

"هل سأعود إلى عالمي إن قتلتني؟"

توقفت خطواته، لكنه لم يلتفت.

"أدرك أنك لن تصدقني، لكنك مجرد تفصيل في حلم. انت مجرد صورة رسمها عقلي في غفلة منه. لذا فكرت... لعل موتي هنا يعني يقظتي هناك."

كنتُ في غاية الجدية. وهذا هو المضحك حقًا.

أنا أعمل بالمقلوب، كما تعلمون. حين يقتضي الأمر أن أكون جادة، أمزح بلا اكتراث، وحين يكون الامر تافها، أرتدي قناع الجدية .

لا أعرف إن كنتُ معطوبةً نفسيًا أم عقليا لكن لكم الحرية في التفكير بي . المهم ان كايون ناظرني بإستصغار ثم..

انفجر ضاحكًا.

ضحك ضحكًا زلزل صدره، يبدو أني ألقيت عليه نكتة دون قصد، ضحك حتى انحنى للأمام، واضعًا يده على معدته،

"تريدين... تريدين أن تعودي... لِعالم البشـ...ر؟"

كان يحاول الحديث، لكن الضحك كان يقطع أنفاسه، يحاول جاهدًا أن يُكوّن جملة مفيدة.

أقسم أنه كلما رفع عينيه إليّ، زاد ضحكه، كأن مجرد كينونتي تدغدغه..

"كايون! لماذا تضحك؟ أنا جادة!"

رفع يده، يطلب مهلةً ليتمالك نفسه، ثم قال وهو يمسح الدموع التي خلّفها ضحكه.

"جادة، هاه؟ العودة إلى عالم البشر... مستحيلة بالنسبة لكم، أنتم البشر."

تجمدت الكلمات في حلقي. أحتاج أن أترجم ما قاله لعقلي العنيد،

"ل... لا أستطيع؟"

ثم استوعبت معنى كلماته، فضربتني الحقيقة كصفعة على وجهي..

"لا أستطيع العودة لعالمي؟!"

توقفت الرياح، توقفت النجوم، توقف كل شيئ مرة أخرى..هل سأعيش للأبد هنا، بين كائنات تعتبرني وجبة؟

"الحلم الحقيقي؟ هو خروجك من هنا."

نبس كايون بعد ان هدأ، تأملتُه أضيّق عينيّ نحوه وكأنني أستمع إلى مذيع الاخبار الجوية و قد صرح أن الغد ماطر و أنا نسقت ملابسي على أنه مشمس....

"لا تمزح... تعني أنه لا سيارات، لا هواتف، لا ملابس عصرية... للأبد؟!"

هزّ كتفيه كأنما الحديث عن انتزاع العالم من بين يديّ لا يستحق .

"لا أدري عما تهذين، لكن أجل... لا مزيد من عالم البشر."

استوعبتُ الكارثة، وجلستُ على صخرةٍ قريبة ، واضعةً يدي على جبيني ، وأطلقتُ تنهيدةً طويلة، جعلته يرفع حاجبه باستغراب.

" تخيل... لا ساندويشات، لا بيتزا...لا سوبر ماريو على الهاتف، أنا أحب لعبة سوبر ماريو، لكنني أخشى أن ألعبها هنا مع الوحوش الحقيقية... آه، يال تعاستي !"

زفرت في وهن لاضيف..

"أنا أعاني في صمت، لكنني أحتمل ذلك."

لنعد إلى القصر... أنا جائع، أريد الطعام."

القى كلماته علي مقاطعا، كأنما يتفادى الحديث معي او الاجابة على تخيلاتي..

"لا، لا، أبدًا!. قلت لك أن تقتلني، لا أن تأكلني! هل ضاع سمعك؟"

صحت فيه بإنفعال..

انا خائفة من أن أعذب قبل أن ارجع للواقع..

أن يقتلني دون عذاب سأقبل لكن ان تعذبني و انت تأكل كل عضو في جسمي على حدً انا لن اتبعك...

(. ❛ ᴗ ❛.)

"أي يدٍ هذه امتدت إلى جوهرتي الثمينة؟؟ "

زمجر ريكاردو، صوته يقطر غضبًا مكتوما، جاب بنظراته القاعة، عاقدًا حاجبيه، ينقب بين شقيقيه عن ذلك المذنب المتستر خلف صمته.

اربعة كانو في في القاعة..

الأول موريان المستند على ظهر الاريكة يعقد ذراعيه ، عيناه مغمضتان، أنفاسه هادئة.

الثاني نايز، أصابعه تجوب صفحات الكتاب في يده..

ريكاردو و الصمت الذي قاد المكان لهنيهات كان بينهم أيضا...

"أنا من أخذها."

لم يكن في نبرة نايز دليل على التبرير ، مجرد تصريح صرح به كونه الفاعل و أيضا كون اخيه الاحمق لا ينفك يخرب سكونه و تركيزه مع كتابه..

لم يكلف نفسه حتى عناء رفع بصره عن الكتاب الذي استأثر اهتمامه. التجاهل عنده سلاحًا، والهدوء درعًا.

موريان انتفض ذاهبا يترك الامر لهما، في حين اندفع ريكاردو نحوه ، وقد أشعل الغضب في صدره نارًا ، ، يمد يده لينتزع ذلك الكتاب علّه يوليه اهتماما أو يخبره بمكان جوهرته على الأقل .

لكن يده تجمدت قبل أن يفعل، تذكر أن أخاه...

حسناً، لم يكن هناك سوى أمرين في هذا العالم لا يُغفر المساس بهما في نظره: الكتب... والبودينغ.

لا أحد يعلم ما سيحدث إن تجرأ أحدهم على انتهاك هذا المحرم، لا أحد سوى ليونارد، الذي شهد المشهد بعينيه، لكنه، ولسببٍ مجهول، رفض الإفصاح عمَّا رآه.

ناظره ابيض الشعر بحدة يقلب عينه تارة له و تارة ليده الممتدة نحو كتابه..

مجرد النظرة، ترعب دون ان ينطق حرفا...

اغلق كتابه و وضع اصبعه كمؤشر لموضع توقفه ، قرر أخيرًا منح هذا العالم جزءًا يسيرًا من اهتمامه.

"قدمتها مقابلاً لليونارد."

قالها و رجع للقرائة بكل جرأة كأنه يخبره بالساعة ، لا جوهرةً ثمينة أفنى ساعات و ايامًا من حياته يخطط الى سبيل انتزاعها من بين أنياب المستذئبين، جوهرةً كاد أن يلقى حتفه لأجلها مرتين، مرةً بين مخالبهـم، وأخرى تحت وطأة سخط جده الذي كاد يسحقه حين علم بأنه ذهب إليهم..

والآن، بكل بساطة، يرمي بها نايز كما لو أنها لا تساوي شيئًا في كنف ليونارد الاخرق..

أراد أن يقتلع هذا العجوز أبيض الشعر من الوجود..

لن يضمن أن يمر هذا مرور الكرام. زفر ريكاردو، يحاول أن يسيطر على الإحباط المتسلل إلى نبرته..

"لا تقل لي أنك قايضتها... بقطعة بودينغ."

رفع نايز نظره عن الكتاب للحظة،

"صندوقين."

حقيقة أن شقيقه قد باع جوهرة المستذئبين مقابل صندوقين من البودينغ، جعله يتمنى لو لم يكن فردا من هذه العائلة...

جديا..

يستطيع أن يغرق هذا القصر بقطع البودينغ بدل الهواء له إن أراد، ولا يلمس جواهره الثمينة..

لكن قبل أن يسترسل في تأنيبه، رفع نايز يده، و أخرج جوهرة زرقاء داكنة من جيب سترته الداخلي ، ثم رماها له..

تلقفها ريكاردو ، عقد حاجبيه، وبدأ بفحصها بدقة. لم تكن مزيفة، لم تكن ملوثة أو مكسورة ، ولم تمسّها يد ذلك الأحمق ليونارد فلو كان قد فعل لكانت رائحته عليها..

الجوهرة خاصته، لا تزال هنا...

رفع نظره فورًا إلى نايز، يطالبه بتفسير إلا أن الأخير سبقه بردّ هادئ شقّ ابتسامته الجانبية..

"أخذتها لأصنع نسخة مطابقة لها."

"ماكر.. "

لم يتمالك نفسه من كبت ابتسامة فخر .

شقيقه الأصغر أثبت أنه من دمه ولحمه حقا، صدق من قال أن هوجين عائلة حيليين، و شقيقه الذي كان يظنه خارج هذه العائلة أثبت انه منها..

لقد ابتسم له ابتسامة مكر، لا هدوء ولا لا مبالاة، بل شيء لم يكن يراه منه إلا حين يكون غارقًا في كتاب أو أمام صحن بودينغ.

نايز... قطعة أحجية عصية على الحل،

"في المرة المقبلة التي تحضر فيها نساءك، حذرهن بأن من تجرؤ على اختراق جناحي قلبها، سيغدو أبيضًا..."

نبس نايز مخاطبًا ريكاردو. ما جعله يلتفت له بإهتمام يتناسى امر الجوهرة ..

"من هي المرأة التي قابلتها؟"

"لا أتذكر ملامح وجهها..."

قال نايز ذلك، وهو يرفع خصلات شعره الأبيض إلى الوراء، فتبدو كخيوط من الثلج، في علامة صريحة على أنه يكذب. فهذا هو طبعه، يعجز عن إخفاء الحقيقة، فيرفع خصلاته للخلف ..

لا يعرف ذلك سوى القلة، لكنكم أنتم، يا قراءنا الأعزاء، أصبحتم على علم بهذا السر أيضًا. أنتم الآن ضمن فئة النخبة.

يتذكرها ، تلك الحمقاء التي اخرت موعده مع البودينغ، ولا يزال وجهها الذي يحمل ملامح ديالا ، عالقًا في ذهنه..

"أهي شبيهة ديالا؟"

"بلى."

أجابه على الفور، مواكبًا نهاية سؤاله كأنه لم يقدر على كتم كلماته ، ثم أضاف...

"لماذا لم تقتلها؟"

"أشعر وكأن ديالا تتجسد في ملامحها... لا أستطيع أن أفعل ذلك."

"أحمق، هذه هي الانسانية التي تجعل المخلوقات امثالنا ضعفاء.. "

"هذه مشاعري، لا استطيع التحكم بها.. "

استطرد ريكاردو بعد مدة اخذ يناظر يده فيها ..

"الم يخالجك نفس شعوري؟ أنت أيضا لم تقتلها.. "

"عصير كرز..."

"عصير كرز؟"

أجاب ريكاردو، متسائلًا بنبرة توحي بعدم استيعابه لما يقصده... لما نطق بمصطلح ينافي موضوعهما بل ليس له علاقة بتاتا؟

"إنها كزجاجة عصير، أفرغها ثم أتخلص منها... لا مجال للمقارنة بينها وبين ديالا."

"أنا لا أقارن... أنت تعلم تمامًا أنه لا أحد سيتسنى له أن يحل مكانها."

"إذا وجدتها تطوف في جناحي، سأقتلها."

قال نايز ذلك، جملته تامة المعنى وبسيطة، ثم نهض يحمل معه كتابه ، كأنما تلك الكلمات ختام لحديثهما .

ولحسن أو سوء حظه، إلتقى موضوع حديثه مع شقيقه امامه.

كانت على وشك دخول القاعة، فتزامنت خطواتها مع خروجه. تلاقت سماويتاها الداكنتان للحظة مع قرمزيتاه.

نظرة عابرة، حيث تجنب كلاهما الاستمرار في تلك الوضعية، اكتفى كل منهما بلمحة سريعة من أعلى إلى أسفل قبل أن يوجه أولا بصره بعيدًا. فلتتركوه وشأنه، فحسب.

واصل السير بخطوات هادئة نحو الخارج، تاركًا وراءه أصوات خطواته التي تنبئ بذهابه.

هو لا يأبه لأمرها، ورؤيته لذلك الشبه بينها وبين ديالا كفيل بأن يعبث بثباته، وهو لا يرغب في ذلك، لا يرغب في عرض سكونه للهيجان..

يصعب تصديق كونه الأخ الأصغر. صحيح أن موريان يحمل ملامح النضج الواضح، لكن ريكاردو...

سواء في سلوكه أو مظهره، يبدو أصغر سنًّا.

رفعت عينيها نحو زير النساء على الفور فقد تذكرت أنه جالس هناك و انه طلب في مجيئها ، كان جالسًا على الأريكة، غارقًا في شروده... هل يمكنها أن تتراجع بصمت، أن تتظاهر بأنها لم تره قط؟ لن يبالي، ترجو ذلك!

لكنها استسلمت للأمر الواقع ما إن اخترق مسمعها اسم أمها مناديا ..

لقد انتبه لوجودها..

غير أن هذه المرة، وعلى غير عادته، لم يبتسم. كانت ملامحه هادئة، كأن عدوى نايز ذاك قد تسللت إليه. رفع عينيه الخضراوين نحوها، وارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة، ابتسامة لا طعم لها، لم تبلغ حتى تُخوم عينيه.

أشار لها أن تقترب، أن تجلس إلى جواره على الأريكة.

ترددت... كان في نظراته شيئ ما يخبرها بأنه لا ينوي إيذاءها.

حدسها _الذي نادرًا ما يسعفها_ تمسّك بهذا الشعور. زفرت وكأنها تحث نفسها على الإقدام، ثم جلست بجانبه.

أمال جذعه واضعا مرفقيه على فخذيه يسند عليهما رأسه ثم همس بشيئ جعل قلبها يخفق بعنف، ليس حبًا له، بل لما حملته كلماته من ثقل...

"لقد اشتقت إليها."

"ديالا؟"

"أجل..."

"هل كانت حبك الأول؟"

كان الصمت جوابه... إما أنه كان حبيبها، أو أنه يحمل لها مشاعر لا يريد الاعتراف بها، أو ربما لم يكن سوى شاهد على قصة لم يكن له فيها دور سوى الألم... أياً يكن، فهو لا ينوي الإجابة.

يا رفاق، إيميليان تفضّل الموت الآن على أن تبقى أسيرة هذا الفضول الذي ينهشها... ستسأله، وليحدث بعدها ما يحدث.

"ما علاقتك بها، سيد ريكاردو؟"

"هل وقعتِ في الحب يومًا؟"

"لا."

"إذن، لم تذوقي طعم الفقد بعد..."

اجابها و عيناه لم تغادرا وجهها ما يجعلها متوترة اكثر..

هنا، شعرت وكأنما الغبار الذي كان يكتنف تساؤلاتها واستنتاجاتها قد زال فجأة، ليكشف أمامها حقيقة كانت، رغم ضبابها، تلوح امامها. والدتها كانت قريبة من هذا الرجل الجالس بجانبها، بشكل ما..

على الرغم من أن هذه الفكرة كانت قد مرّت في ذهنها من قبل، إلا أن تأكيده لها الآن كان كالصاعقة التي أضاءت مساراً مظلماً في فكرها ..

"أين هي؟"

" من يدري...."

" من يدري؟"

" لا اريدك ان ترجعي لغرفة التخزين...ستبقين في القصر هنا...."

غرفة التخزين... هل يقصد الغرفة التي يُحتجز فيها البشر؟... هل حقًا يرون البشر مجرد قطع لحم؟

بعيدًا عن محاولته تغييره للموضوع، بدا في تلك اللحظة وكأن جزءًا من روحه قد انهار، بدا متألمًا و محطمًا...

"إيليزابيث هي المسؤولة هنا... ستطلعك على القوانين."

"هـ... هل تعني أنني سأبقى... وسطكم، في عائلة تقتات على دماء البشر؟"

قالت ذلك وقد عكست ملامحها استيعابًا رافقته تقضيبة ، فابتسم..

"نعم."

" سأموت في غضون يومين."

"سأضمن أن ذلك لن يحدث..."

قال تلك الكلمات مجيبا لنبرتي الخاوية وهو يوسع ابتسامته، عاد أخيرًا إلى حالته الطبيعية، وهذا ما أقلقها بشدة...

"إن أردت البقاء على قيد الحياة، فلا تقتربي من جناح نايز... الأمر بسيط للغاية."

اكتفت بالصمت، وكأنها لم تجد ما يُثبت له و لنفسها عزمها على أنها لن تذهب إلى هناك مرة اخرى .

حمل الآخر كأسًا ممتلئًا بمادة حمراء، وكلنا على علم بماهية هذه المادة، ثم شرع في ارتشافها أمامها، أشارت إلى الكأس ثم إليه بتساؤل، ليجيب..

"لقد طلبت منك أن تكوني ديالا، لا أن أرتوي من دمك."

"إذن، هل جئت هنا فقط لأكون موضعًا لنظراتك؟"

"هل ثمّة مشكلة؟"

(ง'-̀̀'́)ง

"هل أنت متأكد أن هذه هي الطريق الصحيحة؟"

"أغلقي فمك..."

"ماذا تعني؟ نحن تائهون في غابة حالكة، وحشائشها حمراء، وأنت تطلب مني أن أصمت؟"

كان يسير بجانبها، ملامح وجهه جادة ، بينما تتسلل إليها نظراته بين الحين والآخر. عيناه كانتا تفضحان قليلا من التوتر الذي بذل جهدًا مضنيًا في إخفائه.

"نحن لسنا تائهين..."

ما يخشاه هو أن يطأ أراضي ممنوعه، أو يواجه وحشًا سحريًا قد يهاجمهما. و لأنه أيضا.. حتى إن ظهر الوحش، لن يكون لديه الوقت للقلق بشأنها؛ فوجودها معه يعتبر عبئا..

مهلا مهلا..

هو لا يهتم بما قد يحدث لها، بل سيتعامل مع الوحش كما يجب، دون أن يأبه بتداعيات ذلك عليها..

كان يراقب محيطه، محاولًا أن يجد أي علامة تدله على مخرج الغابة.

و بينما يسيران وسط الحشائش... صوت همهمة غريب من بين الأشجار الكثيفة اخترق مسمعيهما، رائحة التقطها أنف كايون لمخلوق سحري،و هالة خطيرة تقترب،

توقف فجأة، عيناه ضاقتا ثم تحولتا للقرميزي، تتبعان شيئا لم تتبينه الاخرى...

"ما هذا الصوت؟"

قالت بيرتا، تتراجع قليلاً خلف كايون، شفتاها ترتجفان و لا تدري كم رمشة رمشة في هذه الثواني تحاول ان ترقب ما يركز فيه كايون لكن لا فائدة..

أين هي إيميليان، تلك الشيطانة الوغدة؟ كيف لها أن تلعب سوبر ماريو مع الشياطين بينما هي مع وحش يريد أكلها هنا..

بيرتا شهقت إثر رؤيتها لوحش يبدو كنمر كبير الحجم كان بعيدا عنهما بامتار قليلة يشهق بحجمه الذي جعلهما يبدوان كدمى صغيرة امامه..

"أوه لا!"

بلع ريقه، وحاول أن يحتفظ بهدوئه، رغم أن قلبه كان ينبض بسرعة... يده تمنع بيرتا من التقدم أو أنه يستعد لأي خطوة من الوحش يمكن أن تؤذيها ليصدها...

جعل استيعاب ما يفعله ملامحها ترق بإبتسامة،اعلم انه ليس وقت الدراما لكنها ارادت معانقته كدمية محشوة الآن..

تنظر إليه ثم إلى الوحش الذي يتقدم أكثر نحوهما.

"هذا وحش سحري، نوع نادر يظهر في هذه الغابات. يبدو أنه شعر بوجودنا."

شرح كايون سريعا يحاول توعيتها بموقفهم، الوحش زأر بقوة، جعلاً الأرض تهتز... وأطلق ضوءًا أخضر حوله، مما جعل الأشجار ترتجف والحشائش الحمراء تتراقص بفعل الرياح.

كانت كل حواس كايون في حالة تأهب... كان يعلم أنه لا يستطيع القتال ضد مثل هذا الوحش لوحده... لا يزال هاويًا في هذه الأمور...

حين فتح فمه يزأر مرة أخرى لاحظ الاثنان خيوطا من اللعاب الممزوج بالدماء توصل اسنانه...

"خطوة إلى الخلف..."

قال كايون، وهو يحاول التفكير في خطة للهروب... إنه يلعن نفسه لأنه جبان أولاً، ولأنه يحاول إنقاذ بشرية ثانيًا.

تقمص الفرصة حين أدار الوحش رأسه ناحية الأشجار التي حركتها الرياح، وأمسك يد بيرتا، أخذًا يجريان بكل ما لديهما من طاقة ...

"تمسكي بي جيدًا..."

قال ذلك، باسطًا يده نحوها، فأطبق على معصمها، وجعل ذراعها تحيط به من الخلف...

تصلبت بيرتا كجذع شجرة، ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى وجدت نفسها تحلق في الهواء.

ارتعدت، فتشبثت بشعر كايون بيدٍ وملابسه بالأخرى، بينما تطوقت ساقاها حول جذعه...

"كايون، سأهوي! لن تقوى على حملي... يا إلهي! إن لم أُلتهم في جوف وحش، فسأرتطم بالأرض وينفجر رأسي!"

كانت الرياح تعصف بها، تعيق أنفاسها، وعبثت بشعرها القصير حتى غطى وجهها .. صرخت بأعلى صوتها تشير لشجرة..

"كايون، س... سنرتطم بالشجرة!"

يدها، التي تشبثت بشعره، حجبت رؤيته، فاختل توازنه وسقطا معًا نحو الشجرة...

في اللحظة الأخيرة انفصلا..

كايون اندفع بعيدًا لتجنب الاصطدام بالأغصان، بينما هوَت بيرتا عموديًا، لترتطم بأحد الأغصان السميكة، متشبثة به مانعة جسدها من السقوط.

أما هو، فقد ارتطم بالأرض،

رفع بصره نحوها، كانت متعلقة بالغصن كقطعة غسيل تُركت لتجف.

"أوه...جميل أنظروا إلى أين وصلنا... "

تمتم وهو يمسح جبينه، حيث ظهر خدش خفيف، لكن لم تخرج حتى قطرة دم منه.

"كايون، انزلني! جسمي أقسم أنه اصبح بلا عظام.. "

صاحت بيأس..

تنهد كايون، ثم قفز بين الأغصان حتى بلغها، متشبثًا بغصن أعلى من غصنها، بينما استقر بقدميه على الغصن ذاته الذي تعلقت به، كونه مصاص دماء لا ينفي تألمه لكنه على الاقل يستطيع التحمل..

بسط ذراعه نحوها مرة اخرى..

"هيا، أمسكي بي قبل أن أفكر في تركك هنا ."

نظرت إليه بريبة،منذ متى يساعدها جهرة، الا يكرهها؟

لم تجد خيارًا آخر، فمدت يدها إليه و ابتسمت بنصر ، ليجذبها نحوه يوقفها ،

كلاهما يقفان على الغصن الذي يهتز...

بالتفكير بالأمر كايون ليس بذلك القصر، كان يبدو لها قصيرا لانها ترتدي الكعب او ربما لانها اقرت في عقلها الباطن سلفا انه صغير و قصير...

هو ألقى نظرة خاطفة نحو الأسفل، صمت لبرهة كأنه يفكر ثم تمتم..

"تمسكي جيدًا."

و هو يستعد للانطلاق في الهواء مرة أخرى و بعد ان ركز ثقله في قدميه ، انكسر الغصن...

تحطم الغصن تحت وزنهما، وسقطا نحو الأرض.

و في طريقهما اليها اصطدم جسداهما بالأغصان السفلى، مما جعلهما دون سيطرة، حتى انتهى بهما المطاف ساقطين على العشب .

"آه..."

تأوهت بيرتا، مستلقية على ظهرها، تشعر بكل عظمة في جسدها تصرخ احتجاجًا. نظرت إلى السماء، تحاول استيعاب ما حدث، قبل أن..

"كايون؟!"

التفتت بسرعة كونها لا تستطيع الحراك ، فلم تجد أي أثر له بجانبها.

سمعت صوت تأوه خافت. رفعت رأسها ، فقط لتجد كايون ملقى على بعد بضعة أمتار، ووجهه يوحي بأنه يعيد النظر في جميع قرارات حياته.

"أنت حي؟"

فتح عينيه بصعوبة، ثم تمتم بصوت مبحوح،

"بالعافية، ولكن بالكاد..."

U^ェ^U

""أشعر وكأنني بيغ فوت..."

"بيغ فوت؟!"

تساءل كايون فتنهدت بيرتا غير مصدقة أنه لا يعرف ما تقصده، أليس لديهم جبال الهيمالايا هنا؟

"وحش أسطوري يعيش في الهيمالايا، يُقال إنه مغطى بالكامل بالطين وأوراق الأشجار... تمامًا كما نبدو الآن."

"عملاق إذًا؟"

"لنفترض ذلك."

لم يدركا كيف مضى الوقت، حتى وجدا نفسيهما أمام البوابة الخلفية للقصر، و فعليا.. لم تكن حالتهما، بأي مقياس، في أفضل أحوالها. الطين يغطيهما من قمّة رأسيهما حتى أخمص قدميهما، وملابسهما الممزقة تشي بما خاضاه من معركة ضارية مع الطبيعة.

ولا أحد يدري كيف تمكّنا من الوصول إلى هذا المكان بعد تلك الضربات الموجعة المتلاحقة التي مرّا بها.

توقفا على بعد أمتار من البوابة، ألقى كايون نظرة على هيئته، ثم التفت إلى بيرتا. حاول أن يتماسك، أن يبدو جادًا و هو يرى إبتسامتها الشقية التي تُظهر فيها صف اسنانها لكنه ابتسم..

"لا بأس كايون ليس الامر كما لو أننا ان لعبنا قليلا العالم سيحترق.. "

قالت بيرتا، وهي تربِّت على شعره الذي علقت به أغصان صغيرة وأوراق جافة. فابعد يدها وقال مستسلماً..

"وأنا الذي يُفترض أنني مصاص دماء من طبقة النبلاء... فلا أبدو الآن سوى مزارع أُنهك في صراع ضد قطيع من الذئاب الغاضبة."

....

دفع كايون الباب الخلفي بهدوء حتى لا يتسنى لأحد الشعور بمجيئهما،

ذاك المدخل مهمل لا يحيط به حراس،

يبدو أن الحظ قد التفت إليهما بابتسامة عابرة. القصر يغرق في صمت مهيب؛ إخوة كايون على الأرجح في غياهب غرفهم، ووالده مستغرق في أعماله بمكتبه، أما والدته، فبعيدة في رحلتها إلى أراضي الإلف،

طريقهما إلى غرفة كايون بدا ممهدًا، خاليًا من العيون والأسئلة...

يا للنعمة التي لا تُقدّر بثمن!

تسلّلا بصمت يحاكي الظل، يتلفتان بين الفينة والآخرى بحرص، فهما الآن عالقان بين هاويتين.. إما النجاة أوالفضيحة.

خُيّل إليهما أن هذا اليوم الجميل قد انتهى وقد خرجا منه بأقل الأضرار...

لكن اللحظات الجميلة لا تدوم، و دائما ما تكون هناك ذبابة تقطع سكون المكان.. حقا؟ كانا قريبين من الغرفة فلما يلاقيانه؟

إيدوارد.

كان يقف أمام الغرفة كأنه ينتظرهما، يرتدي بذلته السوداء التي لا تشوبها شائبة، ونظّارته اللامعة التي التقطت ضوء المصابيح لتعكسه . لم يكن بحاجة لقول أي كلمة؛ نظراته وحدها كانت كافية لتُشعر الاصغر أنه في ورطة..

شعره، المرتب بدقة ، وكأن الانضباط قد اتخذ له موطئًا فوق رأسه. وقف صامتًا، متفحصًا منظرهما ..

رئيس الخدم الممل إيدوارد،

"أوه... السيد كايون، والبشرية..."

قالها المقصود بالذكر سابقا بنبرة رسمية اكتساها اللّوم، وعيناه تجولان بين الوحل الذي يغلف حذاءيهما و جسميهما وأوراق الأشجار التي تتوزع على ملابسهما.

"يبدو أنكما خضتما مغامرة... لا تُنسى."

قلبت بيرتا مقلتيها بانزعاج، أما كايون، فابتلع ريقه وهو يحاول جاهدًا استجماع رباطة جأشه لينبس اخيرا..

"إيدوارد، نحن فقط-"

كرر محاولًا التفسير، لكن إيدوارد لم يمنحه الفرصة.

"لا حاجة للتبرير، سيدي الامر واضح كالشمس، ما أود معرفته هو كيف انتهى بكما الحال بهذه الصورة... المزرية."

"حسنًا، يمكننا اعتبارها مغامرة تعليمية... تعلمنا خلالها ألا نتبع مصاصي دماء يافعين إلى غاب_"

الاخيرة نطقتها بيرتا ساخرة و قبل أن تكمل أغلق لها كايون فاهها مانعا للسانها السخي بإطلاق كرمه؛

إدوارد، اكتفى بالصمت و نظراته مصوبة نحوها قبل أن يحوّل انتباهه مجددًا إلى كايون، تجاهل حركته كأنه لم يرى، لم يسمع و لم يفهم..

"سيد كايون، بصفتي رئيس الخدم، من واجبي أن أضمن سير الأمور بانضباط، ويشمل ذلك التأكد من أن أفراد العائلة لا يعودون إلى القصر... بهذا المظهر، تعلم ما سيحدث لو رآك السيد هكذا.. "

عدّل نظّارته ، قبل أن يردف بلهجة واثقة..

"عليك أن تتحلى بمسؤولية أكبر، يا سيدي. كونك الأصغر هنا... لا يعفيك من التصرف بقدرٍ أكبر من الحذر."

شعر كايون وكأن الأرض توشك أن تبتلعه... بدا في تلك اللحظة كطفل صغير أمام هذه البشرية الحمقاء. ومع ذلك، تمالك نفسه و نبس.

"جهزو لنا حمّامين..."

"والدك هنا سيدي إحذر.. "

بلع كايون ريقه يشد على قبضته كأن لكلمات ايدوارد السابقة وقع كبير عليه..

" أعلم.. إحرص على ألا يعلم فضلا.. "

بيرتا

كنت جالسة على الأريكة، اراقب كايون الذي كان في محاولة لترتيب ياقة قميصه الذي ارتداه بعد الاستحمام.

"أظن أنك بحاجة إلى مساعدة!"

قلت ذلك وأنا اضيق عيني في مزاح الاحظ تحول تعبيره الجاد، الذي لم يخفِ عيبه الذي كان يبدو جليًا في وجهه العابس.

"هذا ليس مضحكًا."

قالها، وما لبثت أن انفجرت ضاحكة.

"بيرتا!"

ناداني بصوتٍ أعلى، محاولًا استدراجي إلى موقفه الصارم، لكنني، وكالعادة، ابتسمت له. و تعابيره بدت كأنها تقول "، هل هذا الغباء الذي تتسم به هذه البشرية ناتج عن الوراثة أم أنها اكتسبته ؟"

تنهد بقلة حيلة ، وعاد إلى محاولاته اليائسة لتعديل الياقة.

ثانية...

ثانيتان...

ثم ثلاث ثوانٍ مرت، قبل أن أتخذ خطوة نحوه ، وأمد يدي لتعديل قميصه.

"حسنًا، كايون، فقط لأنك قلت اسمي بدلًا من 'أيتها البشرية الحمقاء'، اسمح لي أن أساعدك. أعتقد أنك ستحتاج إلى كامل طاقتك لملاقاة الوحوش السحرية، وليس لملاقاة ملابسك."

ارتخت ملامح وجهه، وسرعان ما أحمرت أذناه، وهذا كان دليلًا على خجله..

بشعرها الداكن المنسدل بانسيابية على جانبي عنقها.

وكأنها في عرض فيكتوريا سيكرت للازياء ، هبطت تالين الدرج و نظراتها توحي بأن أحدًا ما سيتلقى توبيخًا، وغالبًا لن يكون أنا...

أو ربما أنا، من يدري.

عيناها مسلّطتان علينا - أنا وكايون - وكأننا ارتكبنا جريمة كبرى... كأننا، مثلًا، أكلنا آخر قطعة كعك دون إذن.

توقفت عن التحديق في كايون و ثبّتت نظراتها الحارقة عليّ تحديدًا. ولشدة قوتها، شعرت ان الارض تجذب قلبي ليلتصق بها..

كايون، حين لمحها و لاحظ نظراتها نبس نحاولا استدراجها لتنبس ما يحاول لسانها اخراجه..

"آه، مرحبًا،"

تالين لم ترد، طبعًا. فقط أمعنت النظر فيه، ثم رمقتني بنظرة لا تخفى قراءتها حتى على أعمى،

يا الهي تتوعد لي بالموت...

"يبدو أنكما غافلان عمّا يحدث حولكما."

رفع كايون حاجبيه ، ذلك النوع من التجهّم الذي يستخدمه حين تأخذه على حين غرة..

"ماذا هناك؟"

أنا جهزت أذنيّ لأسمع حوارهما و فتحتها على مصرعيها ...

"والدي... والدي غاضب يا كايون لأنك اختفيت عن القصر قرابة يومٍ كامل!"

تجمّد كايون، كمن صُب عليه ماءٌ بارد.

"ماذا؟ والدي... كان يبحث عني؟"

أومأت باستسلام تعصر منطقة ما بين حاجبيها و استرسلت..

"كان يتجوّل كالمجنون، يهدد بحرق القصر بمن فيه إن لم تعد. هل لديك فكرة عن الفوضى التي سببتها؟"

انزلت انا ناظري لكايون، كل مرة يذكر فيها والده امامه يرتبك ، فقد بلع ريقه هذه المرة وكأنه ابتلع صخرة. الصمت الذي تلا ذلك عبّر عن كل شيء...

الرعب، وربما قليل من التفكير إن كان بإمكانه الفرار من نافذة الطابق الثاني ولا ان يلاقيه..

اقتربت الاخرى منه، وربّتت على رأسه برفق. نعم، لم أكن أتخيل أنني سأرى هذه اللقطة الواقعية يوماً.

لكني فعلت.المشكلة انها...

وضعت جبينها على جبينه، وكأنها تمنحه جرعة دعم..

"سأبذل جهدي مع أمي وليو حتى نطفئ غضبه قبل ان يصل اليك.. "

قالتها بنبرة هادئة، حنونة، مختلفة تمامًا عن نبرتها المهددة للبشر الأبرياء امثالي.

"أعلم أنك ستفعلين ما بوسعك، تالين. شكرًا."

قالها كايون بإبتسامة تالين ربتت على كتفه ثم ابتعدت بخطوات ..

"فقط احرص على ألا تقع في مشاكل أكبر. لا أستطيع دائمًا التدخل."

وأنا، في الخلفية، كنت أحاول ألا أصفق.

اريد اخا او اختا كبرى..

لما انا الوحيدة عند والدي بحق خالق الجحيم، يمكنني التخلي عن حياة الرفاهية حتى اجد اختا فاتنة تصلح مشاكلي مع والدي..

مع ان ايمي كانت تتقن هذا الدور و نخرج في الاخير كملائكة..

اشتقت لها تلك الثعلبة!

(。◕‿◕。)

فتحت عينيها، محاولةً فهم ما يحدث من حولها. كانت نائمة في المخزن، وعندما فتحت عينيها، وجدت نفسها هنا... شعرت بيدَيها مقيدتين بحبلٍ خشن على ظهرها، وجسدها يتأرجح مع حركة العربة التي تُجر على طريق وعرة. كانت تسمع أصواتًا غريبة. كل شيء كان باللغة الإنجليزية، لغة لم تكن معتادة عليها تمامًا، لكنها كانت قادرة على فهمها...

أدارت رأسها قليلاً لتكتشف وجوهًا أخرى من حولها. كانوا جميعًا مقيدين مثلها، وملامحهم تعكس ذات الخوف والتشوش الذي كانت تشعر به... الرجال والنساء كانوا جالسين بصمت... هم غرباء جدد... أين الأطفال؟

لم يكن هناك سوى صوت الحبال التي تحتك ببعضها البعض، وصوت العجلات ليقطعا الصمت ..

تتساءل ماري عن المكان الذي ستأخذ إليه بعد قصر مصاصي الدماء ذاك... تتذكر لحظة وصولها إلى هذا العالم، كيف وصلت إلى هنا.

كان آخر ما تتذكره هو سيرها في شوارع مدينتها، حيث كانت الحياة تسير في إيقاع ألفته، وروائح الطعام تتسلل في الهواء، كان وقت الإفطار في شهر رمضان، وذهبت إلى البقالة لتشتري بعض المكونات للمطبخ بعدما امتنع شقيقها الكسول عن الذهاب، فقررت هي أن تذهب مكانه، غافلة عن أن تلك اللحظة ستكون آخر لحظة تعيش فيها بين أضلع عالمها الجميل قبل أن تنتقل الى هذا العذاب..

بسبب بصلتين..

آه... كيف أصبح الجوع ينهش جسدها الآن، بعدما كانت تلك الرغبة البسيطة في الطعام جزءًا من طقوس يومية، والآن تحول إلى شعور غريب، يذكرها بغربتها.

اشتاقت لشعور السكينة و الطمأنينة الذي كان يراودها و هي آمنة داخل عائلتها، اشتاقت له كون القلق لا ينام هنا..

ها هي في عالم غريب، حيث الكل يتحدث بلغة لا تعرفها، ، وهي الفتاة في السابعة عشرة من عمرها ماذا عساها تفعل؟

حاولت أن تجمع شتات نفسها، وتذكرت أن القوة في مثل هذه اللحظات تنبع من العقل، فلا شيء في هذه الحياة، مهما كان، يضاهي ما يمكن للعقل أن يحققه في أوقات الشدة.

وقع نظرها على أحد السجناء الجالسين بجانبها. كان شابًا نحيفًا، وعيناه تتقلبان تارة نحو قائد العربة و تارة للخارج، يتلوى كما لو كان يحاول فك قيده ، ـ

بدأت العربة في التباطؤ، وارتفع صوت أحد الرجال من الخارج وهو يصرخ بكلمات باللغة الإنجليزية. اجتاح الخوف قلبها ليصل إلى حلقها، ابتلعت ريقها في صمت، عيناها تتابعان الفتى النحيل الذي أمامها، متجاهلة ما يقولونه..

توقف فجأة، حين التقت عيناه بعينيها، الصمت لف المكان للحظة قرر بعدها الفتى النحيل أن يتخذ خطوته.

انتزع قدميه من تحت الحبال و كأنه كان يجاهد طوال الطريق لفك قيده ، ثم ركل باب العربة الخشبي بكل شراسة.

انفتح الباب بعنف، مما أحدث فوضى عارمة بين السجناء. قفز من العربة، وركض للخارج، خطواته السريعة حتى انها ظنت أنه سيفلح في الهرب..

لكن..

صوت عواء حاد شق الهواء، وأعقبها صوت ارتطام قوي.

كان قد خرج ذئب من بين الأشجار. حجمه غير طبيعي، أكبر بكثير من أي ذئب رأته في حياتها. فراؤه كان أسود كالليل، وعيونه الصفراء المتوهجة وكنار مشتعلة ينقصها الأكسيجين...

ثوان حتى انقض الذئب على الفتى ، وأطبق بفكيه الهائلين على كتفه قبل أن يسقطه أرضًا.

ليس هناك فرصة له للهرب أو حتى للمقاومة. سمع الجميع صرخة الفتى القصيرة والمليئة بالألم، قبل أن تخمد تمامًا في منتصفها إثر رفس الذئل لرأسه..

هي كانت عاجزة عن الحراك، عيناها متسعتان من هول المنظر. الذئب وقف فوق جثة الفتى ،ليس هي فقط بل الجميع تجمدوا في مكانهم خوفًا من أن يكونوا الضحية التالية.

مريم

أحدق في ذلك الذئب المخيف الذي كان يعلو جسد الفتى النحيل، وثمة شيء داخلي يهمس لي بأنّ الأمور على وشك الانحدار إلى هاوية اعمق...

لم تتحسّن الأمور إطلاقًا، بل بدأت تسلك منحى يصعب حتى على عقلي المرهق الذي لم يستوعب بعد هل هذا كابوس؟ مشهد سينمائي؟ أم أنني وقعت فعلًا في أحد تلك العوالم الغريبة التي لا تعرف كيف دخلتها ولا كيف ستخرج منها؟

هذه امور خيالية انا منذ عرفت العالم لم اؤمن بها و لن افعل..

جسد الذئب بدأ يتلوى ويتقلص، وكأن أحدهم ضغط زر "تحويل" من نمط وحش إلى نمط بشري.

فراؤه تراجع داخل جلده ، و اخذ يفقد تلك المخالب اللطيفة.. لتتحول إلى يدين وقدمين بشريتين.

أمزح، لم تكن لطيفة بتاتا..

الامر يبدو كمشاهدة فيلم رعب بسحر ديزني، لا تدري هل تتأمل أم تركض؟

وبعد لحظات، الذي كان امامي اصبح بشكل آدمي بحت..

نعم، رجل. لا ذيل، لا أنياب، شعر أسود طويل ينسدل على كتفيه . بشرته كانت سمراء قليلاً، عينياه لا تزالان بنفس اللون الأصفر اللامع المخيف،

تقدم الحراس بسرعة و انحنوا له، هو اومأ لهم مقابلا .

أنا، الفتاة المسكينة التي كانت تأمل أن تستفيق فتجد أنها ما زالت نائمة في المنزل، فقد وجدت قلبي يركض أسرع مني، وكل خلية في جسدي تصرخ: "خطر قادم، اختبئي!".

أعلم اني في خطر.. لكن الهرب؟ لا، لم يعد خيارًا مطروحًا على الطاولة منذ رأيت الفتى النحيل يتحوّل إلى... لا أريد حتى أن أتذكر.

المهم، لقد اقتنعت بأننا جميعًا لا نساوي قرشًا في عيني ذلك الرجل الطويل، ذي العينين الصفراوين..

وقفنا صفا افقيا و اخذ يتقدّم نحونا ، بثقة في الالتهام تجعلك تتمنى لو أنك تتحول إلى حجر صغير على قارعة الطريق، لا يُلاحظ.

كلما اقترب مني مقدار خطوة ، كنت أخفض نظري، أتنفس بخفة مع وقع خطواته ، وأتوسل للقدر ألّا تقع عيناه على وجهي.

نعم، أنا جبانة، لي الحق في ان اكون..

ثم، توقف على بعد خطوات مني، أدار رأسه نحو الحراس، وتحدث

"هل هؤلاء فقط من أرسلتهم هوجين؟"

الحراس تبادلوا النظرات بسرعة، وأحدهم، على ما يبدو قائدهم، تقدم وقال بتردد..

"نعم، سيدي. هؤلاء هم كل ما وجدناه في المنطقة التي أشارت إليها الأوامر."

الرجل رفع حاجبه الأسود قليلاً، وكأن هذا الرد لم يكن مرضيًا بالنسبة له. رجع للتجول محاذيا للطابور الافقي، حتى وصل الي..

يال حظي العاثر فقد بقي ساكنا مقابلي، نظراته نحرقني و انا التي كنت خافضة رأسي..

طبعًا، عندما توقف نظره عليّ، تمنيت لو كنت غبارًا في الهواء... أو كرسيًا مهملًا... أو أي شيء لا يملك روحًا ترتجف في صدره..

اخذت شهيقا وأنا أحاول ألا أبدو كقطّة علقت تحت المطر، همست في داخلي، دعاءً علّه يصعد أسرع من نبضي المرتبك..

"اللهم إنك أنت الحافظ، فاحفظني بعينك التي لا تنام، واصرف عني شرّ من لا يرحم ولا يخافك، وكن لي سترًا من كل ما لا طاقة لي به، إنك وليّ المستضعفين وملجأ الخائفين."

يا رب، لو كنت سألبث في عالم الرعب هذا، فأرجوك اجعل لي قدرا حسنا..

هو، بالمقابل، لم يرمش حتى. فقط أعاد نظراته للحراس وقال ببرود كأنما لا يوجد من يرتجف أمامه..

"إذا كان هذا كل ما أرسلوه، فسأضطر للاكتفاء بهم... لن تكون آخر مرة... جهزوا عربة دماء لهم."

انحنى الحراس مجددًا.

كنت أحاول ألا أبدو كمن يهمّه الأمر، لكن الفضول كان أقوى من خوفي، فرفعت نظري خلسة نحو المبنى الذي يشهق أمامي..

كان شامخًا بطريقة مرعبة، كأنّه قصر من تصميم مهندس معماري فاقد لحب الحياة. جدرانه الداكنة تتوشّح بزخارف معقدة.

وقبل أن أكمل تأمّلي، تلقفتني نظرته...

نسيت انه لا يزال واقفًا بجانبي لوهلة حتى وجدته يحدّق بي بصمت مرة اخرى

رفع يده وأشار إلى الحراس لي . إشارته واضحة، لا لبس فيها، لكني تصلّبتُ في مكاني، وقلت لنفسي: "لا، لا بدّ أنه يقصد شخصا اخر !

رفعت إصبعي المرتعشة، وأشرت إلى نفسي متسائلة كطفلة ضبطت تتسلل إلى المطبخ ليلًا..

أجابني بأن أومأ برأسه..

لا مفر. لا خيار. لا حتى فرصة للتظاهر بأنني ميتة.

سرت قشعريرة في جسدي، ولكنني جمعت شجاعتي، أو ما تبقّى منها، وخطوت بخفة المرتجف نحو المجهول. وفي قلبي، كان الدعاء يتصاعد في تمتماتي علّ الرحيم يحفظني في ايامي القادمة..

◖⚆ᴥ⚆◗

كان الظلام يلفّ الأرجاء كستارٍ مخملي، إلا أن الغرفة التي يرقد فيها نايز اتّشحت بهدوء دافئ يبدّد قسوة الليل. كان مستلقيًا على السرير، مغمض العينين، يستمع بصمت، بينما جلست أمامه أنجيلينا، ابنة موريان، تقلب صفحات كتاب قديم يروي سيرة ملك مصاصي الدماء.

تراقص وهج الشموع الخافت على الجدران، مانحًا المكان مسحة من الغموض والسكينة، قبل أن تنطق أنجيلينا بصوت واضح يحمل شيئًا من الهيبة:

"كان ملك مصاصي الدماء يُرهَب أينما ذُكر اسمه. لا تضاهي قوته قوة، وعيونه القرمزية كانت تخترق صدور أعدائه، تزرع الرعب في أعماقهم قبل أن تحصد أرواحهم بلا رحمة."

ارتفعت إحدى زوايا فم نايز بابتسامة خفيفة، كسَحَابةٍ تمر فوق قبر. مال برأسه قليلًا، وسند خده على راحة يده، ثم همس، بنبرة ساخرة تُخفي غمامة تأمل:

"يبدو أن هذا الملك كان يُخشى إلى حدٍّ بعيد،"

قال، محاولًا إخفاء استغرابه من كيفية تضخيم الروايات القديمة للحقائق بشكل دائم.

"جدي يشبهه، لكن ليس إلى هذا الحد،"

أجابت أنجيلينا، وعيناها تتألقان بالفضول. كانت تحب الاستماع إلى هذه القصص عن ماضي عائلتها، وكيف كان أجدادها يعيشون في زمن مختلف كليًا.

""لكنني أعتقد أنه كان يملك قلبًا طيبًا، خلافًا لما يرويه الكتاب."

"قلب طيب؟"

رفع نايز حاجبيه، كما لو أنه يستنطق الفكرة أكثر من صاحبتها:

"قلبٌ طيّب؟ وهل رأيتِ يومًا قلبًا طيّبًا يُضمر العطش للدماء؟"

"لأنهم، في بداية الأمر، كانوا بشرًا، أحيانًا أعتقد أن الجينات تحفظ شيئًا من الإنسانية، حتى في أشد الكائنات ظلمة."

".."

تأمل نايز فيها بنظرة عميقة، مشبعة بالجدية، وهو يستشعر كيف تسعى هذه الكتلة البشرية لإقناعه بأن مصاصي الدماء كانوا بشرًا ضعفاء... وهو عازم على محو هذا الاعتقاد من عقول الأجيال القادمة.

"لا، يا صغيرة، ليس بيننا وبينهم جسور... من عبرها سقط، ومن فكّر أن يُقيمها أعدم، انت حالمة أكثر مما ينبغي. مصاصو الدماء ليسوا إلا كائنات خُلقت من الفقد، لا جذور لهم في النقاء، ولا امتداد لهم في الرحمة... لا مكان للطيبة في قلوبهم. العالم لا يحتمل النقاء ، ودماء الهوجين التي تجري في عروقكِ لا تترك لكِ خيارًا سوى التدرّع بالقسوة، حتى مع افراد عائلتك.. "

"لكن الحياة لا تكون قاتمة دائمًا... في كل منا شعاع، وإن خنقته الظلال، عمي..."

ردت أنجيلينا بحماسة، وهي تغمر نفسها في صفحات الكتاب.

"كم مرة قلتُ لكِ ألا تناديني بذلك اللقب... إنه مزعج."

"آسفة..."

ارفقت أسفها بإبتسامة شقية..

"هل هناك شيء بينكِ وبين كايون؟"

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه أنجيلينا، لم تستطع كتمانها.

"نحن كالأشقاء، لا أكثر. لا شيء بيننا يتجاوز حدود الأخوة."

"متأكدة؟"

سألها نايز، نبرته تحمل شكًا، هي اومأت نافية،

ثم أضاءت عيناها فجأة كما لو تذكرت شيئًا نسيته منذ زمن،

"أوه، تذكرت... أولئك الزملاء الذين اعتادوا التنمّر عليّ... اعتذروا."

رفع نايز حاجبًا، ونبرته كانت تميل إلى الفضول المسرحي:

"حقًا؟ كيف حصل ذلك؟"

هزّت كتفيها..

"لا أعلم... حدث فجأة."

رمقها نايز بنظرة طويلة، ثم قال بلا اكتراث..

"لابد أن لكايون يدًا في ذلك."

قال وهو يعتدل في جلسته..

"إذاً، لنعد إلى قصة ذلك الملك.. "

استعادت أنجيلينا حماسها، وبدأت تقلّب صفحات الكتاب بشغف، فيما كانت تُرجع خصلات شعرها الأشقر الحريري إلى الخلف كلما تسللت أمام عينيها بعناد.

"انظر... عمي،"

قالت بلهفة وهي تشير إلى صورة داخل الكتاب تُظهر الملك جالسًا على عرشه.

"يُقال إنه كان يتحكم في الظلام، ويستدعي مخلوقات سحرية."

رفع نايز حاجبه في صمت، كأنما يطالبها بإعادة النظر فيما قالت.

توقفت لحظة، وحين أدركت زلّتها، همست..

"آسفة... أعني، أنت لست عمي."

ولكنها أكملت ترجع للموضوع و كأنه أكبر إهتماماتها..

"لقد كانت قوّته تتجاوز حدود الفهم، ومن خلالها فرض سيطرته على مملكته بحكمةٍ وصرامة... ظلًّا مرعبًا يلاحق خصومه حتى في أحلامهم. لقد أسّس عرشًا من الرهبة، مهابًا لا يُنازع، وكانت نهايته بداية السقوط، حين تجرأ على انتهاك المحرّم الأعظم بين قومه."

في لحظة سكون، نظرت إليه، تسأله إن كان سمع ما لم يُقال، فهزّ رأسه، لتسترسل..

"كما تعلم، فإن ارتباط ملك مصاصي الدماء ببشرية، بل زواجه منها، هو خرقٌ مريع للعُرف... خطيئة لا تُغتفر. ومع ذلك، وقع في حبّها، لا لشيء إلا لأنها مثّلت له كل ما افتقده."

أخذت نفسًا عميقًا، وعادت لتكمل،

"كانت تلك الفتاة بالنسبة له تجسيدًا لكل ما هو نقيّ وساحر في الأنثى... لم يعد يرى في بنات جنسه ما يشده إليهن... ومنذ لحظة وقوعه في حبّها، بدأ صراعه الداخلي... لقد كسر قاعدة مقدسة، وصار، رغم عظمته، درسًا لا يُنسى للأجيال التي تلته."

"ما الذي حدث له؟"

سأل نايز، معبرًا عن اهتمامه المتزايد بالرغم من معرفته المسبقة.

"بعد زواجه منها ... تمردت خلايا مصاص الدماء في جسده، ليشهد نوعنا أسوأ وفاة يمكن تصورها، حيث انفجرت كل خلية في جسده على حدة، وتوزعت أشلاؤه في الغرفة بشكل جعل من المستحيل جمعها حتى بعد عامين..."

"لعنة الملك.. "

"هل هذا اسمها؟ "

أومأ الأخر يؤكد ذلك و يؤكد لها ايضا ختمه للكتاب..

"لكن، الحب قوة لا تُقاس في بعض الأحيان، يجب أن نختار ما نؤمن به، حتى وإن كانت العواقب شديدة. قد نختار الطريق الصعب، ليس جهلًا بما يخبئه، بل إيمانًا بأنه هو ما يجب أن نسلكه."

ابتسمت نابسة الأخيرة ، هو رفع حاجبه و حدق فيها لبرهة ثم..

مد يده و قرص خدها...

~(つˆДˆ)つ

كملتتتت😭💪

رايكم ....فصل طويل والله✨️😭

احم احم...نايز و أنجي معا بعض😖🤌

ماري تسجل دخول و قصتها مع عائلة المستذئبين..✨️

كايون و فينا و علاقتهم😭💘

تالين...انا أحبها ليس لي دخل فيكم...😃🔥

رأيكم في والد كايون....🙃

نايز و إيميليان في هذا الفصل 🔥✨️🫦

ريكاردو صابر و متحمل🌚

ظهور خفيف لريكاردو الجاد الفخم الهوت....🫢🫦

ريكاردو لديالا رح تشوفوهم في الفصول القادمة و بقوة 😭🔥✨️

هل تظنون ان نايز كان طرف ثالث😶😃

الوحش في الغابة الحمراء سيسجل دخول في الفصول القادمة🤣

الذئب...💃💃

اجواء رمضانية في الجزائر🦋🙈

✨️لا تناديني عمي✨️

شكلي عندما أنهيت الفصل 😭💃🏻💃🏻💃🏻💃🏻

🌸فلاد دراكوليا تتوق لملاقاتكم في رحلتكم🌸

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

FLAD DRACOLIA

المؤلف Felina
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة