اَليَسِ آلَهّروٌبً مًنِ آلَمًآضيَ کْفُکْ قُيَدٍ مًلَبًدٍ بًآلَأشُوٌآکْ؟
هّلَ يَنِتٌظُر مًنِ يَفُکْ قُيَدٍکْ أمً يَبًتٌر يَدٍهّ فُيَ مًحًآوٌلَةّ آلَخِروٌجّ "
.
.
.
اَليَسِ آلَهّروٌبً مًنِ آلَمًآضيَ کْفُکْ قُيَدٍ مًلَبًدٍ بًآلَأشُوٌآکْ؟
هّلَ يَنِتٌظُر مًنِ يَفُکْ قُيَدٍکْ أمً يَبًتٌر يَدٍهّ فُيَ مًحًآوٌلَةّ آلَخِروٌجّ "
.
.
.
.
.
إ
يميليان
شيء لم تألفه عيناي من قبل أعشاب تلطخت بلون الدم و القمر ارتدى زِيَّ جوهرة قرمزية.
حين خرجنا من تلك الغرفة، امتدت خطواتنا في صمت نشقّ طريقنا عبر الحديقة الخلفية، في صف متلاحم مقيد بحبل واحد طويل.
قابلنا قصّر آخر.
لماذا يعشق هؤلاء القرميزي؟ هل هو ترف، أم لعنة تسري في أوصالهم؟
دخلنا القصر فوجدنا أنفسنا في رواق يتنفس عظمة العصر الفكتوري، ثريات ذهبية و مصابيح زيتية معلقة على جانبي الرواق ، ستائر مخملية تغطي النوافذ القليلة .
توقف الرجل لنتوقف نحن ايضا.
طيف امرأة تبدو ثلاثينية أو ربما في أواخر الثلاثينات، كان قد قابلنا يعترض مسيرنا ،
الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها بدت نشازًا وسط ملامح الآخرين الذين صادفتهم قبلاً.
"هنا... غيرن ثيابكن... السيد ريكاردو ينتظر."
صدحت الكلمات في الغرفة، فاندفعت النساء، وأنا بينهن، إلى ارتداء أثواب فُصِّلت بشكل موحد ، تكشف عن أكتافنا.
لم تمضِ إلا لحظات حتى انفرج الباب، تقدم أحدهم يبدو في العشرينات من عمره، انحنت المرأة أمامه في خضوع .
هو اكتفى بابتسامة، إزميل يحفر في إدراكنا، يقينًا بسطوته.
شرع يتفحص الفتيات كما يتفحص صائغٌ أحجارًا كريمة، يأخذ فكوكهم بيده، يقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال .
شعرت بنظراته تسقط عليّ للحظة، أنا أشلت بوجهي للجهة الاخرى آملة ألا يقوده فضوله نحوي.
لما لازلت أشعر أن نظراته متسمرة علي؟
تمتم بشيء بين شفاهه ثم...
لم يكن سوى رفعٍ بسيطٍ ليده و هو لا يزال يناظرني ،جعل المرأة تخرج رفقة باقي النساء تاركًة إياي وحدي معه.
تأملت المكان، عيناي تجوبان ربوعه.
حسنا....
حدث توقعي الذي تمنيت أن يكون مخطئا .
اقترب بضع خطوات نحوي، المسافة التي تسمح له بالقبض على ذراعي ،
بلعت ريقي اقتنص فرصة هذه الثواني علي اجد شيئا استطيع ان القي به عليه فيبتعد...
يا لهذه الابتسامة التي تحتل تقاسيم وجهه.. تجعله يبدو من تلك الفئة التي تجعلك تتساءل إن كنت ستخرج من هذا اللقاء حيًا أم كعبرة لمن اعتبر.
شعرت بأصابعه تتسلل على وجنتي..
يا إلهي ذراعاي معقودتان للخلف و قدماي مقيدتان ببعض، و إلا لكنت ركلته و هربت، اريد ان ابسق عليه، ربما هذه فكرة جيدة، لكن...
لكني سأموت حتما...
توقفت عقليًا عند مفترق طرق...
الخيار الأول أن أتصرف كفتاةٍ خجولة، أطرق نظري للأسفل في وقار .
الخيار الثاني أن أرفع حاجبي بسخرية وأحطم هذا الجو الدرامي بأن أخبره بكل وقاحة انه غير لبق .
الخيار الثالث أن أجد طريقة عبقرية للهرب بعد ان ابسق في وجهه.
كنت أعلم أنني سأختار الخيار الأسوأ على الأرجح...
"اشتقت إليكِ، أيتها الحمقاء... ديالا."
همس بهذا.....
مهلًا... ماذا؟
لا، لا، لنتوقف هنا لحظة. لنُعد الشريط من البداية، لأن ما قاله الآن تجاوز مستوى اللامنطق بدرجة جعلتني بحاجة إلى كرسي ومشروبٍ بارد لأستوعبه.
هو يعرف أمي؟ يتحدث وكأنها شخصٌ عزيزٌ عليه؟ ولماذا هذا اللقب بالتحديد؟ حمقاء؟ هل كانا صديقين؟ أعداء؟ أم شيءٌ آخر تمامًا لا أريد التفكير فيه أو استيعابه ؟
حسنًا، التفكير المنطقي في هذا القصر منعدم الوجود ، وأنا لا أملك ترف اللامنطق و التفكير فيه كثيرا حالياً.
لذا قررت أن أسير مع التيار، أجمع ما أستطيع من معلومات قبل أن أفجر قنبلة الحقيقة عليه وهي أنني، ويال خيبة الامل ، لست والدتي.
سألني لأرجع للواقع تاركة فرط التفكير لأهله،
"هل تسمعينني؟"
أوه، بالطبع، سيدي المبجل،
أجبرت نفسي على رفع رأسي إليه، حافظت على ملامح محايدة، عيناي صوبه و ابتسامة تشق رأسي نصفين قد قابلته ..
داخلي الآن عبارة عن مهرجان من التساؤلات، الإحتمالات، لكن دعوني اخمدها لوهلة اكمل مسرحيتي مع هذا الرجل اولا..
"اجل... سيدي"
رفع حاجبه، نظرة متعجبة ترافقها ابتسامة خفيفة، يناظرني كما لو قمت بشيئ غريب .
جاء رده سريعا، محملًا بنبرةٍ شبه مازحة كانت كفيلة بقلب الحقيقة رأسا على عقب صادمة للمنطق عرض الحائط..
"هاه؟ هل غيابك عنا لثلاثين عامًا فقط جعلكِ تنسجين بيننا رسميات؟"
أنا هنا زينت تقضيبة حاجباي متسائلة.
ثلاثون عامًا؟
لو كان بمقدوري تجميد الزمن عند تلك اللحظة لأفكر على مهل ، لفعلت. لو كنت أملك إمكانية إعادة ترتيب أفكاري قبل أن أستوعب ما سمعته، لاغتنمتها.
الزمن لا يمنحنا تلك الفرص حيث نستطيع التنفس، بل يُلقي بنا في أمواجه ويتركنا نحاول النجاة.
ثلاثون عامًا؟ لا رسميات تعني قربه من امي؟ ماذا يحدث بحق خالق الجحيم؟ أقسم ان عقلي سينفجر من فرط المعلومات التي تتسرب اليه مطالبة منه ان يدرسها.
عقلي يصرخ مطالبًا بتفسير هو الآخر فكيف تريدون منه ان يفسر؟
العالم لم يمنحني فرصة للغرق في تساؤلاتي. لأنه لازال ينتظر اجابة عن سؤاله...
طرقٌ على الباب جاعلا لي لحظة استطيع بها ان اطلق انفاسي المسجونة في الداخل.
التفت ريكاردو نحو الباب حرر معصمي يمشط خطواته نحوه.
وقف هناك، خاطب الحارس، ثم إلتفت الي وظل شبح ابتسامة ودية معلّق على وجهه،
ودعني برفع يده ملوحا ،
أخيرا ! بقيت... وحدي مع أفكاري، أحاول عصر آخر قطرة منطق قد تتواجد في عقلي لتحل هذه المتاهة التي علقت بها.
لنُراجع ما حدث…
إن كان للجنون بداية، فأنا بلا شك قد وطأت عتبته حين خطوت داخل تلك الغرفة.
كنت هناك في المنزل الذي اشتراه لنا السيد والد بيرتا ، أمارس مهامي كفتاةٍ صالحة، حتى وصلت إلى تلك الغرفة.
لم يكن فيها ما يثير الشكوك ، لكن هاجس قوي اخذ يمنعني من الدخول اليها، و ليتني لم اكن بارة بفضولي لأدخل...
اثارت انتباهي مرآة ، بزجاجٍ صافٍ و لا توجد بها ذرة غبار، وهذه بالذات كانت إشارة غريبة لا منطقية ، لأن أي شيء في هذا المكان اكتسته طبقات من الغبار، فلماذا استثنت قوانين الطبيعة هذه المرآة من المصير ذاته؟
وقفتُ أمامها. كنت أراقب نفسي فيها ، بعض من الوقت قد مر و تغير شيئ ما في انعكاسي.
ما رأيته لم يكن أنا.
بل أمي.
انعكاس والدتي ظهر عليها.
ليس انعكاسي، بل هي.
هي كما كانت في ذاكرتي، بملامحها، بنظرتها، بشيءٍ في عينيها اقرب إلى الندم و الحسرة و الاسف...
ثم تحدثت.
قالت كلمات لم أفهم المغزى من حديثها بها،اعتذت مني، طلبت غفراني و انا التي كان عليها ذلك، ثم اوصتني ان ابقى صامدة...
ومن هنا... بدأت
بدأت الأمور الغير منطقية بالظهور.
حين جذبتني داخل المرآة رفقة بيرتا إلى مكان لا مكاني ، لا تسألون كيف و لماذا لأني انا بدوري لا اعرف.
نطقت فلاد دراكوليا لأجد نفسي في بُعد آخر، بعد منظوري في الحياة سيتغير حتما لو بقيت فيه اكثر من ثوان...
بيرتا، كانت معي... ثم لم تعد.
الأعشاب لم تكن خضراء، بل حمراء، السماء لم تكن زرقاء، بل قانية كلوحة رُسمت بأشعة المغيب.
بينما كنت في رحلة بحث عن بيرتا قابلني قصر ابيض اللون.
وقفت أمامه، و دخلت.
و فعلا ليتني لم ادخل لأني جعلت متاهتي اصعب و اطول فحسب...
وجدت البشر يخزنون كغذاءً. وجوه خاوية، عيون ذابلة، أجسادٌ جهزت فقط لتُستهلك.
الرعب في نظراتهم كان كافيًا. لأرى مصيري محفورا على جبيني.
مصاصو دماء.
لم يكونوا خرافة، كان واقعًا تلمسته بيديّ، وللعلم انه بارد الملمس...
ومع ذلك، لم أهرب، ليس لأني خائفة سأضيع فرصة مغامرة في عالم كهذا، و معرفة علاقة والدتي به.
لم يكن اللقاء مع أول مصاص دماء وسيم مشرفا كما تخيلته.
الوغد يناديني باسم أمي.
ديالا.
صوته حمل يقينا و ثقة يجعلانني اشك اني ايميليان و اني حقا امي .
لكن كيف؟
كيف لشاب مثله أن يكون قد عرف والدتي منذ أكثر من ثلاثين سنة ؟
هنا اصطدمت في حائط اغلق علي الطريق.....
وقفتُ عند الباب لوهلة، كيف لي أن اخرج و يدي مكبلتين خلفي ؟ استندت على الباب بظهري ...
بيدي طرقت الباب....و كان في داخلي شيء من التردد.
فتح الباب، كان ذلك الحارس ذاته الذي رأيته يتحدث مع ريكاردو سابقًا. ملامحه هادئة لم تخلُ من لمحة ود ،
ابتسم وهو يقول يمسك بمقبض الباب يغلق اي سبيل لي للهروب .
لا تقلق لست غبية لأهرب و انا بهذه الحالة.
"إن رغبتِ في التجوال، فلا بد أن أرافقكِ، آنسة ديالا."
فعلا اسم ديالا لا يناسبني اشعر اني سرقت شيئا خاصا بشخص آخر، لا استطيع تخيل اسمها مكان خاصتي ابدا.
لكن ماذا عساي افعل دعنا نكمل المسرحية.
"لا، لا داع.. "
لم أكمل عبارتي، صدى خطواته جعلني اصمت اناظره .
رأيت الحارس ينتفض قليلًا، ينحني باحترام ، مما جعلني أدرك أن القادم شخص مهم .
مرر نظراته علي ليرجعها للواقف امامي،
رائع اخيرا شخص لم يحدثني!
"هل رأيت نايز؟"
أومأ الحارس نافيًا،
الرجل رسم إبتسامة قبل أن يخاطبني بسخرية إبتدأ و ختم بها لقائنا .
"أهلاً بعودتكِ... آنسة ديالا، آمل ألا تموتي الآن بعد أن أصبحتِ بشرية."
تجمدتُ،
ما هذا الكلام؟ هل هو تهديدٌ أم مجرد مزاح ثقيل؟
ماذا يقصد ب "أصبحت بشرية"؟
اكانت في الماضي شيئا آخر؟
الحارس اكتفى بأن تنهد ينبس.
"لا تهتمي... السيد موريان هكذا، غريب الأطوار، بل قد تقولين... منفصم."
قطب حاجبيه يلقي نظرة خاطفة حوله، اظنه يخشى أن يكون موريان لا يزال هنا، ليضيف بنبرة شبه هامسة
"لكن لا تقلقي، إنه لطيف... في أحيان نادرة."
لطيف؟ غريب الأطوار؟ منفصم؟ كيف يمكن أن تجتمع كل هذه الصفات في شخصٍ واحد؟!
هذا المكان، وهذا العالم بأسره، أشبه بلغز تتداخل أجزاؤه دون أن تتطابق.
اظنني أسير في حلمٍ يأبى الانتهاء.
(。◕‿◕。)
بيرتا
"ذكّرني، لماذا عليّ فعل هذا ؟"
رفعت حاجبي أخاطبه، لا بد أني فقدت عقلي، أو ربما ضربت رأسي بشيء صلب قبل أن أوافق على هذا..
ليونارد، بالكاد ألقى عليّ نظرة قبل أن يعود إلى لعبته.
"حتى لا تموتي... ربما."
"ربما؟ "
أليس هذا رائعًا؟ حياتي الآن معلّقة على هذا الرجل ،
تنهدتُ أربط المئزر حول خصري، أنظر إلى نفسي في الانعكاس على زجاج النافذة...
تخيلوا.
بيرتا، المدللة، المتحررة، الفتاة التي ترفض أن تُؤمر، ها هي الآن تقدم الشاي كخادمة من العصور الوسطى.
إن أخبرتُ أحدًا من عائلتي عن هذا سيتبرون مني.
نظرتُ إلى ليونارد مجددًا، يلعب الشطرنج.
تبا..
ألم يكن من العدل أن يكون الأوغاد أقل وسامة؟ سيكون الأمر أسهل لو كان أصلعًا أو يملك ندبة بشعة على وجهه، لكن لا، إنه منحوت كتمثال يوناني،
بعد كل هذا التفكير، بدأت للتو جولة تحديق لا متناهية فيه مرة أخرى.
ماذا لو أنني تلقيت درهماً في كل مرة أنظر فيها إليه وأقول" أنا أكرهه... لكنه وسيم! "؟
لكنت الآن أملك قصراً في وسط البحر، بجدران من الشوكولاتة،
لكن لا، بدلاً من ذلك، أنا هنا، أرتدي ملابس خادمة وأسكب الشاي لمصاص دماء متغطرس، فقط مقابل حياتي.
لكنه وسيم بطريقة مزعجة لي !
أستطيع ان أؤكد لكم أن القدر قرر أن يعذبني برجل يشبه فارس أحلامي، اه، كم أنا تعيسة!
كان يلعب الورق مع شاب آخر، في أقصى درجات تركيزه. هذا جعلني افكر في طعنه في نقطته العمياء بينما حدسه الغريزي لا يعمل.
حسناً، يكفي التحدث عن هذا الرجل!
فلننتقل إلى الغريب الآخر في الغرفة. الشاب ذو الشعر الأبيض المائل إلى الفضي، والعينين القرمزيتين،لم أنتبه للون عينيه حتى ناظرني و كان مخيفا.
حسنٌ، ربما عليّ أن أكون ممتنة لأنه لا يهتم لأمري ،
ظلّ صامتاً، كتمثال بشري أو شبح يتحرك فقط ليحرك لعبته.
هل هو حقيقي؟ هل يتنفس؟ أم أن ليونارد لديه عادة اللعب مع التماثيل؟ لم أستطع تمالك نفسي، وكعادتي عندما يحكني لساني فتحت فمي اردف مشيرة إليه.
"من هذا؟"
ليونارد رفع حاجبه ونظر لي كما لو أنني قلت شيئاً غبياً،_وهو أمر يحدث كثيراً، بالمناسبة_.
أما الشاب قرمزي العينين، فقد حوّل نظره لي ما جعل قشعريرة تسري اسفل عمودي الفقري ، شعرت في تلك اللحظة مع نظراته أنني مجرد ذبابة مزعجة قررت اقتحام هدوئه .
في تلك اللحظة، أدركت أمراً مهماً جداً...
أنا في المستقبل الجميل الذي لا أدري اسيأتي ام لا، و في حالة بقيت حية يجب أن أبقي فمي مغلقاً، هذا احسن خيار.
"لا... إنه ابن عمي."
إجابني لأومأ ايجابا،
أخذ يحدّق بي ذاك الغريب قرمزي النظرات، . لم ينطق ببنت شفة لكن يبدو أن كلمة على رأس لسانه تريد الخروج ،
ثم كما توقعت ، جاء صوته، و ياليته صمت.
رغم أن صوته جميل يملك بحة فريدة غير أنه ليس الوقت المناسب ليتحدث حقا...
"ليو... لِمَ توظف بشرية متطفلة في القصر؟ البشر للغذاء فقط."
آه، رائع. يا له من ترحيب دافئ!
أليس من المفترض أن يقدموا لي الشاي أولاً قبل أن يقرروا ما إذا كنت وجبة عشاء مناسبة أم لا؟
شهقتُ في فزع رجعت خطوة للخلف .
هل ينظرون إلينا كفرائس، ككائنات وُجدت فقط لتُستهلك؟ هل إيميليان الآن مجرد بقعة دماء على الأرض؟ هل سأكون التالية؟ لا اريد الموت لازلت شابة!
نظرت إلى ليونارد، انتظر اللحظة التي سيقف و يقتلني ليتغذى على دمي.
إن كان هذا واقعاً، فهو واقع بحاجة إلى بعض التعديلات،
ولكن حتى ذلك الحين، سأبقى هنا... أراقب، أمزح، وأتظاهر بأنني لست مذعورة.
الأمر سهل! لما كل هذا التعقيد؟
" رأيت انها الأنسب لترويض تلك الحشرة اللعينة"
هنا رفع الشاب الأخر حاجبا بتساؤل ثم تنهد، هذا دليل انه لا يهتم.
" بيرتا، الغرفة رقم 45 عملك هناك..."
تأففت ارسم خطواتي نحو الغرفة التي لا أدري أين هي..
(。◕‿◕。)
"هل والدك يعلم بهذا؟"
سأل ابيض الشعر ليونارد يحرك بيدقه للأمام مسقطا الفيل.
سأله إن كان والده يعلم أنه أتى ببشرية للقصر،
"نايز، لمَ أنت قلق؟ لا يعلم، بل لن يهتم، البشر مجرد ألعاب. إن ملّ منها كايون، فله أن يمزقها أو يرميها. لن يرف له جفن."
نايز لم يعلّق، بل زفر بقلة حيلة، لا جدوى من الجدل مع هذا الرجل امامه. انتفض واقفا يحرك رقبته، جلس كثيرا حتى تشنجت!
"عليّ الذهاب... إخوتي الأوغاد سينهون حصّتي من الطعام."
آه، حتى مصاصو الدماء لديهم هذا القلق الفطري حول حصتهم من العشاء،
"دعك منهم... تعال نتناول وليمة اليوم في القصر. والداي ليسا هنا، وكايون أيضًا. سيقضي وقتًا مسليًا مع تلك البشرية... من يدري؟ ربما يتناولها على العشاء."
"ما المقابل؟"
"ماذا؟ "
نايز زفر مجددًا، يرفع حاجبه يكمل.
"أعرفك، ليو، لا تمنح شيئًا دون أن تأخذ مقابله."
ابتسامةُ ليونارد لم تتغير، بل ازدادت إتساعا.
"...ريكاردو..."
"ماذا تريد منه؟ هل الأمر يتعلق بالنساء؟ أو أنه افتعل مشكلة جديدة بسبب هوسه بالاحجار الكريمة ؟"
قالها بنبرةٍ خالية من المفاجأة، كما لو أن فكرة تورط ريكاردو في المشاكل أمرٌ مسلمٌ به، كحقيقة الشمس التي تشرق من المشرق و تغرب من المغرب .
"شيءٌ من هذا القبيل..." قالها ليونارد وهو يعبث بحافة الكأس بين أصابعه.
"لقد تسبب في شجار مع المستذئبين وسرق جوهرةً نادرة، يقال إنها واحدة من أندر الأحجار الكريمة... وأنا—"
"تريدها؟"
أومأ ليونارد سريعًا، كاشفًا عن أسنانه في ابتسامة لم تخلُ من الرجاء.
نايز واصل طريقه نحو المخرج، يده في جيبه، وخطواته الهادئة تطرق الأرض تُعلن نهاية العرض. و بصوتٍ جعله مرتفعًا بما يكفي ليصل إلى مسامع ليونارد، نبس.
"أفضل القتال على حصّتي مع إخوتي الأوغاد على أن أضع يدي على جوهرةٍ من ممتلكاته. فلتحتفظ بوليمتك لك."
وقف ليونارد يراقبه يمضي، فريسته على وشك الفرار! ما جعله يهزّ رأسه بقلة حيلة.
آه، لا يمكن إقناع هذا الرجل بسهولة. لكنه وإن كان نايز قطعة جليد، فهو يعرف تمامًا أين يكمن مصدر حرارته. الذي يذيبه!
"سأحضر البودينغ... ما رأيك؟"
الزمن توقّف للحظة. ارتعشت شرارة لامعة في قرميزيتي الآخر ، توفق لبرهة متسمرا في مكانه كأنه يقاوم، ثم وكما كان متوقعًا عاد إلى مكانه..
ريكاردو؟ آه، سيقيم حفلة جنائزية لو فقد جوهرته،
و ستكون الأجواء أكثر متعة إذا كان من أخذها نايز!
لم يكن النقاش قد بلغ نهايته بعد، نايز جلس مجددًا، أسند ظهره إلى الأريكة يستعد ليفرض شروطه.
"سأفعل ذلك... إن أضفت إلى الصفقة صندوقًين من البودينغ. سأأخذهما معي."
كان الشرط بسيطًا، لكنه في قاموس نايز، انها قضية حياة أو موت!
اتسعت ابتسامة ليونارد، ليرفع إبهامه موافقًا،
تلامست قبضتاهما في مصافحةٍ مختصرة، ختمت معركة تفاوض انتهت بما يرضي الطرفين.
ʕ´•ᴥ•'ʔ
ايميليان
"هكذا إذن...
أنا الآن في قصر مصاصي دماء، عائلة تُدعى "هوجين". قصرهم الرئيسي أبيض، واجهةٍ لمساراتٍ ثلاث، كلٌّ منها يقود إلى قصرٍ فرعيٍّ آخر، كل قصر فرعي يقطنه ابن من ابناء هذه العائلة، وريكاردو ليس سوى الابن الأوسط للابن الأكبر للملك.
"بالضبط..."
أردف الحارس، الذي يدعى جاك، وهو يراقبني وأنا أدون الملاحظات.
نعم، أنا أكتب في الحديقة، على الأرض بعض المعلومات التي ربما ستفيدني. على الاقل يجب ان استغل بقائي دون قيد.
مصاصو الدماء يتناولون عشاءهم المخمليّ بعيدًا،
أحتاج إلى فهم ما يجري حولي بطريقةٍ منهجية،
جاك،_و هو إسم الحارس_ وقف أمامي يلقي نظرة عما أفعل، شعرت أن هناك كلمة على رأس لسانه..
"لماذا ترتدون، أنتم البشر، ثيابًا غريبة؟"
رفعت رأسي من الورقة، لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام،
هذا الرجل أوقف عقله عن العمل عند نقطةٍ معينة، الا و هي لباسنا في القرن الواحد و العشرين؟
"في عالم البشر، الجميع يرتدي مثلها."
لكنه لم يبدُ مقتنعًا، بل تابع..
"لباسكم غريب... طوال ثلاثة آلاف سنة من حياتي، لم أرَ شيئًا مشابهًا. مثلا لما تملك إحداهم ثقبًا في فستانك عند خاصرتك؟ وما حكاية السراويل الممزقة؟ كثير من البشر يرتدونها، أليس ذلك محاكاةً للمشردين؟"
دعونا من منظوره الذي اراه صحيحا حول السراويل الممزقة و لنلتفت إلى الأهم...
...ثلاثة آلاف سنة؟
شعرتُ بأن دماغي أوقف تشغيله للحظة. لأنبس دون وعي، كلماتي خرجت من محجرها عفويا تريد تفسيرا لأني إكتشفت أني أملك صخرة مكان عقل داخل جمجمتي.
لا أدري هل المشكلة فيّ ام في هذا العالم لكني أُجن
"ثلاثة آلاف سنة ليست مدةً قصيرة..."
هنا، أطلق جاك زفيرًا ، أظن أنني أزعجته.
حسنا فليذهلب للجحيم، لن ابتعد حتى افهم منه ما أستطيع ،
تأخره في الرد جعلني أرغب في لكمه.
"هاه؟ أنا أصغر حارس في القصر.
أوه... فهمت، أنتم البشر تعيشون أقل من مئة عام، مساكين..."
يال غرور مصاصي الدماء، أنا رفعت حاجبا أجيبه بإبتسامة..
"الغريبون هم أنتم... كيف تتحملون العيش أكثر من مئة عام؟ أليس ذلك عبئًا؟ تخيل أن عليك تكرار كل شيء مرارًا، تخسر أشخاصًا، تكوّن ذكريات، ثم تفقدها، تتذكر أشياء تفضل نسيانها، ولا تستطيع الفرار من الزمن أبدًا."
لم يتأثر. بدلًا من ذلك، ابتسم،
"لم تعد هذه مشكلة... السنة عندنا لا تختلف كثيرًا عن الأسبوع عندكم.
هل بني هذا الجنس كلهم هكذا؟
حدّقت إليه للحظةٍ، ثم أطلقت تنهيدة.
"هكذا إذن..."
التفتُّ على وقع صوتٍ يناديني، ليس باسمي، بل باسم والدتي.
"ديالا..."
حقًا، كم أكره هذا!
ها هو ذا، ريكاردو، العاشق الأبديّ للأحجار الكريمة والنساء على حدّ سواء، رأيته اليوم للمرة الرابعة الا يمل من رؤيتي؟
انا أفعل.
بسمة كانت تزيّن تقاسيم وجهه، الابتسامة التي يجيد صانعو المشاكل ارتداءها كدرع،
أمر جاك بالرحيل، ليتركني وحدي معه...
لما ايها القدر قدتني إلى هنا؟
"كيف أمضيتِ تلك الدقائق بدوني؟"
اوه إشتقت لك! هل تعلم؟ لو تأخرت ثانية أخرى لكنت ميتة حنينا لك...
أينتظر أن انبس بهذه الكلمات؟
أظن أني إكتفيت من هذه اللعبة السخيفة، لو ناداني بإسم والدتي مرة أخرى سأركله، ولا أريد الموت شنقا لذا...
"أنا لستُ ديالا هذه."
حسنًا، لا أدري إن كنتُ قد قلتها بصوت عالٍ بما يكفي ليخترق جمجمته السميكة، لكنني فعلت.
أعلم أني حمقاء، لكن هناك هاجس قوي دفعني لأنطق ما قلته سابقا، نفس الشعور الذي حثني على دخول الغرفة.
لا يبدو على الواقف مقابلي أنه استوعب ما قلته.
عيناي القيتهما صوبه أنتظر إنكماش ملامحه في تعبير قد يعطيني نظرة أولية لإرتداده ، أيّ ظلٍ للحيرة، للدهشة، للرفض،
لكنه...
لكنه ابتسم. لا، بل اتسعت ابتسامته كأنني قد ألقيت عليه دعابة، الا يصدقني؟.
"جيد، فقدتِ الذاكرة إذن؟ هل كان لتحويلكِ إلى بشرية آثارٌ جانبية؟ أم أن دماغ البشر محدود لا يتسع سوى لمائة عام من الذكريات، فنسيتِ من تكونين، ديالا؟ "
نطق اسم أمي بثقل، مدّ الحروف و أبطئ في لفظه كما لو يحاول زرعه في دماغي عنوةً. زفرتُ، ونفيت برأسي، قبل أن أفتح فمي..
"اسمي ليس ديالا، لقد أخطأتَ الشخص، اسمي إيميليـ—"
لم أستطع حتى إنهاء جملتي. حتى وجدت نفسي أقرب مما ينبغي اليه . يداه تقبضان على فكي.
أصابعه تمسك به كما لو كان لوحةٌ يحركها كيفما شاء، يقلبها، يفحص تفاصيلها بتركيزٍ.
"لقد تغيرتِ في هذه الثلاثين سنة..."
آه، مجددًا مع هذا الهراء.
رفعتُ حاجبًا بسخرية، متناسيةً مدى قربه، متناسيةً أنني حرفيًا قد أكون على بعد حركةٍ واحدةٍ من نهايتي.
"لم أفقد شيئًا، أنا لستُ من تزعم أنها ديالا، أنا… هي أنا منذ ولادتي. وبالمناسبة، لا تعجبني فكرة أنك تمسك بفكّي كما لو كنتُ منحوتةً من الرخام! ومصبوغةً بالألوان الزيتية!"
"مستحيل..."
والمستحيل، في رأيي، هو حشر حقيقة في عقلٍ لا يريد أن يسمع.
"ما علاقتك بها؟"
غيرت الموضوع القي بنقطة ضعفه على الطاولة...
سألته عن علاقته بديالا، امي
نظر إليّ، ولفترةٍ وجيزة، خُيّل إليّ أنني رأيت ظلاً من التردّد في عينيه قد أخفاه بابتسامةً لم تصل لعينيه، ابتسامةٌ نحَتها مجبورا .
"صديقة... صديقة قديمة فقط."
صديقة، هاه؟ آهٍ لو كان بإمكاني تدوين هذه الكذبة في موسوعة "أشهر كذبات التاريخ".
كلمة "صديق" بين امرأة ورجل؟ لا مكان لها في قاموسي. نعلم جميعًا ما تعنيه هذه الكلمة حين تتسلّل في جملةٍ كهذه، وليس عليّ تذكيركم.
راقبتُ كيف انحرفت عيناه نحو عنقي، وكيف طال صمته فجأة.
هل معدته أعلنت موعد المقبلات؟
لا يمكنني الجزم، لكن الاحتمالات كلها كانت تصبّ في اتجاهٍ واحد،
أنا على وشك أن أصبح وجبةً.
"إذًا، يمكنني قتلك."
كنتُ أرتعش. الغريزة البدائية في داخلي كانت تدق ناقوس الخطر، تصرخ تذكرني بأن هذا الرجل أمامي خطر و أنه علي الهرب فورا.
تراجعتُ خطوة. خطوة واحدة، ليبدأ بالتحرك نحوي،
عيناه أصبحتا قرمزيتان.
هذا مخيف..
واصلت التراجع حتى شعرت ببرودة الجدار الخارجي تلامس ظهري.
لقد جعلني حرفيًا فأرًا محاصرًا في زاويةٍ بلا مهرب.
لو كان الأمر مشهدًا دراميًا، لصرخت البطلة الآن أو انهارت دموعها في انتظار المنقذ.
لست من ذلك النوع للأسف. ذلك انني حملت غصنا كان مرميا اجعله سلاحا لي ضده، أو لنقل آداة تبعده عندي لمهلة.
" إبتعد و إلا... "
على ما يبدو، لم يكن في مزاجٍ لسماعي أو للصبر على جنوني!
أمسك بكتفيّ بعد أن اخذ مني الغصن القاه بعيدا،
عيناه لاحتا تنتقلان على رقبتي كأنه يبحث عن موضع ما. توقف عند عظمة الترقوة، ثم غرز أنيابه هناك.
هذا مؤلم حتى النخاع..
دمي يُنتزع، يُسحب، ليس من وريدي فحسب، بل من أعماق روحي. أنفاسي تسارعت رغمًا عني، أحتاج هواءا
رفعتُ يدي، تشبثتُ بقميصه،
لن أموت كوجبةٍ في قائمة طعامه.
ليس الليلة.
الألم في عنقي كان ينذرني بأنني إن لم أفعل شيئًا الآن، فقد ينتهي بي المطاف جثةً هامدة،
عليّ التفكير بسرعة، وخيار الاستسلام لم يكن مطروحًا على الطاولة.
أحاول دفعه؟ لا، بنيته مقارنة بي لا يستهان بها . ركلة؟ لن تؤثر في مصاص دماء قوي مثله.
خطرت لي فكرة مجنونة. لم أفكر بها مرتين!
رفعت يدي إلى شعره.
ربما اعتقد أنني استسلمت، ذلك أنه ارخى قبضته على كتفي قليلا.
أمسكت بخصلاته بقوة، ثم فجأة..سحبت شعره للخلف بأقصى ما أملك من قوة.
حين فقد توازنه، استغللت الفرصة. دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة، ونجحت في زيادة المدى بيننا.
تراجعتُ أبعد، وضعت يدي على اسفل رقبتي، لأشعر بالسائل الدافئ القرميزي يتسرب على جلدي.
لقد ترك علامة لقذارته على جسمي!
رفعت أنظاري إليه، كان قد استعاد توازنه بالفعل، لترتفع ضحكته شيئا فشيئا..
"لست سيئة.. "
هذه ليست جملةً تبعث على الطمأنينة.
أنا أوجست شرا ذلك أنني بلعت ريقي أنتظر خطوته القادمة..
لكن للأسف لم أُكرم بمثل هذا الإمتياز، ذلك أنه التفتَ للجهة الأخرى، إثر شخص آخر أتى.
"ريكاردو، ساعتي… أين هي؟"
أوه، رائع. اللص النبيل تم القبض عليه متلبسًا.
رمقه الرجل بخضراويتاه، و الذي أظن أن إسمه كان موريان . ريكاردو زفر يمرر أصابعه عبر خصلاته الشقراء.
"أي ساعة؟ لا أعلم عن ماذا تتحدث."
الرجل الآخر، لم يشترِ تمثيله الرخيص. رفع حاجبيه، نبس بنبرة معاتبة كأنه يحدث طفلا مشاغبًا،
"ريكاردو، أنت تعقد أصبعيك…"
في تلك اللحظة، ألقيت نظرة على يديّ ريكاردو، وبالفعل… كان يعقد إصبعيه الوسطى والسبابة خلف ظهره، لقد كان هذا المشهد سرياليًا للغاية.
"ليس هناك أحد قد يسرقها غيرك، أعِدها الآن."
رفع يده أخيرًا، وكشف الساعة التي كان يخفيها،
"إنها تحمل أحجارًا لامعة… وقد أصبحت لي."
شعرتُ بالرغبة في التصفيق.
إنه لصٌ لا يسرق إلا ما يلمع، و هذه نقطة لصالحه، لقد إلتقيته اربع مرات اليوم و جميع الاربع مرات، كان سارقًا لشيئ لامع فيهم.
هذا الرجل يتنفس الاشياء اللامعة!
"أخرق… هاتها."
قال موريان ذلك و التفت إلي، عيناه الخضراوتان إنزلقتا إلى عنقي.
رأيتُ شفتيه تنفرجان عن سؤالٍ أيقض فضولي النائم حاليا و جعله يرقص.
"أليس محرّمًا علينا التغذي على دمائها؟"
محرما التغذي على دمائي؟
دمائي يعني دماء والدتي!
قبل أن أستوعب السؤال جاءت الإجابة من ريكاردو،
"هي ليست ديالا."
هكذا، ببساطة.
ثم أضاف بجفاف، يشير إلي.
"إنها ليست ديالا، وهي لا تهمني، بما أنها ليست هي فدماءها محلّل لي "
القى كلماته و استدار ماضيا ،
حسنًا…الأمر بدأ يأخذ منحى آخر، أن أكون في أزمة لأنني نسخة من والدتي شيء، لكن أن أُختزل إلى "غير مهمة"؟
أشعر أني أريد الصراخ أو ضرب أحدهم حتى أرتاح!
..
ريكاردو اختفى في العتمة، تاركًا إياي مع موريان، الذي، وبكل بساطة، لوّح لي بابتسامة لطيفة، ثم مضى هو الآخر.
منفصم.
تُركتُ واقفة هناك، مع علامة دامية على عنقي وإحساس غريب بالضعف...
حسنًا… على الأقل لم أمت. لنضع ذلك في خانة الإنجازات لهذا اليوم.
يال هذه الدرجة من البؤس التي وصلت لها!
{بيرتا}
"سيدي... هل لي أن أدخل؟"
كانت هذه المرة العاشرة بعد الألف التي أنادي فيها أمام الغرفة رقم 45، لا رد، لا حركة، لا شيء.
ليونارد يهوى العبث بأعصابي، وأنا لا أتحلى بالصبر الكافي لمجاراة مزاجه المتعالي.أرجو ألا يكون قد سخر مني و ارسلني الى غرفة فارغة..
تنفست بعمق أحسب أين ستستقر قبضتي لو قررت لكمه. وجهه؟
لا، هو وسيم بما يكفي ليُغتفر له هذا الاستهتار، ولست من يعبث بالتحف الفنية.
لكن قبل أن أقرر ساحة المعركة، التقطت أذني صوتًا قادمًا من طرف الممر.
"إدوارد، قلت لك لا أريد الدراسة! ما الفائدة من معرفة قصة حب قديمة بين ملك مصاصي الدماء وبشرية؟"
أوه، ها نحن ذا.
أدرت رأسي، ليقابلني شاب، بالكاد يبدو أنه قد تجاوز عتبة الثالثة عشرة، عقد ذراعيه بانزعاج، يقف قبالة رجل جُسِّدَ به النظام والاتزان.
كان إدوارد، رئيس الخدم، هذا الرجل منذ اول لقاء بيننا اليوم رأيته أشبه بساعة سويسرية في دقته.
لا طية في قميصه، لا خصلة متمردة في شعره الذي شده للخلف يربطه، حتى نظّاراته تبدو جزءًا من وجهه، لا تهتز ولا تنحرف عن مكانها قيد نملة. حيث عدلها و اجاب الواقف أمامه.
"سيدي الشاب... إنها قصة عليك وعليّ وعلى كل مصاص دماء أن يحفظها وينقشها في ذاكرته كما يُنقش الحرف على الحجر ."
"هذا سخيف..."
أوه، كم أحب هؤلاء الأشخاص أمثاله الذين يعيون أن التاريخ مجرد أكوام من الورق الأصفر لا أكثر.
كم وقفت على رأس ايميليان اريد إقناعها أن قراءة الكتب مملة و إن التاريخ لا متعة به، لكنه و يال الهول كم تعشق شيئا يدعى الكتب، و خاصة التاريخية منها.
ما إن التقطني الشاب بعينيه حتى إنتفض متجهًا نحوي نابسا.
"أوي... أنتِ! بحق خالق الجحيم، ما الذي تفعلينه أمام باب غرفتي؟"
رفعت حاجبي، ثم انحنيت قليلًا لأوازي قامته، لأن كعبي العالي لا يزال يمنحني أفضلية في الطول .
"ليونارد أرسلني إليك."
صمت لوهلة قبل أن يقطب حاجبيه، لترتسم على شفتيه ابتسامة الساخرة تجعل يد المرء تحكّه لصفعه.
"خادمة... ووقحة أيضًا مع سيدها؟ الأسوأ أنكِ بشرية، أستطيع سحقكِ بإصبعي هكذا."
تنهّدتُ، ثم ربتُّ على كتفه .
"احترم نفسك، عزيزي. أنا في الثالثة والعشرين، وأنت مجرد مراهق تائه بحاجة لمن يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح."
"أنا في الواقع أكبر منكِ."
استقمتُ في وقفتي لأشير له بسبابتي اخاطبه.
"يا لحظّك السيّئ... إن كنت تكبرني في العمر، وتبدو هكذا، فأخشى أنك لن تواعد أي فتاة في حياتك. تبدو طفلًا. بل، لنكن واقعيين... أنت قصير جدًا بالنسبة لرجل."
رأيت حاجبيه ينعقدان بحنق فتح ثغره ينوي الحديث ليقاطعه صوت ليونارد.
" كايون....!"
عدل من وقفته و التفت له كشكل من الإحترام كما أظن كان ليو يناظره بتأنيب، اما الآخر حاول تجنب التواصل البصري معه..
" ماذا حدث في الأكاديمية اليوم؟.."
"إنه، كان هناك وغد...."
" هل ازعج انجيلينا ؟ "
" الأمر، ليس كذلك، انه فقط مزعج"
" لما بحق خالق الجحيم أنت خائف؟ من هو هذا الوغد؟ أريد قتله. كيف يجرؤ على إزعاج أنجيلينا؟ إن لم تقتله في المرة القادمة، فانسَ أنني أخوك. أنت بعمر الألفي سنة الآن، لقد كبرت."
لم أفوّت تلك النظرة التي أطلقها كايون نحوه،
"هل تسخر مني يا أخي؟ هل والدي يعلم؟ "
"لا تقلق... سأعمل على ألا يفعل."
لمعت عينا الأصغر بإتمام الحيلة، قبل أن يندفع نحو اخيه نابسا..
"ح... حقًا؟! يا إلهي، هل تعلم ما معنى..."
لم يكمل اندفعه إلا و أضاف بجدية..
" مهلاً... ما المقابل؟"
أوه، كم أعشق لحظات الإدراك . رأيت ليونارد يميل برأسه مبتسما.
"لأنك أخي الجميل الصغير، سيكون المقابل أسهل... وربما أرخص. لنرَ... ما رأيك في إحضار أوراق مهامي من مكتب والدي؟ سهل، أليس كذلك؟"
كم هو بارع في دسّ السم في العسل،
"هل أنت مجنون ؟ مكتب والدي جحيم! لو رآني هناك س- سيذبحني! سيقطع عليّ الدماء لبقية حياتي! هل تريد قتلي؟"
"إذن... سأخبره بما فعلت لأجل أنجيلينا. بعد ذهاب نايز، يبدو أن عدواه قد انتشرت بالفعل."
آه، رائع عرفت إسم قرميزيِّ العينين!
"لا... سأفعل، سأفعل أي شيء!"
كايون يبدو متوترا بشأن انجلينا هذه، لذا كان لا بد لي من التدخل.
تقدّمتُ خطوة، وقفتُ بينهما كما تفعل العدالة حين تقف بين الظالم والمظلوم، وحدّقت في ليونارد بعينين جادتين، نبرة صوتي حملت من الاتهام ما دفنته في اللحظات السابقة..
"أنت... إنه أخوك. هذا ابتزاز واضح."
عقد ذراعيه، ناظرًا الي.
"لِمَ لا تساعدينه؟ إذا كنتِ قلقة عليه إلى هذا الحد..."
زفرتُ، تلك الزفرة التي تسبق عادة قرارًا قد أندم عليه لاحقًا. لم يكن ما يثير أعصابي مجرد عناده، بل ذلك الوجه اللعين... كان وسيمًا لدرجة غير عادلة، وهذا فقط ما منعني من رفع قطعة أثاث وتحطيمها على رأسه.
ثم... حدث ما كنت أخشاه من نفسي..
وقفتُ هناك، أحدّق فيه بصمت...فقط لأنني كنت مشغولة... مشغولة جدًا بتفحص كل إنش من وجهه.
تبا، أنا حتى نسيت لماذا كنت أتكلم منذ لحظات.
ثم، دون وعي، نطقتُ أخيرًا،
"...أتعلم، هذا غير عادل."
"ماذا؟ "
" انت وسيم.....كحبة كوكيز مليئة بالشوكولا "
كانت هذه هي اللحظة التي علمت فيها أنني ربما، قد فقدت السيطرة على مجرى الحوار، و على لساني.
رأيته يحدّق بي، واضح أنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان عليه أن يشعر بالإطراء، الإحباط، أم الشك في قدراتي العقلية.
"حسنًا... ماذا ستفعل إن ساعدته وأحضرنا لك ما تريده؟"
"أنا فقط من يطلب المقابل... لن أفعل لكِ شيئًا."
رائع خدمة بلا مقابل، و لأجل من؟ لأجل المسمى كايون، و الذي يراقبني كأني حشرة مزعجة تحشر أنفها فيما لا يعنيها، لكن لا بأس، كان حلمي أصلا أن أعيش في قصة خيالية كهذه و هذا سيكون ممتعا!
"هذه المرأة لن تساعدني... سأفعل ذلك بمفردي، ستكون عائقًا."
عرفت أنه ينوي قولها من نظراته لي.
دون أن أكلف نفسي عناء الدخول في جدال معه أمسكتُ بمعصمه وجررته معي بعيدا.
"دعك من هذا الهراء، ودعنا نذهب إلى مكتب والدك."
كان يحاول المقاومة، كطفل يرفض الذهاب إلى النوم ، لم ألتفت إليه، ولم أكترث لأي اعتراض خرج منه.
...................................
لا أدري ما الذي كان يدور في ذهن والد ليونارد حين اختار هذا القفل تحديدًا ليحرس أسراره، لكنني أكاد أجزم أنه لم يكن يثق إلا بالمعادن، لا بالبشر.
بجانبي، كان كايون يراقبني..
"هل والدك عبقري أقفال؟"
قلتها وأنا أرفع حاجبي، بينما أُدير دبوس الشعر في القفل علّه يفتح.
"هذا القفل أعقد من محادثة فلسفية عن معنى الحياة."
"قلتُ لكِ أنني سأتدبر الأمر."
حسنًا، ومنذ نصف ساعة وهو يتدبر الأمر بالوقوف متفرجًا بينما أنا من تفعل كل شيء.
"فلتغلق فمك... أنا أُركّز."
دحرج عينيه. أظن أنه فعلها مراتٍ أكثر مما تنفّس اليوم.
ثمّة صوتٌ كسر رتابة اللحظة، كان صوت كعبٍ عالٍ، صدى خطواته يُعلن عن حضور أحدهن .قابلتنا إمرأة تشبه ليونارد في جمالها الآسر،
رأيتُ ملامح كايون تتجمّد .
توقفت أمامنا، التفتت إليه تصوب نظراتها نحوه ،
"ما الذي تفعله هنا، كايون؟"
حاول تجميع كلماته، لكن اللغة خانته.
"أ... أنا... لم—"
تقدّمت منه ببطء، انحنت حتى أصبحا على مستوى واحد، ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، تبدو لطيفة الآن بشكل ما!
"كايون... أنا جادّة... هل ابتزّك ليو مجددًا؟"
لو كان الصمت له جسد، لكان جسد كايون الآن. حاول أن ينظر في أي اتجاه سوى عينيها،
"لا، لم يفعل..."
استقامت، واستدارت إليّ، حاجبها ارتفع قليلًا،
"وأنتِ؟ ما الذي تفعلينه؟"
"لا شيء."
"ماذا حدث، أيتها البشرية؟"
"لم يحدث شيء."
التكرار خدعة قديمة، لكني لم أجد غيرها.
رفعت يدها وأمسكت بذقني، نظرتها تعاين وجهي.
"تكلمي، وإلا قطعتُ حنجرتك اللعينة."
يا لها من سيدة أنيقة... حتى تهديدها يحمل نغمة لحنية راقية. ابتسمتُ، تلك الابتسامة التي لا تجد التعبير المناسب للحظة ما فتخرج بعفوية منقذة لك، و أحيانا لا تأتي في وقتها.
"أختي! فلتتركيها!"
تالين أطلقت سراح وجهي، و التفتت إلى أخيها الأصغر،
"آسفة، كايون، لكن لعبتك هذه أزعجتني. لا تقلق إن مزقتها سأجلب لك واحدة أخرى."
"لا... لا تفعلي، لستُ طفلًا، أنا في الألفين من عمري!"
"أنت أخي الصغير... سأبقى أراك طفلا حتى وأنا في قبري."
كايون تنهد، وكأنه سمع هذه الجملة ألف مرة.
"ها قد عدتِ إلى وضعية الأخت الكبرى اللطيفة مجددًا... تالين."
"أجل،..المهم الآن، أبعد لعبتك عني قدر المستطاع، أخشى أن أكسر أضلاعها البشرية الهشّة."
قالتها بابتسامة، ثم استدارت، لوّحت بيدها، وألقت كلماتها الأخيرة قبل أن تبتلعها الأروقة.
"سأتحدث مع ذلك البخيل الأحمق لأجلك."
أخذتُ نفسًا عميقًا، أتحسس رقبتي، متأكدة أنها لا تزال في مكانها. التفتُّ إلى كايون، لأجده ينظر إليّ بطرف عينه.
"لن أشكركِ على مساعدتي، هذا واجبكِ."
ضحكتُ، ثم بعثرتُ شعره كأخت كبرى مع أخيها الصغير .
"أنا لستُ خادمة هنا، أنا فقط جئتُ لأعتني بك، على الأرجح... وما الذي كنتَ ستفعله لو لم أساعدك، هاه؟"
"حمقاء.."
قهقهتُ، اسند يدي على خاصرتي.
"يا لكَ من مدلل.. تُذكّرني بنفسي حين كنتُ في عمرك. يا إلهي، كيف كان والدي رحيمًا ليُبقي رأسي فوق كتفي حتى الآن."
🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥
رأيكم؟👌🏻✨️
ريكاردو؟ و علاقته بأم إيميليان؟✨️🤔🤫
جاك شخصية عفوية احس انه سيكون له ظهور في مشاهد مهمة🤭❤️
موريان المنفصم عنده ظهور قوي في البارتات القادمة!😁🫡😏💯👌🏻
ليونارد و المقابل قصة حب
نايز سجل ظهور فخم👈👉
كايون المدلل....بيرتا الله معها
تالين حبيبتي....رح تحبوها متأكدة
كيف تحسون العلاقة بين إيميليان و ريكاردو
رح تتحسن او تنجلي؟
نايز لا يهمه شيئ سوى البودينغ الخاص به🫠💃 أظنه يحب البودينغ حتى أكثر من الكاتبة التي صنعته يا رفاق 🥲

🌸فلاد دراكوليا تعتذر 🌸
اَليَسِ آلَهّروٌبً مًنِ آلَمًآضيَ کْفُکْ قُيَدٍ مًلَبًدٍ بًآلَأشُوٌآکْ؟
هّلَ يَنِتٌظُر مًنِ يَفُکْ قُيَدٍکْ أمً يَبًتٌر يَدٍهّ فُيَ مًحًآوٌلَةّ آلَخِروٌجّ "
.
.
.

.
.
إ
يميليان
شيء لم تألفه عيناي من قبل أعشاب تلطخت بلون الدم و القمر ارتدى زِيَّ جوهرة قرمزية.
حين خرجنا من تلك الغرفة، امتدت خطواتنا في صمت نشقّ طريقنا عبر الحديقة الخلفية، في صف متلاحم مقيد بحبل واحد طويل.
قابلنا قصّر آخر.
لماذا يعشق هؤلاء القرميزي؟ هل هو ترف، أم لعنة تسري في أوصالهم؟
دخلنا القصر فوجدنا أنفسنا في رواق يتنفس عظمة العصر الفكتوري، ثريات ذهبية و مصابيح زيتية معلقة على جانبي الرواق ، ستائر مخملية تغطي النوافذ القليلة .
توقف الرجل لنتوقف نحن ايضا.
طيف امرأة تبدو ثلاثينية أو ربما في أواخر الثلاثينات، كان قد قابلنا يعترض مسيرنا ،
الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها بدت نشازًا وسط ملامح الآخرين الذين صادفتهم قبلاً.
"هنا... غيرن ثيابكن... السيد ريكاردو ينتظر."
صدحت الكلمات في الغرفة، فاندفعت النساء، وأنا بينهن، إلى ارتداء أثواب فُصِّلت بشكل موحد ، تكشف عن أكتافنا.
لم تمضِ إلا لحظات حتى انفرج الباب، تقدم أحدهم يبدو في العشرينات من عمره، انحنت المرأة أمامه في خضوع .
هو اكتفى بابتسامة، إزميل يحفر في إدراكنا، يقينًا بسطوته.
شرع يتفحص الفتيات كما يتفحص صائغٌ أحجارًا كريمة، يأخذ فكوكهم بيده، يقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال .
شعرت بنظراته تسقط عليّ للحظة، أنا أشلت بوجهي للجهة الاخرى آملة ألا يقوده فضوله نحوي.
لما لازلت أشعر أن نظراته متسمرة علي؟
تمتم بشيء بين شفاهه ثم...
لم يكن سوى رفعٍ بسيطٍ ليده و هو لا يزال يناظرني ،جعل المرأة تخرج رفقة باقي النساء تاركًة إياي وحدي معه.
تأملت المكان، عيناي تجوبان ربوعه.
حسنا....
حدث توقعي الذي تمنيت أن يكون مخطئا .
اقترب بضع خطوات نحوي، المسافة التي تسمح له بالقبض على ذراعي ،
بلعت ريقي اقتنص فرصة هذه الثواني علي اجد شيئا استطيع ان القي به عليه فيبتعد...
يا لهذه الابتسامة التي تحتل تقاسيم وجهه.. تجعله يبدو من تلك الفئة التي تجعلك تتساءل إن كنت ستخرج من هذا اللقاء حيًا أم كعبرة لمن اعتبر.
شعرت بأصابعه تتسلل على وجنتي..
يا إلهي ذراعاي معقودتان للخلف و قدماي مقيدتان ببعض، و إلا لكنت ركلته و هربت، اريد ان ابسق عليه، ربما هذه فكرة جيدة، لكن...
لكني سأموت حتما...
توقفت عقليًا عند مفترق طرق...
الخيار الأول أن أتصرف كفتاةٍ خجولة، أطرق نظري للأسفل في وقار .
الخيار الثاني أن أرفع حاجبي بسخرية وأحطم هذا الجو الدرامي بأن أخبره بكل وقاحة انه غير لبق .
الخيار الثالث أن أجد طريقة عبقرية للهرب بعد ان ابسق في وجهه.
كنت أعلم أنني سأختار الخيار الأسوأ على الأرجح...
"اشتقت إليكِ، أيتها الحمقاء... ديالا."
همس بهذا.....
مهلًا... ماذا؟
لا، لا، لنتوقف هنا لحظة. لنُعد الشريط من البداية، لأن ما قاله الآن تجاوز مستوى اللامنطق بدرجة جعلتني بحاجة إلى كرسي ومشروبٍ بارد لأستوعبه.
هو يعرف أمي؟ يتحدث وكأنها شخصٌ عزيزٌ عليه؟ ولماذا هذا اللقب بالتحديد؟ حمقاء؟ هل كانا صديقين؟ أعداء؟ أم شيءٌ آخر تمامًا لا أريد التفكير فيه أو استيعابه ؟
حسنًا، التفكير المنطقي في هذا القصر منعدم الوجود ، وأنا لا أملك ترف اللامنطق و التفكير فيه كثيرا حالياً.
لذا قررت أن أسير مع التيار، أجمع ما أستطيع من معلومات قبل أن أفجر قنبلة الحقيقة عليه وهي أنني، ويال خيبة الامل ، لست والدتي.
سألني لأرجع للواقع تاركة فرط التفكير لأهله،
"هل تسمعينني؟"
أوه، بالطبع، سيدي المبجل،
أجبرت نفسي على رفع رأسي إليه، حافظت على ملامح محايدة، عيناي صوبه و ابتسامة تشق رأسي نصفين قد قابلته ..
داخلي الآن عبارة عن مهرجان من التساؤلات، الإحتمالات، لكن دعوني اخمدها لوهلة اكمل مسرحيتي مع هذا الرجل اولا..
"اجل... سيدي"
رفع حاجبه، نظرة متعجبة ترافقها ابتسامة خفيفة، يناظرني كما لو قمت بشيئ غريب .
جاء رده سريعا، محملًا بنبرةٍ شبه مازحة كانت كفيلة بقلب الحقيقة رأسا على عقب صادمة للمنطق عرض الحائط..
"هاه؟ هل غيابك عنا لثلاثين عامًا فقط جعلكِ تنسجين بيننا رسميات؟"
أنا هنا زينت تقضيبة حاجباي متسائلة.
ثلاثون عامًا؟
لو كان بمقدوري تجميد الزمن عند تلك اللحظة لأفكر على مهل ، لفعلت. لو كنت أملك إمكانية إعادة ترتيب أفكاري قبل أن أستوعب ما سمعته، لاغتنمتها.
الزمن لا يمنحنا تلك الفرص حيث نستطيع التنفس، بل يُلقي بنا في أمواجه ويتركنا نحاول النجاة.
ثلاثون عامًا؟ لا رسميات تعني قربه من امي؟ ماذا يحدث بحق خالق الجحيم؟ أقسم ان عقلي سينفجر من فرط المعلومات التي تتسرب اليه مطالبة منه ان يدرسها.
عقلي يصرخ مطالبًا بتفسير هو الآخر فكيف تريدون منه ان يفسر؟
العالم لم يمنحني فرصة للغرق في تساؤلاتي. لأنه لازال ينتظر اجابة عن سؤاله...
طرقٌ على الباب جاعلا لي لحظة استطيع بها ان اطلق انفاسي المسجونة في الداخل.
التفت ريكاردو نحو الباب حرر معصمي يمشط خطواته نحوه.
وقف هناك، خاطب الحارس، ثم إلتفت الي وظل شبح ابتسامة ودية معلّق على وجهه،
ودعني برفع يده ملوحا ،
أخيرا ! بقيت... وحدي مع أفكاري، أحاول عصر آخر قطرة منطق قد تتواجد في عقلي لتحل هذه المتاهة التي علقت بها.
لنُراجع ما حدث…
إن كان للجنون بداية، فأنا بلا شك قد وطأت عتبته حين خطوت داخل تلك الغرفة.
كنت هناك في المنزل الذي اشتراه لنا السيد والد بيرتا ، أمارس مهامي كفتاةٍ صالحة، حتى وصلت إلى تلك الغرفة.
لم يكن فيها ما يثير الشكوك ، لكن هاجس قوي اخذ يمنعني من الدخول اليها، و ليتني لم اكن بارة بفضولي لأدخل...
اثارت انتباهي مرآة ، بزجاجٍ صافٍ و لا توجد بها ذرة غبار، وهذه بالذات كانت إشارة غريبة لا منطقية ، لأن أي شيء في هذا المكان اكتسته طبقات من الغبار، فلماذا استثنت قوانين الطبيعة هذه المرآة من المصير ذاته؟
وقفتُ أمامها. كنت أراقب نفسي فيها ، بعض من الوقت قد مر و تغير شيئ ما في انعكاسي.
ما رأيته لم يكن أنا.
بل أمي.
انعكاس والدتي ظهر عليها.
ليس انعكاسي، بل هي.
هي كما كانت في ذاكرتي، بملامحها، بنظرتها، بشيءٍ في عينيها اقرب إلى الندم و الحسرة و الاسف...
ثم تحدثت.
قالت كلمات لم أفهم المغزى من حديثها بها،اعتذت مني، طلبت غفراني و انا التي كان عليها ذلك، ثم اوصتني ان ابقى صامدة...
ومن هنا... بدأت
بدأت الأمور الغير منطقية بالظهور.
حين جذبتني داخل المرآة رفقة بيرتا إلى مكان لا مكاني ، لا تسألون كيف و لماذا لأني انا بدوري لا اعرف.
نطقت فلاد دراكوليا لأجد نفسي في بُعد آخر، بعد منظوري في الحياة سيتغير حتما لو بقيت فيه اكثر من ثوان...
بيرتا، كانت معي... ثم لم تعد.
الأعشاب لم تكن خضراء، بل حمراء، السماء لم تكن زرقاء، بل قانية كلوحة رُسمت بأشعة المغيب.
بينما كنت في رحلة بحث عن بيرتا قابلني قصر ابيض اللون.
وقفت أمامه، و دخلت.
و فعلا ليتني لم ادخل لأني جعلت متاهتي اصعب و اطول فحسب...
وجدت البشر يخزنون كغذاءً. وجوه خاوية، عيون ذابلة، أجسادٌ جهزت فقط لتُستهلك.
الرعب في نظراتهم كان كافيًا. لأرى مصيري محفورا على جبيني.
مصاصو دماء.
لم يكونوا خرافة، كان واقعًا تلمسته بيديّ، وللعلم انه بارد الملمس...
ومع ذلك، لم أهرب، ليس لأني خائفة سأضيع فرصة مغامرة في عالم كهذا، و معرفة علاقة والدتي به.
لم يكن اللقاء مع أول مصاص دماء وسيم مشرفا كما تخيلته.
الوغد يناديني باسم أمي.
ديالا.
صوته حمل يقينا و ثقة يجعلانني اشك اني ايميليان و اني حقا امي .
لكن كيف؟
كيف لشاب مثله أن يكون قد عرف والدتي منذ أكثر من ثلاثين سنة ؟
هنا اصطدمت في حائط اغلق علي الطريق.....
وقفتُ عند الباب لوهلة، كيف لي أن اخرج و يدي مكبلتين خلفي ؟ استندت على الباب بظهري ...
بيدي طرقت الباب....و كان في داخلي شيء من التردد.
فتح الباب، كان ذلك الحارس ذاته الذي رأيته يتحدث مع ريكاردو سابقًا. ملامحه هادئة لم تخلُ من لمحة ود ،
ابتسم وهو يقول يمسك بمقبض الباب يغلق اي سبيل لي للهروب .
لا تقلق لست غبية لأهرب و انا بهذه الحالة.
"إن رغبتِ في التجوال، فلا بد أن أرافقكِ، آنسة ديالا."
فعلا اسم ديالا لا يناسبني اشعر اني سرقت شيئا خاصا بشخص آخر، لا استطيع تخيل اسمها مكان خاصتي ابدا.
لكن ماذا عساي افعل دعنا نكمل المسرحية.
"لا، لا داع.. "
لم أكمل عبارتي، صدى خطواته جعلني اصمت اناظره .
رأيت الحارس ينتفض قليلًا، ينحني باحترام ، مما جعلني أدرك أن القادم شخص مهم .
مرر نظراته علي ليرجعها للواقف امامي،
رائع اخيرا شخص لم يحدثني!
"هل رأيت نايز؟"
أومأ الحارس نافيًا،
الرجل رسم إبتسامة قبل أن يخاطبني بسخرية إبتدأ و ختم بها لقائنا .
"أهلاً بعودتكِ... آنسة ديالا، آمل ألا تموتي الآن بعد أن أصبحتِ بشرية."
تجمدتُ،
ما هذا الكلام؟ هل هو تهديدٌ أم مجرد مزاح ثقيل؟
ماذا يقصد ب "أصبحت بشرية"؟
اكانت في الماضي شيئا آخر؟
الحارس اكتفى بأن تنهد ينبس.
"لا تهتمي... السيد موريان هكذا، غريب الأطوار، بل قد تقولين... منفصم."
قطب حاجبيه يلقي نظرة خاطفة حوله، اظنه يخشى أن يكون موريان لا يزال هنا، ليضيف بنبرة شبه هامسة
"لكن لا تقلقي، إنه لطيف... في أحيان نادرة."
لطيف؟ غريب الأطوار؟ منفصم؟ كيف يمكن أن تجتمع كل هذه الصفات في شخصٍ واحد؟!
هذا المكان، وهذا العالم بأسره، أشبه بلغز تتداخل أجزاؤه دون أن تتطابق.
اظنني أسير في حلمٍ يأبى الانتهاء.
(。◕‿◕。)
بيرتا
"ذكّرني، لماذا عليّ فعل هذا ؟"
رفعت حاجبي أخاطبه، لا بد أني فقدت عقلي، أو ربما ضربت رأسي بشيء صلب قبل أن أوافق على هذا..
ليونارد، بالكاد ألقى عليّ نظرة قبل أن يعود إلى لعبته.
"حتى لا تموتي... ربما."
"ربما؟ "
أليس هذا رائعًا؟ حياتي الآن معلّقة على هذا الرجل ،
تنهدتُ أربط المئزر حول خصري، أنظر إلى نفسي في الانعكاس على زجاج النافذة...
تخيلوا.
بيرتا، المدللة، المتحررة، الفتاة التي ترفض أن تُؤمر، ها هي الآن تقدم الشاي كخادمة من العصور الوسطى.
إن أخبرتُ أحدًا من عائلتي عن هذا سيتبرون مني.
نظرتُ إلى ليونارد مجددًا، يلعب الشطرنج.
تبا..
ألم يكن من العدل أن يكون الأوغاد أقل وسامة؟ سيكون الأمر أسهل لو كان أصلعًا أو يملك ندبة بشعة على وجهه، لكن لا، إنه منحوت كتمثال يوناني،
بعد كل هذا التفكير، بدأت للتو جولة تحديق لا متناهية فيه مرة أخرى.
ماذا لو أنني تلقيت درهماً في كل مرة أنظر فيها إليه وأقول" أنا أكرهه... لكنه وسيم! "؟
لكنت الآن أملك قصراً في وسط البحر، بجدران من الشوكولاتة،
لكن لا، بدلاً من ذلك، أنا هنا، أرتدي ملابس خادمة وأسكب الشاي لمصاص دماء متغطرس، فقط مقابل حياتي.
لكنه وسيم بطريقة مزعجة لي !
أستطيع ان أؤكد لكم أن القدر قرر أن يعذبني برجل يشبه فارس أحلامي، اه، كم أنا تعيسة!
كان يلعب الورق مع شاب آخر، في أقصى درجات تركيزه. هذا جعلني افكر في طعنه في نقطته العمياء بينما حدسه الغريزي لا يعمل.
حسناً، يكفي التحدث عن هذا الرجل!
فلننتقل إلى الغريب الآخر في الغرفة. الشاب ذو الشعر الأبيض المائل إلى الفضي، والعينين القرمزيتين،لم أنتبه للون عينيه حتى ناظرني و كان مخيفا.
حسنٌ، ربما عليّ أن أكون ممتنة لأنه لا يهتم لأمري ،
ظلّ صامتاً، كتمثال بشري أو شبح يتحرك فقط ليحرك لعبته.
هل هو حقيقي؟ هل يتنفس؟ أم أن ليونارد لديه عادة اللعب مع التماثيل؟ لم أستطع تمالك نفسي، وكعادتي عندما يحكني لساني فتحت فمي اردف مشيرة إليه.
"من هذا؟"
ليونارد رفع حاجبه ونظر لي كما لو أنني قلت شيئاً غبياً،_وهو أمر يحدث كثيراً، بالمناسبة_.
أما الشاب قرمزي العينين، فقد حوّل نظره لي ما جعل قشعريرة تسري اسفل عمودي الفقري ، شعرت في تلك اللحظة مع نظراته أنني مجرد ذبابة مزعجة قررت اقتحام هدوئه .
في تلك اللحظة، أدركت أمراً مهماً جداً...
أنا في المستقبل الجميل الذي لا أدري اسيأتي ام لا، و في حالة بقيت حية يجب أن أبقي فمي مغلقاً، هذا احسن خيار.
"لا... إنه ابن عمي."
إجابني لأومأ ايجابا،
أخذ يحدّق بي ذاك الغريب قرمزي النظرات، . لم ينطق ببنت شفة لكن يبدو أن كلمة على رأس لسانه تريد الخروج ،
ثم كما توقعت ، جاء صوته، و ياليته صمت.
رغم أن صوته جميل يملك بحة فريدة غير أنه ليس الوقت المناسب ليتحدث حقا...
"ليو... لِمَ توظف بشرية متطفلة في القصر؟ البشر للغذاء فقط."
آه، رائع. يا له من ترحيب دافئ!
أليس من المفترض أن يقدموا لي الشاي أولاً قبل أن يقرروا ما إذا كنت وجبة عشاء مناسبة أم لا؟
شهقتُ في فزع رجعت خطوة للخلف .
هل ينظرون إلينا كفرائس، ككائنات وُجدت فقط لتُستهلك؟ هل إيميليان الآن مجرد بقعة دماء على الأرض؟ هل سأكون التالية؟ لا اريد الموت لازلت شابة!
نظرت إلى ليونارد، انتظر اللحظة التي سيقف و يقتلني ليتغذى على دمي.
إن كان هذا واقعاً، فهو واقع بحاجة إلى بعض التعديلات،
ولكن حتى ذلك الحين، سأبقى هنا... أراقب، أمزح، وأتظاهر بأنني لست مذعورة.
الأمر سهل! لما كل هذا التعقيد؟
" رأيت انها الأنسب لترويض تلك الحشرة اللعينة"
هنا رفع الشاب الأخر حاجبا بتساؤل ثم تنهد، هذا دليل انه لا يهتم.
" بيرتا، الغرفة رقم 45 عملك هناك..."
تأففت ارسم خطواتي نحو الغرفة التي لا أدري أين هي..
(。◕‿◕。)
"هل والدك يعلم بهذا؟"
سأل ابيض الشعر ليونارد يحرك بيدقه للأمام مسقطا الفيل.
سأله إن كان والده يعلم أنه أتى ببشرية للقصر،
"نايز، لمَ أنت قلق؟ لا يعلم، بل لن يهتم، البشر مجرد ألعاب. إن ملّ منها كايون، فله أن يمزقها أو يرميها. لن يرف له جفن."
نايز لم يعلّق، بل زفر بقلة حيلة، لا جدوى من الجدل مع هذا الرجل امامه. انتفض واقفا يحرك رقبته، جلس كثيرا حتى تشنجت!
"عليّ الذهاب... إخوتي الأوغاد سينهون حصّتي من الطعام."
آه، حتى مصاصو الدماء لديهم هذا القلق الفطري حول حصتهم من العشاء،
"دعك منهم... تعال نتناول وليمة اليوم في القصر. والداي ليسا هنا، وكايون أيضًا. سيقضي وقتًا مسليًا مع تلك البشرية... من يدري؟ ربما يتناولها على العشاء."
"ما المقابل؟"
"ماذا؟ "
نايز زفر مجددًا، يرفع حاجبه يكمل.
"أعرفك، ليو، لا تمنح شيئًا دون أن تأخذ مقابله."
ابتسامةُ ليونارد لم تتغير، بل ازدادت إتساعا.
"...ريكاردو..."
"ماذا تريد منه؟ هل الأمر يتعلق بالنساء؟ أو أنه افتعل مشكلة جديدة بسبب هوسه بالاحجار الكريمة ؟"
قالها بنبرةٍ خالية من المفاجأة، كما لو أن فكرة تورط ريكاردو في المشاكل أمرٌ مسلمٌ به، كحقيقة الشمس التي تشرق من المشرق و تغرب من المغرب .
"شيءٌ من هذا القبيل..." قالها ليونارد وهو يعبث بحافة الكأس بين أصابعه.
"لقد تسبب في شجار مع المستذئبين وسرق جوهرةً نادرة، يقال إنها واحدة من أندر الأحجار الكريمة... وأنا—"
"تريدها؟"
أومأ ليونارد سريعًا، كاشفًا عن أسنانه في ابتسامة لم تخلُ من الرجاء.
نايز واصل طريقه نحو المخرج، يده في جيبه، وخطواته الهادئة تطرق الأرض تُعلن نهاية العرض. و بصوتٍ جعله مرتفعًا بما يكفي ليصل إلى مسامع ليونارد، نبس.
"أفضل القتال على حصّتي مع إخوتي الأوغاد على أن أضع يدي على جوهرةٍ من ممتلكاته. فلتحتفظ بوليمتك لك."
وقف ليونارد يراقبه يمضي، فريسته على وشك الفرار! ما جعله يهزّ رأسه بقلة حيلة.
آه، لا يمكن إقناع هذا الرجل بسهولة. لكنه وإن كان نايز قطعة جليد، فهو يعرف تمامًا أين يكمن مصدر حرارته. الذي يذيبه!
"سأحضر البودينغ... ما رأيك؟"
الزمن توقّف للحظة. ارتعشت شرارة لامعة في قرميزيتي الآخر ، توفق لبرهة متسمرا في مكانه كأنه يقاوم، ثم وكما كان متوقعًا عاد إلى مكانه..
ريكاردو؟ آه، سيقيم حفلة جنائزية لو فقد جوهرته،
و ستكون الأجواء أكثر متعة إذا كان من أخذها نايز!
لم يكن النقاش قد بلغ نهايته بعد، نايز جلس مجددًا، أسند ظهره إلى الأريكة يستعد ليفرض شروطه.
"سأفعل ذلك... إن أضفت إلى الصفقة صندوقًين من البودينغ. سأأخذهما معي."
كان الشرط بسيطًا، لكنه في قاموس نايز، انها قضية حياة أو موت!
اتسعت ابتسامة ليونارد، ليرفع إبهامه موافقًا،
تلامست قبضتاهما في مصافحةٍ مختصرة، ختمت معركة تفاوض انتهت بما يرضي الطرفين.
ʕ´•ᴥ•'ʔ
ايميليان
"هكذا إذن...
أنا الآن في قصر مصاصي دماء، عائلة تُدعى "هوجين". قصرهم الرئيسي أبيض، واجهةٍ لمساراتٍ ثلاث، كلٌّ منها يقود إلى قصرٍ فرعيٍّ آخر، كل قصر فرعي يقطنه ابن من ابناء هذه العائلة، وريكاردو ليس سوى الابن الأوسط للابن الأكبر للملك.
"بالضبط..."
أردف الحارس، الذي يدعى جاك، وهو يراقبني وأنا أدون الملاحظات.
نعم، أنا أكتب في الحديقة، على الأرض بعض المعلومات التي ربما ستفيدني. على الاقل يجب ان استغل بقائي دون قيد.
مصاصو الدماء يتناولون عشاءهم المخمليّ بعيدًا،
أحتاج إلى فهم ما يجري حولي بطريقةٍ منهجية،
جاك،_و هو إسم الحارس_ وقف أمامي يلقي نظرة عما أفعل، شعرت أن هناك كلمة على رأس لسانه..
"لماذا ترتدون، أنتم البشر، ثيابًا غريبة؟"
رفعت رأسي من الورقة، لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام،
هذا الرجل أوقف عقله عن العمل عند نقطةٍ معينة، الا و هي لباسنا في القرن الواحد و العشرين؟
"في عالم البشر، الجميع يرتدي مثلها."
لكنه لم يبدُ مقتنعًا، بل تابع..
"لباسكم غريب... طوال ثلاثة آلاف سنة من حياتي، لم أرَ شيئًا مشابهًا. مثلا لما تملك إحداهم ثقبًا في فستانك عند خاصرتك؟ وما حكاية السراويل الممزقة؟ كثير من البشر يرتدونها، أليس ذلك محاكاةً للمشردين؟"
دعونا من منظوره الذي اراه صحيحا حول السراويل الممزقة و لنلتفت إلى الأهم...
...ثلاثة آلاف سنة؟
شعرتُ بأن دماغي أوقف تشغيله للحظة. لأنبس دون وعي، كلماتي خرجت من محجرها عفويا تريد تفسيرا لأني إكتشفت أني أملك صخرة مكان عقل داخل جمجمتي.
لا أدري هل المشكلة فيّ ام في هذا العالم لكني أُجن
"ثلاثة آلاف سنة ليست مدةً قصيرة..."
هنا، أطلق جاك زفيرًا ، أظن أنني أزعجته.
حسنا فليذهلب للجحيم، لن ابتعد حتى افهم منه ما أستطيع ،
تأخره في الرد جعلني أرغب في لكمه.
"هاه؟ أنا أصغر حارس في القصر.
أوه... فهمت، أنتم البشر تعيشون أقل من مئة عام، مساكين..."
يال غرور مصاصي الدماء، أنا رفعت حاجبا أجيبه بإبتسامة..
"الغريبون هم أنتم... كيف تتحملون العيش أكثر من مئة عام؟ أليس ذلك عبئًا؟ تخيل أن عليك تكرار كل شيء مرارًا، تخسر أشخاصًا، تكوّن ذكريات، ثم تفقدها، تتذكر أشياء تفضل نسيانها، ولا تستطيع الفرار من الزمن أبدًا."
لم يتأثر. بدلًا من ذلك، ابتسم،
"لم تعد هذه مشكلة... السنة عندنا لا تختلف كثيرًا عن الأسبوع عندكم.
هل بني هذا الجنس كلهم هكذا؟
حدّقت إليه للحظةٍ، ثم أطلقت تنهيدة.
"هكذا إذن..."
التفتُّ على وقع صوتٍ يناديني، ليس باسمي، بل باسم والدتي.
"ديالا..."
حقًا، كم أكره هذا!
ها هو ذا، ريكاردو، العاشق الأبديّ للأحجار الكريمة والنساء على حدّ سواء، رأيته اليوم للمرة الرابعة الا يمل من رؤيتي؟
انا أفعل.
بسمة كانت تزيّن تقاسيم وجهه، الابتسامة التي يجيد صانعو المشاكل ارتداءها كدرع،
أمر جاك بالرحيل، ليتركني وحدي معه...
لما ايها القدر قدتني إلى هنا؟
"كيف أمضيتِ تلك الدقائق بدوني؟"
اوه إشتقت لك! هل تعلم؟ لو تأخرت ثانية أخرى لكنت ميتة حنينا لك...
أينتظر أن انبس بهذه الكلمات؟
أظن أني إكتفيت من هذه اللعبة السخيفة، لو ناداني بإسم والدتي مرة أخرى سأركله، ولا أريد الموت شنقا لذا...
"أنا لستُ ديالا هذه."
حسنًا، لا أدري إن كنتُ قد قلتها بصوت عالٍ بما يكفي ليخترق جمجمته السميكة، لكنني فعلت.
أعلم أني حمقاء، لكن هناك هاجس قوي دفعني لأنطق ما قلته سابقا، نفس الشعور الذي حثني على دخول الغرفة.
لا يبدو على الواقف مقابلي أنه استوعب ما قلته.
عيناي القيتهما صوبه أنتظر إنكماش ملامحه في تعبير قد يعطيني نظرة أولية لإرتداده ، أيّ ظلٍ للحيرة، للدهشة، للرفض،
لكنه...
لكنه ابتسم. لا، بل اتسعت ابتسامته كأنني قد ألقيت عليه دعابة، الا يصدقني؟.
"جيد، فقدتِ الذاكرة إذن؟ هل كان لتحويلكِ إلى بشرية آثارٌ جانبية؟ أم أن دماغ البشر محدود لا يتسع سوى لمائة عام من الذكريات، فنسيتِ من تكونين، ديالا؟ "
نطق اسم أمي بثقل، مدّ الحروف و أبطئ في لفظه كما لو يحاول زرعه في دماغي عنوةً. زفرتُ، ونفيت برأسي، قبل أن أفتح فمي..
"اسمي ليس ديالا، لقد أخطأتَ الشخص، اسمي إيميليـ—"
لم أستطع حتى إنهاء جملتي. حتى وجدت نفسي أقرب مما ينبغي اليه . يداه تقبضان على فكي.
أصابعه تمسك به كما لو كان لوحةٌ يحركها كيفما شاء، يقلبها، يفحص تفاصيلها بتركيزٍ.
"لقد تغيرتِ في هذه الثلاثين سنة..."
آه، مجددًا مع هذا الهراء.
رفعتُ حاجبًا بسخرية، متناسيةً مدى قربه، متناسيةً أنني حرفيًا قد أكون على بعد حركةٍ واحدةٍ من نهايتي.
"لم أفقد شيئًا، أنا لستُ من تزعم أنها ديالا، أنا… هي أنا منذ ولادتي. وبالمناسبة، لا تعجبني فكرة أنك تمسك بفكّي كما لو كنتُ منحوتةً من الرخام! ومصبوغةً بالألوان الزيتية!"
"مستحيل..."
والمستحيل، في رأيي، هو حشر حقيقة في عقلٍ لا يريد أن يسمع.
"ما علاقتك بها؟"
غيرت الموضوع القي بنقطة ضعفه على الطاولة...
سألته عن علاقته بديالا، امي
نظر إليّ، ولفترةٍ وجيزة، خُيّل إليّ أنني رأيت ظلاً من التردّد في عينيه قد أخفاه بابتسامةً لم تصل لعينيه، ابتسامةٌ نحَتها مجبورا .
"صديقة... صديقة قديمة فقط."
صديقة، هاه؟ آهٍ لو كان بإمكاني تدوين هذه الكذبة في موسوعة "أشهر كذبات التاريخ".
كلمة "صديق" بين امرأة ورجل؟ لا مكان لها في قاموسي. نعلم جميعًا ما تعنيه هذه الكلمة حين تتسلّل في جملةٍ كهذه، وليس عليّ تذكيركم.
راقبتُ كيف انحرفت عيناه نحو عنقي، وكيف طال صمته فجأة.
هل معدته أعلنت موعد المقبلات؟
لا يمكنني الجزم، لكن الاحتمالات كلها كانت تصبّ في اتجاهٍ واحد،
أنا على وشك أن أصبح وجبةً.
"إذًا، يمكنني قتلك."
كنتُ أرتعش. الغريزة البدائية في داخلي كانت تدق ناقوس الخطر، تصرخ تذكرني بأن هذا الرجل أمامي خطر و أنه علي الهرب فورا.
تراجعتُ خطوة. خطوة واحدة، ليبدأ بالتحرك نحوي،
عيناه أصبحتا قرمزيتان.
هذا مخيف..
واصلت التراجع حتى شعرت ببرودة الجدار الخارجي تلامس ظهري.
لقد جعلني حرفيًا فأرًا محاصرًا في زاويةٍ بلا مهرب.
لو كان الأمر مشهدًا دراميًا، لصرخت البطلة الآن أو انهارت دموعها في انتظار المنقذ.
لست من ذلك النوع للأسف. ذلك انني حملت غصنا كان مرميا اجعله سلاحا لي ضده، أو لنقل آداة تبعده عندي لمهلة.
" إبتعد و إلا... "
على ما يبدو، لم يكن في مزاجٍ لسماعي أو للصبر على جنوني!
أمسك بكتفيّ بعد أن اخذ مني الغصن القاه بعيدا،
عيناه لاحتا تنتقلان على رقبتي كأنه يبحث عن موضع ما. توقف عند عظمة الترقوة، ثم غرز أنيابه هناك.
هذا مؤلم حتى النخاع..
دمي يُنتزع، يُسحب، ليس من وريدي فحسب، بل من أعماق روحي. أنفاسي تسارعت رغمًا عني، أحتاج هواءا
رفعتُ يدي، تشبثتُ بقميصه،
لن أموت كوجبةٍ في قائمة طعامه.
ليس الليلة.
الألم في عنقي كان ينذرني بأنني إن لم أفعل شيئًا الآن، فقد ينتهي بي المطاف جثةً هامدة،
عليّ التفكير بسرعة، وخيار الاستسلام لم يكن مطروحًا على الطاولة.
أحاول دفعه؟ لا، بنيته مقارنة بي لا يستهان بها . ركلة؟ لن تؤثر في مصاص دماء قوي مثله.
خطرت لي فكرة مجنونة. لم أفكر بها مرتين!
رفعت يدي إلى شعره.
ربما اعتقد أنني استسلمت، ذلك أنه ارخى قبضته على كتفي قليلا.
أمسكت بخصلاته بقوة، ثم فجأة..سحبت شعره للخلف بأقصى ما أملك من قوة.
حين فقد توازنه، استغللت الفرصة. دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة، ونجحت في زيادة المدى بيننا.
تراجعتُ أبعد، وضعت يدي على اسفل رقبتي، لأشعر بالسائل الدافئ القرميزي يتسرب على جلدي.
لقد ترك علامة لقذارته على جسمي!
رفعت أنظاري إليه، كان قد استعاد توازنه بالفعل، لترتفع ضحكته شيئا فشيئا..
"لست سيئة.. "
هذه ليست جملةً تبعث على الطمأنينة.
أنا أوجست شرا ذلك أنني بلعت ريقي أنتظر خطوته القادمة..
لكن للأسف لم أُكرم بمثل هذا الإمتياز، ذلك أنه التفتَ للجهة الأخرى، إثر شخص آخر أتى.
"ريكاردو، ساعتي… أين هي؟"
أوه، رائع. اللص النبيل تم القبض عليه متلبسًا.
رمقه الرجل بخضراويتاه، و الذي أظن أن إسمه كان موريان . ريكاردو زفر يمرر أصابعه عبر خصلاته الشقراء.
"أي ساعة؟ لا أعلم عن ماذا تتحدث."
الرجل الآخر، لم يشترِ تمثيله الرخيص. رفع حاجبيه، نبس بنبرة معاتبة كأنه يحدث طفلا مشاغبًا،
"ريكاردو، أنت تعقد أصبعيك…"
في تلك اللحظة، ألقيت نظرة على يديّ ريكاردو، وبالفعل… كان يعقد إصبعيه الوسطى والسبابة خلف ظهره، لقد كان هذا المشهد سرياليًا للغاية.
"ليس هناك أحد قد يسرقها غيرك، أعِدها الآن."
رفع يده أخيرًا، وكشف الساعة التي كان يخفيها،
"إنها تحمل أحجارًا لامعة… وقد أصبحت لي."
شعرتُ بالرغبة في التصفيق.
إنه لصٌ لا يسرق إلا ما يلمع، و هذه نقطة لصالحه، لقد إلتقيته اربع مرات اليوم و جميع الاربع مرات، كان سارقًا لشيئ لامع فيهم.
هذا الرجل يتنفس الاشياء اللامعة!
"أخرق… هاتها."
قال موريان ذلك و التفت إلي، عيناه الخضراوتان إنزلقتا إلى عنقي.
رأيتُ شفتيه تنفرجان عن سؤالٍ أيقض فضولي النائم حاليا و جعله يرقص.
"أليس محرّمًا علينا التغذي على دمائها؟"
محرما التغذي على دمائي؟
دمائي يعني دماء والدتي!
قبل أن أستوعب السؤال جاءت الإجابة من ريكاردو،
"هي ليست ديالا."
هكذا، ببساطة.
ثم أضاف بجفاف، يشير إلي.
"إنها ليست ديالا، وهي لا تهمني، بما أنها ليست هي فدماءها محلّل لي "
القى كلماته و استدار ماضيا ،
حسنًا…الأمر بدأ يأخذ منحى آخر، أن أكون في أزمة لأنني نسخة من والدتي شيء، لكن أن أُختزل إلى "غير مهمة"؟
أشعر أني أريد الصراخ أو ضرب أحدهم حتى أرتاح!
..
ريكاردو اختفى في العتمة، تاركًا إياي مع موريان، الذي، وبكل بساطة، لوّح لي بابتسامة لطيفة، ثم مضى هو الآخر.
منفصم.
تُركتُ واقفة هناك، مع علامة دامية على عنقي وإحساس غريب بالضعف...
حسنًا… على الأقل لم أمت. لنضع ذلك في خانة الإنجازات لهذا اليوم.
يال هذه الدرجة من البؤس التي وصلت لها!
{بيرتا}
"سيدي... هل لي أن أدخل؟"
كانت هذه المرة العاشرة بعد الألف التي أنادي فيها أمام الغرفة رقم 45، لا رد، لا حركة، لا شيء.
ليونارد يهوى العبث بأعصابي، وأنا لا أتحلى بالصبر الكافي لمجاراة مزاجه المتعالي.أرجو ألا يكون قد سخر مني و ارسلني الى غرفة فارغة..
تنفست بعمق أحسب أين ستستقر قبضتي لو قررت لكمه. وجهه؟
لا، هو وسيم بما يكفي ليُغتفر له هذا الاستهتار، ولست من يعبث بالتحف الفنية.
لكن قبل أن أقرر ساحة المعركة، التقطت أذني صوتًا قادمًا من طرف الممر.
"إدوارد، قلت لك لا أريد الدراسة! ما الفائدة من معرفة قصة حب قديمة بين ملك مصاصي الدماء وبشرية؟"
أوه، ها نحن ذا.
أدرت رأسي، ليقابلني شاب، بالكاد يبدو أنه قد تجاوز عتبة الثالثة عشرة، عقد ذراعيه بانزعاج، يقف قبالة رجل جُسِّدَ به النظام والاتزان.
كان إدوارد، رئيس الخدم، هذا الرجل منذ اول لقاء بيننا اليوم رأيته أشبه بساعة سويسرية في دقته.
لا طية في قميصه، لا خصلة متمردة في شعره الذي شده للخلف يربطه، حتى نظّاراته تبدو جزءًا من وجهه، لا تهتز ولا تنحرف عن مكانها قيد نملة. حيث عدلها و اجاب الواقف أمامه.
"سيدي الشاب... إنها قصة عليك وعليّ وعلى كل مصاص دماء أن يحفظها وينقشها في ذاكرته كما يُنقش الحرف على الحجر ."
"هذا سخيف..."
أوه، كم أحب هؤلاء الأشخاص أمثاله الذين يعيون أن التاريخ مجرد أكوام من الورق الأصفر لا أكثر.
كم وقفت على رأس ايميليان اريد إقناعها أن قراءة الكتب مملة و إن التاريخ لا متعة به، لكنه و يال الهول كم تعشق شيئا يدعى الكتب، و خاصة التاريخية منها.
ما إن التقطني الشاب بعينيه حتى إنتفض متجهًا نحوي نابسا.
"أوي... أنتِ! بحق خالق الجحيم، ما الذي تفعلينه أمام باب غرفتي؟"
رفعت حاجبي، ثم انحنيت قليلًا لأوازي قامته، لأن كعبي العالي لا يزال يمنحني أفضلية في الطول .
"ليونارد أرسلني إليك."
صمت لوهلة قبل أن يقطب حاجبيه، لترتسم على شفتيه ابتسامة الساخرة تجعل يد المرء تحكّه لصفعه.
"خادمة... ووقحة أيضًا مع سيدها؟ الأسوأ أنكِ بشرية، أستطيع سحقكِ بإصبعي هكذا."
تنهّدتُ، ثم ربتُّ على كتفه .
"احترم نفسك، عزيزي. أنا في الثالثة والعشرين، وأنت مجرد مراهق تائه بحاجة لمن يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح."
"أنا في الواقع أكبر منكِ."
استقمتُ في وقفتي لأشير له بسبابتي اخاطبه.
"يا لحظّك السيّئ... إن كنت تكبرني في العمر، وتبدو هكذا، فأخشى أنك لن تواعد أي فتاة في حياتك. تبدو طفلًا. بل، لنكن واقعيين... أنت قصير جدًا بالنسبة لرجل."
رأيت حاجبيه ينعقدان بحنق فتح ثغره ينوي الحديث ليقاطعه صوت ليونارد.
" كايون....!"
عدل من وقفته و التفت له كشكل من الإحترام كما أظن كان ليو يناظره بتأنيب، اما الآخر حاول تجنب التواصل البصري معه..
" ماذا حدث في الأكاديمية اليوم؟.."
"إنه، كان هناك وغد...."
" هل ازعج انجيلينا ؟ "
" الأمر، ليس كذلك، انه فقط مزعج"
" لما بحق خالق الجحيم أنت خائف؟ من هو هذا الوغد؟ أريد قتله. كيف يجرؤ على إزعاج أنجيلينا؟ إن لم تقتله في المرة القادمة، فانسَ أنني أخوك. أنت بعمر الألفي سنة الآن، لقد كبرت."
لم أفوّت تلك النظرة التي أطلقها كايون نحوه،
"هل تسخر مني يا أخي؟ هل والدي يعلم؟ "
"لا تقلق... سأعمل على ألا يفعل."
لمعت عينا الأصغر بإتمام الحيلة، قبل أن يندفع نحو اخيه نابسا..
"ح... حقًا؟! يا إلهي، هل تعلم ما معنى..."
لم يكمل اندفعه إلا و أضاف بجدية..
" مهلاً... ما المقابل؟"
أوه، كم أعشق لحظات الإدراك . رأيت ليونارد يميل برأسه مبتسما.
"لأنك أخي الجميل الصغير، سيكون المقابل أسهل... وربما أرخص. لنرَ... ما رأيك في إحضار أوراق مهامي من مكتب والدي؟ سهل، أليس كذلك؟"
كم هو بارع في دسّ السم في العسل،
"هل أنت مجنون ؟ مكتب والدي جحيم! لو رآني هناك س- سيذبحني! سيقطع عليّ الدماء لبقية حياتي! هل تريد قتلي؟"
"إذن... سأخبره بما فعلت لأجل أنجيلينا. بعد ذهاب نايز، يبدو أن عدواه قد انتشرت بالفعل."
آه، رائع عرفت إسم قرميزيِّ العينين!
"لا... سأفعل، سأفعل أي شيء!"
كايون يبدو متوترا بشأن انجلينا هذه، لذا كان لا بد لي من التدخل.
تقدّمتُ خطوة، وقفتُ بينهما كما تفعل العدالة حين تقف بين الظالم والمظلوم، وحدّقت في ليونارد بعينين جادتين، نبرة صوتي حملت من الاتهام ما دفنته في اللحظات السابقة..
"أنت... إنه أخوك. هذا ابتزاز واضح."
عقد ذراعيه، ناظرًا الي.
"لِمَ لا تساعدينه؟ إذا كنتِ قلقة عليه إلى هذا الحد..."
زفرتُ، تلك الزفرة التي تسبق عادة قرارًا قد أندم عليه لاحقًا. لم يكن ما يثير أعصابي مجرد عناده، بل ذلك الوجه اللعين... كان وسيمًا لدرجة غير عادلة، وهذا فقط ما منعني من رفع قطعة أثاث وتحطيمها على رأسه.
ثم... حدث ما كنت أخشاه من نفسي..
وقفتُ هناك، أحدّق فيه بصمت...فقط لأنني كنت مشغولة... مشغولة جدًا بتفحص كل إنش من وجهه.
تبا، أنا حتى نسيت لماذا كنت أتكلم منذ لحظات.
ثم، دون وعي، نطقتُ أخيرًا،
"...أتعلم، هذا غير عادل."
"ماذا؟ "
" انت وسيم.....كحبة كوكيز مليئة بالشوكولا "
كانت هذه هي اللحظة التي علمت فيها أنني ربما، قد فقدت السيطرة على مجرى الحوار، و على لساني.
رأيته يحدّق بي، واضح أنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان عليه أن يشعر بالإطراء، الإحباط، أم الشك في قدراتي العقلية.
"حسنًا... ماذا ستفعل إن ساعدته وأحضرنا لك ما تريده؟"
"أنا فقط من يطلب المقابل... لن أفعل لكِ شيئًا."
رائع خدمة بلا مقابل، و لأجل من؟ لأجل المسمى كايون، و الذي يراقبني كأني حشرة مزعجة تحشر أنفها فيما لا يعنيها، لكن لا بأس، كان حلمي أصلا أن أعيش في قصة خيالية كهذه و هذا سيكون ممتعا!
"هذه المرأة لن تساعدني... سأفعل ذلك بمفردي، ستكون عائقًا."
عرفت أنه ينوي قولها من نظراته لي.
دون أن أكلف نفسي عناء الدخول في جدال معه أمسكتُ بمعصمه وجررته معي بعيدا.
"دعك من هذا الهراء، ودعنا نذهب إلى مكتب والدك."
كان يحاول المقاومة، كطفل يرفض الذهاب إلى النوم ، لم ألتفت إليه، ولم أكترث لأي اعتراض خرج منه.
...................................
لا أدري ما الذي كان يدور في ذهن والد ليونارد حين اختار هذا القفل تحديدًا ليحرس أسراره، لكنني أكاد أجزم أنه لم يكن يثق إلا بالمعادن، لا بالبشر.
بجانبي، كان كايون يراقبني..
"هل والدك عبقري أقفال؟"
قلتها وأنا أرفع حاجبي، بينما أُدير دبوس الشعر في القفل علّه يفتح.
"هذا القفل أعقد من محادثة فلسفية عن معنى الحياة."
"قلتُ لكِ أنني سأتدبر الأمر."
حسنًا، ومنذ نصف ساعة وهو يتدبر الأمر بالوقوف متفرجًا بينما أنا من تفعل كل شيء.
"فلتغلق فمك... أنا أُركّز."
دحرج عينيه. أظن أنه فعلها مراتٍ أكثر مما تنفّس اليوم.
ثمّة صوتٌ كسر رتابة اللحظة، كان صوت كعبٍ عالٍ، صدى خطواته يُعلن عن حضور أحدهن .قابلتنا إمرأة تشبه ليونارد في جمالها الآسر،
رأيتُ ملامح كايون تتجمّد .
توقفت أمامنا، التفتت إليه تصوب نظراتها نحوه ،
"ما الذي تفعله هنا، كايون؟"
حاول تجميع كلماته، لكن اللغة خانته.
"أ... أنا... لم—"
تقدّمت منه ببطء، انحنت حتى أصبحا على مستوى واحد، ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، تبدو لطيفة الآن بشكل ما!
"كايون... أنا جادّة... هل ابتزّك ليو مجددًا؟"
لو كان الصمت له جسد، لكان جسد كايون الآن. حاول أن ينظر في أي اتجاه سوى عينيها،
"لا، لم يفعل..."
استقامت، واستدارت إليّ، حاجبها ارتفع قليلًا،
"وأنتِ؟ ما الذي تفعلينه؟"
"لا شيء."
"ماذا حدث، أيتها البشرية؟"
"لم يحدث شيء."
التكرار خدعة قديمة، لكني لم أجد غيرها.
رفعت يدها وأمسكت بذقني، نظرتها تعاين وجهي.
"تكلمي، وإلا قطعتُ حنجرتك اللعينة."
يا لها من سيدة أنيقة... حتى تهديدها يحمل نغمة لحنية راقية. ابتسمتُ، تلك الابتسامة التي لا تجد التعبير المناسب للحظة ما فتخرج بعفوية منقذة لك، و أحيانا لا تأتي في وقتها.
"أختي! فلتتركيها!"
تالين أطلقت سراح وجهي، و التفتت إلى أخيها الأصغر،
"آسفة، كايون، لكن لعبتك هذه أزعجتني. لا تقلق إن مزقتها سأجلب لك واحدة أخرى."
"لا... لا تفعلي، لستُ طفلًا، أنا في الألفين من عمري!"
"أنت أخي الصغير... سأبقى أراك طفلا حتى وأنا في قبري."
كايون تنهد، وكأنه سمع هذه الجملة ألف مرة.
"ها قد عدتِ إلى وضعية الأخت الكبرى اللطيفة مجددًا... تالين."
"أجل،..المهم الآن، أبعد لعبتك عني قدر المستطاع، أخشى أن أكسر أضلاعها البشرية الهشّة."
قالتها بابتسامة، ثم استدارت، لوّحت بيدها، وألقت كلماتها الأخيرة قبل أن تبتلعها الأروقة.
"سأتحدث مع ذلك البخيل الأحمق لأجلك."
أخذتُ نفسًا عميقًا، أتحسس رقبتي، متأكدة أنها لا تزال في مكانها. التفتُّ إلى كايون، لأجده ينظر إليّ بطرف عينه.
"لن أشكركِ على مساعدتي، هذا واجبكِ."
ضحكتُ، ثم بعثرتُ شعره كأخت كبرى مع أخيها الصغير .
"أنا لستُ خادمة هنا، أنا فقط جئتُ لأعتني بك، على الأرجح... وما الذي كنتَ ستفعله لو لم أساعدك، هاه؟"
"حمقاء.."
قهقهتُ، اسند يدي على خاصرتي.
"يا لكَ من مدلل.. تُذكّرني بنفسي حين كنتُ في عمرك. يا إلهي، كيف كان والدي رحيمًا ليُبقي رأسي فوق كتفي حتى الآن."
🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥🔥
رأيكم؟👌🏻✨️
ريكاردو؟ و علاقته بأم إيميليان؟✨️🤔🤫
جاك شخصية عفوية احس انه سيكون له ظهور في مشاهد مهمة🤭❤️
موريان المنفصم عنده ظهور قوي في البارتات القادمة!😁🫡😏💯👌🏻
ليونارد و المقابل قصة حب
نايز سجل ظهور فخم👈👉
كايون المدلل....بيرتا الله معها
تالين حبيبتي....رح تحبوها متأكدة
كيف تحسون العلاقة بين إيميليان و ريكاردو
رح تتحسن او تنجلي؟
نايز لا يهمه شيئ سوى البودينغ الخاص به🫠💃 أظنه يحب البودينغ حتى أكثر من الكاتبة التي صنعته يا رفاق 🥲

🌸فلاد دراكوليا تعتذر 🌸
.
.
إ
يميليان
شيء لم تألفه عيناي من قبل أعشاب تلطخت بلون الدم و القمر ارتدى زِيَّ جوهرة قرمزية.
حين خرجنا من تلك الغرفة، امتدت خطواتنا في صمت نشقّ طريقنا عبر الحديقة الخلفية، في صف متلاحم مقيد بحبل واحد طويل.
قابلنا قصّر آخر.
لماذا يعشق هؤلاء القرميزي؟ هل هو ترف، أم لعنة تسري في أوصالهم؟
دخلنا القصر فوجدنا أنفسنا في رواق يتنفس عظمة العصر الفكتوري، ثريات ذهبية و مصابيح زيتية معلقة على جانبي الرواق ، ستائر مخملية تغطي النوافذ القليلة .
توقف الرجل لنتوقف نحن ايضا.
طيف امرأة تبدو ثلاثينية أو ربما في أواخر الثلاثينات، كان قد قابلنا يعترض مسيرنا ،
الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها بدت نشازًا وسط ملامح الآخرين الذين صادفتهم قبلاً.
"هنا... غيرن ثيابكن... السيد ريكاردو ينتظر."
صدحت الكلمات في الغرفة، فاندفعت النساء، وأنا بينهن، إلى ارتداء أثواب فُصِّلت بشكل موحد ، تكشف عن أكتافنا.
لم تمضِ إلا لحظات حتى انفرج الباب، تقدم أحدهم يبدو في العشرينات من عمره، انحنت المرأة أمامه في خضوع .
هو اكتفى بابتسامة، إزميل يحفر في إدراكنا، يقينًا بسطوته.
شرع يتفحص الفتيات كما يتفحص صائغٌ أحجارًا كريمة، يأخذ فكوكهم بيده، يقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال .
شعرت بنظراته تسقط عليّ للحظة، أنا أشلت بوجهي للجهة الاخرى آملة ألا يقوده فضوله نحوي.
لما لازلت أشعر أن نظراته متسمرة علي؟
تمتم بشيء بين شفاهه ثم...
لم يكن سوى رفعٍ بسيطٍ ليده و هو لا يزال يناظرني ،جعل المرأة تخرج رفقة باقي النساء تاركًة إياي وحدي معه.
تأملت المكان، عيناي تجوبان ربوعه.
حسنا....
حدث توقعي الذي تمنيت أن يكون مخطئا .
اقترب بضع خطوات نحوي، المسافة التي تسمح له بالقبض على ذراعي ،
بلعت ريقي اقتنص فرصة هذه الثواني علي اجد شيئا استطيع ان القي به عليه فيبتعد...
يا لهذه الابتسامة التي تحتل تقاسيم وجهه.. تجعله يبدو من تلك الفئة التي تجعلك تتساءل إن كنت ستخرج من هذا اللقاء حيًا أم كعبرة لمن اعتبر.
شعرت بأصابعه تتسلل على وجنتي..
يا إلهي ذراعاي معقودتان للخلف و قدماي مقيدتان ببعض، و إلا لكنت ركلته و هربت، اريد ان ابسق عليه، ربما هذه فكرة جيدة، لكن...
لكني سأموت حتما...
توقفت عقليًا عند مفترق طرق...
الخيار الأول أن أتصرف كفتاةٍ خجولة، أطرق نظري للأسفل في وقار .
الخيار الثاني أن أرفع حاجبي بسخرية وأحطم هذا الجو الدرامي بأن أخبره بكل وقاحة انه غير لبق .
الخيار الثالث أن أجد طريقة عبقرية للهرب بعد ان ابسق في وجهه.
كنت أعلم أنني سأختار الخيار الأسوأ على الأرجح...
"اشتقت إليكِ، أيتها الحمقاء... ديالا."
همس بهذا.....
مهلًا... ماذا؟
لا، لا، لنتوقف هنا لحظة. لنُعد الشريط من البداية، لأن ما قاله الآن تجاوز مستوى اللامنطق بدرجة جعلتني بحاجة إلى كرسي ومشروبٍ بارد لأستوعبه.
هو يعرف أمي؟ يتحدث وكأنها شخصٌ عزيزٌ عليه؟ ولماذا هذا اللقب بالتحديد؟ حمقاء؟ هل كانا صديقين؟ أعداء؟ أم شيءٌ آخر تمامًا لا أريد التفكير فيه أو استيعابه ؟
حسنًا، التفكير المنطقي في هذا القصر منعدم الوجود ، وأنا لا أملك ترف اللامنطق و التفكير فيه كثيرا حالياً.
لذا قررت أن أسير مع التيار، أجمع ما أستطيع من معلومات قبل أن أفجر قنبلة الحقيقة عليه وهي أنني، ويال خيبة الامل ، لست والدتي.
سألني لأرجع للواقع تاركة فرط التفكير لأهله،
"هل تسمعينني؟"
أوه، بالطبع، سيدي المبجل،
أجبرت نفسي على رفع رأسي إليه، حافظت على ملامح محايدة، عيناي صوبه و ابتسامة تشق رأسي نصفين قد قابلته ..
داخلي الآن عبارة عن مهرجان من التساؤلات، الإحتمالات، لكن دعوني اخمدها لوهلة اكمل مسرحيتي مع هذا الرجل اولا..
"اجل... سيدي"
رفع حاجبه، نظرة متعجبة ترافقها ابتسامة خفيفة، يناظرني كما لو قمت بشيئ غريب .
جاء رده سريعا، محملًا بنبرةٍ شبه مازحة كانت كفيلة بقلب الحقيقة رأسا على عقب صادمة للمنطق عرض الحائط..
"هاه؟ هل غيابك عنا لثلاثين عامًا فقط جعلكِ تنسجين بيننا رسميات؟"
أنا هنا زينت تقضيبة حاجباي متسائلة.
ثلاثون عامًا؟
لو كان بمقدوري تجميد الزمن عند تلك اللحظة لأفكر على مهل ، لفعلت. لو كنت أملك إمكانية إعادة ترتيب أفكاري قبل أن أستوعب ما سمعته، لاغتنمتها.
الزمن لا يمنحنا تلك الفرص حيث نستطيع التنفس، بل يُلقي بنا في أمواجه ويتركنا نحاول النجاة.
ثلاثون عامًا؟ لا رسميات تعني قربه من امي؟ ماذا يحدث بحق خالق الجحيم؟ أقسم ان عقلي سينفجر من فرط المعلومات التي تتسرب اليه مطالبة منه ان يدرسها.
عقلي يصرخ مطالبًا بتفسير هو الآخر فكيف تريدون منه ان يفسر؟
العالم لم يمنحني فرصة للغرق في تساؤلاتي. لأنه لازال ينتظر اجابة عن سؤاله...
طرقٌ على الباب جاعلا لي لحظة استطيع بها ان اطلق انفاسي المسجونة في الداخل.
التفت ريكاردو نحو الباب حرر معصمي يمشط خطواته نحوه.
وقف هناك، خاطب الحارس، ثم إلتفت الي وظل شبح ابتسامة ودية معلّق على وجهه،
ودعني برفع يده ملوحا ،
أخيرا ! بقيت... وحدي مع أفكاري، أحاول عصر آخر قطرة منطق قد تتواجد في عقلي لتحل هذه المتاهة التي علقت بها.
لنُراجع ما حدث…
إن كان للجنون بداية، فأنا بلا شك قد وطأت عتبته حين خطوت داخل تلك الغرفة.
كنت هناك في المنزل الذي اشتراه لنا السيد والد بيرتا ، أمارس مهامي كفتاةٍ صالحة، حتى وصلت إلى تلك الغرفة.
لم يكن فيها ما يثير الشكوك ، لكن هاجس قوي اخذ يمنعني من الدخول اليها، و ليتني لم اكن بارة بفضولي لأدخل...
اثارت انتباهي مرآة ، بزجاجٍ صافٍ و لا توجد بها ذرة غبار، وهذه بالذات كانت إشارة غريبة لا منطقية ، لأن أي شيء في هذا المكان اكتسته طبقات من الغبار، فلماذا استثنت قوانين الطبيعة هذه المرآة من المصير ذاته؟
وقفتُ أمامها. كنت أراقب نفسي فيها ، بعض من الوقت قد مر و تغير شيئ ما في انعكاسي.
ما رأيته لم يكن أنا.
بل أمي.
انعكاس والدتي ظهر عليها.
ليس انعكاسي، بل هي.
هي كما كانت في ذاكرتي، بملامحها، بنظرتها، بشيءٍ في عينيها اقرب إلى الندم و الحسرة و الاسف...
ثم تحدثت.
قالت كلمات لم أفهم المغزى من حديثها بها،اعتذت مني، طلبت غفراني و انا التي كان عليها ذلك، ثم اوصتني ان ابقى صامدة...
ومن هنا... بدأت
بدأت الأمور الغير منطقية بالظهور.
حين جذبتني داخل المرآة رفقة بيرتا إلى مكان لا مكاني ، لا تسألون كيف و لماذا لأني انا بدوري لا اعرف.
نطقت فلاد دراكوليا لأجد نفسي في بُعد آخر، بعد منظوري في الحياة سيتغير حتما لو بقيت فيه اكثر من ثوان...
بيرتا، كانت معي... ثم لم تعد.
الأعشاب لم تكن خضراء، بل حمراء، السماء لم تكن زرقاء، بل قانية كلوحة رُسمت بأشعة المغيب.
بينما كنت في رحلة بحث عن بيرتا قابلني قصر ابيض اللون.
وقفت أمامه، و دخلت.
و فعلا ليتني لم ادخل لأني جعلت متاهتي اصعب و اطول فحسب...
وجدت البشر يخزنون كغذاءً. وجوه خاوية، عيون ذابلة، أجسادٌ جهزت فقط لتُستهلك.
الرعب في نظراتهم كان كافيًا. لأرى مصيري محفورا على جبيني.
مصاصو دماء.
لم يكونوا خرافة، كان واقعًا تلمسته بيديّ، وللعلم انه بارد الملمس...
ومع ذلك، لم أهرب، ليس لأني خائفة سأضيع فرصة مغامرة في عالم كهذا، و معرفة علاقة والدتي به.
لم يكن اللقاء مع أول مصاص دماء وسيم مشرفا كما تخيلته.
الوغد يناديني باسم أمي.
ديالا.
صوته حمل يقينا و ثقة يجعلانني اشك اني ايميليان و اني حقا امي .
لكن كيف؟
كيف لشاب مثله أن يكون قد عرف والدتي منذ أكثر من ثلاثين سنة ؟
هنا اصطدمت في حائط اغلق علي الطريق.....
وقفتُ عند الباب لوهلة، كيف لي أن اخرج و يدي مكبلتين خلفي ؟ استندت على الباب بظهري ...
بيدي طرقت الباب....و كان في داخلي شيء من التردد.
فتح الباب، كان ذلك الحارس ذاته الذي رأيته يتحدث مع ريكاردو سابقًا. ملامحه هادئة لم تخلُ من لمحة ود ،
ابتسم وهو يقول يمسك بمقبض الباب يغلق اي سبيل لي للهروب .
لا تقلق لست غبية لأهرب و انا بهذه الحالة.
"إن رغبتِ في التجوال، فلا بد أن أرافقكِ، آنسة ديالا."
فعلا اسم ديالا لا يناسبني اشعر اني سرقت شيئا خاصا بشخص آخر، لا استطيع تخيل اسمها مكان خاصتي ابدا.
لكن ماذا عساي افعل دعنا نكمل المسرحية.
"لا، لا داع.. "
لم أكمل عبارتي، صدى خطواته جعلني اصمت اناظره .
رأيت الحارس ينتفض قليلًا، ينحني باحترام ، مما جعلني أدرك أن القادم شخص مهم .
مرر نظراته علي ليرجعها للواقف امامي،
رائع اخيرا شخص لم يحدثني!
"هل رأيت نايز؟"
أومأ الحارس نافيًا،
الرجل رسم إبتسامة قبل أن يخاطبني بسخرية إبتدأ و ختم بها لقائنا .
"أهلاً بعودتكِ... آنسة ديالا، آمل ألا تموتي الآن بعد أن أصبحتِ بشرية."
تجمدتُ،
ما هذا الكلام؟ هل هو تهديدٌ أم مجرد مزاح ثقيل؟
ماذا يقصد ب "أصبحت بشرية"؟
اكانت في الماضي شيئا آخر؟
الحارس اكتفى بأن تنهد ينبس.
"لا تهتمي... السيد موريان هكذا، غريب الأطوار، بل قد تقولين... منفصم."
قطب حاجبيه يلقي نظرة خاطفة حوله، اظنه يخشى أن يكون موريان لا يزال هنا، ليضيف بنبرة شبه هامسة
"لكن لا تقلقي، إنه لطيف... في أحيان نادرة."
لطيف؟ غريب الأطوار؟ منفصم؟ كيف يمكن أن تجتمع كل هذه الصفات في شخصٍ واحد؟!
هذا المكان، وهذا العالم بأسره، أشبه بلغز تتداخل أجزاؤه دون أن تتطابق.
اظنني أسير في حلمٍ يأبى الانتهاء.
(。◕‿◕。)
بيرتا
"ذكّرني، لماذا عليّ فعل هذا ؟"
رفعت حاجبي أخاطبه، لا بد أني فقدت عقلي، أو ربما ضربت رأسي بشيء صلب قبل أن أوافق على هذا..
ليونارد، بالكاد ألقى عليّ نظرة قبل أن يعود إلى لعبته.
"حتى لا تموتي... ربما."
"ربما؟ "
أليس هذا رائعًا؟ حياتي الآن معلّقة على هذا الرجل ،
تنهدتُ أربط المئزر حول خصري، أنظر إلى نفسي في الانعكاس على زجاج النافذة...
تخيلوا.
بيرتا، المدللة، المتحررة، الفتاة التي ترفض أن تُؤمر، ها هي الآن تقدم الشاي كخادمة من العصور الوسطى.
إن أخبرتُ أحدًا من عائلتي عن هذا سيتبرون مني.
نظرتُ إلى ليونارد مجددًا، يلعب الشطرنج.
تبا..
ألم يكن من العدل أن يكون الأوغاد أقل وسامة؟ سيكون الأمر أسهل لو كان أصلعًا أو يملك ندبة بشعة على وجهه، لكن لا، إنه منحوت كتمثال يوناني،
بعد كل هذا التفكير، بدأت للتو جولة تحديق لا متناهية فيه مرة أخرى.
ماذا لو أنني تلقيت درهماً في كل مرة أنظر فيها إليه وأقول" أنا أكرهه... لكنه وسيم! "؟
لكنت الآن أملك قصراً في وسط البحر، بجدران من الشوكولاتة،
لكن لا، بدلاً من ذلك، أنا هنا، أرتدي ملابس خادمة وأسكب الشاي لمصاص دماء متغطرس، فقط مقابل حياتي.
لكنه وسيم بطريقة مزعجة لي !
أستطيع ان أؤكد لكم أن القدر قرر أن يعذبني برجل يشبه فارس أحلامي، اه، كم أنا تعيسة!
كان يلعب الورق مع شاب آخر، في أقصى درجات تركيزه. هذا جعلني افكر في طعنه في نقطته العمياء بينما حدسه الغريزي لا يعمل.
حسناً، يكفي التحدث عن هذا الرجل!
فلننتقل إلى الغريب الآخر في الغرفة. الشاب ذو الشعر الأبيض المائل إلى الفضي، والعينين القرمزيتين،لم أنتبه للون عينيه حتى ناظرني و كان مخيفا.
حسنٌ، ربما عليّ أن أكون ممتنة لأنه لا يهتم لأمري ،
ظلّ صامتاً، كتمثال بشري أو شبح يتحرك فقط ليحرك لعبته.
هل هو حقيقي؟ هل يتنفس؟ أم أن ليونارد لديه عادة اللعب مع التماثيل؟ لم أستطع تمالك نفسي، وكعادتي عندما يحكني لساني فتحت فمي اردف مشيرة إليه.
"من هذا؟"
ليونارد رفع حاجبه ونظر لي كما لو أنني قلت شيئاً غبياً،_وهو أمر يحدث كثيراً، بالمناسبة_.
أما الشاب قرمزي العينين، فقد حوّل نظره لي ما جعل قشعريرة تسري اسفل عمودي الفقري ، شعرت في تلك اللحظة مع نظراته أنني مجرد ذبابة مزعجة قررت اقتحام هدوئه .
في تلك اللحظة، أدركت أمراً مهماً جداً...
أنا في المستقبل الجميل الذي لا أدري اسيأتي ام لا، و في حالة بقيت حية يجب أن أبقي فمي مغلقاً، هذا احسن خيار.
"لا... إنه ابن عمي."
إجابني لأومأ ايجابا،
أخذ يحدّق بي ذاك الغريب قرمزي النظرات، . لم ينطق ببنت شفة لكن يبدو أن كلمة على رأس لسانه تريد الخروج ،
ثم كما توقعت ، جاء صوته، و ياليته صمت.
رغم أن صوته جميل يملك بحة فريدة غير أنه ليس الوقت المناسب ليتحدث حقا...
"ليو... لِمَ توظف بشرية متطفلة في القصر؟ البشر للغذاء فقط."
آه، رائع. يا له من ترحيب دافئ!
أليس من المفترض أن يقدموا لي الشاي أولاً قبل أن يقرروا ما إذا كنت وجبة عشاء مناسبة أم لا؟
شهقتُ في فزع رجعت خطوة للخلف .
هل ينظرون إلينا كفرائس، ككائنات وُجدت فقط لتُستهلك؟ هل إيميليان الآن مجرد بقعة دماء على الأرض؟ هل سأكون التالية؟ لا اريد الموت لازلت شابة!
نظرت إلى ليونارد، انتظر اللحظة التي سيقف و يقتلني ليتغذى على دمي.
إن كان هذا واقعاً، فهو واقع بحاجة إلى بعض التعديلات،
ولكن حتى ذلك الحين، سأبقى هنا... أراقب، أمزح، وأتظاهر بأنني لست مذعورة.
الأمر سهل! لما كل هذا التعقيد؟
" رأيت انها الأنسب لترويض تلك الحشرة اللعينة"
هنا رفع الشاب الأخر حاجبا بتساؤل ثم تنهد، هذا دليل انه لا يهتم.
" بيرتا، الغرفة رقم 45 عملك هناك..."
تأففت ارسم خطواتي نحو الغرفة التي لا أدري أين هي..
(。◕‿◕。)
"هل والدك يعلم بهذا؟"
سأل ابيض الشعر ليونارد يحرك بيدقه للأمام مسقطا الفيل.
سأله إن كان والده يعلم أنه أتى ببشرية للقصر،
"نايز، لمَ أنت قلق؟ لا يعلم، بل لن يهتم، البشر مجرد ألعاب. إن ملّ منها كايون، فله أن يمزقها أو يرميها. لن يرف له جفن."
نايز لم يعلّق، بل زفر بقلة حيلة، لا جدوى من الجدل مع هذا الرجل امامه. انتفض واقفا يحرك رقبته، جلس كثيرا حتى تشنجت!
"عليّ الذهاب... إخوتي الأوغاد سينهون حصّتي من الطعام."
آه، حتى مصاصو الدماء لديهم هذا القلق الفطري حول حصتهم من العشاء،
"دعك منهم... تعال نتناول وليمة اليوم في القصر. والداي ليسا هنا، وكايون أيضًا. سيقضي وقتًا مسليًا مع تلك البشرية... من يدري؟ ربما يتناولها على العشاء."
"ما المقابل؟"
"ماذا؟ "
نايز زفر مجددًا، يرفع حاجبه يكمل.
"أعرفك، ليو، لا تمنح شيئًا دون أن تأخذ مقابله."
ابتسامةُ ليونارد لم تتغير، بل ازدادت إتساعا.
"...ريكاردو..."
"ماذا تريد منه؟ هل الأمر يتعلق بالنساء؟ أو أنه افتعل مشكلة جديدة بسبب هوسه بالاحجار الكريمة ؟"
قالها بنبرةٍ خالية من المفاجأة، كما لو أن فكرة تورط ريكاردو في المشاكل أمرٌ مسلمٌ به، كحقيقة الشمس التي تشرق من المشرق و تغرب من المغرب .
"شيءٌ من هذا القبيل..." قالها ليونارد وهو يعبث بحافة الكأس بين أصابعه.
"لقد تسبب في شجار مع المستذئبين وسرق جوهرةً نادرة، يقال إنها واحدة من أندر الأحجار الكريمة... وأنا—"
"تريدها؟"
أومأ ليونارد سريعًا، كاشفًا عن أسنانه في ابتسامة لم تخلُ من الرجاء.
نايز واصل طريقه نحو المخرج، يده في جيبه، وخطواته الهادئة تطرق الأرض تُعلن نهاية العرض. و بصوتٍ جعله مرتفعًا بما يكفي ليصل إلى مسامع ليونارد، نبس.
"أفضل القتال على حصّتي مع إخوتي الأوغاد على أن أضع يدي على جوهرةٍ من ممتلكاته. فلتحتفظ بوليمتك لك."
وقف ليونارد يراقبه يمضي، فريسته على وشك الفرار! ما جعله يهزّ رأسه بقلة حيلة.
آه، لا يمكن إقناع هذا الرجل بسهولة. لكنه وإن كان نايز قطعة جليد، فهو يعرف تمامًا أين يكمن مصدر حرارته. الذي يذيبه!
"سأحضر البودينغ... ما رأيك؟"
الزمن توقّف للحظة. ارتعشت شرارة لامعة في قرميزيتي الآخر ، توفق لبرهة متسمرا في مكانه كأنه يقاوم، ثم وكما كان متوقعًا عاد إلى مكانه..
ريكاردو؟ آه، سيقيم حفلة جنائزية لو فقد جوهرته،
و ستكون الأجواء أكثر متعة إذا كان من أخذها نايز!
لم يكن النقاش قد بلغ نهايته بعد، نايز جلس مجددًا، أسند ظهره إلى الأريكة يستعد ليفرض شروطه.
"سأفعل ذلك... إن أضفت إلى الصفقة صندوقًين من البودينغ. سأأخذهما معي."
كان الشرط بسيطًا، لكنه في قاموس نايز، انها قضية حياة أو موت!
اتسعت ابتسامة ليونارد، ليرفع إبهامه موافقًا،
تلامست قبضتاهما في مصافحةٍ مختصرة، ختمت معركة تفاوض انتهت بما يرضي الطرفين.
ʕ´•ᴥ•'ʔ
ايميليان
"هكذا إذن...
أنا الآن في قصر مصاصي دماء، عائلة تُدعى "هوجين". قصرهم الرئيسي أبيض، واجهةٍ لمساراتٍ ثلاث، كلٌّ منها يقود إلى قصرٍ فرعيٍّ آخر، كل قصر فرعي يقطنه ابن من ابناء هذه العائلة، وريكاردو ليس سوى الابن الأوسط للابن الأكبر للملك.
"بالضبط..."
أردف الحارس، الذي يدعى جاك، وهو يراقبني وأنا أدون الملاحظات.
نعم، أنا أكتب في الحديقة، على الأرض بعض المعلومات التي ربما ستفيدني. على الاقل يجب ان استغل بقائي دون قيد.
مصاصو الدماء يتناولون عشاءهم المخمليّ بعيدًا،
أحتاج إلى فهم ما يجري حولي بطريقةٍ منهجية،
جاك،_و هو إسم الحارس_ وقف أمامي يلقي نظرة عما أفعل، شعرت أن هناك كلمة على رأس لسانه..
"لماذا ترتدون، أنتم البشر، ثيابًا غريبة؟"
رفعت رأسي من الورقة، لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام،
هذا الرجل أوقف عقله عن العمل عند نقطةٍ معينة، الا و هي لباسنا في القرن الواحد و العشرين؟
"في عالم البشر، الجميع يرتدي مثلها."
لكنه لم يبدُ مقتنعًا، بل تابع..
"لباسكم غريب... طوال ثلاثة آلاف سنة من حياتي، لم أرَ شيئًا مشابهًا. مثلا لما تملك إحداهم ثقبًا في فستانك عند خاصرتك؟ وما حكاية السراويل الممزقة؟ كثير من البشر يرتدونها، أليس ذلك محاكاةً للمشردين؟"
دعونا من منظوره الذي اراه صحيحا حول السراويل الممزقة و لنلتفت إلى الأهم...
...ثلاثة آلاف سنة؟
شعرتُ بأن دماغي أوقف تشغيله للحظة. لأنبس دون وعي، كلماتي خرجت من محجرها عفويا تريد تفسيرا لأني إكتشفت أني أملك صخرة مكان عقل داخل جمجمتي.
لا أدري هل المشكلة فيّ ام في هذا العالم لكني أُجن
"ثلاثة آلاف سنة ليست مدةً قصيرة..."
هنا، أطلق جاك زفيرًا ، أظن أنني أزعجته.
حسنا فليذهلب للجحيم، لن ابتعد حتى افهم منه ما أستطيع ،
تأخره في الرد جعلني أرغب في لكمه.
"هاه؟ أنا أصغر حارس في القصر.
أوه... فهمت، أنتم البشر تعيشون أقل من مئة عام، مساكين..."
يال غرور مصاصي الدماء، أنا رفعت حاجبا أجيبه بإبتسامة..
"الغريبون هم أنتم... كيف تتحملون العيش أكثر من مئة عام؟ أليس ذلك عبئًا؟ تخيل أن عليك تكرار كل شيء مرارًا، تخسر أشخاصًا، تكوّن ذكريات، ثم تفقدها، تتذكر أشياء تفضل نسيانها، ولا تستطيع الفرار من الزمن أبدًا."
لم يتأثر. بدلًا من ذلك، ابتسم،
"لم تعد هذه مشكلة... السنة عندنا لا تختلف كثيرًا عن الأسبوع عندكم.
هل بني هذا الجنس كلهم هكذا؟
حدّقت إليه للحظةٍ، ثم أطلقت تنهيدة.
"هكذا إذن..."
التفتُّ على وقع صوتٍ يناديني، ليس باسمي، بل باسم والدتي.
"ديالا..."
حقًا، كم أكره هذا!
ها هو ذا، ريكاردو، العاشق الأبديّ للأحجار الكريمة والنساء على حدّ سواء، رأيته اليوم للمرة الرابعة الا يمل من رؤيتي؟
انا أفعل.
بسمة كانت تزيّن تقاسيم وجهه، الابتسامة التي يجيد صانعو المشاكل ارتداءها كدرع،
أمر جاك بالرحيل، ليتركني وحدي معه...
لما ايها القدر قدتني إلى هنا؟
"كيف أمضيتِ تلك الدقائق بدوني؟"
اوه إشتقت لك! هل تعلم؟ لو تأخرت ثانية أخرى لكنت ميتة حنينا لك...
أينتظر أن انبس بهذه الكلمات؟
أظن أني إكتفيت من هذه اللعبة السخيفة، لو ناداني بإسم والدتي مرة أخرى سأركله، ولا أريد الموت شنقا لذا...
"أنا لستُ ديالا هذه."
حسنًا، لا أدري إن كنتُ قد قلتها بصوت عالٍ بما يكفي ليخترق جمجمته السميكة، لكنني فعلت.
أعلم أني حمقاء، لكن هناك هاجس قوي دفعني لأنطق ما قلته سابقا، نفس الشعور الذي حثني على دخول الغرفة.
لا يبدو على الواقف مقابلي أنه استوعب ما قلته.
عيناي القيتهما صوبه أنتظر إنكماش ملامحه في تعبير قد يعطيني نظرة أولية لإرتداده ، أيّ ظلٍ للحيرة، للدهشة، للرفض،
لكنه...
لكنه ابتسم. لا، بل اتسعت ابتسامته كأنني قد ألقيت عليه دعابة، الا يصدقني؟.
"جيد، فقدتِ الذاكرة إذن؟ هل كان لتحويلكِ إلى بشرية آثارٌ جانبية؟ أم أن دماغ البشر محدود لا يتسع سوى لمائة عام من الذكريات، فنسيتِ من تكونين، ديالا؟ "
نطق اسم أمي بثقل، مدّ الحروف و أبطئ في لفظه كما لو يحاول زرعه في دماغي عنوةً. زفرتُ، ونفيت برأسي، قبل أن أفتح فمي..
"اسمي ليس ديالا، لقد أخطأتَ الشخص، اسمي إيميليـ—"
لم أستطع حتى إنهاء جملتي. حتى وجدت نفسي أقرب مما ينبغي اليه . يداه تقبضان على فكي.
أصابعه تمسك به كما لو كان لوحةٌ يحركها كيفما شاء، يقلبها، يفحص تفاصيلها بتركيزٍ.
"لقد تغيرتِ في هذه الثلاثين سنة..."
آه، مجددًا مع هذا الهراء.
رفعتُ حاجبًا بسخرية، متناسيةً مدى قربه، متناسيةً أنني حرفيًا قد أكون على بعد حركةٍ واحدةٍ من نهايتي.
"لم أفقد شيئًا، أنا لستُ من تزعم أنها ديالا، أنا… هي أنا منذ ولادتي. وبالمناسبة، لا تعجبني فكرة أنك تمسك بفكّي كما لو كنتُ منحوتةً من الرخام! ومصبوغةً بالألوان الزيتية!"
"مستحيل..."
والمستحيل، في رأيي، هو حشر حقيقة في عقلٍ لا يريد أن يسمع.
"ما علاقتك بها؟"
غيرت الموضوع القي بنقطة ضعفه على الطاولة...
سألته عن علاقته بديالا، امي
نظر إليّ، ولفترةٍ وجيزة، خُيّل إليّ أنني رأيت ظلاً من التردّد في عينيه قد أخفاه بابتسامةً لم تصل لعينيه، ابتسامةٌ نحَتها مجبورا .
"صديقة... صديقة قديمة فقط."
صديقة، هاه؟ آهٍ لو كان بإمكاني تدوين هذه الكذبة في موسوعة "أشهر كذبات التاريخ".
كلمة "صديق" بين امرأة ورجل؟ لا مكان لها في قاموسي. نعلم جميعًا ما تعنيه هذه الكلمة حين تتسلّل في جملةٍ كهذه، وليس عليّ تذكيركم.
راقبتُ كيف انحرفت عيناه نحو عنقي، وكيف طال صمته فجأة.
هل معدته أعلنت موعد المقبلات؟
لا يمكنني الجزم، لكن الاحتمالات كلها كانت تصبّ في اتجاهٍ واحد،
أنا على وشك أن أصبح وجبةً.
"إذًا، يمكنني قتلك."
كنتُ أرتعش. الغريزة البدائية في داخلي كانت تدق ناقوس الخطر، تصرخ تذكرني بأن هذا الرجل أمامي خطر و أنه علي الهرب فورا.
تراجعتُ خطوة. خطوة واحدة، ليبدأ بالتحرك نحوي،
عيناه أصبحتا قرمزيتان.
هذا مخيف..
واصلت التراجع حتى شعرت ببرودة الجدار الخارجي تلامس ظهري.
لقد جعلني حرفيًا فأرًا محاصرًا في زاويةٍ بلا مهرب.
لو كان الأمر مشهدًا دراميًا، لصرخت البطلة الآن أو انهارت دموعها في انتظار المنقذ.
لست من ذلك النوع للأسف. ذلك انني حملت غصنا كان مرميا اجعله سلاحا لي ضده، أو لنقل آداة تبعده عندي لمهلة.
" إبتعد و إلا... "
على ما يبدو، لم يكن في مزاجٍ لسماعي أو للصبر على جنوني!
أمسك بكتفيّ بعد أن اخذ مني الغصن القاه بعيدا،
عيناه لاحتا تنتقلان على رقبتي كأنه يبحث عن موضع ما. توقف عند عظمة الترقوة، ثم غرز أنيابه هناك.
هذا مؤلم حتى النخاع..
دمي يُنتزع، يُسحب، ليس من وريدي فحسب، بل من أعماق روحي. أنفاسي تسارعت رغمًا عني، أحتاج هواءا
رفعتُ يدي، تشبثتُ بقميصه،
لن أموت كوجبةٍ في قائمة طعامه.
ليس الليلة.
الألم في عنقي كان ينذرني بأنني إن لم أفعل شيئًا الآن، فقد ينتهي بي المطاف جثةً هامدة،
عليّ التفكير بسرعة، وخيار الاستسلام لم يكن مطروحًا على الطاولة.
أحاول دفعه؟ لا، بنيته مقارنة بي لا يستهان بها . ركلة؟ لن تؤثر في مصاص دماء قوي مثله.
خطرت لي فكرة مجنونة. لم أفكر بها مرتين!
رفعت يدي إلى شعره.
ربما اعتقد أنني استسلمت، ذلك أنه ارخى قبضته على كتفي قليلا.
أمسكت بخصلاته بقوة، ثم فجأة..سحبت شعره للخلف بأقصى ما أملك من قوة.
حين فقد توازنه، استغللت الفرصة. دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة، ونجحت في زيادة المدى بيننا.
تراجعتُ أبعد، وضعت يدي على اسفل رقبتي، لأشعر بالسائل الدافئ القرميزي يتسرب على جلدي.
لقد ترك علامة لقذارته على جسمي!
رفعت أنظاري إليه، كان قد استعاد توازنه بالفعل، لترتفع ضحكته شيئا فشيئا..
"لست سيئة.. "
هذه ليست جملةً تبعث على الطمأنينة.
أنا أوجست شرا ذلك أنني بلعت ريقي أنتظر خطوته القادمة..
لكن للأسف لم أُكرم بمثل هذا الإمتياز، ذلك أنه التفتَ للجهة الأخرى، إثر شخص آخر أتى.
"ريكاردو، ساعتي… أين هي؟"
أوه، رائع. اللص النبيل تم القبض عليه متلبسًا.
رمقه الرجل بخضراويتاه، و الذي أظن أن إسمه كان موريان . ريكاردو زفر يمرر أصابعه عبر خصلاته الشقراء.
"أي ساعة؟ لا أعلم عن ماذا تتحدث."
الرجل الآخر، لم يشترِ تمثيله الرخيص. رفع حاجبيه، نبس بنبرة معاتبة كأنه يحدث طفلا مشاغبًا،
"ريكاردو، أنت تعقد أصبعيك…"
في تلك اللحظة، ألقيت نظرة على يديّ ريكاردو، وبالفعل… كان يعقد إصبعيه الوسطى والسبابة خلف ظهره، لقد كان هذا المشهد سرياليًا للغاية.
"ليس هناك أحد قد يسرقها غيرك، أعِدها الآن."
رفع يده أخيرًا، وكشف الساعة التي كان يخفيها،
"إنها تحمل أحجارًا لامعة… وقد أصبحت لي."
شعرتُ بالرغبة في التصفيق.
إنه لصٌ لا يسرق إلا ما يلمع، و هذه نقطة لصالحه، لقد إلتقيته اربع مرات اليوم و جميع الاربع مرات، كان سارقًا لشيئ لامع فيهم.
هذا الرجل يتنفس الاشياء اللامعة!
"أخرق… هاتها."
قال موريان ذلك و التفت إلي، عيناه الخضراوتان إنزلقتا إلى عنقي.
رأيتُ شفتيه تنفرجان عن سؤالٍ أيقض فضولي النائم حاليا و جعله يرقص.
"أليس محرّمًا علينا التغذي على دمائها؟"
محرما التغذي على دمائي؟
دمائي يعني دماء والدتي!
قبل أن أستوعب السؤال جاءت الإجابة من ريكاردو،
"هي ليست ديالا."
هكذا، ببساطة.
ثم أضاف بجفاف، يشير إلي.
"إنها ليست ديالا، وهي لا تهمني، بما أنها ليست هي فدماءها محلّل لي "
القى كلماته و استدار ماضيا ،
حسنًا…الأمر بدأ يأخذ منحى آخر، أن أكون في أزمة لأنني نسخة من والدتي شيء، لكن أن أُختزل إلى "غير مهمة"؟
أشعر أني أريد الصراخ أو ضرب أحدهم حتى أرتاح!
..
ريكاردو اختفى في العتمة، تاركًا إياي مع موريان، الذي، وبكل بساطة، لوّح لي بابتسامة لطيفة، ثم مضى هو الآخر.
منفصم.
تُركتُ واقفة هناك، مع علامة دامية على عنقي وإحساس غريب بالضعف...
حسنًا… على الأقل لم أمت. لنضع ذلك في خانة الإنجازات لهذا اليوم.
يال هذه الدرجة من البؤس التي وصلت لها!
{بيرتا}
"سيدي... هل لي أن أدخل؟"
كانت هذه المرة العاشرة بعد الألف التي أنادي فيها أمام الغرفة رقم 45، لا رد، لا حركة، لا شيء.
ليونارد يهوى العبث بأعصابي، وأنا لا أتحلى بالصبر الكافي لمجاراة مزاجه المتعالي.أرجو ألا يكون قد سخر مني و ارسلني الى غرفة فارغة..
تنفست بعمق أحسب أين ستستقر قبضتي لو قررت لكمه. وجهه؟
لا، هو وسيم بما يكفي ليُغتفر له هذا الاستهتار، ولست من يعبث بالتحف الفنية.
لكن قبل أن أقرر ساحة المعركة، التقطت أذني صوتًا قادمًا من طرف الممر.
"إدوارد، قلت لك لا أريد الدراسة! ما الفائدة من معرفة قصة حب قديمة بين ملك مصاصي الدماء وبشرية؟"
أوه، ها نحن ذا.
أدرت رأسي، ليقابلني شاب، بالكاد يبدو أنه قد تجاوز عتبة الثالثة عشرة، عقد ذراعيه بانزعاج، يقف قبالة رجل جُسِّدَ به النظام والاتزان.
كان إدوارد، رئيس الخدم، هذا الرجل منذ اول لقاء بيننا اليوم رأيته أشبه بساعة سويسرية في دقته.
لا طية في قميصه، لا خصلة متمردة في شعره الذي شده للخلف يربطه، حتى نظّاراته تبدو جزءًا من وجهه، لا تهتز ولا تنحرف عن مكانها قيد نملة. حيث عدلها و اجاب الواقف أمامه.
"سيدي الشاب... إنها قصة عليك وعليّ وعلى كل مصاص دماء أن يحفظها وينقشها في ذاكرته كما يُنقش الحرف على الحجر ."
"هذا سخيف..."
أوه، كم أحب هؤلاء الأشخاص أمثاله الذين يعيون أن التاريخ مجرد أكوام من الورق الأصفر لا أكثر.
كم وقفت على رأس ايميليان اريد إقناعها أن قراءة الكتب مملة و إن التاريخ لا متعة به، لكنه و يال الهول كم تعشق شيئا يدعى الكتب، و خاصة التاريخية منها.
ما إن التقطني الشاب بعينيه حتى إنتفض متجهًا نحوي نابسا.
"أوي... أنتِ! بحق خالق الجحيم، ما الذي تفعلينه أمام باب غرفتي؟"
رفعت حاجبي، ثم انحنيت قليلًا لأوازي قامته، لأن كعبي العالي لا يزال يمنحني أفضلية في الطول .
"ليونارد أرسلني إليك."
صمت لوهلة قبل أن يقطب حاجبيه، لترتسم على شفتيه ابتسامة الساخرة تجعل يد المرء تحكّه لصفعه.
"خادمة... ووقحة أيضًا مع سيدها؟ الأسوأ أنكِ بشرية، أستطيع سحقكِ بإصبعي هكذا."
تنهّدتُ، ثم ربتُّ على كتفه .
"احترم نفسك، عزيزي. أنا في الثالثة والعشرين، وأنت مجرد مراهق تائه بحاجة لمن يأخذ بيده إلى الطريق الصحيح."
"أنا في الواقع أكبر منكِ."
استقمتُ في وقفتي لأشير له بسبابتي اخاطبه.
"يا لحظّك السيّئ... إن كنت تكبرني في العمر، وتبدو هكذا، فأخشى أنك لن تواعد أي فتاة في حياتك. تبدو طفلًا. بل، لنكن واقعيين... أنت قصير جدًا بالنسبة لرجل."
رأيت حاجبيه ينعقدان بحنق فتح ثغره ينوي الحديث ليقاطعه صوت ليونارد.
" كايون....!"
عدل من وقفته و التفت له كشكل من الإحترام كما أظن كان ليو يناظره بتأنيب، اما الآخر حاول تجنب التواصل البصري معه..
" ماذا حدث في الأكاديمية اليوم؟.."
"إنه، كان هناك وغد...."
" هل ازعج انجيلينا ؟ "
" الأمر، ليس كذلك، انه فقط مزعج"
" لما بحق خالق الجحيم أنت خائف؟ من هو هذا الوغد؟ أريد قتله. كيف يجرؤ على إزعاج أنجيلينا؟ إن لم تقتله في المرة القادمة، فانسَ أنني أخوك. أنت بعمر الألفي سنة الآن، لقد كبرت."
لم أفوّت تلك النظرة التي أطلقها كايون نحوه،
"هل تسخر مني يا أخي؟ هل والدي يعلم؟ "
"لا تقلق... سأعمل على ألا يفعل."
لمعت عينا الأصغر بإتمام الحيلة، قبل أن يندفع نحو اخيه نابسا..
"ح... حقًا؟! يا إلهي، هل تعلم ما معنى..."
لم يكمل اندفعه إلا و أضاف بجدية..
" مهلاً... ما المقابل؟"
أوه، كم أعشق لحظات الإدراك . رأيت ليونارد يميل برأسه مبتسما.
"لأنك أخي الجميل الصغير، سيكون المقابل أسهل... وربما أرخص. لنرَ... ما رأيك في إحضار أوراق مهامي من مكتب والدي؟ سهل، أليس كذلك؟"
كم هو بارع في دسّ السم في العسل،
"هل أنت مجنون ؟ مكتب والدي جحيم! لو رآني هناك س- سيذبحني! سيقطع عليّ الدماء لبقية حياتي! هل تريد قتلي؟"
"إذن... سأخبره بما فعلت لأجل أنجيلينا. بعد ذهاب نايز، يبدو أن عدواه قد انتشرت بالفعل."
آه، رائع عرفت إسم قرميزيِّ العينين!
"لا... سأفعل، سأفعل أي شيء!"
كايون يبدو متوترا بشأن انجلينا هذه، لذا كان لا بد لي من التدخل.
تقدّمتُ خطوة، وقفتُ بينهما كما تفعل العدالة حين تقف بين الظالم والمظلوم، وحدّقت في ليونارد بعينين جادتين، نبرة صوتي حملت من الاتهام ما دفنته في اللحظات السابقة..
"أنت... إنه أخوك. هذا ابتزاز واضح."
عقد ذراعيه، ناظرًا الي.
"لِمَ لا تساعدينه؟ إذا كنتِ قلقة عليه إلى هذا الحد..."
زفرتُ، تلك الزفرة التي تسبق عادة قرارًا قد أندم عليه لاحقًا. لم يكن ما يثير أعصابي مجرد عناده، بل ذلك الوجه اللعين... كان وسيمًا لدرجة غير عادلة، وهذا فقط ما منعني من رفع قطعة أثاث وتحطيمها على رأسه.
ثم... حدث ما كنت أخشاه من نفسي..
وقفتُ هناك، أحدّق فيه بصمت...فقط لأنني كنت مشغولة... مشغولة جدًا بتفحص كل إنش من وجهه.
تبا، أنا حتى نسيت لماذا كنت أتكلم منذ لحظات.
ثم، دون وعي، نطقتُ أخيرًا،
"...أتعلم، هذا غير عادل."
"ماذا؟ "
" انت وسيم.....كحبة كوكيز مليئة بالشوكولا "
كانت هذه هي اللحظة التي علمت فيها أنني ربما، قد فقدت السيطرة على مجرى الحوار، و على لساني.
رأيته يحدّق بي، واضح أنه لم يكن متأكدًا مما إذا كان عليه أن يشعر بالإطراء، الإحباط، أم الشك في قدراتي العقلية.
"حسنًا... ماذا ستفعل إن ساعدته وأحضرنا لك ما تريده؟"
"أنا فقط من يطلب المقابل... لن أفعل لكِ شيئًا."
رائع خدمة بلا مقابل، و لأجل من؟ لأجل المسمى كايون، و الذي يراقبني كأني حشرة مزعجة تحشر أنفها فيما لا يعنيها، لكن لا بأس، كان حلمي أصلا أن أعيش في قصة خيالية كهذه و هذا سيكون ممتعا!
"هذه المرأة لن تساعدني... سأفعل ذلك بمفردي، ستكون عائقًا."
عرفت أنه ينوي قولها من نظراته لي.
دون أن أكلف نفسي عناء الدخول في جدال معه أمسكتُ بمعصمه وجررته معي بعيدا.
"دعك من هذا الهراء، ودعنا نذهب إلى مكتب والدك."
كان يحاول المقاومة، كطفل يرفض الذهاب إلى النوم ، لم ألتفت إليه، ولم أكترث لأي اعتراض خرج منه.
...................................
لا أدري ما الذي كان يدور في ذهن والد ليونارد حين اختار هذا القفل تحديدًا ليحرس أسراره، لكنني أكاد أجزم أنه لم يكن يثق إلا بالمعادن، لا بالبشر.
بجانبي، كان كايون يراقبني..
"هل والدك عبقري أقفال؟"
قلتها وأنا أرفع حاجبي، بينما أُدير دبوس الشعر في القفل علّه يفتح.
"هذا القفل أعقد من محادثة فلسفية عن معنى الحياة."
"قلتُ لكِ أنني سأتدبر الأمر."
حسنًا، ومنذ نصف ساعة وهو يتدبر الأمر بالوقوف متفرجًا بينما أنا من تفعل كل شيء.
"فلتغلق فمك... أنا أُركّز."
دحرج عينيه. أظن أنه فعلها مراتٍ أكثر مما تنفّس اليوم.
ثمّة صوتٌ كسر رتابة اللحظة، كان صوت كعبٍ عالٍ، صدى خطواته يُعلن عن حضور أحدهن .قابلتنا إمرأة تشبه ليونارد في جمالها الآسر،
رأيتُ ملامح كايون تتجمّد .
توقفت أمامنا، التفتت إليه تصوب نظراتها نحوه ،
"ما الذي تفعله هنا، كايون؟"
حاول تجميع كلماته، لكن اللغة خانته.
"أ... أنا... لم—"
تقدّمت منه ببطء، انحنت حتى أصبحا على مستوى واحد، ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، تبدو لطيفة الآن بشكل ما!
"كايون... أنا جادّة... هل ابتزّك ليو مجددًا؟"
لو كان الصمت له جسد، لكان جسد كايون الآن. حاول أن ينظر في أي اتجاه سوى عينيها،
"لا، لم يفعل..."
استقامت، واستدارت إليّ، حاجبها ارتفع قليلًا،
"وأنتِ؟ ما الذي تفعلينه؟"
"لا شيء."
"ماذا حدث، أيتها البشرية؟"
"لم يحدث شيء."
التكرار خدعة قديمة، لكني لم أجد غيرها.
رفعت يدها وأمسكت بذقني، نظرتها تعاين وجهي.
"تكلمي، وإلا قطعتُ حنجرتك اللعينة."
يا لها من سيدة أنيقة... حتى تهديدها يحمل نغمة لحنية راقية. ابتسمتُ، تلك الابتسامة التي لا تجد التعبير المناسب للحظة ما فتخرج بعفوية منقذة لك، و أحيانا لا تأتي في وقتها.
"أختي! فلتتركيها!"
تالين أطلقت سراح وجهي، و التفتت إلى أخيها الأصغر،
"آسفة، كايون، لكن لعبتك هذه أزعجتني. لا تقلق إن مزقتها سأجلب لك واحدة أخرى."
"لا... لا تفعلي، لستُ طفلًا، أنا في الألفين من عمري!"
"أنت أخي الصغير... سأبقى أراك طفلا حتى وأنا في قبري."
كايون تنهد، وكأنه سمع هذه الجملة ألف مرة.
"ها قد عدتِ إلى وضعية الأخت الكبرى اللطيفة مجددًا... تالين."
"أجل،..المهم الآن، أبعد لعبتك عني قدر المستطاع، أخشى أن أكسر أضلاعها البشرية الهشّة."
قالتها بابتسامة، ثم استدارت، لوّحت بيدها، وألقت كلماتها الأخيرة قبل أن تبتلعها الأروقة.
"سأتحدث مع ذلك البخيل الأحمق لأجلك."
أخذتُ نفسًا عميقًا، أتحسس رقبتي، متأكدة أنها لا تزال في مكانها. التفتُّ إلى كايون، لأجده ينظر إليّ بطرف عينه.
"لن أشكركِ على مساعدتي، هذا واجبكِ."
ضحكتُ، ثم بعثرتُ شعره كأخت كبرى مع أخيها الصغير .
"أنا لستُ خادمة هنا، أنا فقط جئتُ لأعتني بك، على الأرجح... وما الذي كنتَ ستفعله لو لم أساعدك، هاه؟"
"حمقاء.."
قهقهتُ، اسند يدي على خاصرتي.
"يا لكَ من مدلل.. تُذكّرني بنفسي حين كنتُ في عمرك. يا إلهي، كيف كان والدي رحيمًا ليُبقي رأسي فوق كتفي حتى الآن."
(。◕‿◕。)
رأيكم؟👌🏻✨️
ريكاردو؟ و علاقته بأم إيميليان؟✨️🤔🤫
جاك شخصية عفوية احس انه سيكون له ظهور في مشاهد مهمة🤭❤️
موريان المنفصم عنده ظهور قوي في البارتات القادمة!😁🫡😏💯👌🏻
ليونارد و المقابل قصة حب
نايز سجل ظهور فخم👈👉
كايون المدلل....بيرتا الله معها
تالين حبيبتي....رح تحبوها متأكدة
كيف تحسون العلاقة بين إيميليان و ريكاردو
رح تتحسن او تنجلي؟
نايز لا يهمه شيئ سوى البودينغ الخاص به🫠💃 أظنه يحب البودينغ حتى أكثر من الكاتبة التي صنعته يا رفاق 🥲

🌸فلاد دراكوليا تعتذر 🌸
Felina