"أخِطِر آلَقُلَوٌبً، لَيَسِتٌ آلَتٌيَ تٌکْرهّ، بًلَ آلَتٌيَ خِآفُتٌ أنِ تٌُحًبً فُأغُلَقُتٌ أبًوٌآبًهّآ..."
.

وقف أمام المرآة العتيقة ذات الإطار الفضي المرصع بالياقوت يناظر انعكاس صورته عليها ،
غرفته كانت مرصعة بكل انواع الاشياء اللامعة، حرفيا، سريره مرصع بمعادن تلمع..
ايطار النافذة..
باب الغرفة، حتى هو، مُكلّلٌ بإطارٍ يحاكي النبل في شكله، لا في جوهره.
لكن لو ركزنا مع الجواهر للاحظنا أن الزيف تلبسها فباتت أقل لمعة.
لم يكن يُسمح له بالاحتفاظ بالأحجار النفيسة، إذ ظلّ في عرف جدّه ووالده طفلًا، لا يؤتمن على الندرة والثمين.
فآثر أن يصوغ كنوزه بيديه، يصنع من الزجاج جوهرًا، ومن البرونز ذهبًا..
يصبغه، يلمّعه، يرصّه في عقود وأطواق..
كان يرتدي قميصا الأبيض المكوَّى بعناية، أطرافه مزرّرة .
فوقه، إرتدى سترته القاتمة تنسجها خيوط ذهبية تتعرج في خطوط أنيقة لتُشكل الحرفين "FD"..
وقف على أطراف أصابعه ليبلغ العلبة المخملية الصغيرة الموضوعة على الرف .
فتحها ليقابله داخلها... شعار العائلة.
كانت دبوسًا على شكل درع أسود تحيط به أجنحة خفاش مفتوحة بلون الدم ، وداخله يوجد نقش لعرش باللون الذهبي .
فوق ذاك الدرع رأس مخلوق بقرون، يلصق كل هذا ببعضه سيف في المنتصف..
أخذه ، نظف سطحه بقماشة كانت تحمل نفس الشعار ، ثم همس كأنه يخاطبه..
"أنظر كم أنت فخم.. "
ثبّت الشعار على الجانب الأيسر من سترته، فوق القلب تمامًا، وكأنما يعرض ولاءه لعائلته.
ثم التفت إلى ربطة عنق القرمزية. كانت موضوعة على السرير ،
وضعها حول عنقه و أخذ يعدلها ، شفاهه تتحرك تتمتم يكرر ما علق بذاكرته من تعليمات شقيقه الأكبر..
"يمين... فوق... تحت... عقدة مزدوجة..."
حين أنهى عقدها نظر إلى نفسه مطولًا، ورفع ذقنه قليلًا.
ربطة غير مثالية... لكنها مثالية في نظره... انعكاس ليده التي حاولت أن تُقلّد الكمال وإن لم تبلغه. ولهذا... ابتسم.
ثم أسرع نحو المشط، مرره على خصلات شعره الشقراء ، ودفع واحدة منها خلف أذنه و أخرى مردها لتسقط على جبينه ، تمتم للمرآة بعد غمزة غمزها لنفسه..
"فليرى العالم أوسم تلاميذ فلاد دراكوليا! "
حمل حقيبته الجلدية السوداء و ارتدت خطواته الصغيرة على الأرضية الرخامية في الخارج ثوب الصدى بين الاروقة .
كان يجري بحماس بين الممرات، مرّ بجوار أحدى الخدم، التي نادت عليه بنبرة فيها من العتب بقدر ما فيها من العطف..
"لا تركض في الممر، سيدي !"
لكنه لم يسمع... أو تظاهر بذلك.
أقدامه كانت تعرف الطريق، وقد حفظته أكثر من اسمه... ممر طويل يفصل جناحه عن غرفة أخيه موريان، حيث كان الأخير دائمًا يقرأ، أو يكتب، أو يدرّب عقله على ألف شيء لم و لن يفهمه الأصغر، كونه هو الاخ البكر يجعله ملزما بالمثالية حد الكمال..
لا وقت له للراحة،لا وقت له للعب .
وصل إلى الباب، طرقه مرة واحدة فقط، ثم دخل .
غرفة موريان كانت تغمرها رائحة الحبر الجاف والورق العتيق، والشموع المضاءة رغم ضوء الصباح الذي يتسلل عبر النافذة المقوسة.
عند مكتب في زاوية الغرفة ، جلس موريان، ظهره مستقيم، قميص نومه الاسود و شعره الداكن مبعثرٌ شاهدٍ على ليلٍ لم يُمسَّه نوم،
الأخ الأكبر...
مهنة متعبة بحد ذاتها،
يشكر الرّب في سره على تلك الحظوة،
لقد نجا منها بشعرة!
رفع موريان بصره عن الصفحات،
عيناه الخضراوان تتأملان زائره الصغير دون أن يبدُ عليه الذهول،
بل ابتسم برقةٍ حين رأى هيئة أخيه، التي بدا فيها كأنه لو تُرك له مجال للانفجار سيفعل...
"دعني أخمّن، فلاد دراكوليا؟"
ريكاردو هزّ رأسه ايجابا بسرعة ، .
"أجل! اليوم! هل ربطة عنقي معقودة بشكل صحيح؟ هل وضعت الشعار في مكانه ؟"
ركض ريكاردو من العتبة حتى بلغ جانب أخيه، ووقف أمامه وقفة الجندي أمام قائده.
موريان ألقى نظرة خاطفة على الشعار، ثم على العقدة غير المحكمة. ابتسم مجددًا.
"ربطتها بالعقدة التي شرحتها لك؟"
اكتفى الاخر بإيماءة..
"سأصبح مثلك! أعدك أن آخذ بثأرك لمعلمك الذ_"
قاطعه موريان وهو يغلق الكتاب برفق.
"ريكاردو... لقد أخبرتني بهذا... آلاف المرّات. كنتَ تعدّ الأيام تنازليًّا منذ سنة كاملة، بل بدأت تعدّ الساعات منذ الأسبوع الماضي."
ثم أمال رأسه قليلاً نحوه وأردف..
"وقد أيقظتني في منتصف الليل قبل ثلاثة أيام لتتأكد من إسم الاستاذ الذي كان يكرهني"
ضحك ريكاردو وهو يخدش وجنته بخجل.
"كنتُ فقط... أتحقق."
موريان نهض واقترب منه، ركع على ركبة واحدة، ثم مدّ يده ليعدل ربطة العنق التي تعانق رقبة الاصغر، لحظات حتى نبس..
"أنا فخور بك.. "
اتسعت عينا ريكاردو ، ثم انقضّ عليه يعانقه بقوة. عانقه فقط دون أن يقول شيئ..
ضحك موريان أخيرًا ثم ربت على رأسه،
"اذهب الآن حتى لا تتأخر..."
انتفض ريكاردو راكضًا من الغرفة و قد لوح لأخيه مودعا،
خرج من القصر الفرعي بإتجاه القصر الرئيسي..
يدندن لحنًا عشوائيًّا،
مزاجه الجيّد فاض عن استطاعته ، فاختار أن يسرّبه في هيئة نغمةٍ تتمايل بين شفتيه.
وفي أثناء مروره بالقاعة الرئيسية ،
إحدى اللوحات الضخمة المعلقة على الجدار، والتي كانت تصور رجلًا عجوزًا ذا لحية طويلة ورداء ملكي إستوقفته حين نادته...
"إلى أين يا عاشق الجواهر؟ "
"سيدي شو ! سأذهب اليوم إلى الأكاديمية!"
أجابه ريكاردو مبتسما وهو يحني رأسه له كنوع من الاحترام...
الرجل في اللوحة زم شفتيه مسترسلا..
" اوه الاكاديمة.. لم أجربها قبلا لذا لن أقدم لك نصائح حولها..روز ما رأيك "
توجه إلى لوحة أخرى لامرأة شابة ذات شعر أسود طويل وابتسامة بالكلام، و قبل أن تجيب اسرع ريكاردو بالحديث..
" سيدة روزالين، هل تعتقدين أنهم سيعطونني دروسًا في الطيران؟ أو يجعلونني أقاتل مستذئبًا؟"
"أجل ربما.. إن أزعجت المعلم في أول حصة... سيجعلك تطير من النافذة."
ضحك ريكاردو مجددًا، ثم استدار على عقبيه راكضًا باتجاه المخرج..
ركِب العربة السوداء التي تنتظره عند البوابة عربة سوداء بمخمل قرميزي، على مقدمتها حصانان اسودان يحملان شعار العائلة ، جلس على المقعد يناظر الاجواء خارجا من النافذة..
....
كان اليوم مشرقًا على غير عادة، ما يعني أن السماء زرقاء و الشمس عادية اللون ، والسحب التي كانت تجعل السماء قانية تفسح المجال لنورٍ ليطغى على ساحة الأكاديمية الواسعة، حيث اجتمع عشرات الصغار من سلالات نبيلة من مصاصي الدماء...
كلٌّ منهم يرتدي حلّته الرسمية، و شعار عائلته في الجهة اليسرى من سترته...
ريكاردو بعد تحديق في المكان لدقائق لم يعدها تقدم ، كانت سترته السوداء يزينها إختصار كلمة'فلاد دراكوليا ' المطرّز بخيوط ذهبية على الجانب الأيمن ، و شعار عائلة هوجين على الجانب الايسر و الذي كان قد أمضى وقتًا طويلًا في تعلم تعديله .
اقترب من مجموعة أطفال يتحدثون ويضحكون..
هو من المجموعة الاكثر إجتماعية في هوجين،ما جعله واثقا من أنه قادر على الحصول على اصدقاء في وقت قياسي..
ابتسم، فرك ربطة عنقه كأنّه يستحضر الشجاعة من عقدتها، ثم قال..
"مرحبًا! "
لكن السلام ارتطم بجدار الصمت، وتحطّم.
لا أحد ردّ، لا أحد ابتسم.
واحد منهم فقط ألقى نظرةً طويلة إلى الشعار المعلق على صدره، همس للآخرين..
"إنه من الهوجين..."
واحدًا تلو الآخر، انفضّوا عنه.
بعضهم رحل بخطواتٍ سريعة
وآخرون اكتفوا بالتراجع،
أعينهم ظلت معلّقة به، نظرات متوجسة كأنّه حجرٌ يسد طريقهم..
أحس أن الاقتراب منه يستدرج النحس من مكمنه..
بقي واقفًا مكانه، نظر إلى الشعار على سترته بتقطيبة بين حاجبيه وكأنه لم يفهم.
حقا لم يفهم لماذا.
لم يقل أحد له من قبل إن اسم عائلته سيجعل الناس يفرّون منه.
(。◕‿◕。)
الصمت يلف أرجاء المكتبة العظمى أمامه ، حيث تبين الغبار في خيوط الضوء التي تسللت من النوافذ العالية.
على أحد درجات سلّمٍ خشبيٍ عتيق، جلس طفلٌ بشَعرٍ ناصعٍ حريريّ الملمس كأنه ضوء القمر متجسدا .
كان يحتضن صحنًا صغيرًا من البودينغ بيد، ويغرف منه بملعقة فضيّة باليد الأخرى،
عيناه لم تكونا تتابعان ما يدخل فمه... بل معلّقتان على كتابٍ في الرف الأعلى، كتابٍ ضخم، داكن الغلاف، عريض الحواف، يكاد يُساويه طولًا لو وُضع إلى جواره.
وما إن فرغ من لقمةٍ أخيرة، حتى مسح فمه بباطن كفه ونهض واضعًا الصحن جانبًا.
"هذا هو..."
تمتم بصوت خافت، يتحدث إلى نفسه ثم دفع السلم بإتجاه الرف الخاص بذاك الكتاب،
بدأ يصعد درجات السلم الخشبي ، متجنبًا صريرها الذي يصرخ بسقوطه ، ثم مدّ يده ساحبا الكتاب .
ما إن سحب الكتاب من مكانه، حتى أثقلته كتلة المعرفة المتجسّدة بين دفتيه.
اختل توازن جسده ، ومال إلى الوراء، والهواء انحبس في صدره..
أغمض عينيه مستعدًا للاصطدام... ليس خوفًا من الموت..
فحتى طفلٌ مثله يعلم أن سقطة من هذا العلو لن تودي بحياته لانه مصاص دماء اولا و لأنه ليس بذلك العلو الذي يقتل ثانيا..
لكنّ لحظة السقوط، دائما ما تمنح للهلع شكلاً..
فجأة.
نسرٌ أسود ضخم، عيناه بلون الذهب أمسك بذراعيه بمخالبه، ودار تحت سقف المكتبة قبل أن يهبط يضعه على الأرض،
ظل الطفل واقفًا كانه لم يستوعب بعد، رفع عينيه القرمزيتين إلى النسر أمامه
لم يلبث ان شفي من صدمته حتى اتته الاخرى..
إذ أن النسر تحول إلى صبي يبدو في مثل عمره تقريبًا، شعره الأسود الحالك و ابتسامته التي تشق وجهه نصفين كانت تريبه،يرتدي ثيابا رسمية بنية و قبعة مدببة بلون البن..
مدّ الغريب يده نحوه ، تحدوه ابتسامة يريد مصافحته..
لم يتحرّك نايز ناظر ذهبيتاه اللتان بدأ لونهما يخبو شيئًا فشيئًا، ثم إلى يده المعلّقة تنتظر منه ردًا لتحيتها..
لم يمدّ يده .
"أصدقاء؟"
نبس الغريب أخيرا بنفس الابتسامة و النظرة في عينيه.. وعوض أن يُجيب الآخر ناظره بتوجس،
انحنى، والتقط الكتاب الثقيل الذي كاد يسقط لأجله،
احتضنه ثم مشى.
صوت خطواته فوق الأرضية الخشبية كانت بمثابة رفض تام لعرض الغريب..
الاخر لم يخفض يده، ولم يتراجع،
ظل واقفًا مكانه، يحدّق في ظهر نايز، ثم تمتم بعد تنهيدة ووجهه لا يزال يرسم تلك الإبتسامة.
"حسنًا...
لن أكون صديقك الآن... أنت أردت ذلك! ستفوتك أفضل أيام حياتك بدوني! "
أكمل نايز مشيه دون ان يلتفت..
حيث أنه جلس على السلم مرة أخرى.. وضع الكتاب أمامه،
وبدأ يقلب صفحاته،كأنه لوحده...
"ناكر للجميل! "
قلب الفتى عيناه ينفخ خده بطفولية..ما جعل نايز يغلق كتابة و علامات الانزعاج تتراقص على تفاصيل وجهه أخيرا.
اخيرا قام بتعبير ما..
"ماذا؟ من أنت؟ و كيف دخلت إلى هنا؟ "
تغيرت ملامح الصبي، إذ أنه ابتسم وأشار لنفسه..
"اسمي زافيير. أنا مخلوق سحري لطيف، أقسم أنني لن أعضك."
لم يتغير تعبير نايز. فقط رفع حاجبًا، نظر إليه من أعلى إلى أسفل، كل شيء فيه يثير الشك.
أضاف زافيير، و قد اقترب خطوة أخرى منه و ابتسامته زادت إتساعا..
"حقًا، جدك هو من أرسلني. قال إنني سأكون صديقك ."
ظلّ نايز صامتًا للحظة، قبل أن يجيب..
"...لم أطلب صديقا."
ضحك زافيير..
"هذا قاسٍ."
"أخرج.. انت تثير الضجة.. "
أومأ الآخر نافيا..
............
صار يلازمه..
يؤكد أنه انغرس في تفاصيل يومه.
حرفيا لا توجد ساعة تمر و لا يسمع فيها صوته..
كان يبدل هيئاته باستمرار، لا يجيد الثبات على شكل واحد.
في الصباح، يتحول إلى عصفور اسود يحلّق فوق رأسه و يثرثر الهراء و يغرد دائما، يجلس على شعره أحيانا كعش..
في الظهيرة، يتحوّل إلى قطة سوداء، تنط من مكان إلى آخر في غرفته، و لسانه كعجلة عربة تاجر، لا يتوقف عن العمل..
وأحيانًا، حين يكون جالسًا في الحديقة يقرأ، يستقر كغراب أسود على كتفه، يراقب معه الصفحة، و يضل يعلق على الشخصيات إن كانت رواية، أو على معلومة ما إن كان كتاب معلومات..
لا يدري لما لا يحرقه فقط إن كان يزعجه..
لم يفعل ذلك ليس حبا له، بل تفيذا لأمر جده، و هو ان يلازمه بضعة أيام..
كان في البداية يتجاهله، لا ينظر إليه، لا يتحدث معه، بل لا يقر حتى بوجوده.
يراه آت فيمثل النوم..
لكن مع الوقت...لاحظ انه صار ينظر للوراء حين لا يسمع خطوات القطة. يرفع رأسه إذا لم يجد العصفور يحلق حوله . يلمس كتفه يتحقق مما إذا كان الغراب هناك..
...
قهقه زافيير بخفة، تلك الذكرى انزلقت من بين ثنايا ذاكرته و دون استئذان تربعت على تفاصيل تفكيره لهذه الثوان ،
فضحك لا اراديا، نسي أين يقف، و مع من.
التفت إليه نايز ، وعيناه القرمزيتان ومضتا باستفهامٍ ،
"علامَ تضحك؟"
"خطر لي مشهد قديم... حين سرقتُ منك قطعة بودينغ اول مرة."
سكنت الابتسامة شفة نايز اليمنى،
" أتساءل كيف بقيت حيًا بعد ذلك."
ضحك زافيير، وقد داعب الهواء خصلة من شعره الاسود، هذا دليل على اقترابهما من المخرج..
"سحر الكاريزما، بعض الحظ و قليل جدا من اواصر الصداقة.. "
كانا قد غادرا القصر الفرعي، يسيران على ممرّ حجري يفصل بين حديقة القصر الفرعي والقصر الرئيسي.
"ما رأيك في قصر المستذئبين؟"
توقف زافيير، كأن الفكرة راقت له، ثم التفت اتسعت ابتسامته.
"اجل! فهم يتّهمونني بالتمادي، ثم يطالبونني بالاعتذار، وكأن الظلم صار عادتي. و انا بريئ، شتمت احدهم فقط.. "
"لنتولى امرهم.. "
"احب حين تفهني يا صاح.. "
........
خطواتهما تلامس الأرضية الرخامية المغطاة بسجادة قرمزية، فيصطدم الصوت بهدوء المكان كأنما يوقظه من سباته.
لحسن الحظ، بيرتا كانت برفقتها. تمكنتا من تسلّق الجدار بسهولة بفضل خفة الأخيرة.
كان الجسر الاحتياطي المؤدي إلى القصر الفرعي متماسكًا، فعبوره لم يكن بالأمر العسير.
وأخيرًا، وصلتا إلى القصر الرئيسي...
لكنّه بدا مختلفًا...
لا، بل كانت متيقنةً تقريبًا أنّه ليس ذات المكان الذي عبرته في المرتين السابقتين.
الأضواء كانت مشتعلة، والخدم ينتشرون في الأرجاء ينظّفون الأرضيات والجدران، مما اضطرها إلى سحب بيرتا خلف أحد الأعمدة الحجرية لتختبئ معها بعيدًا عن الأنظار.
فتحت حقيبتها ذات اللون البني، وأخرجت منها زجاجة صغيرة تحتوي على سائل أصفر لامع.
ارتشفت منها رشفة خفيفة، ثم ناولتها لبيرتا التي عقدت حاجبيها بارتباك.
"اشربي..."
همست إيميليان، لتسأل بيرتا بصوت خافت:
"لماذا؟"
"لإخفاء هالتنا البشرية..."
أومأت بيرتا بتردد، ثم ارتشفت منها كمية كبيرة حتى كادت الزجاجة أن تفرغ.
"بيرتا!"
انتزعت منها الزجاجة تنظر إليها بتأنيب، بينما نفخت بيرتا خديها وعقدت ذراعيها كطفلة عُوقبت لتوها.
"ما ذنبي اذا كانت لذيذة و انا التي كاد الحساء في هذه الايام يخرج من انفي.. "
ايميليان ضحكت بخفة متناسية ما فعلته تردف..
"سنحتا..! "
"لا يمكنك الذهاب هكذا فقط! "
كان الصوت رجوليًا، جهيرًا، يخاطب شخصًا في الطابق السفلي، الذي يطل عليه الطابق الأول..حيث كانتا..
ما جعلهما يتوقفان عن الحديث..
ناظرتا بعضهما لوهلة ينتظران رد أي كان الذي يحادثه...
تذكرت ايمي ذاك الصوت..
كان شبيه ادولف هتلر..
نبرته الحادة و الباردة، القاسية جعلتها تميزه..
على رؤوس أصابعها، تقدّمت من خلف العمود الحجري. تأكدت أولًا أن انتباه الخدم في الطابق الأول مشدود إلى ما يجري في الأسفل، ثم أطلت بهدوء من الدرابزين، الذي يسمح بالنظر للأسفل..
بيرتا أمسكت بذراعها محاولة ثنيها عن ذلك، لكن إيميليان تجاهلتها.
انزلت رموشها للأسفل و قد لمحت زرقاويتاها ذاك الرجل أبيض الرأس يناظر الرجل في اللوحة الذي لم يكن سوى نسخة حديثة من "هتلر" في عينيها.
وعلى يمينه، كان هناك آخر، رجل لم تمر صورته على عقلها من قبل، بشعر داكن كسواد الليل.
لم ترقب نظرة ابيض الشعر له و ما كانت تحمله لكنها استشعرت كم كانت..
بشكل ما تربك..
زمّت شفتيها تتراجع خطوة إلى الخلف، ما إن ارتفعت عيناه نحوها بتعبير أربك أنفاسها.
كيف شعر بها؟
وسط هذا الجمع، من بين كل الوجوه، كانت هي وحدها من التقطها بصره،
لو رآها حقًا، وأعادها إلى ريكاردو... كل ما بذلته من جهد سيتبخر في لحظة.
هذا الفضول الأحمق... عليها أن تلجمه قبل أن يقودها إلى حتفها بيديها.
ليس كل سؤال يستحق إجابة،
تراجعت إلى خلف العمود، التقطت يد بيرتا بسرعة، وانطلقت تركض..
"ثلاثة أدراج في أماكن متفرقة..."
تذكّرت كلمات جاك، تتردد في ذهنها كتنبيه..
"الدرج الأوسط هو الرئيسي... النزول منه ضربٌ من الجنون."
لذا تجاهلت الدرج الأوسط تمامًا، واتجهتا بين صفوف الخدم المنشغلين، للأسفل..
هنا بيرتا قالت بصوت مسموع فور ان لمحت نايز الواقف مقابل اللوحة حيث كان يخاطب حالك الشعر بجانبه..
"اوه التمثال.. "
ايميليان قبل أن يلتفت أخذتها خلف أريكة مطبقة عن فاهها..
"بيرتا ستتسببين في موتنا.. "
........
ايميليان..
خرجنا أخيرًا من القصر.
لا تسألوا كيف.
فقط صدقوا أننا انتظرنا اللحظة التي سيُفتح فيها الباب.
وحين لحسن الحظ حدث حين اتت عربة ما لتوصل طلبية..
فعلنا..
العقار الأصفر الذي شربناه أخفى هالتنا، أخرس وقع خطانا، جعلنا نغدو ظلّيْن بين عيون الخدم..
وها نحن الآن، نقابل الغابة،مدخلها.
كل شيء هنا في الخارج... مختلف.
الهواء لا يحمل رائحة الحديد والدم كما في القصر، بل عبق تراب رطب وصدى الأغصان التي تتراقص بفعل النسمات الليلية العليلة..
الغابة تبدو مسالمة، أكثر مما ينبغي...من الخارج فقط..
مشيت على الأرض المبلّلة، هل كانت تمطر؟
بيرتا خلفي، تلهث قليلًا لكنها صامتة،
و كونها صامتة يجعلني خائفة.. تنهدت ثم..
نظرتُ إلى السماء، ثم إلى الأرض، ثم... إلى بيرتا.
كانت تحدّق بي، متيبسة، ثم فجأة، رفعت ذراعيها عاليًا، وصرخت..
"نجحنا!"
ركضتْ كطفلة خرجت من الفصل الأخير للامتحانات.
قفزت، دارت، ثم سقطت على العشب..
لم أتمالك نفسي.
ضحكتُ،كونها تتخذ هذه الحركات ملاذا لخوفها يجعلني..اشعر بالإطمئنان..
ضحكت كأنني لم أضحك يومًا.
ركضتُ خلفها، وتدحرجتُ إلى جانبها على العشب الدامي ، كنت أتنفس بحرية، وربما أبكي أيضًا... لا أعلم،
كلّ شيءٍ امتزج في تلك اللحظة في وعيي، احسست ان الحدود بين الفرح والفزع قد تمزقت وقتها...
قالت بيرتا، وصوتها نصفه بكاء، ونصفه نشوة مغلّفة بالضحك..
"أشعر كأنني خرجت من بئر !"
أجبتها، وأنا أحدّق في السماء المترامية فوقنا..
"أرى ذاك المكان أسوأ."
قهقهت.
ضحكت كما لو أن نجاتنا كانت مزحة، ثم خيّم الصمت من حولنا فجأة.
لم يبقَ في الأفق سوى أنفاسنا المتقطعة التي تشهد على ركضنا و تأرجحنا على العشب الدامي..
ضوء القمر، كان يغمر المكان بقدرٍ كافٍ من النور، لذلك، لم يكن من العسير أن نتبين المحيط حولنا..
نور خافت، صغير،
يتهادى بين الأغصان.
فراشة مضيئة..
كانت جميلة بالقدر الذي جعلني احملق فيها كالبلهاء، كانت اكبر من اي فراشة رأيتها قبلا..
تومض، تلمع..
اخرجني من مخالجتي لنفسي في قرار اخذها في قنينة زجاجية ام لا صوت..
صوت لم يكن منها، لم يكن من الريح،
كان داخلي.
صوت أمي مرة اخرى..
هادئ، نقي..
اه كم اشتقت لك يا اماه..
"اتّبعي الفراشة، يا صغيرتي..."
تجمّدتُ.
اقدري ان ارى هذه الفراشة و تكون لي سبيلا للحقيقة؟
التفتُّ نحو بيرتا، فوجدتها تحدّق هي الأخرى في الضوء المتمايل، فلم اجد الا ان اسألها..
"هل... هل سمعتِ شيئًا؟"
هزّت رأسها نفيًا، دون أن تنزع عينيها عن الفراشة.
نهضتُ، عيناي لا تفارقان الوهج الطائر،
ثم قلتُ، اشد على حامل حقيبتي البنية..
"هيا، بيرتا. لنمضِ."
سألتني، وقد ارتسم التساؤل في تقاسيم وجهها الاتيني..
"إلى أين؟"
أجبت، وكأنني أعرف رغم أنني لا أعرف..
"إلى حيث تأخذنا الفراشة."
..
الغابة حولهما أخذت منحنى اليخضور، حيث أصبحت أوراقها خضراء تكتسي بقليل من الحمرة.
هذا دليل على خروجهما من أراضي مصاصي الدماء..
خطوات أبيض الرأس متزنة، عيناه تتجولان في المكان، و تقضيبة زينت حاجبيه حين نطق يخاطب الغراب على كتفه..
"أكره هذا اليخضور..يذكرني بذلكم المستذئبين.. "
زافيير اجاب و قد ترك اسناد كتف الاخر و حلق قبالة وجهه..
"امقته انا ايضا، لكن ما بيدنا حيلة يا صاح! علينا الاستمتاع.."
كان نايز يكره اليخضور و يقصد بذلك أراضي المستذئبين...
رائحة الجيفة تغطي المكان و كون أنفه حساس للروائح يجعلها تسيطر على الهواء المحيط به و تخنقه..
إشتاق لرائحة الحديد في قصرهم..
الغابة أصبحت خضراء بالكامل..
لا يبعدان كثيرا عن قصر عائلة المستذئبين الملكية..
...
ظهر القصر الحجري أخيرًا امامهما، اهتراءه شاهد على عتاقة طويلة له، تحيطه اربعة أبراجٌ رمادية تحمل كل منها علما يحمل شعار العائلة،
تسألون لماذا لا يستخدم قوته و يدخل بسرعة؟
ذلك أنه يخفي هالته فهذه الغابة و هذا المحيط حوله قد يحوي مجموعة لا متناهية من الذئاب المسعورة..
إقتربا من الباب الخارجي للقصر، كان يقف عنده حارسان كلاهما ضخم و يحملان رمحين مصنوعان يدويا..
عاريا الصدر و الوشوم تغطي جسمهما.. نبس نايز لزافيير فور لمحهما..
"اظن أن قصرنا هو القصر الوحيد الذي لا يحتوي حراسا في بوابته.. "
"اجل لدى الملك رهاب حراس كما تعلم.. "
الاخيرة قالها زافيير بنبرة ساخرة..
وصلا الى المدخل فإذ بالحارسان يصالبان رمحيهما يمنعانه من التقدم..
"ممنوع دخول مصاصي الدماء..."
قالها الحارس الذي ينتصب في الجهة اليسرى بجمود، عيناه للأمام و جسده مستقيم .
رمحاهما ما زالا متصالبين، جسديهما كالجدران العملاقة ، هكذا كان المستذئبين..بنيتهم سلاحهم..
توقّف الغراب و ابيض الشعر أمام الرمحين، خطوة واحدة تفصلهم الدخول..
"ألم تسمعاني؟"
كرّر الحارس الآخر،
"هذه أرض عائلة المستذئبين. قوانينها واضحة. لا مكان لمصاصي الدماء هنا."
لم يتكلم نايز، فقط نظر إلى الرمحين أمامه، ثم إلى الحارسين ثم الى الغراب الذي يحلق امامه ، وكأنه يقيّم ما إذا كان سيفعل ما يريد فعله..
زافيير أخرج تنهيدة طويلة، وتمتم دون أن يُخفي سُخريته..
"يالها من ضيافة."
طيف ابتسامة باردة مرّ على وجه نايز.
و فجأة الهواء زاد ضغطه حوله..
ما جعل الحارس يتسمر يسقط رمحه..
قام بتبيان هالته باستعمال طاقته ما جعلها ظاهرة..
في داخل القصر...
توقف أحد الذئاب عن الضحك، استقام بجسده، وشعره انتصب على جسده .
مستذئبٌ آخر أسقط الكأس من يده وهو يلتفت نحو المدخل..
كل من في الداخل أحسّ بها. كل من في القصر احس بهالته..
أحد الحراس حاول رفع رمحه مجددًا، لكن يده ارتجفت، وركبته ارتطمت بالأرض.
فخطى نايز للأمام...
فتح الباب و ظهر منه رجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، تكسو وجهه لحية رمادية مشذبة،
تقدم اكثر للخارج ناحية نايز ،منتصف المسافة بينهما يطالبه بقطع المسافة المتبقية ،
زافيير رجع الى هيئته الآدمية ذات الشعر الحالك و عيناه تحولتا للون الذهبي.
تقدم نايز نصف المسافة حتى اضحى يقف مقابل المستذئب.. الذي ما إن التقت عيناه بعيني مصّاص الدماء قبالته القرمزيتين، حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يُعرف إن كانت احترامًا أم محاولة استفزاز.
مدّ يده للمصافحة، وقال بصوت أجشّ..
"قلّما يجرؤ أحد منكم على المجيء إلى عريننا...مرحبا.. "
الاخر لم يمد يده. بل اكتفى بأن ثبت نظره في عينيه، ونطق ببرودة صقيع الشتاء:
"جئت لأُصفّي حسابًا.."
تبدلت الابتسامة في وجه المستذئب العجوز إلى تقضيبة ، ما جعل نايز يسترسل نابسا..
"دلّني على ملككم. فالحديث الحقيقي لا يُقال إلّا لأسياد القرار، لا لأشباح يُرسَلون في المقدمة."
حملتا عينا المستذئب امامه غضبا..
و صوت خافت لخطوات بدأ يُسمع من كل الجهات.
فظهرت مجموعة من المستذئبين بهيئاتهم البشرية معضمهم اتو من الحديقة و اخرون على عتبة الباب، كلهم وقفوا في صمت مطبق، اعينهم المتباينة بين اللون الاخضر و الرمادي و الازرق صوب الدخيلين..
زاوية شفة نايز ارتفعت في ابتسامة..
هذا ممتع بشكل ما..
استشعر زافيير ينكزه بمرفقه،التفت له و قد كان ساهيا يراقب شيئا في البناء امامهما.
تتبع نظراته فإذا به يحدق في ذئب بلون النار، برتقاليّ الفراء، جالسًا على حافة إحدى النوافذ العالية، لم يتغير عن هيئته كالآخرين ، يُراقبهم بعينين نصف مغمضتين وكأنه لا يبالي.
"أقسم أنه أجمل ما رأت عيناي اليوم..."
رمقه نايز بنظرته التي تقول "ماذا قلت؟"لا بل تقول: "حقا؟ اهذا وقت مغازلة مستذئب؟ "
تنهد زافيير، وعاد ينظر حولهما. حسنا ليس و كأنهم سيقتلونهما..
إن مسّ أحدهم شعرة من رأسه... ستنقلب الطاولة...
وهو ليس تهديدًا. او ربما هو كذلك..
إنها القاعدة القديمة بين الجنسين..
الدم يُولد الدم.
موت أحد الافراد من احد الطرفين، ولو بخطأ، يولّد حلقة لا تنكسر من الانتقام.
سيُقتل فرد، فيرد الطرف الآخر، ثم آخر، وآخر، حتى لا يتبقى منهم أحد.
قتله سيكون فتيل حربٍ قد تُفني كلا العِرقين و تنتهي بانقراضها.
"عينٌ بعين، وشعرةٌ بشعرة... والدم، إما أن يُصان أو يُراق."
"حقا..هذا ليس عدلا.. اثنان ضد عشيرة؟ "
نبس زافيير و آنيا مع نهاية كلامه ، حتى ان كلماته لم تسلّم نفسها للهواء بصورة كاملة..
انقضّ الذئب البني عليه فأطاح به أرضًا بثقل جسده واندفاع قوائمه.
ارتفعت زوبعة من التراب تحته ، ووجد زافيير نفسه تحت أنيابه، وقد ثبته الذئب بأطرافه القوية... ما جعل الملقى أرضا يتحول بسرعة الى ذئب اسود..
و كان يشبهه بشكل ما..
استخدم زافيير قوائمه الخلفية ليضرب الأرض، وقذف بجذعه جانبًا، مستغلًا اندفاع خصمه ضده.
التفّ جسده المرن حول الذئب البني ثم استدار، وأسقطه على ظهره بحركة مباغتة.
هذا الأحمق... ابن عمّه.
ما من خلية في جسده لا تصرخ بكرهه..
رفع نايز عينيه نحو ساحة الصراع، نظرة خالية من الانفعال، لم يتحرك، ولم يُبدِ نيّة في التدخل...
زافيير منذ ان عرفه يؤمن انه لا يليق أن يُشارك قتالاته غيره..
في غمرة الاشتباك، انقضّت مخالب زافيير على وجه خصمه، شُقّ الجلد، وانهمرت الدماء. محدثة جرحا عميقا يمتد الى جابب وجهه الايسر.. ما جعله يرجع الى هيئته الآدمية..
كان رجلا بشعر بني و بشرة سمراء قليلا بعينين صفراوتين..
زافيير رجع ايضا لهيئته كأنه ربح و لا داعي للمضي في هذا، وقف هو بينما الاخر بقي مستلقي..
رفع زافيير ناظريه للنافذة حيث كان ذاك الذئب فوجده يناظره،
زافيير لوح له بابتسامة..ما جعل الذئب يرجع لوضعيته يسدل جفنيه..
نايز تابع القتال ثم و اخيرا رفع ناظريه للذئب البرتقالي ، ثم لزافيير، كان واقف قبالة الابن الاكبر، زفر و خاطبه رافعا احدى حاجبيه.
"سأكون ضيفًا ثقيل الظل... إلى أن أتشرف بلقاء ملككم المُبجل."
"الملك غائب... غادر من حيث أتيت، أيها الخفّاش المتغطرس."
تقلصت ملامح نايز في انزعاج، حاجباه انعقدا تكبحان خلف حركتهما حنقا،
الخطوة التالية جاءت من مستذئب آخر.
تقدّم بينهما احدهم ذو شعر حالك، يختلف عن الآخرين مظهره المحترم وثيابه الرسمية. شيء ما في حضوره راق لعينَي نايز رغم أنه لا يستلطف حتى كلمة مستذئب على لسانه ، وخصوصًا تلك النظرة الخضراء التي ارتفعت نحوه .
قال الرجل بتهذيب لو لم يعلم كم يكرهونه لقال انه يرحب به..
"كما أُبلغت، الملك لا يستطيع استقبالك الآن. نأمل أن تعود في وقتٍ أكثر مناسبة. وإن أصررت على البقاء كضيف ثقيل، فسنكون... في غاية الكرم."
كان كلاهما متكافئين في الطول والبنية، و حين وقفا قباله بعضهما في تلك الوضعية زاد توتر الجو بشكل غريب..
ثم..
فجأة..
إبتسم نايز له..
نايز إبتسم. لمستذئب فقط لأنه يروقه..
الهمسات زاد وقعها حين رؤية ما يجري، في حين المستذئب امامه نبس..
"شكرا على الزيارة.. "
"لا شكر على واجب.. من واجب الاسود ان يلقي التحية على نقيضه الأبيض من حين لآخر.. "
يعتبر الهوجين دخلاء على العالم بالنسبة لهم فما بالك بتعتيب باب قصرهم و تلويثه..
هذا كان قصده..
هنا زافيير تقدم له يهمس
"يكفينا هذا، علينا الرحيل الآن. لا أريد فتح باب مشاكل دون علم الملك..."
يعرف ان نايز يكاد يتعدى حدود امساك نفسه.. و انه لا يريد قتل احدهم.. ما جعله يلتفت يذهب،
في حين زافيير اسقط ملامح الجدية تماما يلوح لهم مودعا يلحقه..
دلفا عتبة البوابة الخارجية لينبس نايز..
"علي الاستحمام بعد ان التصقت رائحتهم فيّ.."
" فخور بك لانك لم تقتلهم و تبدأ عداوة اسمى من عداوتكم الان.. مع اني سأحب ذلك"
اجابه زافيير و لمعة مزاح في كلٍ من نبرته و وجهه ، اجل لو فعل شيئا خارج. المسار لكان الملك قد حضّر له قبره سلفا..
التفت زافيير فلم يجد نايز امامه..
اوه..
كان يبعد عليه امتارا و قد إرتسمت ابتسامة جانبية على صفحة وجهه و هو ينزل الى مستوى غصن كرمة يمتد من مكانهما حتى داخل حديقة قصر المستذئبين ذاك...
لا بد انه يمزح..
لا هو لا يمزح..
هو يشعل احد اوراقها بناره .
اجل هو لديه القدرة على اطلاق النار من يده..
اتسعت ابتسامة زافيير و اخذ يطلق على الشعلة زفيره حتى تشتعل اكثر،
هكذا كان نايز دائما ، يصمت، يرمقك بنظرة طويلة الامد ثم تأتيك شعلته من حيث لا تدري..
(。◕‿◕。)
مريم..
كنت أراقب المشهد من إحدى الشرفات ، مستندة إلى الحافة الحجرية..
حين باغتني نكز خفيف في ذراعي. التفتتُ لأجد إيريك يقف إلى جواري، مرفقه لا يزال ممدودًا نحوي، وابتسامة عريضة تزيّن ملامحه.
إيريك... شقيق سيلفيان.
لقد أحضرني سيلفيان إلى هذا القصر بناءً على طلبه، شقيقه الاصغر الذي لا ينفك يتبعني اينما ذهبت..
أعيش بينهم الآن، أتنفّس هواءهم، أتناول طعامهم، وربما... بدأت أعتاد هذا المكان..
رغم أنّ الأمور كانت تتصاعد في الأسفل، الصراع صامت بين مصّاص الدماء ذي العينين القرمزيتين، وذلك الرجل الذي يبدو أنه عمّهم، وجانبهم سيلفيان..
إلا أن إيريك... يبتسم كعادته..،
وكأن الحادث اسفلا و الذي أثار قلق الجميع لا يعنيه.
بل الأدهى، أنه وجد وقتًا لينكزني... وأنا، ويا للسذاجة، كنت أحدّق فيه دون أن أنتبه. و انا افكر..
أفقت على نفسي، وأبعدت نظراتي على عجل، شاتمةً داخلي تلك العادة المريبة في التحديق بلا وعي.
"هل أنتِ بكماء؟"
سألني بنبرة هادئة و عيناه لم تكونا صوبي،
لم أجب. عيناي كانتا لا تزالان مشدودتين إلى المشهد تحتنا،
عاد يسأل، وكأن ما قاله للتو لم يكن غريبًا كفاية..
"أم أنكِ صمّاء... وبكماء أيضًا؟"
كدت أبتسم، خفيةً، فقط لأن فكرة كوني كذلك راقتني..و راقته..
ربما أعجبه أن يتحدث دون أن يلقى ردًا، أو ربما كان يجرّب حدود صمتي.
"سمعتك تتمتمين بشيء أكثر من مرة... لم أفهم ما قلتِه، لكن بدا الأمر وكأنك... تقومين بطقسٍ ما. هل أنتِ ساحرة مثلًا؟"
قطبت حاجبيّ رغمًا عني،
ضحك...
ضحك أخيرًا، وقد أدرك تمامًا أنني أسمعه، بل وأفهمه، وأنّني، فوق ذلك، قادرة على الردّ.
لكني لم أفعل.
كان في صمتي ما يريحني أكثر من الكلمات.
\(^_^)/
كملنااااا💃🏻
راايكم؟
ريكاردو الصغير؟
موريان سجل دخول!
اووه نايز الصغير لطييف🫣
فلاش باك زافيير و نايز؟
من تريدون ان اقوم بفلاش باك عنه المرة القادمة؟؟
الذئب البرتقالي؟
شعار الهوجين😭👄✨
Hogin

شعار عائلة المستذئبين 👄✨🦋

🌸فلاد دراكوليا تطلق فراشاتها المضيئة نحوكم🌸
Felina