حًيَآةّ بًعٌدٍ آلَأفُقُ

حًيَآةّ بًعٌدٍ آلَأفُقُ

13 0

توقف

الى اين تريد التقدم ..؟

هل انت متأكد؟؟؟

اياك انا احذرك...

إذا كنت لست اهلا للمسؤولية تجاه حياتك   فرجائا ...ضع هذه الرواية على الرف في الزاوية.

   

حسنا لك ذلك...

.

.

.

   

ابدأ رحلتك الخيالية الممتعة بين طيات هذه الرواية و انا سأرافقك كمرشد

إحمل خريطة لنستطيع العودة.... لأني لست في منئ عن الضياع معك..

     ʕ´•ᴥ•'ʔ

لماذا يصرّ الإنسان على تخيّل عوالم أخرى، حيث تسكن كيانات تفوقه قدرةً أو تختلف عنه جوهرًا؟ أهو مجرد هروب من محدودية وجوده

لكن السؤال الحقيقي ليس في وجود هذه العوالم، بل في سبب استمرارها داخل وعينا. لماذا نشعر وكأنها قريبة، مألوفة، رغم أننا لم نرَها يومًا؟ هل لأن العقل البشري لا يستطيع قبول فكرة أن هذا العالم هو كل ما هناك؟ أم أن تلك العوالم ليست خيالًا، بل ذكريات. إرثًا من زمن لم نعد نتذكره، أو واقعًا آخر يتداخل مع واقعنا دون أن ندرك؟

_____________________

"لَيَسِتٌ آلَشُمًسِ جّمًيَلَةّ لَمًجّردٍ أنِ آلَکْوٌآکْبً تٌدٍوٌر حًوٌلَهّآ...

آلَأرض أکْثًر سِحًرًآ، فُقُدٍ آخِتٌآرتٌ أنِ تٌکْتٌفُيَ بًنِفُسِهّآ، وٌبًقُمًر يَضيَء عٌتٌمًتٌهّآ."

.

صدى صراخ ممزوج ببكاء.

ترجي أو التوسل، أخذ ينعكس على جدران الرواق الطويل الضيق منسابا ليتوارى على المسامع .

يداه سبحتا بين خصلات شقراء  لامرأة يجرها على الارض  ، هي  ترجته بيأس، بصوت متهدج مرتعش ان يفلتها  لكنه لم ينوي الفعل.

  جثة صغيرة تتبعهما بخطوات قصيرة و قد اغرورقت عيناها البريئتان  بالدموع التي اخذت مسارها على وجنتيها...

قبضت على أسفل ساقه بأصابع مرتجفة  تصرخ بيأس علها تفلح في إنقاذ والدتها من محنتها، لكن الرجاء حين يُخاطب الصخر، لا يعود إلا بالصدى.

لم يكن هذا سوى مشهد عابر لمشكل عائلي.

قصة تكررت بأشكال مختلفة، و تحمل دائمًا النتيجة ذاتها. عندما تخطئ المرأة في الاختيار، فتجد نفسها أسيرة مرارة لا تنتهي. عندما يكون الرجل غارقًا في زجاجات الكحول، مدمنًا، غير مسؤول.

لكن مهلا هل تظنون ان المرأة هي المخطئة هنا؟

ام الرجل الذي اوقع امرأة في شباك زواج يعلم انه لن ينجح؟ 

ام انه القدر؟

لن يرضى احد الاسوء لنفسه..

ما أعنيه أن المرأة لن تختار استئناف حياتها مع رجل سيجعلها فحمة من كم الكدمات التي ستجتاح جسدها،  و الرجل لن يرضى...

لا لن أكمل،  الرجل هو المخطئ في حالتنا و الارجح انه تغير من النور إلى الظلمات.

.

.

الذاكرة لعنة تتجدد كلما ظننا أننا أفلتنا من أسرها.

تلك لم تكن مجرد صورة  لمشكل عائلي، بل جرح قديم أعاد فرض نفسه في ذهن أحدهم.

مهما حاولت طي الأوراق التي تحمل تلك الذكريات لم تستطع، هي في الثالثة والعشرين من عمرها، و لا تزال عالقة في تلك الأيام  .

ثماني سنوات مضت، لكنها لم تكن كافية لتخمد صدى الصدمة، لم تكن كافية لتجعلها تتجاوز مشهد والدها وهو يمارس قسوته على والدتها، لم تكن كافية لتحررها من الإحساس بالعجز الذي تلبسها يومها.

أيُعقل أن للزمن قدرة على طمس التفاصيل، لكنه عاجز عن محو الألم؟ 

الهذه الدرجة يمقتنا الدهر ؟

بقيت أسيرة تلك الليلة، أسيرة شهادتها على أبشع جريمة قتل هزّت ذلك العام، الجريمة التي التهمتها عناوين الصحف وانفجرت بها وسائل الإعلام.

كل ذلك إندثر مع الأيام تاركا لها بين ثلاث جدران تحصرها و الجدار الرابع أملها للهرب لكنها مقيدة بالكوابيس التي تتسابق مع خوفها على اغراقها  .

منذ شهرين، توارت إلى مسامعها أخبار هروب والدها من السجن، خبر لم يستقبله جسدها إلا برجفة باردة سرت في عظامها جعلت لحمها يقشعر.

أول ما سيفعله هو قتلها و إلحاقها بوالدتها،

ربما يلفظ "إيمي"حاملا ساطورا .. تسألون لماذا؟

لأنها، قبل ثماني سنوات، كسرت حاجز الخوف مبلغة الشرطة حين رأته ينهال على والدتها حتى سلبها الحياة أمام عينيها.

هل يمكن حقًا الهروب من ظل الموت حين يكون هو من أنجبك؟ "

◖⚆ᴥ⚆◗

لم يكن المكان مختلفًا كثيرًا عن سابقه... مجرد شقة أخرى قابلتها حين فتحت بابها تسحب خلفها حقيبتها.

كانت رقم أربعة في قائمة المنازل التي اضطرت للهرب إليها خلال الشهرين الماضيين.

وقفت على عتبة الباب  يطوقها صمت لم يكن من طباعها يومًا. الصمت كان غريبًا عليها، لكن في الآونة الأخيرة وجدت نفسها غارقة فيه.

شريط ذكريات طويل مليئ بالتفاصيل كان لثمان سنوات يختبئ خلف ستار المسرح، هو الآن واقف في العلن و قد تجمدت الكلمات في حلقه خانقة له في ذكرى شنيعة لا تأبى الزوال من عقلها حاليا.

" ربما علينا تغيير أسمائنا "

صوت إمرأة مرت من أمامها  تسبقها للداخل،  كانت قد  تمددت على الأريكة تطلق تنهيدة من طولها تظن انها واقعة في حزن حداد على قطته الميتة قاطع  سلسلة الأفكار الطاغية عليها، تحرك اناملها سابحة بين خصلاتها القصيرة التي قد ميزها لون البن  للخلف في تيارات مستقيمة  مظهرة  خضراويتاها اللتان اصبحتا زيتونيتان فاتحتان عند مداعبة أشعة  الشمس لوجهها  و التي رفعت زاوية شفتها بجانبية محدقة في ايميليان.

"ما رأيك؟ أنا  لورا وانت ستكونين... ليليث؟"

المجنونة.

الفوضوية.

الابنة المدللة لعائلة أندرلان.

بيرتا.

إذا لم تسمع بإحدى تلك اللفظات من قبل بينما يشار بها لإحداهن ، فاعلم أنه قد فاتك الكثير. كيف لا، وهي أكبر مفتعلة للمشاكل في أنجلترا ؟

لكن لا تقلق، فالحياة تمنحك فرصة ثانية، وأنا هنا لأقدّم لك هذا الامتياز النادر… تعرّف على بيرتا، ولن تنظر للعالم بنفس الطريقة مجددًا..

"ليليث؟ حقًا؟ تريدين أن تمنحيني اسم ملكة الشياطين؟"

خاطبتها الأخرى  تميل برأسها مبتسمة ، حاجبها إرتفع راسما ملمح  دهشة مصطنعة قبل أن ترد بثقة لو إمتلكتها دجاجة لنفتت أجنحتها وطارَت.

"لأنه يليق بك، هذا على الأقل أفضل من إيميليان "

"بالطبع، وإذا سألكِ أحد عني، قولي لهم إنني آكل الأطفال على الفطور."

"أجل أجل... بتت متأكدة أنه يليق بك، افكارك جهنمية تسير وفق سيرورة منظمة حيث تبدين  ملاكا في الأخير"

تسللت ابتسامة مرتسمة على شفتي إيميليان،  كطائر أفلت من قفصه بعد طول احتجاز. غامت عيناها للحظة وهي تقضم شفتها السفلى، محاولة خنق الضحكة قبل أن تفلت منها.

بيرتا لها كل الحق فإيميليان تملك في رأسها عقل اينشتاين لكن ليس في العلوم الرياضية و الفيزيائية بل في تنظيم الخطط، كم مرة هربا من المنزل و رجعا منه دون حتى أن يعلم والداها و كل هذا بفضلها ،

  هزّت رأسها مغمغمة بسخرية ملقية وسادة نحو بيرتا التي تفادتها  تخرج  لسانها لها،  لو اقتادها القدر لشخص أكثر إستفزازا منها في المستقبل لقتلته.

الوسادة كقدرٍ لم يكن لها منه مهرب، انحرفت عن مسارها نحو مصباح الطاولة..

ذلك الكائن المسكين الذي كرس حياته في إنارة حياتنا، لم يكن يدري أن نهايته ستكون نتيجة لحظة عفوية كهذه، هوى أرضًا إثر إصطدام اللوسادة الملقاة به متسببة في إنكساره.

حدّقتا في المصباح المحطم كما لو أنه جثة ارتكبتا للتو جريمة بحقها.

"أتعلمين ما هو الأسوأ من تحطيمه؟"

نطقت بيرتا بنبرة هادئة تنبئ بوجود كارثة ورائها،  الأخرى بلعت ريقها تحضر نفسها معنويا لما سيقال تاليا.

"إنه مصباح أبي، اشتراه بمزاد بثمن خرافي، وأنا لسبب لا أستطيع تذكره، سرقته منه."

ارتفع حاجب إيميليان ببطء،  عقلها كان يستوعب الكارثة على جرعات.

"لنكتب وصايانا بيرتا.. "

◖⚆ᴥ⚆◗

غرفة المعيشة الآن عبارة عن غرفة عمليات...

انحنت كلتاهما فوق بقاياه تناظرانه بقلة حيلة.

"أحضري الغراء"

نطقت ايميليان عاقدة ذراعيها  تخاطب الأخرى،

بيرتا ركضت إلى أحد الأدراج تخرج  أنبوبًا صغيرًا، ناولتها اياه .

شرعتا تحاولان تجميع القطع، تضعان هذه فوق تلك، تلصقانها هنا، تمسح هناك… أخيرا  بدأت الصورة تتضح،  تم تلاحم القطع فعلا.

الصورة إتضحت لكنها لم تكن لمصباح.

حسنا، كان شيئًا غريب الشكل أشبه بقطعة خردة

"أظن أن إبقاءه محطما كان خيارا أفضل. "

" علينا الهروب إلى بلد آخر بدلًا من محاولة إصلاحه."

"و ماذا تظنينا بفاعلين؟ "

سؤالها هذا ليس عابرا إنما تراصت على جانبه ملامح حزينة رسمتها مذيقة عيناها و وجهها في إبتسامة خاوية تستعيد بها ما شغله دماغها من أفكار حول والدها.

بيرتا زمت على شفتها السفلى تمقت لسانها الأعوج الذي اقتادها للحديث عن الهروب، ايمي منذ سماعها لخبر هروب والدها من الحبس لم تطلق العنان لمشاعرها لتفصح عما يجول في بالها، 

و هذا مؤلم ، مؤلم حقا  رؤية شخص قريب منك و قد غرق في ظلال اليأس و الخوف و أنت عاجز على بسط ذراعك تجاهه.

إقتادتها ساقاها نحو ايمي و قد رسمت ملامحها جدية نادرة في وجه كوجهها، أخذت رأسها مكورة له  بين يديها تجعل بينهما حلقة تحديق قد كان انعكاس وجهها على بؤبؤ عين الأخرى وسيطا فيها  .

نبست تثقل في كل كلمة تقولها تتأكد انها تصل إلى مسامع الأخرى وأنها بالفعل ستستوعب ..

" ايمي، لا داعي للخوف لن يلمسك والدك و انا و والداي هنا، ثقي بي....اتفقنا؟"

غيرت الأخرى اتجاه نظرها تجنبا للتواصل البصري مع بيرتا و قوست شفتاها في ابتسامة زيفتها آملة أن ينتهي   مفاد هذا الحديث بفعلها لذلك.

مجرد تذكر أن والدها حي طليق يترنح في شوارع انجلترا  يجعلها ترتعد و الحديث عنه رغم أنه من يشغل تفكيرها يزيد من جرعات خوفها.

شقة تطل على المدينة، صغيرة بحجمها، واسعة بروحها. الأثاث مزيج من الأزرق النيلي والبيج، يكفيها أن  والد بيرتا لم يشتر فيلا ضخمة او قصرا و اكتفى بهذا المكان، منزل يضج بالحياة بدلًا من أن يبتلعه الفراغ،  و أحزروا ماذا...

بيرتا الطفلة المدللة، التي لم تخضع يومًا لأمارات التنظيف ، الآن تحمل مكنسة وتبدأ بالتنظيف.

مشهد أندر من رؤية  نمرً يحاول العيش بين قطعان الغزلان،

هي حملت مكنسة تشرع بالدخول لإحدى الغرف بغية تنظيفها من غبار الزمن،لكن ما إن  عبرت عتبة الغرفة، حتى شعرت بقلبها  تعثر بين ضلوعها، هاجس قوي   يخبرها   بالتراجع يحاول منعها من دخول، رفضت الإصغاء إلى  تحذيره تفعل ما يمليه عليها  عقلها، تتابع خطواتها، و قد ألقت نظرة للخارج نحو بيرتا التي كانت تتجول في المكان بلا اكتراث.

خطت داخل الغرفة...

تجمدت في مكانها ، تلقي بنظراتها بين  الأثاث في الداخل، شعور غريب زحف إلى أعماقها، صدى ذكرى ضبابية تهيم في زوايا ما من عقلها. لقد رأت هذا المكان من قبل... أو هكذا خُيّل لها.

لما يبدو كل شيئ في هذه الغرفة كأنه يقتادها لتعرف أكثر عن هذا الشعور الذي إنتابها فجأة؟

إقتادتها خطواتها مقتربة من مرآة كانت معلقة على الجدار. خشب إيطارها يحمل لمسة الزمن، لكنها على عكسه، لم تكن تحمل ذرة غبار تدل على قدمها . انعكاسها هناك كان واضحًا.

أطبقت نهايات اناملها على سطح المرآة،  تلامس الزجاج الأملس  حدّقت في انعكاس عينيها الزرقاوين بشرود ، البحر ذاته تجمّع في مقلتيها  تريد أن تركز فيه مناجية له، وانعكاس شعرها البني المائل إلى الشقار زاد دكونة الأزرق في بؤبؤيها  .

لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.

لماذا يبدو وجهها غريبًا عنها؟ ركزت قليلا في إنعكاسها ثم..

ثم رمشت....

تجمد الهواء في رئتيها، وجسدها تراجع بخطوة لا إرادية. تلك لم تكن هي.. تلك بالفعل لم تكن هي هي واثقة.

كانت أمها.

تبدو أصغر سنًا، بملامح  قد تفنن في رسمها الألم، هي نسخة طبق الأصل عن أمها ، لولا الشامة الصغيرة على وجنتها.

شعرت بقلبها يطرق ضلوعها بجنون، أنفاسها إنسدت مخارجها  وهي تراقب تلك الابتسامة التي إرتسمت بصعوبة  على صفحة وجه والدتها… ابتسامة حملت معها لطفًا وذنبًا .

حاولت التراجع أكثر، لكن قدميها التصقتا بالأرض. أرادت أن تنطق، أن تصرخ، أن تهرب، لكن صوتها خذلها. الهواء حولها صار أثقل مما يمكنها الهرب فيه، 

وأمها، لم تتحرك لم تنبس ببنت شفة تحدق بها بنفس النظرة بدت كأنها تنتظر شيئا .

بشفاه مرتعشة، بالكاد استطاعت التكلم، بالكاد استطاعت أن تطلق سؤالها بنبرة أشبه للهمس .

"أمي…؟"

تقدمت خطوة،  أرهف السكون أذنيها حتى كادت تسمع صرير الأرضية تحت قدميها،  صوت أنفاسها و صوت نبضات قلبها المتسارعة.

مدّت يدها، أناملها المرتجفة تعيد محاولة لمس المرآة تبحث عن شيء يثبت أنها لا تهلوس، أن والدتها ليست في إنعكاسها بل ذلك ثمر إشتياقها لها فحسب  . عذا وهم لا بد أنه وهم..

لكن حين كادت تلامس انعكاسها...

حينها، تحركت أمها، تلقي على مسمعها كلمات بصوتها الحاني...

"أرجو أن تسامحيني..

لكني اضطررت إلى ذلك، اضطررت إلى إنجابك… أدرك أن قدرك سيكون مثقلًا بالعناء، لكن تحملي هذا أفضل من لقاء حتفك"

تسللت صوت  من أعماق المرآة، ارتعشت أنامل إيميليان وهي تبسط كفيها على سطح الزجاج، صرخت .

"أمي، م..ماذا تقصدين؟!"

اندفعت بيرتا إلى الداخل فور سماعها لصرختها  الأخيرة تدعو ألا يكون قد أصابها مكروه،و ما رأته جعلها تتسمّر عند العتبة..

إيمي كانت تخاطب إنعكاسها في المرآة..

لم تعِ وجود بيرتا، بقيت مسلوبة الإدراك، تهمس بصوت متحشرج و كأنها لو رفعت صوتها مرة أخرى، إنعكاس والدتها سينجلي.

"من الذي أجبركِ؟"

رأتها تبتسم....

"أعلم أن العذاب سيحتضنك منذ اللحظة التي تخطين فيها إلى هناك… سيحاول أن يبتلعك، أن يطفئ نورك… لكنكِ أقوى، أليس كذلك؟ لا تستسلمي، مهما كان السواد حالكًا، أعديني بذلك."

لحظة إدراك  قد تلبّست إيميليان ، وشدّتها إلى مالا نهاية من الأسئلة  التي تصارعت في عقلها، والدتها… هنا؟ كيف؟ ولماذا الآن؟ من أجبرها؟ و لماذا؟

  عقلها  إنشغل  في منعها من رف جفونها، حاولت الا تدع  الدموع تغيم على عينيها،  فتضيع جزئا من الثانية قد تستطيع فيه التحديق في  ملامح والدتها.

زجاج المرآة لم يعد زجاجًا، تحوّل إلى سطح مائي مترجرج، كبحيرة ساكنة اخترقتها نسمة ريح فعملت على إرجاجها . وعبره  امتدت يد، كانت قد قبضت على ذراع الأخرى.

بيرتا،  لم يكن عقلها مسجونًا في أسر الذكريات لم تكن هائمة كالأخرى ، من منظورها  رأت  يدٌ تتسلل من المرآة، تُحاول سحب صديقتها إلى ما خلفها.

صرخت، لا لسبب سوى أن هذا المشهد تجاوز قدرة المنطق على الاستيعاب. حاولت أن تنتزع إيميليان بعيدًا، لكن الأخيرة كانت  منفصلة تماما عن الواقع،  عينيها لم تقدرا  سوى على رؤية  صورة والدتها، كل محيط خارج مجال المرآة  قد تلاشى من إدراكها. لذا صرخت محاولة ايقاظها من عالمها.

"إيميليان! استفيقي! إنها تسحبك!"

الغرفة  بدأت تتبدّل. الهواء ازداد ثقلاً،  ضغطً  تحرّر من المرآة حعل الآثاث يتحرك وحده.

بيرتا، واصلت استماتتها في منع انجراف إيميليان مع اليد للداخل ،  يداها  تشبثتا بجذع صديقتها تسحبانها بعيدا عن المرآة .

ديالا، مدت يدها المتبقية  تسحبها هي الأخرى داخل المرآة ربما لأنها ࢪأتها كإعاقة.

اختفتا معًا داخل انعكاس الأرجح أن ما ورائه يكتمل مسار العجب الذي حدث توا.

إيميليان كما قلنا، لم تكن ترى شيئًا سوى أمها.  العالم بأسره قد تلاشى من الوجود تاركا لها مع  تلك الملامح التي ظنّت أنها لن تراها مجددًا سوى في الأحلام.

اشتياقها كان حارقًا، كجمر مشتعل تحت جلدها  لا يُطفئه إلا حضن واحد، لمسة واحدة، قبلة واحدة، ولو كان الثمن حياتها.

عبرتا إلى الجانب الآخر من المرآة..

كانت هناك...

والدتها ، كما تتذكرها، كما حلمت بها في الليالي التي أرهقها فيها الشوق.  تقف أمامها ، لكن ما أوقف أنفاس إيميليان لم يكن الدمع المتحجر في عيني والدتها، ولا تلك المسافة الهشة بينهما ولا الشامة التي استقرت تحت إحدى عينيها  .

ابتسامتها

جعلت قلب إيميليان يختلج، عيناها لمعتا بطبقة زجاجية من الدموع.

"كم كبرتِ، صغيرتي..."

تقدمت بخطوات هادئة، ثم ضمّت إيميليان إلى صدرها تمرر أناملها برفق على خصلاتها.

هذا العناق بشكل ما ملاذ نجت إليه روحها المرهقة، دافئً مثل المدفأة في بيت يحمي أصحابه من برد الشتاء القارص .

لم تستطع الدموع إلا أن تنحدر، كجداول وجدت أخيرًا مسارها، ترفض التوقف  تخشى أن يكون هذا العناق سرابًا يتلاشى مع أول رمشة عين.

أبعدت ايمي قليلًا، أسندت جبينها إلى جبينها، وأغمضت عينيها، بينما دموعها تنساب كقطرات مطر على نافذة تكاد تكسر .

"غفرانكِ، صغيرتي..."

فتحت ديالا عينيها ببطء، نظرتها جمعت بين الحنين والحسرة، كمن يرى زهرة زرعها في أرض قاحلة، تتفتح .

مرّرت أناملها على وجنة إيميليان، تلامسها  تتحقق من وجودها معها ،  تكمل تناظر وجه الأخرى الذي إنهار تماما و شفتاها المرتعشتان اللتان تسد بهما رغبتها في النحيب.

"ثمة طرق لا عودة منها، وثمة قرارات تُتخذ ونحن ندرك أنها ستجرّ خلفها العذاب... لكن أحيانًا، يا صغيرتي، الألم هو الثمن و علينا القبول به مهما كان.."

رفعت عينيها نحو والدتها، تحدق في ملامحها تدرس مقالها ، لكن كل ما وجدته كان شبح ندمٍ يسكن محياها، عينان متعبتان مبتسمتان.. كالعادة دائما.

بلعت ريقها بصعوبة،  تحاول أن تبتلع كل الكلمات التي تجمّعت عند حافة لسانها، كل الأسئلة التي صرخت بها روحها دون أن تنطقها شفتاها.

"وأيّ حقيقة تستحق أن يكون ثمنها العذاب، يا أماه؟"

لم تجبها إلا بإبتسامة بقيت حتى اللحظة الأخيرة، حتى حين بدأت ملامحها تتلاشى تصبح فتاتا قد أخذته نسمة ابعد فأبعد عنها . لم تبكِ، لم تحاول التمسك بها.

إيميليان فقط حدّقت بانجلائها حتى الرمق الأخير،

هذا حدث لم تستطع أن تستوعبه كواقع.  ربما   استسلمت للنوم على أريكة ما، وأن بيرتا ستوقظها في أي لحظة.

لكنها سرعان ما أدركت أن هذا لم يكن إلا وهمًا تبنّته روحها المرتبكة آملة أن يكون حقيقة .

جاءها صوت بيرتا، يقطع سكون المكان مثل صوت ديك  في فجر ليلة هادئة..

"ما الذي يحدث، إيمي؟"

أخيرا رجعت للواقع تستوعب تنقل نظراتها في اي ما كان هذا المكان،  المحيط حولهما كان امتدادًا لا نهائيًا من البياض، في حصار  داخل صفحة لم يُخطّ عليها حرف بعد.

لا جدران، لا أبواب، فقط أفق أبيض يبتلع كل شيء، وهما عالقتان فيه . أجابت إيميليان بصوت يحمل هاجس عدم التصديق.

"صدقيني، أنا أيضًا لا أعلم أمي كانت في انعكاسي، نظرت إليّ بعينين تنضحان بندمٍ غريب، واعتذرت مرارًا، ثم مدّت يدها، وجذبتني إلى هنا."

قالت إيميليان كلماتها وهي لا تزال تحاول استيعابها، كأنها تلقيها في الهواء لتراها بعينيها علّها تصبح أكثر منطقية .

أما بيرتا، فقربت يديها من وجنتيها ثم من وجنة إيمي، وقرصتهما تحاول الخروج من هذا الوهم ،

قائلة بنبرة شبه يائسة تحاول إيجاد كلمات تصبر بها نفسها و ايميليان.

"لا بد أننا غرقنا في النوم معًا، وها نحن نحلم حلما جميلا كيف إننا عبرنا إلى عالم آخر يعجّ بالشياطين ومصاصي الدماء الوسيمين!"

حين لم يوقظها الألم، وحين لم تستفق من هذا الحلم نبست.

"إيمي… يبدو أننا متنا، وهذه هي رحلتنا إلى الجحيم."

ضحكت إيميليان ، بيرتا وحدها قادرة على أن تنتزع منها ضحكة حتى في أكثر المواقف جدية،

زفرت  بعمق،  تهيئ نفسها  ترفع شعرها برباط إلى الخلف، مشدودا كذيل حصان.

"علينا إيجاد مخرج، بيرتا… لن نظل هنا حتى نستيقظ، أو… حتى يغرس والدي خنجره في قلوبنا ليوقظنا بطريقته الخاصة."

"لكِ ذلك..."

ثم انطلقتا..

اخذتا تركضان بأسرع ما يمكنهما للامكان لا تدريان عن ماهية هذا المكان هل هو الافق ؟  ذلك الخط الأبيض بين البحر والسماء، ذاك الطريق السرمدي الذي لا يُطال.

حين تهاوتا ، لم يكن بسبب الإنهاك، بل بسبب إدراكٍ قاسٍ بأن لا طريق، لا نهاية، لا نقطة يمكن بلوغها ولا نقطة انطلاق حتى هنا،

جلست بيرتا، تنظر إلى الفراغ بنفس النظرة التي يرمق بها سجين قضبانه، ثم زفرت ساخرة

"سنموت هنا، لا شاهد على قبورنا، لا ضريح لنا ."

ضحكت إيميليان ضحكة قصيرة، ساخرة أكثر منها مسلية.

"والمأساة الكبرى؟ لن نلعب سوبر ماريو حتى، لأن لا هاتف هنا."

"لا تمزحي."

كانت بيرتا جادة، لو تعلمون  كمية حب بيرتا لتلك اللعبة رغم قدمها..

الفراغ ارتجّ.

رعشة  جابت ذلك الأفق و كان سببه صوت أمها مرة أخرى.

"للخروج من هنا انطقي..."فلاد دراكوليا" بأعلى صوتك "

اشالت  بنظرها لبيرتا و بيرتا قابلتها بنفس النظرة، يبدو انها  سمعت ما سمعته هي لذا اخذتا نفسا و اومأتا لبعضهما لتصرخ إيمي.

" فلاد دراكوليا!....."

آنيا مع نطقها لتلك الكلمة قابلهما  سطوع يفوق سطوع أشد الشموس توهجًا، أغمضت عينيها، ليس اختيارًا، بل استجابة فطرية أمام سطوة الضياء .

ʕ´•ᴥ•'ʔ

في لحظة فتحهما لم ترى ذلك اللامكان الابيض فقط كانت تحت شجرة عملاقة ذات اوراق حمراء اللون، تبدو كشجرة القيقب.المشكلة ليست هنا هناك عدة مشاكل.

و أول سؤال تبادل إلى ذهنها اين بيرتا؟ ثم ستفكر في مشكلة أن المكان مخيف كونه يحوي اعشابا بلون الدم.

كانت قبل لحظات بجانبها، والآن اختفت، هل ابتلعتها الأرض؟ أهو المكان الذي تغير، أم أن بيرتا هي التي تلاشت في طيّاته؟ رفعت بصرها، أدارت رأسها يمنة ويسرة، تبحث عنها، ربما تمون في مكان قريب من هنا.

تقدمت بضع خطوات بين الأجمات التي تميزت بلون الدم، و التي تجعل  الأرض تبدو كأنها تنزف. بحثت، قلبت الأغصان لكن لا فائدة، صرخت بعد ان تأكدت ان لا احد يرقبها..

"بيرتاا..."

لا صوت فقط صدى صرختها يدوي و بعض الغربان ارتاعت، و انطلقت محلقة، محدثة ضجيجًا خافتا قد  بعثرت الأوراق الحمراء تسقط بعضها ، هل يمكن ان يكون قول "فلاد دراكوليا " ينقل قائله فقط؟ ما يعني أن بيرتا ستلحقها. تقدمت بين الأشجار تترك خلفها أثرا على الأشجار بحجر حاد كانت قد إلتقطته في بداية مسيرها. ترجو أن تنتبه له بيرتا.

لا بد أنها  سمعتها حين نطقت فلاد دراكوليا و فعلت المثل.

تبا... تخشى على تلك الحمقاء أكثر مما تخشى على نفسها، بمعرفتها بها، فإن لسانها المنفلت أقرب إلى خنجر قد يرتد إلى نحرها في يوم من الايام . إن كان هذا المكان خطيرًا، فأي مصير قد تلقاه بيرتا وحدها؟

لِمَ كلُّ النباتات هنا باللون الأحمر؟؟ هذا يجعل وجودها هنا مرعبًا بحد ذاته، لا تدري أهذا لون السماء أم أنها في فترة الغروب.

لون السماء قانٍ يبدو كالجحيم،  كل شيء بلون النار والدم، ما كان بلون مغاير كان قصرًا أبيض اللون توقفت تحدق فيه عندما لمحته.  طرازه ملكيً تلتصق به أغصان الكرمة النبيذية تبدو عروقا في بشرة بيضاء كساها الشحوب، كان جميلًا بقدر ما كان مخيفًا إنها إلى حد اللحظة لم ترَ شيئًا طبيعيًا يجعل هذا واقعًا أكثر من كونه حلمًا.

تقدمت إليه...

كان خاليًا تمامًا من الحراس لذا استطاعت الدخول دون صعوبة تذكر، دخلت القصر تقلب عينيها إلى كل إنش منه من أثاثه الفخم إلى اللوحات المعلقة كانت مخيفة بالنسبة لها، هي لا تريد الكذب تلك العينان الحمراوان التي يشترك  فيها المرسومون في اللوحات تجعل عظامها ترتعد و برودة مرت بينهم جعلت لحمها يقشعر.

ذلك لا يبدو منطقيًا لكنها تشعر أنهم يتبعونها، تتغير ملامحهم كلما نظرت إليهم، صعدت الدرج بخطوات وئيدة، تراقب كل تفصيلة  في طريقها ، عند بلوغها نهايته، وجدت نفسها أمام مفترق،  أي درب ستختار ، وأي قدر ينتظرها خلفه؟

هي الآن في قصر غريب ذي صبغة سوداء، وأثاث بين القرميزي والذهبي. تصعد درجًا يبدو كأنه لا يريد الإنتهاء ، حتى وصلت أخيرًا إلى مفترق الطرق ذاك. كان يتفرع إلى ثلاثة طرق، يبدو أنها تقود إلى أجنحة خاصة بأحد ما.

كان لا بد لها من الاختيار، لمعرفة ما تودّ والدتها أن تريها إياه. فاختارت الطريق الأوسط، ربما لأن خير الأمور أوسطها، أو ربما لأن شعورًا غريبًا دفعها نحوه... والعقل، بطبيعته، لا يملك شعورًا.

ما إن خطت إلى داخل الجناح حتى انغلق الباب خلفها بقوة، هل كان يترصد لحظة دخولها؟ لا هذا مستحيل، هذا غير منطقي! تسمر جسدها تحت وطأة الرعب الذي هيمن عليها ساعتها، رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافها، فيما هبّت نسمة باردة من الممر المظلم،تتسبب في ارتفاع  خصلاتها البنية الموشّحة بوهج أشقر، لترتفع للحظة قبل أن تهبط .

لتلتفت الى الباب  الذي لم يكن له وجود من قبل كان مدخل الجناح دون باب لا بد انها لم تنتبه له، انها لا تجيد التركيز والملاحظة كثيرا.

انها كذبة تحاول بها استنكار عدم وجود باب قبل دخولها، و الحقيقة التي لا تريد من نفسها تصديقها هي تأكدها من عدم وجود  باب قبل دخولها.

كانت تتوغل اكثر فأكثر في ذلك الجناح نزلت درجا و أكلت..، هي متأكدة ان هذا القصر كان يبدو اصغر مساحة من الخارج لكن فتتمسك بفرضية أنها تتوهم طول الرواق لأنها مرتبكة ،

أوقفها باب آخر، و كان محروسا لحسن الحظ، شعرت بشيء  متناقض من الطمأنينة و القلق ، وأخيرًا وجدت أشخاصًا قد يمنحونها إجابات... أو ربما مزيدًا من الأسئلة.

بسبب خفوت الضوء، لم تدرك اقتراب أحد الحراس إلا حين صار أمامها،  قهقه باستهزاء، ناظرًا إليها وكأنها لا تستحق عناء القلق.

"آه... مجرد بشرية أخرى... خِلتُهُ خطرًا داهمًا، كمستذئب لعين مثلًا."

"ماذا عساه يفعل مستذئب هنا؟ لن يجرؤ أحد منهم على الاقتراب."

الأول هزّ كتفيه بلا مبالاة

"من يدري؟"

لم يمنحها وقتًا لاستيعاب سخريته، إذ امتدت يده لتقبض على معصمها. لم تفكر، بل سحبت يدها بعفوية،كرد فعل منعكس.

لا تريد منه لمسها، من هو ليلمسها هكذا، لمسته لوثت شيئًا من كيانها، منحته حاجبا مرفوعا ترجم ما لم تقله شفتاها، قبل أن تتحدث.

"عذرًا...؟"

الحارس ضحك بخفة و اشار لها محاطبا زميله...

" مثيرة للاهتمام"

ʕ´•ᴥ•'ʔ

لم تكن تعلم إلى أين يأخذها، يداه الباردتان كعينيه الخاليتين من الحياة، كملامحه التي لا تحمل أثرًا للشفقة ،

لم يكن الباب الذي كانا يحرسانه هو مقصده، بل بابًا جانبيًا مهملاً، دفعها إلى الداخل وأغلقه وراءها، كما يُزجّ بدجاجة إلى المسلخ، كأنها شيء لا شخص.

لم تهتم لطريقة إلقائها، فالأمر لم يكن شيئ جليا تفكر فيه  مقارنة بما قيل لها قبل لحظات"بشرية أخرى؟"

بشرية... أخرى؟

كيف ذلك؟ أليسوا بشرًا مثلها؟ أم أن الإنسان يمكن أن يصبح شيئًا آخر حين يختار أن يكون الجلاد بدل الضحية؟

رفعت بصرها تستكشف الغرفة، وتزامن ذلك مع اتساع عينيها في صدمة كتمتها أنفاسها.

أمامها، كتل بشرية تكدست في البؤس، عشرون... ربما أكثر. معظمهم فتيات لم يبلغن العشرين، وأطفال بعيون أطفأها الخوف. كان هناك ثلاثة رجال فقط. أجساد نحيلة كأنها هياكل مفرغة، شحوب يشي بأن الجوع قد نخرهم منذ زمن،

تقدمت فتاة، يبدو أنها في عمرها تسند يدها على كتفها قائلة..

"لن تعيشي طويلاً... نحن هنا منذ ثلاثة أيام فقط، وقد استنزفوا دماءنا حتى آخر قطرة... إنهم وحوش."

ثلاثة أيام فقط...!

حدّقت فيهم مجددًا، في أجسادهم المنهكة، في نظراتهم التي خلت من اللمعة، نهايتها تتجسد أمامها،

الموت لم يعد فكرة غامضة، بل قدرا ينتظر دوره .

تململت أصابعها في جيوبها، تبحث عن أي شيء قد يساعدهم، أي شيء...

خرجت بعلبة علكة، وقطعة شوكولاتة اشترتها مع بيرتا، ومنديل لا قيمة له.

حدقت في ما تملكه، ثم في العشرين روحًا حولها، تستجدي رغم أنها لن تفعل كثيرا .

جذبتها يد واهنة  كانت لامرأة تنظر إليها برجاء.

"رجاءً، أعطِ ما لديك للأطفال، نحن الكبار، سنموت على أية حال، في البعثة القادمة إلى القصر الفرعي. أما هم، فلن يُسلب منهم الكثير... هم بحاجة للطعام أكثر منّا "

هذه الطواعية التي يسلم بها الأبوين روحهما فداءا ليعيش اولادهم بهناء، تجلت في صورةملموسة امامها، و هذا مؤثر.

نظرت إلى الأطفال، كانوا بالفعل أقل سوءًا، كأن أجسادهم لا تزال قادرة على الاحتمال. بينما الكبار على شفا الموت.  إبتسمت مخاطبة لهم.

"لدي علبة بها عشر قطع من العلكة، سيتقاسمها الكبار  جميعًا، وقطعة الشوكولاتة ستكون للأطفال مع العلكة، آسفة لأنني لا أملك أكثر من هذا..."

نظر الاشخاص بغضهم لبعض دون تصديق و ابتسموا ايضا، تقدمت منها احد النساء، امسكت يديها وقالت نافية برأسها

"بل منحتِنا أكثر مما تظنين... أن نرى أولادنا يبتسمون، حتى في هذا الجحيم، هو أثمن ما يمكن أن نطلبه."

ʕ´•ᴥ•'ʔ

تقاسم الجميع ما جادت به يدها، مجرد قطع صغيرة من العلكة، لكنها بدت لهم كفتات نعيم في صحراء المجاعة.

لم يكن الطعام ما أعاد إليهم الحياة، بل حتى فكرة أن هناك من ما زال يتذكر أنهم بشر.

بدأت الابتسامات تنبت على الوجوه الذابلة، تعالت الهمسات، ثم انساب حديث بين بعضهم.

أي قلب متحجر قد دفع بهم إلى هذا المصير؟

انفرج الباب و مع انفتاحه، سقطت ابتساماتهم كسقوط  الأوراق الأخيرة من شجرة أدركها الخريف.

دخل رجل..

لكم يكن بحاجة إلى رفع صوته، لم يكن بحاجة حتى إلى النظر إليهم اكتفى بإشارةٍ برأسه فقط ،التبعية محفورة في عظامهم،و دليل ذلك أنهم استجابوا فورًا، رؤوسهم مطأطأة، خطواتهم تسير برتابة المَسْلُوب.

هي، خطت خلفهم التحذير الذي همست به إحدى النساء قبل قليل كان لا يزال يجلجل في رأسها"إن عصيتِ، سيمتصون دمك حتى يبهت قلبك ويصبح أبيض كعظمة جافة." بالإضافة أنها تريد رؤية المزيد و هذه فرصتها الوحيدة لللخروج من هنا. و التوغل داخل هذا القصر العجيب.

خرجوا ممن تلك الغرفة لتقابلهم حديقة ، استقبلهم الليل،  القمر ترصد المشهد . تخلّل الضوء ملامحها، وانعكس في عينيها الزرقاوين، اللتين صارتا أكثر عمقًا،

"أنتن... ستذهبن إلى السيد ريكاردو، وكالعادة، واحدة منكن ستبقى معه الليلة."

الدموع كانت الشيئ الوحيد الذي تجرأت النساء على البوح به، خضوعًا لا اختيار ، واستسلامًا لواقع تجرد قاموسه من لفظة الرحمة.

ريكاردو هذا لعنةٌ نُقشت في أذهانهن، ولا بد لها من لقائه.

لم تشعر الا بسوط يضرب ظهرها ليقاطعه حبال افكارها

" انت.....ماذا تظنين نفسك بفاعلة؟ تقدمي هيا "

رمقته بحقد سرعانما غيرته لإبتسامة، أكثر شيئ تستطيع بها الخروج من موقف منتصرا هو الابتسام بدل ان تمشي على مسار خطتهم و تناظرهم بحقد او بإرتباك. تقدمت رفقة النساء الاخريات تتدندن لحنا كانت أمها تغنيه لها في صغرها، على عكسها تفكر انها لوكانت بيرتا هنا لإفتعلت اكبر مشكلة،

هي ستفعل كل شيئ وفق سيرورة حيث تخرج هي كالملاك في الأخير، دون ضجة.

\(^o^)/

"ايها  الوضيعون !"

كانت بيرتا مقيدة على كرسي، تصرخ وتسب من تجرأ على تقييدها. أمامها، وقف رجلان، يعقدان ذراعيهما، ينظران إليها نظرة قلة الحيلة، لا جدوى من المحاولة. ساعتان مضتا، ولم تسحب من عروقها قطرة دم واحدة.

"أقسم، لو علم والدي بذلك، فلن يبقى لكم رأسا ملتصقا بجسد! صدقوني!"

فتح باب الزنزانة ليدخل رجل يبدو في اوائل عشريناته....يرتدي بدلة انيقة شعره البني الذي يرجعه للخلف بطريقة مرتبة عدا بعض الخصلات المتمردة و التي نزلت على عينيه الزرقاوتان

اقترب الرجل أكثر، أسدل رموشه، تأملها بصمت، ثم ابتسم بلطف لم يكن مطمئنًا على الإطلاق، يهمس بصوت هادئ.

"لا داعي للخوف، نريد عينة من دمك فحسب... أيتها البشرية الحلوة."

في الجملة الأخيرة، تلاشى اللطف، وحلّ محله مكر خفيّ، جعل ابتسامة بيرتا تتلاشى بدورها. نفخت خدها كطفلة

"وماذا إن رفضت؟ لا أخاف منكم، ولا يهمني من تكونون."

ابتسم، لقد أضحكته حقًا، اعتدل في وقفته، وضع يديه في جيبه ، رفعت رأسها إليه مجددًا، تأملت ملامحه... كانت عيناه فريدتين، تحيط بهما  رموش باللون الأسود الكثيف، ككحل.

"هل أنت الرجل الوسيم الذي يظهر في الأفلام؟ مستذئب؟ مصاص دماء؟ شيطان؟ أم ربما جني؟ وإن كنت جنيًا، هل أستطيع أن أتمنى أمنية؟"

"هل أقتلها، سيدي ليونارد؟"

بلعت بيرتا ريقها، نظرت إلى ليونارد، وجدته يكتم ضحكته بابتسامة جانبية، ثم أشار بيده للرجل بأن يتراجع. رفع يده، فأطلق سراحها. وقفت فورًا، تمددت كقطة خرجت تواً من قيلولة طويلة، ثم قالت بإشراق ..

"شكرًا، سيد ليونارد الوسيم! هل أنت جني؟ هل سمعت أمنياتي بيني وبين نفسي؟ هل ستنفذ طلبي وتخرجني من هنا؟"

"جني؟ مستذئب؟ أحقًا تقارنينهم بمصاصي الدماء؟ نحن في كفة، والكائنات الأخرى في كفة أخرى، أيتها البشرية الحلوة."

توقفت للحظة هو مصاص دماء يا إلهي!  ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. قفزت بحماس..

"أوه! إذن هل لديك قلعة مثل دراكولا؟ هل تملك خفافيش؟ هل يحرقك الصليب والثوم؟ هل تحترق في الشمس؟"

قطّب حاجبيه، وكأنها ألقت أمامه هراءً لم يسمع به في حياته. ردّ بهدوء،

"لم أسمع بهذا قط، هل هم كذلك حقًا؟"

"أرى ذلك في الأفلام عادة."

"أفلام؟"

تنهدت بيرتا، نظرت حولها، المكان، الملابس، الجو... كل شيء يبدو وكأنه خرج من حقبة قديمة .

"أظنني سافرت إلى العصور الوسطى... لا تقلق، سيظهر قريبًا أخوان يدعيان لوميير أو لوفيير إن لم تخنني ذاكرتي  ، سيصنعان أول فيلم سينمائي... سيكون مملاً لأنه بالأبيض والأسود، لكن لا بأس."

نظر إليها ليونارد، ليميل  رأسه بتساؤل...

(๑• . •๑)

رأيكم؟

ايميليان و علاقتها مع والدها؟

بيرتا المجنونة ؟

تسجيل دخول والدة ايميليان؟

ليونارد...حبيب القلب؟

لا تنسوا أن تصوتوا، والأهم... أن تتركوا تعليقكم، فالكلمات هي صدى الأرواح!

ملاحظة: ربما تكمن بعض الإجابات في صورة الفصل... فاحترقوا بناره! 🔥

فلنتفق منذ البداية

نحن في رحلة، ورفقة المسافر هي نصف متعة الطريق. لذا، إن كان لا بد لنا من أن نسير معًا، فلنجعل الرحلة سلسة و ممتعة ، ولنجعل الكلمات جسورًا بين الفكر والمتعة. ستجدونني أحيانًا أنحرف عن السرد، أترك تعليقًا هنا، أو أرسل ابتسامة بين السطور،

وعلى بركة الله، نبدأ باستقبال أول وسيم

"ليونارد."

🌸فلاد دراكوليا ترحب بك 🌸

توقف

الى اين تريد التقدم ..؟

هل انت متأكد؟؟؟

اياك انا احذرك...

إذا كنت لست اهلا للمسؤولية تجاه حياتك   فرجائا ...ضع هذه الرواية على الرف في الزاوية.

   

حسنا لك ذلك...

.

.

.

   

ابدأ رحلتك الخيالية الممتعة بين طيات هذه الرواية و انا سأرافقك كمرشد

إحمل خريطة لنستطيع العودة.... لأني لست في منئ عن الضياع معك..

     ʕ´•ᴥ•'ʔ

لماذا يصرّ الإنسان على تخيّل عوالم أخرى، حيث تسكن كيانات تفوقه قدرةً أو تختلف عنه جوهرًا؟ أهو مجرد هروب من محدودية وجوده

لكن السؤال الحقيقي ليس في وجود هذه العوالم، بل في سبب استمرارها داخل وعينا. لماذا نشعر وكأنها قريبة، مألوفة، رغم أننا لم نرَها يومًا؟ هل لأن العقل البشري لا يستطيع قبول فكرة أن هذا العالم هو كل ما هناك؟ أم أن تلك العوالم ليست خيالًا، بل ذكريات. إرثًا من زمن لم نعد نتذكره، أو واقعًا آخر يتداخل مع واقعنا دون أن ندرك؟

_____________________

"لَيَسِتٌ آلَشُمًسِ جّمًيَلَةّ لَمًجّردٍ أنِ آلَکْوٌآکْبً تٌدٍوٌر حًوٌلَهّآ...

آلَأرض أکْثًر سِحًرًآ، فُقُدٍ آخِتٌآرتٌ أنِ تٌکْتٌفُيَ بًنِفُسِهّآ، وٌبًقُمًر يَضيَء عٌتٌمًتٌهّآ."

.

صدى صراخ ممزوج ببكاء.

ترجي أو التوسل، أخذ ينعكس على جدران الرواق الطويل الضيق منسابا ليتوارى على المسامع .

يداه سبحتا بين خصلات شقراء  لامرأة يجرها على الارض  ، هي  ترجته بيأس، بصوت متهدج مرتعش ان يفلتها  لكنه لم ينوي الفعل.

  جثة صغيرة تتبعهما بخطوات قصيرة و قد اغرورقت عيناها البريئتان  بالدموع التي اخذت مسارها على وجنتيها...

قبضت على أسفل ساقه بأصابع مرتجفة  تصرخ بيأس علها تفلح في إنقاذ والدتها من محنتها، لكن الرجاء حين يُخاطب الصخر، لا يعود إلا بالصدى.

لم يكن هذا سوى مشهد عابر لمشكل عائلي.

قصة تكررت بأشكال مختلفة، و تحمل دائمًا النتيجة ذاتها. عندما تخطئ المرأة في الاختيار، فتجد نفسها أسيرة مرارة لا تنتهي. عندما يكون الرجل غارقًا في زجاجات الكحول، مدمنًا، غير مسؤول.

لكن مهلا هل تظنون ان المرأة هي المخطئة هنا؟

ام الرجل الذي اوقع امرأة في شباك زواج يعلم انه لن ينجح؟ 

ام انه القدر؟

لن يرضى احد الاسوء لنفسه..

ما أعنيه أن المرأة لن تختار استئناف حياتها مع رجل سيجعلها فحمة من كم الكدمات التي ستجتاح جسدها،  و الرجل لن يرضى...

لا لن أكمل،  الرجل هو المخطئ في حالتنا و الارجح انه تغير من النور إلى الظلمات.

.

.

الذاكرة لعنة تتجدد كلما ظننا أننا أفلتنا من أسرها.

تلك لم تكن مجرد صورة  لمشكل عائلي، بل جرح قديم أعاد فرض نفسه في ذهن أحدهم.

مهما حاولت طي الأوراق التي تحمل تلك الذكريات لم تستطع، هي في الثالثة والعشرين من عمرها، و لا تزال عالقة في تلك الأيام  .

ثماني سنوات مضت، لكنها لم تكن كافية لتخمد صدى الصدمة، لم تكن كافية لتجعلها تتجاوز مشهد والدها وهو يمارس قسوته على والدتها، لم تكن كافية لتحررها من الإحساس بالعجز الذي تلبسها يومها.

أيُعقل أن للزمن قدرة على طمس التفاصيل، لكنه عاجز عن محو الألم؟ 

الهذه الدرجة يمقتنا الدهر ؟

بقيت أسيرة تلك الليلة، أسيرة شهادتها على أبشع جريمة قتل هزّت ذلك العام، الجريمة التي التهمتها عناوين الصحف وانفجرت بها وسائل الإعلام.

كل ذلك إندثر مع الأيام تاركا لها بين ثلاث جدران تحصرها و الجدار الرابع أملها للهرب لكنها مقيدة بالكوابيس التي تتسابق مع خوفها على اغراقها  .

منذ شهرين، توارت إلى مسامعها أخبار هروب والدها من السجن، خبر لم يستقبله جسدها إلا برجفة باردة سرت في عظامها جعلت لحمها يقشعر.

أول ما سيفعله هو قتلها و إلحاقها بوالدتها،

ربما يلفظ "إيمي"حاملا ساطورا .. تسألون لماذا؟

لأنها، قبل ثماني سنوات، كسرت حاجز الخوف مبلغة الشرطة حين رأته ينهال على والدتها حتى سلبها الحياة أمام عينيها.

هل يمكن حقًا الهروب من ظل الموت حين يكون هو من أنجبك؟ "

◖⚆ᴥ⚆◗

لم يكن المكان مختلفًا كثيرًا عن سابقه... مجرد شقة أخرى قابلتها حين فتحت بابها تسحب خلفها حقيبتها.

كانت رقم أربعة في قائمة المنازل التي اضطرت للهرب إليها خلال الشهرين الماضيين.

وقفت على عتبة الباب  يطوقها صمت لم يكن من طباعها يومًا. الصمت كان غريبًا عليها، لكن في الآونة الأخيرة وجدت نفسها غارقة فيه.

شريط ذكريات طويل مليئ بالتفاصيل كان لثمان سنوات يختبئ خلف ستار المسرح، هو الآن واقف في العلن و قد تجمدت الكلمات في حلقه خانقة له في ذكرى شنيعة لا تأبى الزوال من عقلها حاليا.

" ربما علينا تغيير أسمائنا "

صوت إمرأة مرت من أمامها  تسبقها للداخل،  كانت قد  تمددت على الأريكة تطلق تنهيدة من طولها تظن انها واقعة في حزن حداد على قطته الميتة قاطع  سلسلة الأفكار الطاغية عليها، تحرك اناملها سابحة بين خصلاتها القصيرة التي قد ميزها لون البن  للخلف في تيارات مستقيمة  مظهرة  خضراويتاها اللتان اصبحتا زيتونيتان فاتحتان عند مداعبة أشعة  الشمس لوجهها  و التي رفعت زاوية شفتها بجانبية محدقة في ايميليان.

"ما رأيك؟ أنا  لورا وانت ستكونين... ليليث؟"

المجنونة.

الفوضوية.

الابنة المدللة لعائلة أندرلان.

بيرتا.

إذا لم تسمع بإحدى تلك اللفظات من قبل بينما يشار بها لإحداهن ، فاعلم أنه قد فاتك الكثير. كيف لا، وهي أكبر مفتعلة للمشاكل في أنجلترا ؟

لكن لا تقلق، فالحياة تمنحك فرصة ثانية، وأنا هنا لأقدّم لك هذا الامتياز النادر… تعرّف على بيرتا، ولن تنظر للعالم بنفس الطريقة مجددًا..

"ليليث؟ حقًا؟ تريدين أن تمنحيني اسم ملكة الشياطين؟"

خاطبتها الأخرى  تميل برأسها مبتسمة ، حاجبها إرتفع راسما ملمح  دهشة مصطنعة قبل أن ترد بثقة لو إمتلكتها دجاجة لنفتت أجنحتها وطارَت.

"لأنه يليق بك، هذا على الأقل أفضل من إيميليان "

"بالطبع، وإذا سألكِ أحد عني، قولي لهم إنني آكل الأطفال على الفطور."

"أجل أجل... بتت متأكدة أنه يليق بك، افكارك جهنمية تسير وفق سيرورة منظمة حيث تبدين  ملاكا في الأخير"

تسللت ابتسامة مرتسمة على شفتي إيميليان،  كطائر أفلت من قفصه بعد طول احتجاز. غامت عيناها للحظة وهي تقضم شفتها السفلى، محاولة خنق الضحكة قبل أن تفلت منها.

بيرتا لها كل الحق فإيميليان تملك في رأسها عقل اينشتاين لكن ليس في العلوم الرياضية و الفيزيائية بل في تنظيم الخطط، كم مرة هربا من المنزل و رجعا منه دون حتى أن يعلم والداها و كل هذا بفضلها ،

  هزّت رأسها مغمغمة بسخرية ملقية وسادة نحو بيرتا التي تفادتها  تخرج  لسانها لها،  لو اقتادها القدر لشخص أكثر إستفزازا منها في المستقبل لقتلته.

الوسادة كقدرٍ لم يكن لها منه مهرب، انحرفت عن مسارها نحو مصباح الطاولة..

ذلك الكائن المسكين الذي كرس حياته في إنارة حياتنا، لم يكن يدري أن نهايته ستكون نتيجة لحظة عفوية كهذه، هوى أرضًا إثر إصطدام اللوسادة الملقاة به متسببة في إنكساره.

حدّقتا في المصباح المحطم كما لو أنه جثة ارتكبتا للتو جريمة بحقها.

"أتعلمين ما هو الأسوأ من تحطيمه؟"

نطقت بيرتا بنبرة هادئة تنبئ بوجود كارثة ورائها،  الأخرى بلعت ريقها تحضر نفسها معنويا لما سيقال تاليا.

"إنه مصباح أبي، اشتراه بمزاد بثمن خرافي، وأنا لسبب لا أستطيع تذكره، سرقته منه."

ارتفع حاجب إيميليان ببطء،  عقلها كان يستوعب الكارثة على جرعات.

"لنكتب وصايانا بيرتا.. "

◖⚆ᴥ⚆◗

غرفة المعيشة الآن عبارة عن غرفة عمليات...

انحنت كلتاهما فوق بقاياه تناظرانه بقلة حيلة.

"أحضري الغراء"

نطقت ايميليان عاقدة ذراعيها  تخاطب الأخرى،

بيرتا ركضت إلى أحد الأدراج تخرج  أنبوبًا صغيرًا، ناولتها اياه .

شرعتا تحاولان تجميع القطع، تضعان هذه فوق تلك، تلصقانها هنا، تمسح هناك… أخيرا  بدأت الصورة تتضح،  تم تلاحم القطع فعلا.

الصورة إتضحت لكنها لم تكن لمصباح.

حسنا، كان شيئًا غريب الشكل أشبه بقطعة خردة

"أظن أن إبقاءه محطما كان خيارا أفضل. "

" علينا الهروب إلى بلد آخر بدلًا من محاولة إصلاحه."

"و ماذا تظنينا بفاعلين؟ "

سؤالها هذا ليس عابرا إنما تراصت على جانبه ملامح حزينة رسمتها مذيقة عيناها و وجهها في إبتسامة خاوية تستعيد بها ما شغله دماغها من أفكار حول والدها.

بيرتا زمت على شفتها السفلى تمقت لسانها الأعوج الذي اقتادها للحديث عن الهروب، ايمي منذ سماعها لخبر هروب والدها من الحبس لم تطلق العنان لمشاعرها لتفصح عما يجول في بالها، 

و هذا مؤلم ، مؤلم حقا  رؤية شخص قريب منك و قد غرق في ظلال اليأس و الخوف و أنت عاجز على بسط ذراعك تجاهه.

إقتادتها ساقاها نحو ايمي و قد رسمت ملامحها جدية نادرة في وجه كوجهها، أخذت رأسها مكورة له  بين يديها تجعل بينهما حلقة تحديق قد كان انعكاس وجهها على بؤبؤ عين الأخرى وسيطا فيها  .

نبست تثقل في كل كلمة تقولها تتأكد انها تصل إلى مسامع الأخرى وأنها بالفعل ستستوعب ..

" ايمي، لا داعي للخوف لن يلمسك والدك و انا و والداي هنا، ثقي بي....اتفقنا؟"

غيرت الأخرى اتجاه نظرها تجنبا للتواصل البصري مع بيرتا و قوست شفتاها في ابتسامة زيفتها آملة أن ينتهي   مفاد هذا الحديث بفعلها لذلك.

مجرد تذكر أن والدها حي طليق يترنح في شوارع انجلترا  يجعلها ترتعد و الحديث عنه رغم أنه من يشغل تفكيرها يزيد من جرعات خوفها.

شقة تطل على المدينة، صغيرة بحجمها، واسعة بروحها. الأثاث مزيج من الأزرق النيلي والبيج، يكفيها أن  والد بيرتا لم يشتر فيلا ضخمة او قصرا و اكتفى بهذا المكان، منزل يضج بالحياة بدلًا من أن يبتلعه الفراغ،  و أحزروا ماذا...

بيرتا الطفلة المدللة، التي لم تخضع يومًا لأمارات التنظيف ، الآن تحمل مكنسة وتبدأ بالتنظيف.

مشهد أندر من رؤية  نمرً يحاول العيش بين قطعان الغزلان،

هي حملت مكنسة تشرع بالدخول لإحدى الغرف بغية تنظيفها من غبار الزمن،لكن ما إن  عبرت عتبة الغرفة، حتى شعرت بقلبها  تعثر بين ضلوعها، هاجس قوي   يخبرها   بالتراجع يحاول منعها من دخول، رفضت الإصغاء إلى  تحذيره تفعل ما يمليه عليها  عقلها، تتابع خطواتها، و قد ألقت نظرة للخارج نحو بيرتا التي كانت تتجول في المكان بلا اكتراث.

خطت داخل الغرفة...

تجمدت في مكانها ، تلقي بنظراتها بين  الأثاث في الداخل، شعور غريب زحف إلى أعماقها، صدى ذكرى ضبابية تهيم في زوايا ما من عقلها. لقد رأت هذا المكان من قبل... أو هكذا خُيّل لها.

لما يبدو كل شيئ في هذه الغرفة كأنه يقتادها لتعرف أكثر عن هذا الشعور الذي إنتابها فجأة؟

إقتادتها خطواتها مقتربة من مرآة كانت معلقة على الجدار. خشب إيطارها يحمل لمسة الزمن، لكنها على عكسه، لم تكن تحمل ذرة غبار تدل على قدمها . انعكاسها هناك كان واضحًا.

أطبقت نهايات اناملها على سطح المرآة،  تلامس الزجاج الأملس  حدّقت في انعكاس عينيها الزرقاوين بشرود ، البحر ذاته تجمّع في مقلتيها  تريد أن تركز فيه مناجية له، وانعكاس شعرها البني المائل إلى الشقار زاد دكونة الأزرق في بؤبؤيها  .

لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.

لماذا يبدو وجهها غريبًا عنها؟ ركزت قليلا في إنعكاسها ثم..

ثم رمشت....

تجمد الهواء في رئتيها، وجسدها تراجع بخطوة لا إرادية. تلك لم تكن هي.. تلك بالفعل لم تكن هي هي واثقة.

كانت أمها.

تبدو أصغر سنًا، بملامح  قد تفنن في رسمها الألم، هي نسخة طبق الأصل عن أمها ، لولا الشامة الصغيرة على وجنتها.

شعرت بقلبها يطرق ضلوعها بجنون، أنفاسها إنسدت مخارجها  وهي تراقب تلك الابتسامة التي إرتسمت بصعوبة  على صفحة وجه والدتها… ابتسامة حملت معها لطفًا وذنبًا .

حاولت التراجع أكثر، لكن قدميها التصقتا بالأرض. أرادت أن تنطق، أن تصرخ، أن تهرب، لكن صوتها خذلها. الهواء حولها صار أثقل مما يمكنها الهرب فيه، 

وأمها، لم تتحرك لم تنبس ببنت شفة تحدق بها بنفس النظرة بدت كأنها تنتظر شيئا .

بشفاه مرتعشة، بالكاد استطاعت التكلم، بالكاد استطاعت أن تطلق سؤالها بنبرة أشبه للهمس .

"أمي…؟"

تقدمت خطوة،  أرهف السكون أذنيها حتى كادت تسمع صرير الأرضية تحت قدميها،  صوت أنفاسها و صوت نبضات قلبها المتسارعة.

مدّت يدها، أناملها المرتجفة تعيد محاولة لمس المرآة تبحث عن شيء يثبت أنها لا تهلوس، أن والدتها ليست في إنعكاسها بل ذلك ثمر إشتياقها لها فحسب  . عذا وهم لا بد أنه وهم..

لكن حين كادت تلامس انعكاسها...

حينها، تحركت أمها، تلقي على مسمعها كلمات بصوتها الحاني...

"أرجو أن تسامحيني..

لكني اضطررت إلى ذلك، اضطررت إلى إنجابك… أدرك أن قدرك سيكون مثقلًا بالعناء، لكن تحملي هذا أفضل من لقاء حتفك"

تسللت صوت  من أعماق المرآة، ارتعشت أنامل إيميليان وهي تبسط كفيها على سطح الزجاج، صرخت .

"أمي، م..ماذا تقصدين؟!"

اندفعت بيرتا إلى الداخل فور سماعها لصرختها  الأخيرة تدعو ألا يكون قد أصابها مكروه،و ما رأته جعلها تتسمّر عند العتبة..

إيمي كانت تخاطب إنعكاسها في المرآة..

لم تعِ وجود بيرتا، بقيت مسلوبة الإدراك، تهمس بصوت متحشرج و كأنها لو رفعت صوتها مرة أخرى، إنعكاس والدتها سينجلي.

"من الذي أجبركِ؟"

رأتها تبتسم....

"أعلم أن العذاب سيحتضنك منذ اللحظة التي تخطين فيها إلى هناك… سيحاول أن يبتلعك، أن يطفئ نورك… لكنكِ أقوى، أليس كذلك؟ لا تستسلمي، مهما كان السواد حالكًا، أعديني بذلك."

لحظة إدراك  قد تلبّست إيميليان ، وشدّتها إلى مالا نهاية من الأسئلة  التي تصارعت في عقلها، والدتها… هنا؟ كيف؟ ولماذا الآن؟ من أجبرها؟ و لماذا؟

  عقلها  إنشغل  في منعها من رف جفونها، حاولت الا تدع  الدموع تغيم على عينيها،  فتضيع جزئا من الثانية قد تستطيع فيه التحديق في  ملامح والدتها.

زجاج المرآة لم يعد زجاجًا، تحوّل إلى سطح مائي مترجرج، كبحيرة ساكنة اخترقتها نسمة ريح فعملت على إرجاجها . وعبره  امتدت يد، كانت قد قبضت على ذراع الأخرى.

بيرتا،  لم يكن عقلها مسجونًا في أسر الذكريات لم تكن هائمة كالأخرى ، من منظورها  رأت  يدٌ تتسلل من المرآة، تُحاول سحب صديقتها إلى ما خلفها.

صرخت، لا لسبب سوى أن هذا المشهد تجاوز قدرة المنطق على الاستيعاب. حاولت أن تنتزع إيميليان بعيدًا، لكن الأخيرة كانت  منفصلة تماما عن الواقع،  عينيها لم تقدرا  سوى على رؤية  صورة والدتها، كل محيط خارج مجال المرآة  قد تلاشى من إدراكها. لذا صرخت محاولة ايقاظها من عالمها.

"إيميليان! استفيقي! إنها تسحبك!"

الغرفة  بدأت تتبدّل. الهواء ازداد ثقلاً،  ضغطً  تحرّر من المرآة حعل الآثاث يتحرك وحده.

بيرتا، واصلت استماتتها في منع انجراف إيميليان مع اليد للداخل ،  يداها  تشبثتا بجذع صديقتها تسحبانها بعيدا عن المرآة .

ديالا، مدت يدها المتبقية  تسحبها هي الأخرى داخل المرآة ربما لأنها ࢪأتها كإعاقة.

اختفتا معًا داخل انعكاس الأرجح أن ما ورائه يكتمل مسار العجب الذي حدث توا.

إيميليان كما قلنا، لم تكن ترى شيئًا سوى أمها.  العالم بأسره قد تلاشى من الوجود تاركا لها مع  تلك الملامح التي ظنّت أنها لن تراها مجددًا سوى في الأحلام.

اشتياقها كان حارقًا، كجمر مشتعل تحت جلدها  لا يُطفئه إلا حضن واحد، لمسة واحدة، قبلة واحدة، ولو كان الثمن حياتها.

عبرتا إلى الجانب الآخر من المرآة..

كانت هناك...

والدتها ، كما تتذكرها، كما حلمت بها في الليالي التي أرهقها فيها الشوق.  تقف أمامها ، لكن ما أوقف أنفاس إيميليان لم يكن الدمع المتحجر في عيني والدتها، ولا تلك المسافة الهشة بينهما ولا الشامة التي استقرت تحت إحدى عينيها  .

ابتسامتها

جعلت قلب إيميليان يختلج، عيناها لمعتا بطبقة زجاجية من الدموع.

"كم كبرتِ، صغيرتي..."

تقدمت بخطوات هادئة، ثم ضمّت إيميليان إلى صدرها تمرر أناملها برفق على خصلاتها.

هذا العناق بشكل ما ملاذ نجت إليه روحها المرهقة، دافئً مثل المدفأة في بيت يحمي أصحابه من برد الشتاء القارص .

لم تستطع الدموع إلا أن تنحدر، كجداول وجدت أخيرًا مسارها، ترفض التوقف  تخشى أن يكون هذا العناق سرابًا يتلاشى مع أول رمشة عين.

أبعدت ايمي قليلًا، أسندت جبينها إلى جبينها، وأغمضت عينيها، بينما دموعها تنساب كقطرات مطر على نافذة تكاد تكسر .

"غفرانكِ، صغيرتي..."

فتحت ديالا عينيها ببطء، نظرتها جمعت بين الحنين والحسرة، كمن يرى زهرة زرعها في أرض قاحلة، تتفتح .

مرّرت أناملها على وجنة إيميليان، تلامسها  تتحقق من وجودها معها ،  تكمل تناظر وجه الأخرى الذي إنهار تماما و شفتاها المرتعشتان اللتان تسد بهما رغبتها في النحيب.

"ثمة طرق لا عودة منها، وثمة قرارات تُتخذ ونحن ندرك أنها ستجرّ خلفها العذاب... لكن أحيانًا، يا صغيرتي، الألم هو الثمن و علينا القبول به مهما كان.."

رفعت عينيها نحو والدتها، تحدق في ملامحها تدرس مقالها ، لكن كل ما وجدته كان شبح ندمٍ يسكن محياها، عينان متعبتان مبتسمتان.. كالعادة دائما.

بلعت ريقها بصعوبة،  تحاول أن تبتلع كل الكلمات التي تجمّعت عند حافة لسانها، كل الأسئلة التي صرخت بها روحها دون أن تنطقها شفتاها.

"وأيّ حقيقة تستحق أن يكون ثمنها العذاب، يا أماه؟"

لم تجبها إلا بإبتسامة بقيت حتى اللحظة الأخيرة، حتى حين بدأت ملامحها تتلاشى تصبح فتاتا قد أخذته نسمة ابعد فأبعد عنها . لم تبكِ، لم تحاول التمسك بها.

إيميليان فقط حدّقت بانجلائها حتى الرمق الأخير،

هذا حدث لم تستطع أن تستوعبه كواقع.  ربما   استسلمت للنوم على أريكة ما، وأن بيرتا ستوقظها في أي لحظة.

لكنها سرعان ما أدركت أن هذا لم يكن إلا وهمًا تبنّته روحها المرتبكة آملة أن يكون حقيقة .

جاءها صوت بيرتا، يقطع سكون المكان مثل صوت ديك  في فجر ليلة هادئة..

"ما الذي يحدث، إيمي؟"

أخيرا رجعت للواقع تستوعب تنقل نظراتها في اي ما كان هذا المكان،  المحيط حولهما كان امتدادًا لا نهائيًا من البياض، في حصار  داخل صفحة لم يُخطّ عليها حرف بعد.

لا جدران، لا أبواب، فقط أفق أبيض يبتلع كل شيء، وهما عالقتان فيه . أجابت إيميليان بصوت يحمل هاجس عدم التصديق.

"صدقيني، أنا أيضًا لا أعلم أمي كانت في انعكاسي، نظرت إليّ بعينين تنضحان بندمٍ غريب، واعتذرت مرارًا، ثم مدّت يدها، وجذبتني إلى هنا."

قالت إيميليان كلماتها وهي لا تزال تحاول استيعابها، كأنها تلقيها في الهواء لتراها بعينيها علّها تصبح أكثر منطقية .

أما بيرتا، فقربت يديها من وجنتيها ثم من وجنة إيمي، وقرصتهما تحاول الخروج من هذا الوهم ،

قائلة بنبرة شبه يائسة تحاول إيجاد كلمات تصبر بها نفسها و ايميليان.

"لا بد أننا غرقنا في النوم معًا، وها نحن نحلم حلما جميلا كيف إننا عبرنا إلى عالم آخر يعجّ بالشياطين ومصاصي الدماء الوسيمين!"

حين لم يوقظها الألم، وحين لم تستفق من هذا الحلم نبست.

"إيمي… يبدو أننا متنا، وهذه هي رحلتنا إلى الجحيم."

ضحكت إيميليان ، بيرتا وحدها قادرة على أن تنتزع منها ضحكة حتى في أكثر المواقف جدية،

زفرت  بعمق،  تهيئ نفسها  ترفع شعرها برباط إلى الخلف، مشدودا كذيل حصان.

"علينا إيجاد مخرج، بيرتا… لن نظل هنا حتى نستيقظ، أو… حتى يغرس والدي خنجره في قلوبنا ليوقظنا بطريقته الخاصة."

"لكِ ذلك..."

ثم انطلقتا..

اخذتا تركضان بأسرع ما يمكنهما للامكان لا تدريان عن ماهية هذا المكان هل هو الافق ؟  ذلك الخط الأبيض بين البحر والسماء، ذاك الطريق السرمدي الذي لا يُطال.

حين تهاوتا ، لم يكن بسبب الإنهاك، بل بسبب إدراكٍ قاسٍ بأن لا طريق، لا نهاية، لا نقطة يمكن بلوغها ولا نقطة انطلاق حتى هنا،

جلست بيرتا، تنظر إلى الفراغ بنفس النظرة التي يرمق بها سجين قضبانه، ثم زفرت ساخرة

"سنموت هنا، لا شاهد على قبورنا، لا ضريح لنا ."

ضحكت إيميليان ضحكة قصيرة، ساخرة أكثر منها مسلية.

"والمأساة الكبرى؟ لن نلعب سوبر ماريو حتى، لأن لا هاتف هنا."

"لا تمزحي."

كانت بيرتا جادة، لو تعلمون  كمية حب بيرتا لتلك اللعبة رغم قدمها..

الفراغ ارتجّ.

رعشة  جابت ذلك الأفق و كان سببه صوت أمها مرة أخرى.

"للخروج من هنا انطقي..."فلاد دراكوليا" بأعلى صوتك "

اشالت  بنظرها لبيرتا و بيرتا قابلتها بنفس النظرة، يبدو انها  سمعت ما سمعته هي لذا اخذتا نفسا و اومأتا لبعضهما لتصرخ إيمي.

" فلاد دراكوليا!....."

آنيا مع نطقها لتلك الكلمة قابلهما  سطوع يفوق سطوع أشد الشموس توهجًا، أغمضت عينيها، ليس اختيارًا، بل استجابة فطرية أمام سطوة الضياء .

ʕ´•ᴥ•'ʔ

في لحظة فتحهما لم ترى ذلك اللامكان الابيض فقط كانت تحت شجرة عملاقة ذات اوراق حمراء اللون، تبدو كشجرة القيقب.المشكلة ليست هنا هناك عدة مشاكل.

و أول سؤال تبادل إلى ذهنها اين بيرتا؟ ثم ستفكر في مشكلة أن المكان مخيف كونه يحوي اعشابا بلون الدم.

كانت قبل لحظات بجانبها، والآن اختفت، هل ابتلعتها الأرض؟ أهو المكان الذي تغير، أم أن بيرتا هي التي تلاشت في طيّاته؟ رفعت بصرها، أدارت رأسها يمنة ويسرة، تبحث عنها، ربما تمون في مكان قريب من هنا.

تقدمت بضع خطوات بين الأجمات التي تميزت بلون الدم، و التي تجعل  الأرض تبدو كأنها تنزف. بحثت، قلبت الأغصان لكن لا فائدة، صرخت بعد ان تأكدت ان لا احد يرقبها..

"بيرتاا..."

لا صوت فقط صدى صرختها يدوي و بعض الغربان ارتاعت، و انطلقت محلقة، محدثة ضجيجًا خافتا قد  بعثرت الأوراق الحمراء تسقط بعضها ، هل يمكن ان يكون قول "فلاد دراكوليا " ينقل قائله فقط؟ ما يعني أن بيرتا ستلحقها. تقدمت بين الأشجار تترك خلفها أثرا على الأشجار بحجر حاد كانت قد إلتقطته في بداية مسيرها. ترجو أن تنتبه له بيرتا.

لا بد أنها  سمعتها حين نطقت فلاد دراكوليا و فعلت المثل.

تبا... تخشى على تلك الحمقاء أكثر مما تخشى على نفسها، بمعرفتها بها، فإن لسانها المنفلت أقرب إلى خنجر قد يرتد إلى نحرها في يوم من الايام . إن كان هذا المكان خطيرًا، فأي مصير قد تلقاه بيرتا وحدها؟

لِمَ كلُّ النباتات هنا باللون الأحمر؟؟ هذا يجعل وجودها هنا مرعبًا بحد ذاته، لا تدري أهذا لون السماء أم أنها في فترة الغروب.

لون السماء قانٍ يبدو كالجحيم،  كل شيء بلون النار والدم، ما كان بلون مغاير كان قصرًا أبيض اللون توقفت تحدق فيه عندما لمحته.  طرازه ملكيً تلتصق به أغصان الكرمة النبيذية تبدو عروقا في بشرة بيضاء كساها الشحوب، كان جميلًا بقدر ما كان مخيفًا إنها إلى حد اللحظة لم ترَ شيئًا طبيعيًا يجعل هذا واقعًا أكثر من كونه حلمًا.

تقدمت إليه...

كان خاليًا تمامًا من الحراس لذا استطاعت الدخول دون صعوبة تذكر، دخلت القصر تقلب عينيها إلى كل إنش منه من أثاثه الفخم إلى اللوحات المعلقة كانت مخيفة بالنسبة لها، هي لا تريد الكذب تلك العينان الحمراوان التي يشترك  فيها المرسومون في اللوحات تجعل عظامها ترتعد و برودة مرت بينهم جعلت لحمها يقشعر.

ذلك لا يبدو منطقيًا لكنها تشعر أنهم يتبعونها، تتغير ملامحهم كلما نظرت إليهم، صعدت الدرج بخطوات وئيدة، تراقب كل تفصيلة  في طريقها ، عند بلوغها نهايته، وجدت نفسها أمام مفترق،  أي درب ستختار ، وأي قدر ينتظرها خلفه؟

هي الآن في قصر غريب ذي صبغة سوداء، وأثاث بين القرميزي والذهبي. تصعد درجًا يبدو كأنه لا يريد الإنتهاء ، حتى وصلت أخيرًا إلى مفترق الطرق ذاك. كان يتفرع إلى ثلاثة طرق، يبدو أنها تقود إلى أجنحة خاصة بأحد ما.

كان لا بد لها من الاختيار، لمعرفة ما تودّ والدتها أن تريها إياه. فاختارت الطريق الأوسط، ربما لأن خير الأمور أوسطها، أو ربما لأن شعورًا غريبًا دفعها نحوه... والعقل، بطبيعته، لا يملك شعورًا.

ما إن خطت إلى داخل الجناح حتى انغلق الباب خلفها بقوة، هل كان يترصد لحظة دخولها؟ لا هذا مستحيل، هذا غير منطقي! تسمر جسدها تحت وطأة الرعب الذي هيمن عليها ساعتها، رعشة خفيفة تسللت إلى أطرافها، فيما هبّت نسمة باردة من الممر المظلم،تتسبب في ارتفاع  خصلاتها البنية الموشّحة بوهج أشقر، لترتفع للحظة قبل أن تهبط .

لتلتفت الى الباب  الذي لم يكن له وجود من قبل كان مدخل الجناح دون باب لا بد انها لم تنتبه له، انها لا تجيد التركيز والملاحظة كثيرا.

انها كذبة تحاول بها استنكار عدم وجود باب قبل دخولها، و الحقيقة التي لا تريد من نفسها تصديقها هي تأكدها من عدم وجود  باب قبل دخولها.

كانت تتوغل اكثر فأكثر في ذلك الجناح نزلت درجا و أكلت..، هي متأكدة ان هذا القصر كان يبدو اصغر مساحة من الخارج لكن فتتمسك بفرضية أنها تتوهم طول الرواق لأنها مرتبكة ،

أوقفها باب آخر، و كان محروسا لحسن الحظ، شعرت بشيء  متناقض من الطمأنينة و القلق ، وأخيرًا وجدت أشخاصًا قد يمنحونها إجابات... أو ربما مزيدًا من الأسئلة.

بسبب خفوت الضوء، لم تدرك اقتراب أحد الحراس إلا حين صار أمامها،  قهقه باستهزاء، ناظرًا إليها وكأنها لا تستحق عناء القلق.

"آه... مجرد بشرية أخرى... خِلتُهُ خطرًا داهمًا، كمستذئب لعين مثلًا."

"ماذا عساه يفعل مستذئب هنا؟ لن يجرؤ أحد منهم على الاقتراب."

الأول هزّ كتفيه بلا مبالاة

"من يدري؟"

لم يمنحها وقتًا لاستيعاب سخريته، إذ امتدت يده لتقبض على معصمها. لم تفكر، بل سحبت يدها بعفوية،كرد فعل منعكس.

لا تريد منه لمسها، من هو ليلمسها هكذا، لمسته لوثت شيئًا من كيانها، منحته حاجبا مرفوعا ترجم ما لم تقله شفتاها، قبل أن تتحدث.

"عذرًا...؟"

الحارس ضحك بخفة و اشار لها محاطبا زميله...

" مثيرة للاهتمام"

ʕ´•ᴥ•'ʔ

لم تكن تعلم إلى أين يأخذها، يداه الباردتان كعينيه الخاليتين من الحياة، كملامحه التي لا تحمل أثرًا للشفقة ،

لم يكن الباب الذي كانا يحرسانه هو مقصده، بل بابًا جانبيًا مهملاً، دفعها إلى الداخل وأغلقه وراءها، كما يُزجّ بدجاجة إلى المسلخ، كأنها شيء لا شخص.

لم تهتم لطريقة إلقائها، فالأمر لم يكن شيئ جليا تفكر فيه  مقارنة بما قيل لها قبل لحظات"بشرية أخرى؟"

بشرية... أخرى؟

كيف ذلك؟ أليسوا بشرًا مثلها؟ أم أن الإنسان يمكن أن يصبح شيئًا آخر حين يختار أن يكون الجلاد بدل الضحية؟

رفعت بصرها تستكشف الغرفة، وتزامن ذلك مع اتساع عينيها في صدمة كتمتها أنفاسها.

أمامها، كتل بشرية تكدست في البؤس، عشرون... ربما أكثر. معظمهم فتيات لم يبلغن العشرين، وأطفال بعيون أطفأها الخوف. كان هناك ثلاثة رجال فقط. أجساد نحيلة كأنها هياكل مفرغة، شحوب يشي بأن الجوع قد نخرهم منذ زمن،

تقدمت فتاة، يبدو أنها في عمرها تسند يدها على كتفها قائلة..

"لن تعيشي طويلاً... نحن هنا منذ ثلاثة أيام فقط، وقد استنزفوا دماءنا حتى آخر قطرة... إنهم وحوش."

ثلاثة أيام فقط...!

حدّقت فيهم مجددًا، في أجسادهم المنهكة، في نظراتهم التي خلت من اللمعة، نهايتها تتجسد أمامها،

الموت لم يعد فكرة غامضة، بل قدرا ينتظر دوره .

تململت أصابعها في جيوبها، تبحث عن أي شيء قد يساعدهم، أي شيء...

خرجت بعلبة علكة، وقطعة شوكولاتة اشترتها مع بيرتا، ومنديل لا قيمة له.

حدقت في ما تملكه، ثم في العشرين روحًا حولها، تستجدي رغم أنها لن تفعل كثيرا .

جذبتها يد واهنة  كانت لامرأة تنظر إليها برجاء.

"رجاءً، أعطِ ما لديك للأطفال، نحن الكبار، سنموت على أية حال، في البعثة القادمة إلى القصر الفرعي. أما هم، فلن يُسلب منهم الكثير... هم بحاجة للطعام أكثر منّا "

هذه الطواعية التي يسلم بها الأبوين روحهما فداءا ليعيش اولادهم بهناء، تجلت في صورةملموسة امامها، و هذا مؤثر.

نظرت إلى الأطفال، كانوا بالفعل أقل سوءًا، كأن أجسادهم لا تزال قادرة على الاحتمال. بينما الكبار على شفا الموت.  إبتسمت مخاطبة لهم.

"لدي علبة بها عشر قطع من العلكة، سيتقاسمها الكبار  جميعًا، وقطعة الشوكولاتة ستكون للأطفال مع العلكة، آسفة لأنني لا أملك أكثر من هذا..."

نظر الاشخاص بغضهم لبعض دون تصديق و ابتسموا ايضا، تقدمت منها احد النساء، امسكت يديها وقالت نافية برأسها

"بل منحتِنا أكثر مما تظنين... أن نرى أولادنا يبتسمون، حتى في هذا الجحيم، هو أثمن ما يمكن أن نطلبه."

ʕ´•ᴥ•'ʔ

تقاسم الجميع ما جادت به يدها، مجرد قطع صغيرة من العلكة، لكنها بدت لهم كفتات نعيم في صحراء المجاعة.

لم يكن الطعام ما أعاد إليهم الحياة، بل حتى فكرة أن هناك من ما زال يتذكر أنهم بشر.

بدأت الابتسامات تنبت على الوجوه الذابلة، تعالت الهمسات، ثم انساب حديث بين بعضهم.

أي قلب متحجر قد دفع بهم إلى هذا المصير؟

انفرج الباب و مع انفتاحه، سقطت ابتساماتهم كسقوط  الأوراق الأخيرة من شجرة أدركها الخريف.

دخل رجل..

لكم يكن بحاجة إلى رفع صوته، لم يكن بحاجة حتى إلى النظر إليهم اكتفى بإشارةٍ برأسه فقط ،التبعية محفورة في عظامهم،و دليل ذلك أنهم استجابوا فورًا، رؤوسهم مطأطأة، خطواتهم تسير برتابة المَسْلُوب.

هي، خطت خلفهم التحذير الذي همست به إحدى النساء قبل قليل كان لا يزال يجلجل في رأسها"إن عصيتِ، سيمتصون دمك حتى يبهت قلبك ويصبح أبيض كعظمة جافة." بالإضافة أنها تريد رؤية المزيد و هذه فرصتها الوحيدة لللخروج من هنا. و التوغل داخل هذا القصر العجيب.

خرجوا ممن تلك الغرفة لتقابلهم حديقة ، استقبلهم الليل،  القمر ترصد المشهد . تخلّل الضوء ملامحها، وانعكس في عينيها الزرقاوين، اللتين صارتا أكثر عمقًا،

"أنتن... ستذهبن إلى السيد ريكاردو، وكالعادة، واحدة منكن ستبقى معه الليلة."

الدموع كانت الشيئ الوحيد الذي تجرأت النساء على البوح به، خضوعًا لا اختيار ، واستسلامًا لواقع تجرد قاموسه من لفظة الرحمة.

ريكاردو هذا لعنةٌ نُقشت في أذهانهن، ولا بد لها من لقائه.

لم تشعر الا بسوط يضرب ظهرها ليقاطعه حبال افكارها

" انت.....ماذا تظنين نفسك بفاعلة؟ تقدمي هيا "

رمقته بحقد سرعانما غيرته لإبتسامة، أكثر شيئ تستطيع بها الخروج من موقف منتصرا هو الابتسام بدل ان تمشي على مسار خطتهم و تناظرهم بحقد او بإرتباك. تقدمت رفقة النساء الاخريات تتدندن لحنا كانت أمها تغنيه لها في صغرها، على عكسها تفكر انها لوكانت بيرتا هنا لإفتعلت اكبر مشكلة،

هي ستفعل كل شيئ وفق سيرورة حيث تخرج هي كالملاك في الأخير، دون ضجة.

\(^o^)/

"ايها  الوضيعون !"

كانت بيرتا مقيدة على كرسي، تصرخ وتسب من تجرأ على تقييدها. أمامها، وقف رجلان، يعقدان ذراعيهما، ينظران إليها نظرة قلة الحيلة، لا جدوى من المحاولة. ساعتان مضتا، ولم تسحب من عروقها قطرة دم واحدة.

"أقسم، لو علم والدي بذلك، فلن يبقى لكم رأسا ملتصقا بجسد! صدقوني!"

فتح باب الزنزانة ليدخل رجل يبدو في اوائل عشريناته....يرتدي بدلة انيقة شعره البني الذي يرجعه للخلف بطريقة مرتبة عدا بعض الخصلات المتمردة و التي نزلت على عينيه الزرقاوتان

اقترب الرجل أكثر، أسدل رموشه، تأملها بصمت، ثم ابتسم بلطف لم يكن مطمئنًا على الإطلاق، يهمس بصوت هادئ.

"لا داعي للخوف، نريد عينة من دمك فحسب... أيتها البشرية الحلوة."

في الجملة الأخيرة، تلاشى اللطف، وحلّ محله مكر خفيّ، جعل ابتسامة بيرتا تتلاشى بدورها. نفخت خدها كطفلة

"وماذا إن رفضت؟ لا أخاف منكم، ولا يهمني من تكونون."

ابتسم، لقد أضحكته حقًا، اعتدل في وقفته، وضع يديه في جيبه ، رفعت رأسها إليه مجددًا، تأملت ملامحه... كانت عيناه فريدتين، تحيط بهما  رموش باللون الأسود الكثيف، ككحل.

"هل أنت الرجل الوسيم الذي يظهر في الأفلام؟ مستذئب؟ مصاص دماء؟ شيطان؟ أم ربما جني؟ وإن كنت جنيًا، هل أستطيع أن أتمنى أمنية؟"

"هل أقتلها، سيدي ليونارد؟"

بلعت بيرتا ريقها، نظرت إلى ليونارد، وجدته يكتم ضحكته بابتسامة جانبية، ثم أشار بيده للرجل بأن يتراجع. رفع يده، فأطلق سراحها. وقفت فورًا، تمددت كقطة خرجت تواً من قيلولة طويلة، ثم قالت بإشراق ..

"شكرًا، سيد ليونارد الوسيم! هل أنت جني؟ هل سمعت أمنياتي بيني وبين نفسي؟ هل ستنفذ طلبي وتخرجني من هنا؟"

"جني؟ مستذئب؟ أحقًا تقارنينهم بمصاصي الدماء؟ نحن في كفة، والكائنات الأخرى في كفة أخرى، أيتها البشرية الحلوة."

توقفت للحظة هو مصاص دماء يا إلهي!  ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. قفزت بحماس..

"أوه! إذن هل لديك قلعة مثل دراكولا؟ هل تملك خفافيش؟ هل يحرقك الصليب والثوم؟ هل تحترق في الشمس؟"

قطّب حاجبيه، وكأنها ألقت أمامه هراءً لم يسمع به في حياته. ردّ بهدوء،

"لم أسمع بهذا قط، هل هم كذلك حقًا؟"

"أرى ذلك في الأفلام عادة."

"أفلام؟"

تنهدت بيرتا، نظرت حولها، المكان، الملابس، الجو... كل شيء يبدو وكأنه خرج من حقبة قديمة .

"أظنني سافرت إلى العصور الوسطى... لا تقلق، سيظهر قريبًا أخوان يدعيان لوميير أو لوفيير إن لم تخنني ذاكرتي  ، سيصنعان أول فيلم سينمائي... سيكون مملاً لأنه بالأبيض والأسود، لكن لا بأس."

نظر إليها ليونارد، ليميل  رأسه بتساؤل...

(๑• . •๑)

رأيكم؟

ايميليان و علاقتها مع والدها؟

بيرتا المجنونة ؟

تسجيل دخول والدة ايميليان؟

ليونارد...حبيب القلب؟

لا تنسوا أن تصوتوا، والأهم... أن تتركوا تعليقكم، فالكلمات هي صدى الأرواح!

ملاحظة: ربما تكمن بعض الإجابات في صورة الفصل... فاحترقوا بناره! 🔥

فلنتفق منذ البداية

نحن في رحلة، ورفقة المسافر هي نصف متعة الطريق. لذا، إن كان لا بد لنا من أن نسير معًا، فلنجعل الرحلة سلسة و ممتعة ، ولنجعل الكلمات جسورًا بين الفكر والمتعة. ستجدونني أحيانًا أنحرف عن السرد، أترك تعليقًا هنا، أو أرسل ابتسامة بين السطور،

وعلى بركة الله، نبدأ باستقبال أول وسيم

"ليونارد."

🌸فلاد دراكوليا ترحب بك 🌸

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

FLAD DRACOLIA

المؤلف Felina
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة