من ينظر إلى السماء يرى اللامحدود، ومن ينظر إلى الأرض يكتشف جذوره."
..........

.
.
.
.
.
"فكري يا إيمي... فكري"
قلتها أسند كفيّ على خاصرتي..
وقفت قبيل ذلك البناء العظيم امامي، القصر الرئيسي، ذاك البناء الجبار الحجري.
يا لهذا القصر... له من النوافذ ما يكفي لأن يشعرني أنني دخيلة عليها الموت، كون هناك الكثير يجعل العبور للداخل سهلا، وكل ما بيني وبينها تسعة أمتار إلى أعلى،
تسعة أمتار، يا قوم! تسعة!
القدر حتما يتلذذ بمراقبتي وأنا أعدّ خطوات العجز، حجرًا تلو حجر، محاولة إقناع نفسي أنني أملك جناحين مخبئين في ظهري،
وقد تساءلت في سرّي: هل يمكن للحياة ان تسلك مسارًا مستقيمًا لمرة؟ كل منعطف أعبره أظنه نهاية الطريق أصفق لنفسي لأنني نجوت، لأتفاجأ أني فقط عبرت إلى دهليز أشد تعقيدا..
أدرت رأسي إلى الخلف... حيث كان يقف جاك.
الفراغ وحده أجابني.
لا أثر له. رحل. هذا افضل خيار متاح له..
قلت في نفسي، وأنا أمد بصري إلى الأمام أبتسم بإصرار..
"حسنًا، أيتها الأقدار، هلمي بما لديكِ، "
(。◕‿◕。)
المكان فارغ تماما ربما لأن هذا المكان و كما وصفه جاك ليس بتلك الأهمية التي تستدعي حراسة ، العشب الذي يغطي الأرض بلون الدم و الذي لم تتبينه كون الليل اسدل ستاره ، شردت مدة من الزمن، لعل عقلها يحيك خيوط تفكيره ليخرج بخطة ما تصعد بها إلى احدى تلك النوافذ فليس لها آداة قد تساعدها.
زفرت لقلة حيلتها..
ثم..
أثار إنتباهها شيئ ما لربما سيساعدها!
الجدار قديم و مهترئ بعض الشيئ من الخارج ، عله ثمر سنين من الإهمال كونه غير مهم، لكنه خلاص من هذه المشكلة بالنسبة لها .
يمكنها جعل تلك النتوءات في صفها...
تقدمت بضع خطوات، زفرت تخرج ما تملكه من توتر و بسطت ذراعها تتشبث في الفراغات بين الطوب....
الامر سيكون صعبا و مع خوفها من المرتفعات سيصبح اصعب، قدمها قد تموضعت في فراغ أخر لتنتفض بجسدها نحو الأعلى جامعة ثقلها في اناملها التي بالكاد ساكنتان في مكانهما.
تبا تكره التسلق بيرتا من تعشقه و ليست هي..
بالتفكير في بيرتا، اين هي؟ هل هي على ما يرام؟ ترجو أن تلاقيها و كل اجزاء جسمها متصلة ببعضها.
نسبة حدوث ذلك واحد بالمئة سيحدث في حالة نادرة إذا لم تلتق بعائلة مجنونة غريبة اطوار كالتي وقعت في داهيتها هي، ووجدت مصاصي دماء لطيفين كجاك. هكذا ستطغى نسبة النجاة على نسبة عدم نجاتها
واصلت الصعود اليد الاولى تنتقل لموضعها التالي و تلحقها الأخرى تترك اثرها حتى تتبعها قدماها .
الريح تهمس في أذنها، تحثها على النظر للأسفل، لكن مجرد الفكرة جعلت معدتها تنقبض. لا مجال لذلك. لو سمحت لعقلها بأن يدرك الهاوية الممتدة تحتها، سيتسلل الغثيان إلى جوفها، وسترتخي قبضتها بلا وعي. لذا كان عليها أن تبقي الحقيقة طي النسيان على الأقل، حتى تصل.
......
لم تتوقع أن يكون النزول من الجهة الاخرى للنافذة بتلك السهولة، لقد وصلت للنافذة و ها قد شرقت الشمس.
الأرجح أن مشكلة السماء القانية تكمن في السحب بما أنه لا وجود للغيوم السماء طبيعية باللون السماوي، أخيرا تسللت هواجس الامان ساكنة قلبها.
ط
ابع هذا الجناح من القصر كان..
مختلفا...
الأبيض الكريمي طغى عليه...
الآثاث القرميزية تترك لمحة و تهرب، هذا يذكرها بجناح ذلك القاسي العجوز ابيض الرأس.
مهلا لما فقط جناحه و هذا المكان وحدهما يتميزان باللون الأبيض الكريمي؟ لو فكرنا قليلا لوجدنا انه ما من داع لتخصيص جناح لحفيد في القصر الرئيسي.
فلما؟
مهلا مهلا هي تريد جوابا لإشكالية عن فرضية استنتجتها هي فماذا إن كان مجرد جناح يشبه الخاص بنايز ذاك، حيث أعجب بتصميمه فأراد أن ينسق جناحه في القصر الفرعي مثله.
لا بد ان الأمر كذلك...
لكن السؤال المطروح هو.. لما تهتم؟
لما تريد ان تعرف معلومة عقيمة الفائدة كهذه؟
عليها ان تفكر فيما ستفعله الآن بعد أن تخرج من القصر أفضل لها من تدنيس عقلها بالأفكار عديمة النفع.
في الحقيقة، لقد فكرت في ما ستفعله سلفا و دبرت خطة.
فتحت حقيبة جلدية بنية كانت متناسقة مع الفستان البسيط الأسود و الحذاء البني.
لا تدري من اين يحضر جاك الملابس لكنه أحسن فعلا.
انه أفضل مصاص دماء رأته منذ مجيئها إلى هذا العالم الغبي..
أصلا لقد تعمّدت البقاء في غرفتها دون الخروج تفاديا لإصطدام بأحد أفراد العائلة، سمعت من الخدم أن والدة أؤلائك الثلاثة منفصمة كالمدعو موريان و الأب ليس بالشخص الجيد، و دون أن ننسى الأبناء غرباء الأطوار..
زير نساء الذي لا ينفك يجب ان يراها كل صباح و مساء ليتذكر والدتها بها و الأرجح أنه كان في علاقة من نوع ما معها.. حقا السبب الرئيسي من هروبها من هنا هو عدم استطاعتها التكملة في هذه المهزلة معه..
موريان ذلك المنفصم الذي لا تدري اهو يمازحك ام ينوي قتلك، يشتمك ثم يبتسم لك بعدها و يقول انه يحبك.
أخيرًا، ذلك الرجل ذو الشعر الناصع... رغم أنها، حين حسبت أعمار مصّاصي الدماء، وجدت أن عمره في عالمهم لا يتجاوز الثلاثين من حيث التقدير البشري، إلا أنه يبدو، لسبب ما، أكبر سنًا من ريكاردو نفسه.
أتسألون كيف فعلت ذلك؟
جاك، كما علمت، يبلغ من العمر ألفين وخمسمائة عام. وقد باشر عمله هنا منذ نصف عام فقط. وبما أن سنّ الرشد في عالمهم يُقدّر - على الأرجح - بألف عام، فإن مظهره الحالي يُماثل، في معاييرنا البشرية، شابًا في العشرين من عمره.
بتطبيق قاعدة التناسب البسيطة، إذا كان جاك بعمر العشرين شكلاً وعمره الحقيقي ألفان وخمسمائة، فإن نايز، الذي يبدو أكبر قليلًا، ويبلغ في الحقيقة خمسة آلاف عام، سيكون تقديريًا في الثلاثين.
ثلاثون سنة. لا أكثر.
لكن كل هذا الآن لا يهم.
قبل أي خطوة خارج أسوار القصر، عليها أن تجد بيرتا. التي تبعث في القلب ضحكًا وفي العقل صداعًا. لا تدري أين تكون، ولكنها ترجو من أعماقها ألا تكون قد فارقت الحياة.
واحد بالمئة فقط، هي النسبة التي ستبني عليها خطتها.
واحد بالمئة احتمال أن بيرتا لا تزال حيّة، وسيكون ذلك كافيًا لدفعها إلى الجنون والتهور. ما من خيار آخر، عليها أن تخترق القصور الفرعية واحدًا تلو الآخر وتبحث فيها.
لكن...
ماذا لو اصطدمت هناك بمجانين آخرين؟ ماذا لو ظنّها أحدهم أمّها، أو عدّها دخيلة، فقتلها؟
ثمّة شيء واحد مؤكد... والدتها لم تكن تنوي اصطحاب بيرتا. لم تكن تلك الفوضوية جزءًا من الخطة.
ستلقي بنفسها في الهاوية، هاوية الجنون، وتشرع في بحثٍ لا عقل فيه ولا منطق، فقط بدافعٍ من ذلك الواحد بالمئة من نسبة نجاتها..
فصديقتها لا تموت بسهولة.
.........
خطواتها تترك صدى لم تستطع إخفاءه، فالمكان لشساعته اي صوت يصدر من اي شيئ يصطاده الصدى جاهرا به لكامل ارجاء المكان، تنزل الدرج للطابق الأرضي تقبض على حامل حقيبتها الجلدية بلون الخشب تحاول عدم النظر للوحات المعلقة على الحائط و التي بشكل ما متأكدة من انها تراقبها، الامر حدث عند دخولها و يحدث الان ايضا.
" انظروا من هنا يا رفاق... "
صوت راجع لإمرأة قد دوى يتردد مرة تلو الاخرى لمسامعها ما جعلها تتسمر في مكانها دون حراك، جسدها يصرخ بأن تهرب، و عقلها المصدوم لم يأمر قدميها بعد بالحركة، ترجو الا يكون ما تفكر به صحيحا لأنها ليست في حالة عقلية جيدة لتستوعب اكثر.
" اوه انها بشرية صغيرة هربت من زير النساء الاحمق ذاك، هذا واضح.. "
"هااه؟ كيف؟ من ساعدها لا يمكن ان تعرف طريق الخروج وحدها "
يا رفاق...
هل هي جنت ام أن اللوحات تتكلم مع بعضها؟ ربما المكان مصاب بلعنة تهز الواقع من أساساته العديدة التي يبنى عليها؟
رفعت زرقاويتاها و ليتها و قد قابلتها صورة لمرأة شابة بشعر داكن بينما عيناها مغمضتين بفعل إبتسامة لطيفة، و قد مالت برأسها بتساؤل لم تفهم ايميليان ماهو.. هل تسألها عن كيف حالها ام تنوي الانقضاض عليها؟ هل هم اشباح؟
التفتت اثر صوت نابع من لوحة أخرى كان بها إمرأة بدينة بتجاعيد على جانبي عينيها تشير لسبابتها نحوها..
"أوه، لقد لاحظتنا أخيرًا!"
شفاهها ملتوية نحو الأعلى في ابتسامة ساخرة .
لا، هذا غير ممكن. اللوحات لا تتحرك. اللوحات لا تتحدث.
لكن الصوت أتى بوضوح منها هي متأكدة.
"اوه... الصغيرة المسكينة ترتجف.. لم تقوى حتى على الحديث! "
"لا عجب، بعد أن قابلت احد أفراد العائلة ."
أطلقت اللوحات الأخرى على طول الممر قهقهات توارت على مسامعها...
مهلا، هل هي ترتجف؟ هل هي خائفة من مجرد وهم؟ لا محال هي لا تخاف الاشباح.
بعد ما حصل ربما تشك في صحة ذلك....
لا يمكن ان تبقى ساكنة هكذا عليها فعل شيئ، ستفكر بهم كبيادق ستجد بهم بيرتا. هكذا عاشت حتى الآن و هكذا ستعيش مستقبلا..
" عذرا؟ "
نبست تجعل الصدى يقوم بعمله و يوصل لهم صوتها ما جعلها محط انظارهم تلك اللحظة و فعلا الامر مخيف الى الحد الذي جعل رعشة تسري على طول عمودها الفقري.
بلعت ريقها ملتفتة للمرأة ذات الابتسامة اللطيفة، هي تشعر بالطمأنينة ناحيتها، هاجس ما يخبرها انها لطيفة و هاجس مناقض ينهيها من التعامل معها، نبست مخاطبة المرأة البدينة في اللوحة التي تبعد بحوالي خطوتين منها..
"يال جمالك يا انسة.... ماذا تستعملين لوجهك؟؟ "
أجل يا رفاق نقطة ضعف المرأة هو المديح حتى لو كانت لوحة.
تسألون لماذا مدحت تلك البدينة؟ لأنها الأقبح يعني أنها ليست معتادة على المديح و ما يجعلها ضعيفة ضد مديحها و هذا ما حصل، حيث لمعت عيناها ترجع خصلات شعرها خلف اذنها و قد توردت وجنتاها تنبس..
"حقا؟ يال ذوقك الرفيع يا صغيرتي "
لا تدري لما تشعر بالذنب لكن ما بيدها حيلة،طريقتها في العيش هكذا و لن تترك فرصتها في النجاة متوقفة على ضمير لوحة كانت تسخر منها توا..
تقدمت نحوها تبتسم تومئ لها مؤكدة .
"يا رفاق احببت هذه الفتاة لسبب ما.. "
رائع! لديها اخيرا احداهم في صفها!
لم تنتهي فرحتها إلا و نطق رجل في لوحة مقابلة لهما وحمل غليونا و عيناه القرميزيتان هما الوحيدتان اللتان تشعان في اللوحة، ميزه شنبه المنظم...
بشكل ما يشبه أدولف هتلر..
"آن... الجميع هنا يعلم انها تكذب. إما أنها لا تريد الموت أو تحاول استخراج معلومة ما... "
هذا الرجل عبقري، كما ان له نبرة و اسلوبا قاسيين جعلا اللوحات الاخرى تتخذ الصمت ملجأ لها.
هل لهذه الدرجة الجميع يقدره؟
في الواقع لما الرجال هنا كلهم ذوي أعين قرميزية، هل هذه صدفة من نوع ما؟
اشالت بأنظارها للمرأة البدينة في اللوحة، كانت تذرف دموعا، تذرف دموعا بحزن!
ه.. هل تملك مشاعر حتى؟؟
"أعلم لكن، ماذا عساي ان افعل بغير الفرح؟ "
كلماتها التي تخاطبه.. كالسهم كانت قد إخترقت ايمي، الامر يكسر الخاطر و الاسوء أن اللوحات الاخرى تكتم ضحكتها، هل الامر يدعو للضحك؟
تشعر بتأنيب الضمير الآن، لما لسانها المعاق تحدث؟ هل بدأت عدوى بيرتا بالتسلل الى خلاياها؟
"كفى... "
نطقت المرأة ذات الإبتسامة اللطيفة ما جعل هتلر ذاك يناظرنا ببرود يغير مسار نظراته بعيدا، مما ازاح عليها ضغط جو كان يثقل كاهلها. شكرا ايتها المرأة المبتسمة الجميلة هي تدين لك بواحدة. ازحت نظراتها من المرأة ذات الابتسامة اللطيقة ملقية بها الى "آن" و نبست..
"آسفة "
"لماذا تتأسفين يا صغيرتي؟ "
"لِما حدث "
قهقهت البدينة بخفة تمسح دموعها.. هذه المرأة لطيفة، لما اتتها تلك الفكرة في استغلالها بحق الرب.
"إعتدت على هذا في حياتي كمصاصة و كلوحة.. لذا لا يوجد ما تتأسفين عليه، فقط اشكرك على مجاملتي، مر وقت طويل منذ فعل أحدهم هذا.. "
رقّت ملامح ايمي بينما أذانها تلتقط كلمات المرأة في اللوحة..
يكفيها شعور الذنب الذي اجتاحها حين احست بحزنها لما فعلته لها.. فما بالكم بسماعها لنتائج فعلتها جهرة؟ أخرجها من تفكيرها صوت آن تكمل هامسة..
"هل تحتاجين مساعدة؟ سأعينك بما أقدر.. "
غمزت ناحيتها تبتسم بشقاوة تشبك يديها و آثار الدموع لا تزال ظاهرة..ما جعل ايمي تعتدل في وقفتها بلمعة تخللت عيناها...
"ح.. حقا؟؟! "
أومأت تشير لها بالإقتراب..
"ماذا تريدين؟"
" انا... أبحث على صديقة لي "
"تريدين العثور عليها؟ هل تسألينني ان كانت قد مرت من هنا؟ "
"بالضبط! فتاة بشعر بني قصير و عينان خضراوتان ترتدي لباسا غريبة. "
اتسعت ابتسامة الاخرى، رفعت عيناها لرجل كان في اللوحة التي بجانبها ، لينبس يتصفح الجريدة يعدل شاربه الحاد...
"الثرثارة التي تثير المشاكل رفقة كايون "
"بالضبط! "
تحادثا و هي لم تنبس ببنت شفة، كانت مصدومة، كانت فرحة، لم تستطع التحدث لشدة عدم تصديقها، الواحد بالمئة التي تمسكت بها لم تكن خيارا خاطئا.
"من اين ذهبت؟ ارجوك! "
قالت كلماتها بإنتفاضة! لقد تحمست، فوجود بيرتا معها لا يعني فقط أن الاجواء ستصبح أكثر متعة، يعني ذلك أنهما لو ماتا سيموتان معا و إذا ماتت أحداهما ستدفنها الاخرى،
و ترجو لو تدفنها بيرتا.
"في قصر فالرون هوجين في المدخل من الجهة اليسرى "
"اوه هذا رائع شكرا لك لن انسى معروفك! "
رفعت حقيبتها على كتفها و اسرعت راكضة.. كانت متحمسة للدرجة التي لا تريد فيها الحديث مع أحد..
لكنها على بعد خطوات توقفت ثم إستدارت إلى آن مبتسمة و نبست..
"لم أكن أجاملك سيدة آن، أنت حقا جميلة. "
آن إبتسمت ملوحة لها...
.....
"ما الذي يحدث أيضًا؟"
تمتمت إيميليان لنفسها، وصوتها بالكاد يتجاوز حدود وعيها المضطرب.
مقيدة إلى كرسيٍ خشبيٍّ متين، قد لفّت القيود الحديدية معصميها ، وتكفلت برسم علامات حمراء على بشرتها الشاحبة.
تقاسيم وجهها اكتست بانزعاجٍ ، عيناها الزرقاوان تحدّقان في الرجلين الواقفين أمامها.
إنهما يحاولان سحب دمها.
الوضع هنا مختلف عن الوضع في القصر الآخر، كيف نجت بيرتا من هذا ؟
أي معجزة سلكت طريقها لتخرج سالمة من قبضة هؤلاء؟
زفرت زفرة طويلة كأنها تطرد بها توترها الذي تسلل إلى صدرها لتطلق كلماتها..
"تأكدا من تعقيم المعدات جيدا."
لم يجبها أحد.
بل اكتفيا بتبادل النظرات، حاجباهما مرفوعان لبعض كأنهما يقولان'هل هي مجنونة؟ '
حقا..
اي شخص طبيعي كان ليتحرّى الصمت أو حتى يترجاهم ليحرروه..
لكنها تطالبهم بتعقيم الادوات التي سيستعملانها، لهم الحق في الشك ي قدراتها العقلية..
أما هي ، لا ذريعة تدعوها الى نطق كلماتها تلك إلا كونها تدرس الطب، و تعلم أن عدم تعقيم الادوات ينتج عنها أضرار..
حتى بالنسبة لشخص لم يدرس يوما،جاهل بأمور الفيروسات، الامر معروف..
ذلك الصمت المستفز الذي اجاباها به.. كم تبغضه. أن تُلقي كلماتها في الهواء ولا تجد لها صدى. أن يُعاملها الآخرون كأنها ظلّ لا يستحق التفاتًا.
أدارت رأسها نحو حقيبتها الموضوعة على مسافة لا تتجاوز بضع خطوات. هناك تستقر سكين صغيرة...
لو استطاعت فقط الوصول إليها...
أو، ربما... هناك خطة أفضل.
قالت بصوت خافت، غير أنه حمل ما يكفي من الثقة ليستوقفهما..
"أُحذركما... أنا مصابة بخللٍ دموي نادر. إن شرب احدهم دمي، فالعواقب قد تكون مميتة."
ساد الصمت للحظة، تبادلا خلالها نظرة . ثم مدّ أحدهما يده ليمسك بحقنة، استخرج بها قطرات من دمها، وضعها في قنينة صغيرة، وقال بنبرة حادة كحدة الابرة في الحقنة..
"إن كان ما زعمتِه كذبًا... فلن تري خيرًا أبدًا."
ابتسمت إيميليان ابتسامة مائلة للسخرية، وقالت بصوتٍ كسته المرارة بين شفتيها..
"وكأني كنتُ لأرى خيرًا إن لم أكذب..."
هي تدرك تمامًا أن قول الحقيقة لن يجلب لها سوى نهاية أسرع.
الآن...
كل ما تحتاجه، بضع دقائق فقط.
كلما كان الوقت اطول كانت فرصتها في النجاة اكبر.
....
جلست على الأرض مستندة بظهرها على الحائط تناظر القيود الحديدة التي حاوطت معصميها، الأوغاد وضعوها في غرفة جانبية وحدها دون آثاث، حتى حقيبتها لا تزال في الغرفة.
"إلى اين تذهب كايون؟ قلت لك أن تالين لم تفعل شيئا "
تردد هذا الصوت على اذنيها كالصاعقة، تعرف هذا الصوت الآتي من خلف الباب بالفعل، وقفت و انتفضت تلتصق بالباب تصرخ بأعلى صوتها وتؤكد أن أحبالها الصوتية تمزقت.
"بيرتاااا! أنا إيمي..."
صوت الخطوات توقف، ثم عاد لكنه يقترب أكثر من الباب، هي لا تزال ملتصقة في الباب تحاول إلتقاط صوت آخر قد يساعدها في تحديد المتقدم نحوها!
"من أنت؟ "
كان صوتا لشاب ، وقعه كان هادئا لذا قابلته نابسة..
"إسمح لي بالحديث لبيرتا.. "
"من أنت أولا؟ "
"إفتح الباب ماذا تنتظر كايون! "
صوت بيرتا تلته خطواتها و قبضها للمقبض تديره محاولة فتحه لكن الفتى نطق..
"هذا لا ينفع انه مغلق.. "
"ايمي لا تقلقي سنخرجك! "
صرخت و يبدو من حركة الباب أنها تدفعه ثم سمعت خطواتها تتراجع لترتد بسرعة، و قد إبتعدت إيمي من امام الباب لأنها تعلم ما يدور في عقل تلك الحمقاء...
هل تريد فتح الباب بكسره؟ و هكذا كان الحال، فقد ضرب الباب بقوة من الخارج من طرفها حتى فتح.
و لم تلبث بيرتا أن إسترجعت أنفاسها حتى أتاها عناق من إيميليان، أخيرا وجدت شخصيا تستطيع منحه الثقة الكاملة في هذا العالم، بيرتا رفعت ذراعيها محاوطة ايمي و كادت تخنقها ..
"حمقاء! تركتني اواجه الوحوش العملاقة بينما تلعبين سوبر ماريو مع الشياطين في الجحيم هذا ليس عادلا.. "
اطلقت الأخرى ضحكة خفيفة لما قالته لتنبس.
"و أنا قابلت لوحات تتكلم و مصاصي دماء غريبي أطوار، هل هذا غير كافي لأقناعك اني لم العب سوبر ماريو بدونك؟؟ "
قابلتها بيرتا بقهقهة خفيفة لتلتفت الإثنتان لكايون الذي قد عقد ذراعيه يناظرهما يستند على إيطار الباب الذي كسر توا يرفع حاجبا كأنه يريد شرحا.
"لا تنتظر أن أعتذر لكوني أنقذت صديقتي! "
"لو إنتظرت قليلا لأحضرت المفتاح. "
"آسفة على الباب.. "
التغير الذي طرأ على تصرفاتها يثبت كم الجنون الذي تحمله في عروقها، ايميليان تقدمت نحو كايون، عيناها صوبه بقيت لثوان مركزة عليه، ما جعله يبعد نظراته للجهة الأخرى و قد إحمرت أذناه.
لا تدري بما يتمتم بين شفتيه لكنها متأكدة أنه يشتمها.
"كم عمرك؟"
سألت بإبتسامة تشبه حين تنادي طفلا...
لا تلوموها هو يبدو ظريفا.
"الفان و مائتان.. "
هزت رأسها في إيمائة لتجيب.
"ثمانية عشرة سنة.. "
"ماذا؟ "
"سأعاملك على أنك في هذا العمر، انت اكبر لكنك لم تنمو بعد فقط.. "
قطب حاجبه ناحيتها في حين بيرتا اخذت تقيس طوليهما كأنما تتأكد مما اذا كان حقا كذلك..
"ليس لدينا وقت بيرتا لنذهب.. "
استرسلت ايميليان في حديثها تصوب جام نظراتها بإتجاه بيرتا ما جعل الاخرى تتوقف عما تفعله و تصوب اهتمامها اليها..
"إلى أين.. "
هزت ايمي كتفيها و اجابتها بلا اكتراث.
"أي مكان ليس قصر مصاصي الدماء هذا.. "
قطبت بيرتا حاجبيها..
"خارجا؟ "
اومأت الاخرى تعتدل في وقفتها تركز على القيود الحديدية حول معصميها لتسترسل بيرتا بقلق..
"محال! "
رفعت ناظريها الى بيرتا باستفهام..
"ماذا؟ "
"انا لن ادخل إلى تلك الغابة مرة اخرى.. "
أمالت ايميليان رأسها مطالبة لايضاح اكثر..
"إنها أخطر المناطق في عالمنا، فيها مخلوقات خطيرة عملاقة.. و.. بيرتا قابلت احداها، و انا اضمن مليارا في المئة أنكما ستموتان في غضون دقيقة دون أي قوة تحميكما.. "
التفت الاثنتان له، حدقت فيه لبرهة صامتة كأنها تفكر ثم نظرت الى بيرتا التي كانت تومئ تشير إليه كأنها توافقه..
"يبدو انك عانيت كثيرا.. "
نطقت مبتسمة وقد ارتسم الحزن في تقوس حاجبيها. وحين التقت نظرات بيرتا بعينيها، لم تلبث أن أجابت، محاولة أن تضفي على الموقف شيئًا من الخفة، أو لعلّها سعت لانتزاع ذلك الشعور المُلِح بالذنب من قلبها..
"كانت مغامرة... شيّقة، إن جاز التعبير "
ابتسمت إيميليان، رغم الألم الذي خيّم على ملامحها، تلك الابتسامة الشفيفة التي تُشبه ضوء الصباح حين يتسلل عبر ستارة كثيفة. أما بيرتا، فرفعت حاجبًا وأمالت رأسها قليلاً، لتلقي كلماتها بطريقتها المعتادة، الممزوجة بالسخرية اللطيفة:
«أتعرفين؟ لو كنت أعلم أنني سأصبح عبرة تُروى في كل حديث عن الغابة، لحرصت على الظهور بمظهر أفضل حين هربت منها.»
ضحكت إيميليان بخفة، ثم اقتربت منها، وهمست..
«يجب أن نخرج من هنا، بيرتا... وسأحدثكِ بكل ما عرفته، كل ما سمعته و... ما رأيته. لكن في الطريق.»
نظرت إليها بيرتا للحظة، وبدت الترددات تلمع في عينيها. صمتت، كأنها تراجع صفحات المغامرات القديمة التي ورّطت نفسها فيها، ثم تنهدت ببطء، وانفرجت شفتاها أخيرًا بابتسامة مغامِرة:
«أنا... بيرتا، من تُلقي بنفسها في الهاوية وتضحك، فقط لأنها تعلم أن هناك من سيلتقطها قبل أن تسقط حقًا.»
سحبت نفسًا عميقًا، وحدّقت بإيميليان بعينين تشعّان عزمًا:
«ما دمتِ هناك... فلن أموت، أليس كذلك؟»
أومأت إيميليان، ثم نظر الاثنتان الى القيد الذي التف على يديها...
"ماذا عن هذا؟ "
نبست بيرتا مشيرة اليه..
"لا اظنه سهل الفتح.. "
اجابت ايميليان بينما الأخرى اخذته بيدها تأخذ معه ذراع ايمي و ضربته بالحائط..
حدق كايون بهما مستندا على ايطار الباب..ثم تنهد وكأن شيئًا ما بداخله استسلم لأمر أن عقل البشر محدود..
اقترب منهما ، وعيناه تتنقلان بين القيود التي تطوّق معصمي ايميليان و وجه بيرتا الجاد و هي تحاول كسره بفنون الكاراتيه خاصتها..
" إجلسي أرضا"
ترددت لكنها فعلت ما قاله..
جثى على ركبته أمامها، أخرج من جيبه أداة صغيرة، أشبه بإبرة حادة معدنية، توهج رأسها بلون أزرق باهت..
"ما هذه؟ كاشف الممنوعات؟ " سألت بيرتا بفضول.
"ممنو... ماذا؟"
نبس يتساءل بينما يبحث عن شيئ آخر في جيبه.. بيرتا قلبت عينيها بتملل كأن الحالة التي هي فيها لا تعجبها و اضافت..
"يال عالمكم المسالم، لا توجد به مواد ممنوعة و لا آفات.. "
"قطعة من دمج المعادن السحرية... لا تعمل إلا مرة واحدة."
اجابها ممتنعا عن سماع تراهاتها التي تتفوه بها كل مرة تنطق طقسا من طقوس عالم البشر ولا يفهمها..
يتذكر ذلك السوبر مايو او ميرو او شيئا من هذا القبيل..
بليتاشن..
و اكثر كلمة رآها غريبة..
انستغرام..
لقد نطقها بشكل صحيح اخيرا بعد ان اعادها عشرين مرة..
تابعت الفتاتان حركته، ايميليان بدت كأنها تحفظ كل ما يفعله. ذلك لإعجابها بأول آداة سحرية قابلتها في هذا العالم، و لعلكم لاحظتم سكوتها، هي مبهورة..
رأته كيف راح يحكّ طرف الأداة الأزرق في ثقب القفل الحديدي، حتى انطلقت شرارة زرقاء تلتها طقطقة كصوت فك قيد ، ثم انفرج القيد عن معصمها الايمن ..
هكذا بسهولة..
ما لبث أن كرر العملية ذاتها على يدها الاخرى ،
وعمّ السكون برهةً، لم يُسمع خلالها سوى صوت ارتطام القيد الحديدي بالأرض،
حدّقت إيميليان في معصميها المجرّدين من القيود، كأنها لا تصدّق أن السلاسل قد انزاحت أخيرًا.
رفعت عينيها نحو كايون، ولم تنبس ببنت شفة، غير أن نظرتها حملت من الامتنان ما يفوق الكلمات.
ثم و كأنما نظراتها لم تكن بالكافية لشكره نبست.. "شكرا لك.. "
كايون وقف من امامها، لم ينطق، لكنه رمى كيسا و اردف..
"هذه مجموعة من الابر، ستساعدكما.. "
اتسعت ابتسامة إيميليان، بينما بقيت بيرتا تحدق في الكيس لحظة، ثم رفعت نظرها إليه، وكأنها ترى فيه ماردًا خرج من القصص العجيبة.
وقبل أن يفكر حتى بالهرب من عاطفتها المفاجئة و التي يدري ما يعقبها ، كانت قد اندفعت نحوه تعانقه بقوة كأنما تعانق وسادتها المحببة في ليلة شتوية باردة، ثم هتفت..
"أوه، كايون! يا لك من مارد طيب متنكر في هيئة مصاص دماء متجهم! هل أخبرتك يومًا أنني أحبك؟ "
أذنا كايون إحمرّتا كأنما باغتته في لحظة مفاجئة ،حرك ذراعيه يريد ابعادها عنه..
ايميليان اطلقت ضحكة من قلبها...
عرفت سبب نجاة بيرتا..
(◠‿◕)
سقط الكأس من يده وارتطم بالأرض، فتناثر الدم القاني على الأرضية الرخامية...
لم يتحرك ريكاردو ، لم يرمش حتى، فقط ظل يحدق في الحائط مقابله بحاجب مرفوع ،
عقله لم يستوعب ما سمعه للتو.
"هربت؟"
استدار نحو الحارس، وعيناه تضيقان عليه ، وقف متجها نحوه، ثم أمسكه من ياقة قميصه..
"ابحثوا عنها... في كل زاوية، في كل سرداب مخفي في القصر ، فتشوا الجدران إن اضطررتم. لن تبتعد ."
صوته كان حادًا كالسيف، منخفضًا كالهمس .
ما دفع الحارس لأن يبتلع ما بجوف فاهه من ريق ، فترنّح هذا الأخير حين افلته..
ثوان حتى خرج من الغرفة..
وقف ريكاردو أمام الجدار المقابل للنافذة، حيث أن ستار كثيف يغطيه قرميزي اللون تتوزع عليه مجموعة جواهر .
مدّ يده وسحبه مظهرا لما وراءه .
كان الجدار المستتر خلف ذاك الستار مغطى بالكامل باللوحات.
لوحات لها..
وهما طفلان، ثيابهما متّسخة من اللعب ، وابتسامتهما تشقّ وجهيهما نصفين ..
رسمهما رسام في الشارع..
ثم وهما مراهقان، تسند رأسها على كتفه،
يوم ميلادها،حين طلبا من احد زملاءهما في صف الرسم رسمهما..
اقترب أكثر ، ورفع يده ليمسح بخفة على إحدى الصور... كانت فيها تمسك زهرة صفراء اللون وتضحك، انحناءة شفتيها تلك التي ظلّت تلاحقه في يقظته ومنامه.
للدرجة التي رسمها فيها خوفا من ان ينساها..
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة، فيها من الحنين ما يكفي لإغراق مدينة،
"لا أستطيع تبديلك يا ديالا..."
..
طرقٌ خفيف على الباب قطع على ريكاردو شروده، أعقبه صوت مألوف تسلل من خلفه،
"ريك... أحتاجك للحظة."
تنفّس بعمق، كمن يُعيد ترتيب ملامح الحاضر بعد أن تمزقت في حضرة الماضي.
أعاد الستار على اللوحات،ثم استدار وفتح الباب.
كانت أمه،
تبادل مع نظراتها بابتسامة باهتة، فرفعت حاجبًا واحدًا، كأنها تشي بفضح ذلك التمثيل الذي يؤكد انه أتقنه..
رغم ذلك اكتفى بهز رأسه نافيًا، وقال بنبرة ساخرة محاولا دحض تلك الثغرات التي اكتشفت من خلالها كم انه ليس في مزاج جيد..
"هل يجدر بي تقبيل يد والدتي الحبيبة؟ "
قهقهت الأخرى و مدت له يدها، ليقبّل ظهر يدها..
"ما الأمر ؟"
"ليس بي شي"
"حقا؟ "
"لا أريد ان اجبر على الذهاب مع والدي و موري لزيارة إبن عم جد ليليا..لما يجب أن أزور ابن عم جد زوجة أخي فقط لأن زوجته ماتت.. و الأسوء أنهم مستذئبون.. "
نبس بهذا دفعة واحدة و بإنفعال، رغم أنه فقط رآها كحجة مقنعة لسبب إنزعاجه لكنه حقا إنزعج عند ذكره للأمر، ما إستدعى قهقهة أخرى من الواقفة أمامه..
"لا بأس أنظر إليها من الجانب الجيد.. لديهم مخزون مجوهرات.. "
همست بالأخيرة ما دفع عيناه لتلمعا، لذا حمحم و اردف..
"أظنني سأذهب.. إذا هل تحتاجين شيئا مني؟ "
"أردت الحديث بشأن الاجتماع."
قالتها آنيًا مع نهاية كلامه كأنها كانت تنتظر الفرصة السانحة لتبدأ الحديث الذي بسببه أتت إلى هنا..
تنحّى جانبًا، مشيرًا بيده نحو الداخل، داعيًا إياها للجلوس و التحدث، يبدوان غريبان و هما يتحدثان على عتبة الباب..
دخلت وجلست على الأريكة، فجلس هو قبالتها..
"تعلم أن جدك سيجمعنا كعادته بعد أيام؟"
أومأ..
"نعم، كل عشر سنوات"
صمتت قليلًا قبل أن تضيف بعد زفرة تحضّر بها ما ستقوله..
"هذه المرة... يجب أن يذهب نايز معنا."
تنهد ريكاردو بعمق، تلك الزفرة التي تحمل كل ثقل إدراكه لما يعنيه هذا الطلب، ثم تمتم ساخرًا بابتسامة جانبية ارتسمت على الزاوية اليمنى من شفاهه..
"إن كنت ترغبين بفوضى ، فخذي نايز. لن يمنعك أحد."
هي ابتسمت..
تلك الابتسامة التي ترسمها حين يلقي عليك شخص ما حقيقة لا يمكنك إنكارها..
نايز لا يحب هذه الاجتماعات، و لا تدري أين يختفي حين يشمُّ رائحتها فقط..
هذا بشكل ما يزعج جده..
ولتزيد من وطأة الكلمة.... هذا يزعج الملك..
"أمي، نايز ليس طفلاً هو يدري ما يجب عليه فعله.."
"وهل قلت إنه طفل؟"
"أجل، بل تتصرفين وكأنه كذلك. نايز ناضج أكثر مني و منك، ومن حقه أن يقرر إن كان يريد الذهاب أم لا، إذا لم يرد الذهاب بسبب أشخاص معينين هذه أموره، و مشاكله مع جدي ليس لنا دخل بها.. "
صمت لحظة ثم تابع،
"نحن لا نفرض عليه شيئًا، لأنه ببساطة... لا يمكننا تحمّل العواقب إن فعلنا."
وقف ريكاردو، وكأن الحوار أنهك أعصابه أكثر مما كانت بالفعل، وقال وهو يهمّ بالخروج..
"إن أردتِ أن تذهبي إليه وتطلبي منه بنفسك، فافعلي. أما أنا... فلا أريد مشاكل هذه الفترة. تكفيني زيارة ابن عم جد زوجة أخي.. "
خرج من الغرفة.
........
بمجرد أن عتب باب الغرفة و خطى خطوتان بعيدا عن الباب حتى...
بوم!!
اصطدم شيء بجانب رأسه الأيسر بقوة كادت تطيح بتوازنه، وارتدّ هذا الشيء ليسقط أرضًا .
كتلة ريش أسود..
"آاااه! ألا تنظر أمامك؟ أيها الاحمق ريكاردو؟ افسح لي الطريق أنا مستعجل.. "
حين تفرغ ريكاردو من أثر الصدمة أنزل نظراته إلى الأرض، ليلمح غرابًا أسود، يبدو عليه الإنزعاج، يرفرف بجناحيه يهمّ بالطيران مجددًا.
لم يكد يبتعد، حتى أمسك الآخر بساقيه ، ورفعه مقلوبًا،
عيناه صوب عيني الطائر المقلوب..
"ألم أقل أنني مستعجل؟"
صرخ الغراب، يتلوى بين يديه.
"كنت أفكر في تجربة طهو لحم الغربان..."
قالها ريكاردو بنبرة باردة، وعيناه تضيقان نحوه..
"أوه! حسنًا حسنًا، يمكنني التحول إلى خروف... لحمه ألذ، أعدك! لدي وصفة شهيرة ستحبها، سرقتها من عند السحرة.. "
قال الغراب وهو يحاول أن يعضه بمنقاره.
"أنت وقح!"
تمتم ريكاردو وهو يلوّح به كدمية عله يتوقف عن عضه..
الغراب تحوّل فجأة إلى عصفور صغير جدًا، وانفلت من بين أصابع ريكاردو وهو يصيح..
"خسئت! "
"زافيير..."
صوت هادئ من طرف الممر.. كلمة هادئ تصف من الزائر..
تجمّد الطائر.
التفت ريكاردو فورًا، ليجد نايز واقفًا على يساره،
حملق نايز في زافيير الذي كان يحلق بجانب ريكاردو، ثم إلى ريكاردو نفسه.
زافيير، وكأنه استوعب حجم الورطة، بدأ يرفرف محاولًا الفرار مجددًا.
لكن ريكاردو رفع يده، وأمسك بالعصفور الصغير مرة أخرى.
"أنت باقٍ حتى أعرف ما خطبك."
نايز تقدّم بخطوات ثابتة، وقف قبالة ريكاردو، ومدّ يده بصمت، في إيماءةٍ واضحة يطلب فيها تسليمه الطائر.
تطلّع ريكاردو إلى وجهه لبرهةٍ صامتة، قبل أن يسلّمه زافيير، ذلك العصفور الأسود الصغير الذي بدا وكأنه يهمس لنفسه بيأسٍ..
"لقد هلكتُ..."
قبض عليه نايز براحة كفه، وتمتم بصوت خافت..
"أمسكتك..."
ثم علا صوت زافيير ساخطًا، وهو يرفرف في قبضته يحاول انتزاع حريته و الفرار..
"هذا ظلم! لو لم يعترضني ذلك الأحمق ريك، لكنت وصلت دون أن تمسكني!"
"القوانين واضحة... إن لم أمسك بك، لن أُلزمك بالاعتذار لذلك المستذئب. و ستفعل إن حدث العكس.. "
صاح زافيير بعناد..
"لااا! ذلك الرجل وغد، ولن أعتذر له أبداً! تعرف أن أسوء شخص إلتقيته في حياتي يسكن هناك في قصر المستذئبين؟.. "
زفر نايز نفسًا عميقًا، وكأن أثقال الدنيا كلها اجتمعت على صدره، ثم استدار وهمّ بالرحيل، وزافيير لا يزال حبيس كفّه، يُقاوم عبثًا.
"هيا... سنذهب."
وفي مروره بجانب ريكاردو، اصطدمت نظراتهما، فتوقف الأخير والتفت إليه، وعلى وجهه ارتسمت ملامح التساؤل، ينتظر تفسيرًا لما يجري.
أجابه نايز دون أن يلتفت،
"قدّمت له صفقة... إن سبقني إلى البوابة دون أن أمسك به يُعفى من أمر الاعتذار لأحد المستذئبين . أما إن فشل، فعليه أن يعتذر."
صرخ زافيير مرة أخرى، والرفض يتقافز من نبرته..
"قلت إنني لن أذهب!"
تنهد ريكاردو، و صدره ضاق من هذا الغراب الأحمق، كيف له أن يكون اليد اليمنى لعائلتهم؟
بل الأعجب من ذلك... كيف لنايز، الذي يضيق بالضجيج ويكره تلويث مسامعه بالثرثرة، أن يفسح له مكانًا في دائرة سكينته؟
ثم و كأن الحديث عن مساحة نايز الشخصية أعاده لكلامه مع والدته رفع زرقاويتيه مجددا إلى نايز ثم ناداه..
"نايز "
الاخر إلتفت له بعد أن قرر المضي في طريقه للخارج..
"بعد أيام.. "
"أخبره أن له مهمة.. "
فقط ألقى كلماته و استرسل في طريقها يحمل ذلك العصفور بين صفحات يده...تاركا لأخيه واقفا يراقب ظهره و كأنه كان يعلم سلفا إجابته، و أنه أراد أن يفاتحه بالموضوع رغبة في إشباع إرادة والدته فحسب..
.....
"هل أجدت التمثيل؟ "
"كدت أحسبك حقا مرغما.. "
قهقه زافيير _و هو بهيئة غراب _يحط على كتف نايز، ..
"وإلى أين المفرّ الآن؟"
أردف الاخير ليجيبه نايز دون أن يحيد ببصره، لدى هذا الرجل عادة أخرى ضعوها في القائمة، هو يسمعك، يشعر بك، و مهتم لما تقوله، لكنه لا ينظر إليك و لا يبدو مهتما بتاتا..
لكن المشكلة أنه مهتم،
"لن نبتعد... الاجتماع لن يطول."
"المعبد؟"
ابتسم نايز بالكاد، ارتفعت زاوية شفته ناحية الغراب الحط على كتفه وقال..
"نقطة لك."
U^ェ^U
رااايكم؟
حرفيا هذه عطلة لستة أشهر كانت قد مرت بي 😀🤏🏻
ايميليان؟؟
قصتها مع اللوحات🙆🏻♀️
هل شعرتم بالأسى على آن؟
مريم لم تظهر لكن ستظهر في الفصول القادمة 🫣
انجيلينا أيضاا!
لما نايز لا يريد الذهاب للإجتماع؟
🌸فلاد دراكوليا تعشق هنادِبها🌸
Felina