جّسِر

جّسِر

12 0

"قُآلَوٌآ إنِ آلَحًبً يَبًنِيَ... لَکْنِهّمً نِسِوٌآ أنِ کْلَ بًنِآء عٌلَﮯ آلَوٌهّمً مًصّيَرهّ آلَآنِهّيَآر.

آلَخِذِلَآنِ؟ هّوٌ آلَحًقُيَقُةّ آلَوٌحًيَدٍةّ آلَتٌيَ لَآ تٌخِوٌنِ.

أمًآ آلَسِعٌآدٍةّ... فُسِرآبًٌ نِرکْض نِحًوٌهّ، کْلَمًآ آقُتٌربًنِآ، آبًتٌعٌدٍ."

ʕ ꈍᴥꈍʔ

مريم

" ما هو هذا المكان يا الهي....؟"

همست بها لنفسي، بالعربية، أستعين بلغتي الأمّ لأحتمي بها من الجنون الذي يحيط بي. كنت ألهث، دوائر قاتمة بدأت تحيط بعينيّ ، والإرهاق يستوطن ملامحي..

كدت ان اتناسى من اكون حين نظرت لنفسي في انعكاس احد النوافذ..

لقد مرّ يومان فقط منذ وطأت قدماي قصر عائلة المستذئبين. يومان... يكفيان تمامًا لأجزم أن القوم هنا مصابون بمسّ ما،

لا مكان للهدوء، ولا ركن للنوم، ولا لحظة يُسمع فيها صوت الصمت. تخيّلوا صخب اجتماع عائلي يعجّ بالأطفال، بضحكاتهم العالية ومشاجراتهم التي لا تنتهي... الآن احذفوا الأطفال من المشهد، وضعوا مكانهم مستذئبين، مستذئبين يهوَون العراك كأنهم يتنفسونه، يصرخون، يتقاذفون، يحطمون الجدران فقط لان احدهم سرق قطعة لحم الاخر..

الطريف في الأمر أنهم لا ينامون... ولا حتى يتناوبون على فعلهم هذا . العراكات هنا دائمة، مستمرة،

و أنا فقط أحاول النجاة... ببعض من عقلي

بينما كنت أسترجع أنفاسي المتقطعة، مسندةً ظهري إلى الحائط البارد خلفي، ظننت ولو لوهلة أنني قد ولجت إلى زاوية آمنة أخيرا .

لكنّ...

دوّى صوت ارتطام عنيف خلف الحائط المقابل لي، تبعته صدمة اخترقته من جانبه الآخر فتحطّم . ومن بين الحطام المتناثر اندفع ذئب بلون برتقالي ، و بدا كأنه على وشك السقوط فوقي وتحويلي إلى بيض مخفوق..

بغريزية للبقاء اجتاحتني، تفاديت سقوطه علي راكضة مبتعدة دون التفات. حين ادرت انظاري اليه، بمجرد فضول نهش عقلي لمعرفة ما حدث له وجدته قد ارتطم بالحائط الذي كنت أتكئ عليه قبل لحظات، و ترك موضع وقوفي محطما..

"حمدا لله.. "

تمتمت بحمدي للّه على حفظه لي هذه المرة كما في المرّات السابقة..

نوايا القادم لا تبشر بالخير..

عراك آخر. بل العراك المليون على الأرجح لهذا اليوم. ٠حرفيا! لا أعلم كم مرة بعد يجب أن أهرب لأبقى سليمة في هذا المكان،

(◠‿◕)

وقف أمام باب غرفته، إحساس مبهم تسلّل إلى أعماقه، الهواء همس في أذنه بأن الداخل ليس خاليًا. لم تكن هذه الهواجس جديدة عليه، فقد زارته من قبل، وفي آخر مرة، كان خلف الباب وجهٌ يشبه ديالا إلى حدّ أربك روحه.

أما الآن، فالرائحة التي انسلت تحت الباب نحو انفه لم تكن لغريبة، عطرٌ تعرّف عليه بعد مدة وجيزة...

مدّ يده إلى المقبض، وفتح الباب بإعتيادية..

ذلك الرجل الذي يبدو للوهلة الأولى بشعره و عيناه السوداوتين و مظهره الأنيق انه رجل نبيل راقي من أحدى الروايات القديمة قد قابله..... كان يرتدي بدلة دون ربطة عنق و الأزرار العلوية مفتوحة جزئيا ، ابتسم فور ان لمحت نظراته نايز...

الاخر ثبت نظره عليه، صامتًا... تبًا له... أما كان الصباح كافيًا لألا يشتاق إليه؟

أيُّ ثقلٍ هذا الذي انسكب على صدره؟

أهو حضور ذلك الرجل مجددًا، دون استئذان، أم وقاحته في اختيار التوقيت...؟

في هذه الغرفة التي اعتاد أن تكون معزله، وفي هذه الساعة تحديدًا، ساعة البودينغ المقدّسة، التي لا يزاحمها شيء.

دلف نايز بخطى هادئة، وجلس قبالته عاقدًا ذراعيه،

" اهلا يا صاح.."

نبرته كانت مرحة..

"مررتُ لأطمئن أنّ صديقي المتخم بالكآبة، والوسيم رغم أنفه، لا يزال حيًا يُرزق. ألا يُعدّ هذا من تمام الوفاء؟"

لم يتكبّد نايز عناء النظر إليه، وكأنّ بصره يأنف من مجاراته، بل مدّ يده نحو البودينغ التي لا بد أن الرجل حضرها له قبل مجيئه...

"ها أنا ذا، ما زلت أتنفس. آسف على خيبة أملك."

"أوه، يا للخسارة..."

ردّ الآخر بنبرةٍ مسترسلة تنزلق من بين شفتيه مزاحًا،

"لِمَ أتيت؟"

سأل نايز يسأله عن السبب الذي جعله يأتي..

بعيدا عن مزاحه.. انزاحت خفة الرجل، وتجهم وجهه قليلًا، قبل أن ينطق بجديّة..

"ليست هناك... لا وجود لها في أراضي الفيانير."

مرّت لحظة خرساء، الزمن توقف احترامًا لثقل النبأ، ثم جاء صوت نايز، متجمّدًا مترفّعًا عن الانفعال مستندا على التوقع، كأن مسار حديثهما هذا يكاد يكون عادة..

"هكذا إذًا..."

لم يرفع عينيه، بل ثبت نظره في الأرض كأنها باتت تسخر من أمله، وعيناه دوّامتان تبتلعان بصيص رجاء قد خيم عليهما..

احتمال العثور عليها ضئيل، لكنه تشبّث به كمن يتشبّث بنقطة ضوء في كهفٍ لا نهاية له.

ظلّ ساكنًا، يجاهد ملامحه كي لا تتبعثر، يسعى لأن يواري ذرة حزنه التي انغرست كما اعتاد، أن يثبته في طبقات من وجهه لا تطالها العيون.

لمعة عابرة في عينيه أفلتت ، خيانة صغيرة من الشجن، فضحت ما حاول إخفاءه تحت قشرة الصمت والاتزان.

نظرة واحدة فقط كانت كافية لأن تحكي عن خيبات لا تُحصى، عن ليالٍ من الانتظار،صرخت عيناه الشاردتان في الارضية الرخامية الكريمية تحاول ان تساعد على تدفق المشاعر المكبوتة.

تعلّقت عيناه فورا بإطار صورته و اخيه و ديالا المركون قرب السرير، نظرة طويلة لا تقطعها الكلمات...

الآخر لم تغب عنه تلك الومضة ، مدّ يده إلى كتف نايز بهدوء، صامتًا كأن اللغة أضحت عاجزة.

مرّت لحظات ثقيلة... ثم تكسّرت السكينة بصوته الخافت يناديه..

"نايز..."

رفع الآخر قرمزيتاه نحو زافيير، نظرة تحمل صمت الجبال، و حدة سيوف..

"نايز، لا تلبس تلك التعابير، ألستَ أنت من طالما ردّد أن التعلّق يُضعف المرء؟..."

لم يكن في نبرته أثرٌ للمزاح الذي اعتاد أن يتّكئ عليه كلما استعصت عليه المواساة.

كان يعلم جيدًا أن هذا الجرح ليس من النوع الذي يُرتق بكلمات عابرة، ولا من تلك التي تُدارى بضحكة مفتعلة.

فكلّما تعلق الأمر بالتعلق بالنسبة لأبيض الشعر أمامه ، باتت اللغة نفسها تمشي على أطرافها خشية القاء كلماتها عليه .

عدّل نايز جلسته ، وكأنّه يعيد ترتيب شظاياه، وقد استطاع أخيرًا أن يطمر آخر ما تبقّى من تلك اللمعة الحزينة خلف ستار من الجمود اسبقه بزفرة..

ثوانٍ فقط كان فيها عارياً من قناعه ناحية عينيه، لكنّها بدت له دهرًا.

أن يفقد السيطرة ولو للحظة، كان غير مسموح.

مال برأسه نحو الشرفة في إيماءة صامتة تدعو زافيير للحاق به، ومضى نحوها،

وما إن عبر عتبة بابها ، حتى انساب صوته الهادئ وقد حمل سؤالًا لطالما طُمس تحت الشكوك في ذهنه لمدة..

"ألا يُحتمل أن تكون ديالا قد لجأت إلى عالم البشر؟"

لم يبدو كمن ينتظر جوابًا، بل بدا كأنه يُلقي بتساؤله لنفسه سامحا لأذنيه بالتصنت..،

زافيير لحق به، خطواته مهرولة متمهلة انيقة و قد أجاب قاطعا..

"ذاك مستحيل، هذا ممنوع أصلا.. "

كان قد بلغ الشرفة، حيث أسند نايز ذراعيه إلى المسند المخملي، عينيه تهيم في البعيد، بينما وقف زافيير متكئًا على إطار الباب، يترصّد حركته التالية..

وفيما غاب نايز عن اللحظة، انفلّت من أعماقه طيف "إيمي"... تلك الغريبة التي تحمل ملامح ديالا

لم تكن فقط تشبهها... كانت صداها.

هل هو محض تشابه؟ صدفة؟

حسنا هو لا يهتم. بالفعل لكن فضوله يفعل.

لم يكن من أولئك الذين يميلون إلى الصدف، إذ كان يرى فيها حيلة العاجزين، وتحالف مع الجهل.

ومع ذلك... السؤال ظلّ يطنّ في رأسه: لماذا حضرت صورتها؟ ألا يكفيه تسكعها في بيته؟

كل هذا بسبب أخيه الأحمق، ذاك الذي علّق وجود الفتاة على شماعة العذر الواهي.

المبررات التي يتذرّع بها ريكاردو لا تصمد أمام منطقٍ صلب، واهية يكسرها دليل صغير..

ولو خُيّر هو لما يفعل بها لما أبقاها ليلة واحدة حية..

هي تسير الآن على حافة البركان، ويداه على وشك أن تدفعاها نحو الهاوية.

لولا ريكاردو.

أخرجه من شروده ثقل كتف زافيير وقد استقر بمحاذاة خاصته، مستندًا بدوره إلى المسند الحجري المزخرف، كأنما أراد أن يحادثه بصمته أكثر من كلماته..

شعر زافيير الداكن منسدل إلى كلا الجانبين، في تناقضٍ واضح مع شعر نايز الذي لطالما أرجعه إلى الوراء بترتيب.. باستثناء خصلات متمردة تأبى الانضباط، تتدلّى على جبينه.

دام الصمت بينهما دقائقَ مديدة، قبل أن يكسره زافيير على طريقته بنبرة ساخرة يُخفي بها قلقًا..

قلت انه يتكئ على المزاح في المحن..

"هيا، بحق خالق السماء! في كل مرة أعود فيها من آخر الدنيا، تستقبلني بهذا الوجه الكئيب... لقد صارت حالتك النفسية أكثر رمادية من جدران غرفة إيفان!"

عندها، ارتفعت زاوية شفتي نايز في ابتسامة جانبية خافتة بالكاد مرئية،

ابتسم نايز أخيرًا... وكأنه كان ينتظر من صديقه هذا المزاح الأحمق بالذات ليبتسم.

يومٌ بدأ بجدية زافيير وانتهى بابتسامة نايز له.

حقًا، إنّه يوم استثنائي.

زافيير رمش مرارًا وكأنّه لا يصدق ما يراه، قبل أن يلحظ أخيرًا نظرات نايز وقد انزلقت نحو الحديقة في الأسفل.

تبعها ببصره، ليقع نظره على تلك الصغيرة تجلس على مقعد هناك تقرأ كتابا..

أنجيلينا... ابنة أخيه.

آه... الآن فهم. لم تكن تلك الابتسامة له، بل كانت لها.

وبالطبع، بدا هذا منطقيًا تمامًا.

ذلك يبدو عاديا بالنسبة لنايز.. لكن زافيير زفر براحة....الرجل الواقف امامه..بخير الآن..كونه عاديا هو المهم...

ربما سيستدعي تلك الصغيرة لعلها تحسن مزاجه للمرة السابعة هذا الاسبوع..

أخرج زافيير من جيبه منديلًا، وراح يربت به تحت عينيه، متصنّعًا التأثر..

يال سعادته له! ومن ذا الذي سيصادق هذا الغريب الأطوار سواه.. نايز محظوظ به في حياته..

إيميليان.

"هيا إذا لنرى.. "

همستُ بذلك لنفسي بينما أزيح الغطاء الخشبي القديم لصندوق. كانت تلك الغرفة موشّحة بالظلمة،التي لا يبدّدها سوى وهج شمعةٍ على وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

في حضني، أوراقٌ قديمة،تقلبها اناملي بحرارة

فقد وعدتني بإجابات...

تشعرون بالفضول اعلم ذلك...

قبل ساعات..

كانت الليالي طويلة في ذاك القصر، خانقة... تئن تحت وطأة سكونٍ مشوَّه بالهمسات التي أخذت تحتل رأسي هذه الفترة. همساتٌ لا يسمعها غيري، تتراقص بين جدران جمجمتي ،كانت تحمل صدى صوت أمي...التي و لسبب ما أذكركم أنها أتت بي إلى هنا تاركة لي فتات ذكريات، ونصف إجابات، وأبوابًا مفتوحة على عوالم لا منطق فيها، يسكنها غرباء الأطوار.

لطالما خشيت هذا العالم... خشيت ألا أفهمه. وما زلت أفعل..

و لن ينجلي خوفي من المجهول و انا بين اربعة جدران..

عند هذه النقطة بالذات ، تسللت الفكرة إلى ذهني كما تسقط قطرة الماء في بئر مخلّة بصفو هدوئي..

ماذا لو كان خلف هذه الجدران ما يمكنني فهمه؟ او ربما ما يساعدني لأبدد رهبتي من هذا العالم، أو ربما معرفة علاقة والدتي بكل هذا بشكل أفضل..

ؤغم اتضاح بعض الامور غير أن ثغرات تلتمس المنطق في الإمر..

العالم مليئ بالمفاجآت و الصدف و أنا أؤمن بالصدف بقدر إيماني أن الصدفة مجرد قدر...

كنت أظن ريكاردو سيقتلني، لكن شيئًا ما أوقفه. لعلّه رأى فيّ شيئًا من والدتي، هل كانت تعرفه للحد الذي يجعلها تثق بأنه لن يؤذيني ووجهي مطابق لخاصتها؟

كل ما أملا علي قراري كان أنه عليّ أن أبدأ من هذه النقطة و لن أبقى رهينة الحيرة.

عليّ أن أهرب.

نعم، قلتها لنفسي، وأحسست بها تتردّد في جدران صدري. حان وقت الفعل.

اقتربتُ من الباب ببطء، تتقدّم خطواتي على الأرض الحجرية كما يتقدّم التوتر في قلبي. يدي على المقبض، لحظة تردّد، ثم دفعت الباب..

، وما إن فتحت الباب، حتى وجدته هناك... واقفًا بثبات، يحرس المكان بصمتٍ يشبه سكينة الليل قبيل العاصفة.

جاك... ذاك الرجل الذي كان أنيس وحدتي في أيامٍ ابتلعتها الوحشة، وكنت أستمد من وجوده شظايا الطمأنينة في هذا العالم المجهول.

رفع عينيه إليّ، والتوى شفاهه بابتسامةٍ وادعة، وسأل بنبرةٍ خافتة يغلفها اللطف:

"هل تحتاجين إلى شيء؟"

تطلعت إليه بعينين جادتين، يشوبهما التردد والعزم معًا. ثم، وبعد لحظةٍ من الصمت المعلّق بيننا، جمعت بقايا شجاعتي ونطقت بصوتٍ بالكاد يُسمع، كأنني أخشى أن تُفهم كلماتي:

"أتدلّني على مخرج القصر؟"

تغيرت ملامحه في لحظة ، إذ غطى ارتباكه برداءٍ من الصرامة . قال،_محاولًا أن يبدو ثابتًا_..

"ثقي بي، لن يعجبك ما ينتظرك هناك في الخارج. هذا القصر... رغم ما فيه من كآبة، يظل مأمنًا مما هو أبعد من أسواره."

كانت نبرته قاطعة، و هذا ما زاد نهش الفكرة على عقلي..

ابتسمت له ابتسامةً فيها شيء من المكر، وشيء من الأمل الذي يرفض الانطفاء.

سأخاطر."

هززت كتفيّ بلا اكتراث مثّلته وأضفتُ وقد اتسعت ابتسامتي أكثر..

"وماذا لو أخبرتك أن لدي خطة؟ نخرج ونعود قبل أن يشعر أحد بغيابنا، لن يعلموا بأمر هروبي إلا بعد ايام.. أعدك."

شاهدتُه يبتلع ريقه، وتلك النظرة التي تسكن ما بين الخوف والتردد ترسم على وجهه تعابير لم تخطئها عيني. و التي جعدت ملامحه بانقباضة..

"أنتِ الآن تضعين السيف على رقبتي، أيتها البشرية... إن علِم السيد ريكاردو بما تنوين فعله، فمصيري محسوم، ولن يكون في العقاب أي شفقة. لن أعرّضك أو نفسي لمصير مجهول من أجل مغامرة غير مضمونة. ثم إن الخروج من هذا القصر... أعقد مما تظنين."

لم أُخفِ امتعاضي، وارتسمت على وجهي علامات رفضٍ قاطع لكلامه .

عقدت ذراعيّ أمام صدري، غصت في تأملٍ ارتب افكاري، خيم بيننا صمت لثواني، حتى شعرت كأن قطرة ماء تسقط مجددًا في بئر تفكيري، فتُحدث تموجًا صغيرًا في سكوني.

رفعت رأسي إليه وقد استعرت لهجة فضولية، قناع اصطنعته على مضض، إذ لم أكن مولعة بادّعاء ما لا أشعر به، وكم كنت أكره هذا النوع من التظاهر الذي يُفقدني هويتي في كل مرة... لكن، ما الحيلة؟

"من تكون ديالا؟"

ما إن نطقتُ اسم "ديالا"، حتى شلّت الكلمةُ حركة جاك تمامًا. تجمّد في مكانه، وفي لحظة خاطفة، مدّ يده ليكمّم فمي، وهمس بصوت مرتجف:

"صه... لا تذكري اسمها... لا تنطقيه أبدًا هنا."

حدّقت فيه بدهشة، وعيناي تفيضان بعلامات الاستفهام. ما الذي أثار فيه كل هذا الذعر؟ همست، كمن تحاول أن تفك لغزًا..

"لماذا؟"

أنزل يده محررا لفاهي وألقى بنظرة سريعة مرتابة حوله، ثم انحنى نحوي هامسًا، بصوت يختلط فيه الحذر بالأسى:

"شخصٌ مهم... لأحد أفراد العائلة."

لكن الكلمات ما لبثت أن اختنقت في حلقه، وتغيرت ملامحه على الفور، كما لو فطن إلى سقطة لا تُغتفر. اعتدل في وقفته وقال بصرامة مصطنعة:

"هذا يكفي.. لقد تعمّقتِ أكثر مما ينبغي."

تعمّقت؟

رددت الكلمة في داخلي مرارًا، وكل مرة بدت أثقل، هل الأمر المتعلق بوالدتي حساس لهذه الدرجة؟

تنهدتُ تنهيدة العاجز الذي ضاق به الحيل، ثم رفعتُ بصري نحوه بعينين نسجتُ فيهما ملامح البراءة، كقطة تستعطف حارس باب المطبخ ليقدم لها قطعة جبن،

"أما يجدر بك، أيها المصاص الشريف، أن تمد يد العون لبشرية وديعة مثلي؟ أم أنك تفضّل رؤيتي وليمة بين أنياب من هم على شاكلتك؟"

لم يجبني، بل تراجع خطوة إلى الوراء، ثم دفعني إلى داخل الغرفة بحركة حازمة وأغلق باب غرفتي تاركا لي في الداخل.. ثم قال، بنبرة يسمعني صوته عبر الباب لم تترك في قلبي موطئًا لعناد..

"لن أفعل."

............

العائلة كانت تجتمع على مائدة العشاء...كانت طويلة،غير أن الجميع إجتمع في جانب واحد منها.. كهل أشقر كان يتقدمها ، يلتقط قطع الطعام ينبس ..

"اين هو نايز ؟"

على يمينه، كانت تجلس امرأة، ترتسم على ملامحها أمارات الرضى بينما تتناول الطعام..

حين نطق الكلمات الأخيرة الجميع توقف عن الأكل...

ريكاردو رفع ناظريه له، موريان توقف لوهلة لكنه أكمل يعدل لأنجيلينا المنديل و هي ترسم ملامح تقول له بها ' ابي لقد كبرت ' هو يبتسم لها لم يلق بالا لسؤال ابيه الذي اخذ يعيده طوال المائة سنة الفائتة في كل وجبة..

أما المرأة ذات الشعر الفحمي التي كانت تجلس إلى يمين الكهل، فقد وضعت ما بيدها على الطاولة ثم رفعت نظرها نحو ريكاردو، الذي أكمل تناول طعامه وكأن لا شيء قد حدث، و الذي أجاب بلا اكتراث ، دون أن يلتفت إلى والده..

"لا يريد المجيء."

أطلق الكهل تنهيدة ممتعضة هذه اصبحت عادة ، في حين وقفت المرأة التي كانت تجلس على يمين ثيودور، وهي تشد ثوبها تنفض غبارا وهميا منه ...

"سأتحدث معه إنه ابني الصغير اللطيف، في كل الأحوال."

نطق ريكاردو بعبث اخيرا...وقوف والدته و كلامها يعني ان الأمر حل اوتوماتيكيا..و يستطيع التخلي على جديته...

" يريد البقاء وحده...اخشى انه سيغضب إذا ذهبت له"

"ها؟ مهما كانت تقاطيعه، ومهما صار يبدو أكبر مني، أنا لا أزال والدته... وأجمل مصاصة دماء في المملكة، أليس كذلك، ثيودور؟"

قالت الجملة الأخيرة تخاطب الأب اما هو فقد رسم إبتسامة جانبية بينما يأكل و قد كان ذلك كافيا ليكون تأكيدا جعلها تقفز فرحا و تذهب كطفلة ستجرب لعبة لأول مرة تصعد الدرج....

"فل تمنحني بعض حيويتها.. "

اطلق ريكاردو سخريته بينما اجابه موريان..

"الا تلحظ انها تشبه تالين؟ "

" انت تتحدث عن تالين كثيرا هذه الأيام اخي العزيز..."

همس ريكاردو الأخيرة لموريان كلماته كانت كافية لتدفع موريان إلى سعال مفاجئ بعد أن علق الطعام في حلقه.....حسنا الأمر يبدو واضحا...

ضرب موريان صدره بخفة، يحاول استعادة أنفاسه بينما كانت نظرات ريكاردو ضيقة نحوه بإبتسامة ، وكأنه يقول بلا كلمات "أعرف ما تحاول إخفاءه."

وقفت أنجيلينا من على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، تضرب برفق على ظهر والدها بنية خالصة لتساعده على ابتلاع الطعام العالق في حلقه..

بعد أن هدأ، رفعت عينيها الواسعتين إلى وجهه، ثم حولت نظرتها الحادة إلى عمها ريكاردو، تحدّق بهما بتلك النظرة الطفولية الذكية.

وضاقت عيناها قليلاً، تتنقل بنظرتها بينهما بفضول، قبل أن تقول بجدية "هل بينكما شيء؟"

بيرتا

كنتُ أذرعُ أروقة القصر ، أعقدُ ذراعيَّ لصَدري خُطايَ مازحة في ظاهرها، لكنّ قلبي لم يكن يضحك كعادتي..

اليوم كان مختلفا اشعر فيه بنوع من الاكتآب..

بجوار نافذةٍ ضخمة لمحت... تالين.

كأنها تمثالٌ وُلد من رماد النجوم، تحتسي الصمت من سيجارتها، وتتركُ أفكارها تتطاير مع الدخان. شعرها الفاحم مرفوع بذيل حصان، فبدت أصغر، كأن الزمن يُجاملها، من خشيته . جمالها له حدَّةُ السكاكين،

انفلتَ من شفتيّ همسٌ لم أُرِد أن يسمعه الهواء..

"يا لها من فاتنةٍ مرعبة!"

رغم شقاوتي المزعومة التي اكاد ادخل موسوعة جينيس بسببها.. إلا أنني كنتُ أشعر بالضيق.. وخاصةً منها.

تالين كانت الوحيدة التي لم أجرؤ على العبث معها، فقد نبهتني مرارًا، وبطريقتها الخاصة أنها النار بعينها..

قالت لي مرة: "لا تلومي إلا نفسك إن كنتِ سبب موتك." ومن يومها وأنا أحذر لساني، وأحاول ألّا أتحدث إلا بعد استشارة قلبي.

"تمالكي نفسك يا بيرتا... لا تكوني غبية مرتين، الغباء الأول أنك هنا، والثاني أن تطلقي العنان للسانك..."

همستُ لنفسي، أسحبُ جسدي بصمت من المكان، متظاهرة بأنني لم أرَ شيئًا. لكن ما نفع التظاهر حين تُباغتك نظرات من تتطاهر امامه؟ رفعت تالين عينيها فجأة، كأنها التقطتني من طرف المرآة. رفعت حاجبها، فنُزعت مني القدرة على الحركة. تجمدتُ في وضعي كأن أحدهم التقط لي صورة بلحظة هروب.

آه، يال حظي العاثر البشوش!

"ماذا تفعلين هنا؟ ألم أُشر إليكِ من قبل أنني لا أضمن ما سيحدث لكِ إذا اقتربتِ؟"

قالتها بنبرة مُهذبة كالسُّم في كأسٍ من البلور. الأسوأ؟

أنها رمت سيجارتها، واقتربت، الى اين اهرب الى اين أهرب!؟؟

بدأ قلبي يقرع كالطبول، كأن داخلي كله يستعد للوداعٍ .

أردتُ أن أقول شيئًا، أي شيء، أن أبرر، أن أختلق عذرًا. لكني، يا لسخافة عقلي، و لساني المعوّق نطقت..

"ربما... لأنّ صدفةً ما دفعتني للتحديق في وجهٍ فاتنٍ كوجهك."

نعم، قلتها...

أي جنونٍ يسكن لساني؟ نبرتي المرتعشة كانت تفضح خوفي ، كنتُ أحاول الثبات، لكن قدمايَ كانتا تفكران بالهرب.

"أوه، شكرًا على الإطراء... لم أتوقّع أنني جميلة إلى الحد الذي تخبرني فيه وجبةُ فطور عن ذلك."

وجبةُ فطور؟! لقد قالتها. تهديد مغلّف بورق السُكر. هي تُخبرني صراحةً أنني لقمة سائغة... وربما الأخيرة.

اقتربت أكثر، ثم فعلتْ شيئًا لم أتوقّعه حتى في أكثر أحلامي جنونًا: "ألقت قبلةً نحوي".

نعم، قبلة... من تالين؟! ما هذا الجنون؟ هل سأموت الآن أم لاحقًا؟ حين تصل قبلتها؟

"بيرتا..."

صوت مألوف شقّ هذا المشهد السريالي، فرفعتُ ناظريّ.

كان كايون، قد عاد لتوّه من الأكاديمية. تالين قد تراجعت، وابتسمت له، كأنها لم تفعل شيئًا البتة، وأخرجت علبة سجائرها مجددًا، تُشعل واحدة، تبتسم .

"

و كأنني أتنفس للمرة الأولى بعد غطسة طويلة في بحرٍ عميق زفرت بهدوء وأنا أبتسم له،

"لا شيء... فقط حديث عابر بيننا"

قلتها وأنا أُربّت على رأسه كأنني أشكره باللامباشر كونه سبب خروجي من مسرحيتي الصغيرة مع شقيقته حيًّة .

خطواتي توارت، عن السمع.. بل عن المشهد ككل..

...

حينها تالين اطلقت ضحكة و نبست بين قهقهاتها....

" لقد اصبحت مطيعة....لعبتك تلك ايها الصغير...."

" تالين.."

بنبرة جادة نطق كايون إسمها .........تالين توقفت فجأة عن الضحك، ورفعت نظرتها عن كايون، حيث بدا واضحًا في عينيه التغير الذي طرأ عليه. كانت نظرته نحوها جادة لدرجة ان وجهها بدوره اصبح جادا...

" ما الذي فعلته لها.."

"ماذا تعني؟"

ردت ببطء ترفع حاجبها ..لم تكن مركزة معه بل مع السيجارة و الولاعة في يدها تشعلها..

" اسألك إن كنتِ قد آذيتها تالين..."

"لا تكن دراميًا، كايون."

ردت تالين بتنهيدة، محاولة التهرب من الحدة التي القاها نحوها..

"لم أفعل شيئًا."

كايون لم يكن مقتنعًا. هو يعرف أخته جيدا......هي حنون في معضم الأحيان حتى لو كانت غاضبة، لكن في حالة تلك التي لا تستطيع تالين تحمل وجودها مثل بيرتا كونها بشرية...، يصبح الأمر مختلفًا.

"تالين....لست صغيرا لتلك الدرجة صدقيني.."

عيني تالين لمعت للحظة، لكنها كتمت انفاسها قبل أن ترد بصوت هادئ و إبتسامة ماكرة محاولًة تغيير الموضوع

" وجدنا نقطة ضعف اخرى غير انجيلينا..."

"ماذا فعلتِ لها؟" كرر سؤاله، وهو يقف بثبات أمامها....كما لو انه يخبرها انه جاد ولن يقبل اي إنحرافات لمواضيع اخرى...

"بيرتا فتاة مزعجة، كايون. و... لا يجوز النظر نحوها كشخص.. أنت تعرف ذلك جيدًا."

إكتفى بأن رمقها بخلوٍ قبل أن يذهب بخطوات هادئة بالإتجاه الذي ذهبت منه بيرتا....ما جعل الأخرى تبتسم بإتساع و تكمل تحديقها للنافذة تدخن..

ʕ'•ᴥ•'ʔ

كان الليل قد فرد عباءته الداكنة على أروقة القصر، وراح يهمس في زواياه بنسيم يتسلّل عبر النوافذ.

أنا شدَدتُ قلنسوتي على رأسي كأني أخشى أن يلتهمني الظلام إن بان مني شيء، وراحت أطراف أصابعي قدماي تنسلان على الأرض في محاولة لتخفيف صدى خطواتي . قلبي كان يخطو معي، خائفًا، متحمّسًا، و... ربما أحمقًا.

كم تمنيت أن أصبح بطلة من رواية بوليسية ، لكن لم أتوقع أن تتحقق امنيتي بهذه الطريقة..

من خلفي، سمعت صوتًا لم يُفاجئني، ذلك أنني كنت على علم بمكان صاحبه..

"ماذا تفعلين؟"

كان صوته هامسًا، كما لو أنه لا يريد لكلماته أن توقض من بالقصر... أو ضميره.

لم ألتفت إليه، بل اكتفيت بإجابة مقتضبة، تليق بمقام اللحظة..

"أتخفى."

نطقت بتركيز كنت أصوبه نحو تفاصيل المكان.. اي شيئ علي ان ادونه في دفتر دماغي حتى يتسنى لي استعماله في القريب..

هذا الحارس الذي ما فتئ يحذرني من الجنون الذي يشدّني إليه فضولي ، لم يجد في إجابتي شيئا مقنعا.

ظلّ يتبعني كظلٍّ لظلّ، خطواته توازي خطاي، عينه تراقب، قلبه يتهيّب.

تقول الحكم القديمة إن الإنسان لا يواجه المجهول وحده، بل برفقة فكرة واحدة تدفعه، وأنا كانت فكرتي هي: " الهرب و إستكشاف تاريخ والدتي الشيّق.. "

كان الطابق خاليًا...

على الأقل هذا ما أخبرني به جاك. أما قلبي؟

فكان ممتلئًا، ليس بالشجاعة، بل بتلك الرعشة الجميلة التي تسبق كل قرار متهور، تلك الدفعة التي تجبرني على التحامق...

كنت أعلم أن ما أفعله كالمشي على خيط معلق فوق جحيم... لكن لا بأس، إن سقطت، سأضحك في وجوههم قبل أن أحترق.

فأنا لدي إعتقاد فلسفي امشي على اساسه.. السير نحو الهاوية يكون أخف وقعًا إن صاحبته نكتة .

لا تجعلهم يستمتعون بخوفك في آخر لحظاتك، رؤيتك تضحك في آخر لحظاتك تستأصل منهم لذة الفوز..

ولأن جاك، المسكين، لم يكن يملك روحي الهاربة من المنطق، تابعني دون كلمة أخرى

اقتربنا من باب أخبرني مصاص الدماء الذي بمحاذاتي أنّه مهجور ..عقلي كان متحمسا لرؤية ما بالخارج..

وقلبي... قلبي كان يرقص رقصة الخائفين، بينما قلب و عقل و حياة جاك كانوا - على الأرجح - يقرعون أجراس نهايتهم.

لو علم السادة، لقطعو رأسه دون أن يرف لهم جفن، فخيانة مصاصي الدماء ليست إلا مرادفًا لكلمة: إعدام، قرأت هذا في كتاب أثناء جلوسي في الايام السابقة في نلك الغرفة البائسة..

سؤال كان يؤرق تفكيري مذ تحركت في خطتي..

ترى، لما وافق؟ جاك الذي يعرف من القصر ما لا يعرفه القصر عن نفسه، من تلك الزاوية التي طالها الزمن ، إلى الوقت الذي تستغرقه انحناءة كل خادم...

كان بإمكانه أن يقول "لا"، وأن ينسحب، أن ينظر إليّ نظرة المعلّم لتلميذة غبية ويتركني لمصيري... لكنه لم يفعل.

ربما لأن بعض الجنون مُعدٍ، أو لأن قلبي الثرثار أقنعه بمدى سطوة فضولي علي..

مددت يدي إلى الباب الكبير، دفعته قليلًا، فصدر صوت خافت كسر الصمت الذي ساد يترأس المكان لعدة قرون على الارجح...

همست،

"هل هذا هو؟"

هزز رأسه بالإيجاب، دون كلمات، وكأن الكلام ترف لا تملكه اللحظة.

سرنا معًا في الممر الضيق، الممر الذي بدا كأن القصر نفسه نسيه لسنوات طالت..

سقفه المنخفض و طوله الذي يأبى الإنتهاء بالإضافة إلى ضيقه جعله يبدو أقرب إلى سرداب

أما أنا، فكنت أمشي ، أخبر نفسي أن هذا الممر قد يكون خلاصي... أو خيبتي..

لكن لا بأس.

إن متُّ الليلة، على الأقل سأموت بعيدا عن تلك الغرفة التي كانت ملجئي لاكثر من اسبوع..

كلما اقتربنا من بوابة الخروج، كانت قدماي تُسرعان.. الأرض نفسها تدفعني دفعًا، تمتمت داخلي بشوب للحرية أنني اقتربت، اقتربت...و سأغادر!

وقفتُ، على بعد خطوة من الباب الكبير الذيخلفه يقبع ملاذي،خلاصي،نهايتي أو بدايتي...

خطوة واحدة فقط... لكني شعرت أنها تزن جبلاً.

أدرت وجهي نحو جاك، أردت أن أتنفس..

هو تقدم امامي

بجهد مشترك، دفعنا الباب الحديدي الثقيل.

حرفيا!..

في اللحظة التي عبرتُ فيها البوابة، شعرت كمن أعاد لي أحدهم رئتيّ. الهواء... أخيرًا، هواء لا يعبق برائحة الليالي الصيفية و النسيم العليل.. و ربما الأسرار.

لكن مهلاً... لا تصفقوا بعد، لم أنجُ.

أنا فقط خرجت من القصر الفرعي. نعم، "الفرعي"، ذاك الذي لا توجد به لوحات إذا مررت من امامها تتبعك بعينيها..

القصر الرئيسي دخلته مرة و لا نية لي للعودة له..

فهو ينتظرني كأم خائبة تنوي ضربي بالحذاء، وفيه لوحات حية - حرفيًا -

و حتى أخرج علي المرور بالمخزن... آه، المخزن. ولا رغبة لي ايضا في الحديث عنه لاني عشت فيه ضرا..

حتى الآن لم أُقتل، وهذا شيء يُحتفى به،

" هناك طريق اخرى.."

نطق جاك فجأة فنظرت إليه، بعينين ضيقتين كأنني أحاول إدخال كلمته إلى مختبر عقلي لتحليلها..

"ماذا قلت؟"

" ماذا؟"

" هناك طريق اخرى غير طريق المخزن.."

" رائع لنذهب إليها..."

لكن جاك، بصفته اختصاصي تحطيم الآمال الرسمي في هذه المهمة ، تنهد و استرسل..

"لا أظنها سهلة."

فرفعت حاجبيّ وأنا ألوّح له ساخرة..

"لِم لا؟ هل تسكنها تنانين؟ عفاريت؟ "

أشار بيده نحو القصر الفرعي..

"بعد هذا القصر... توجد فوهة غير منتهية، هوّةٌ لا يرى لها قاع، تفصل بين القصر الفرعي وقصر السيادة، ذاك الذي يحتضن الملك..

وبينهما... نفق على هيئة جسر، معلق فوق الفجوة، يربط بين القصرين.. "

قاطعته وأنا أحاول أن أجمع القطع في صورة واحدة.. احاول تخيلها..

"انتظر لحظة، هل تقول إن تلك الأبواب الثلاثة... كل منها يقود إلى نفق؟

وكل نفقٍ هو جسر يصل القصرين؟

يعني... يعني أن ذلك الممر المزعوم ليس سوى حبلٍ مشدود فوق العدم، وينتهي، بـ... المخزن؟!"

"بالضبط... ومن سابعِ المستحيلات، بل ومن ثامنها إن وُجد، أن نعبر تلك الأنفاق. الحراسة مشددة هناك"

حدّقتُ فيه وكأنني أستجديه أن يُخرج من جيبه مفتاحًا سحريًا أو تنينًا يطير بي إلى الضفة الأخرى.

"والحل؟"

أطرق قليلًا، ثم رفع بصره كمن يستدعي من ذاكرته شيئًا قد يساعد..

"هناك جسرٌ آخر."

أسرعت ملامحي إلى الاحتفال قبل أن يتلطخ الأمل بكلماته التالية، إذ سبقني وقال، بنبرة يُحبها الكتّاب حين يتحدثون عن النهايات المأساوية..

"جسر طويل... في حالة يرثى لها... قابلٌ للانهيار في أي لحظة. تحته فوهة لا نهاية لها.. "

هنا، سقطت ابتسامتي كما يسقط ثوبٌ أبيض في مستنقع.

"هل تريد قتلي؟... لديّ فوبيا المرتفعات! "

"فوبيا؟"

كرر الكلمة كأنها وردة غريبة نبتت في فمه، لا يعرف إن كانت تُؤكل أم تُشم.

"لا يهم... لنذهب. استعمل قوتك كمصاص دماء، قرأت في الكتب أنكم تطيرون، لذا هلا اعنتني؟."

هز رأسه بتثاقل نافيا ، وكأنه يحمل مآسي الكون في كتفيه..

"لو فعّلت قوتي، ستفضحنا الهالة... الهالة لا تكذب، و اول من يستشعرها هم افؤاد. العائلة.. "

بللت شفتي بتفكير.. خطتي ستنهار فور سقوطي و موتي..

"أكرهك...لا تقلها مجددًا، سأكرهك أكثر، وسيصبح قلبك أثقل من ضمير قاتل روماني."

تنهّد ثم قال،

"عليكِ أن تكملي الطريق بمفردك..."

"مستحيل." قلتها وكأنني احاول أن أصدُّ قدري بلفظة .

أدار وجهه عني، وأنا التقطت الدفّة وسرت بخطوات أثقل من قلبي،

الحياة مسرحية سيئة الإضاءة،

التفتُّ نحوه، وابتسمت ابتسامة واهنة فيها من الشفقة على نفسي أكثر مما فيها من وداع،

"لقد فعلت شيئًا شهمًا، أيها الشريك المتردد. وإن متّ هناك، خارج جدران هذا القصر ، فقط أخبرهم أنني كرهت المكان لأن الضيافة سيئة، والطعام باهت، والخدم لا يبتسمون، "

اخذت نفسا عميقا و زفرت مع نطقي بإيتسامة ذنب..

"وأنت... فقط، اعتنِ بنفسك. لا أحد سيحزن أكثر مني لو التهمك القصر بعدي."

قهقه جاك بخفة و نبس متماشيا...

" إذهبي لا تقلقي من وصول الرسالة.."

لوحت له و استدرت لوجهتي.. تمتمت لنفسي، بكلمات تكررت رأسي كأنها تعاويذ نجاة ثم اخذت نفسا...

" لا تنظري للأسفل لا تنظري للأسفل لا تنظري للأسفل...."

رددتها كأنني أذكر نفسي انني إن نظرت، سيبتلعني الفراغ، أو أسقط في فكرة فلسفية عن هشاشة معنى الحياة فوق الجسور المهترئة.

رباه، حتى الجسر يُشبه روحي: متأرجح، مهدد، لكنه لا يزال معلقًا بالاحتمال.

رفعت قدمي أستعد لتخطو الخطوة الأولى .... الجسر يتأرجح مع الرياح،و هذا يوترني..

حسناً... وصلت إلى بداية الجسر. بداية الهاوية. بداية القرار الغبي الذي أقنعت نفسي أنه بطولة.

وقفت هناك. أرمق الخشب المتآكل وكأنه ثعبان ممدود أمامي، ينتظر مني أول خطوة ليلتف حولي.

"أنا فتاة عاقلة. أنا فتاة حكيمة. أنا فتاة لا تخاطر بحياتها على جسر من عصر الديناصورات. لم افعل ذلك في حياتي و لم افكر به حتى.. كل خطوة لي كانت مدروسة و تتماشى حسب رغبتي.. و هذه المرة لن تكون استثناء..

خطوة إلى الأمام.

ثم... لا.

خطوة إلى الخلف، و قد التفتت مرة أخرى لجاك بإبتسامة ساخرة لم تستطع اخفاء الارتجاف منها..

"ربما أستطيع البقاء في القصر قليلاً بعد، أعني... السجادة هناك كانت ناعمة، والقتلة لطفاء إذا عرفت كيف تضحك على نكاتهم."

"إيميليان." قال جاك، من بعيد، صوته مزيج من التوبيخ و الدفع.. "تحركي."

"حسناً!"

صرخت كأنني دفعت للامام. ثم همست لنفسي..

"فقط لا تنظري للأسفل. لا تفكّري. تخيّلي أنك تمشين فوق أرضٍ صلبة، أو كعكة عملاقة، أو.. لا! الكعكة قد تنهار."

خطوة.

خشبة تصدر صوتًا... وكأنها تودعني، تخبرني ان مسألة حياتي او موتي على يدها...مستفزة..

تقدّمت. خطوات صغيرة، مترددة، متعرّقة. أغمضت عيني، ثم فتحتهما بسرعة، لأنني كنت أخشى أن أفتحهما مجددًا وأجد نفسي طائرة في الهواء، او ابقي عليهما مغلقتين فلا انتبه الى لوح مكسور سيكون اخر ما سأشتمه في حياتي..

ثم، وأنا في منتصف الجسر، شهقت شهقة النجاة المبكرة. لم أمت بعد. هذا يستحق التقدير.

........

وفي النهاية، بعدما اجتزت تلك الخطوة التي كانت كحلمٍ مرعب، وضعت قدمي على الأرض الثابتة على الجانب الآخر.

شعرت بالتحرر، كما لو أنني تخلصت من ثقل كان يضغط على صدري. التفتُّ لحظة إلى الوراء، حيث الجسر الذي كنت أعتقد أنه سيُفضي بي إلى الهاوية. كان يهتز خلفي كما لو كان يضحك بشر و الآن هو يشعر بالهزيمة..

لقد جننت حتما لدرجة اصبحت استشعر مشاعر الجسور..

عند وصولي لليابسة ألقيت بنفسي على الأرض في احتضانٍ عفوي،

همست بصوت مفعم بالفرح ، ربما لم أكن أصدق حتى الآن أنني عبرت، أو ربما أردت فقط أن أخدع نفسي قليلًا، "يا أرض، يا صلبة، يا جميلة، لن أتركك أبدًا أعدك!"

آه، يا له من شعور غريب أن تحيا في تلك اللحظة التي تكون فيها مجنونًا بما يكفي لتشكر الأرض على كونها موجودة.

نهضتُ بعد أن استرددت بعضًا من كبريائي المفقود، أشرتُ لجاك الذي ما زال يقف على الجانب الآخر من الجسر، ابتسامة الامتنان ارتسمت على وجهي. ثم صرخت بصوتٍ عالٍ،

"شكرًا أيها الحارس، لن أنسى شجاعتك... وتخليك عني في هذا الجسر المرعب!"

جاك، بالكاد استطاع كبح ضحكته، صاح بنفس نبرة صوتي حتى اسمعه ملوحا..

"إذا لم تهلكي في مغامرتك القادمة، سأكون بانتظارك على الجانب الآمن... هنا."

اومأت و قابلته بظهري أسلك طريقا جديدة في رحلتي....

...........

صوت نقرات الكعب العالي كان يملأ أرجاء الجناح، ويعكس صدى قوياً في الأرجاء، ففي هذا المكان الهادئ في غالب الأحيان، لا يحتاج المرء إلى الكثير من الفطنة ليعرف من هو الدخيل بمجرد سماع خطواته. لا شك أن صاحب هذا الصوت ليس سوى امرأة في أواخر خمسيناتها، والتي تبدو أكثر إشراقًا وحيوية من شابة في العشرينات. هي، من غيرها؟

يا رفاق اسحب كلامي...إنها الشابة الأجمل في هذا العالم..._اتعرض للتهديد_

لنعد لموضوعنا..

كانت أمام باب غرفة ....تنهدت قبل أن تدخل..

اولادها سيتسببون في مقتلها في أحد الأيام و هي شاهدة على كلامها...

الأول، كان منفصم الشخصية، غريب الأطوار، وهو والد عزيزتها أنجي...

الثاني، كان عاشقًا للمجوهرات، زير نساء، وغدًا لا يستحق الذكر،

أما الثالث، فلم تكن لتعلق عليه أبدًا... كانت تقسم أنه ليس من صلب عائلتها، بل هو ابن عائلة أخرى قد وُلِدَ في حضنها! كيف يمكنه أن يكون هادئًا لهذه الدرجة؟!

هي أمه و رغم ذلك تستطيع عد المرات التي إبتسم فيها معها....عاشق البودينغ و الكتب....

و التفكير في ذلك دفعها لتدرك حقيقة غريبة... أن غرابة الأطوار كانت وراثة عائلية، وراثة في عائلتهم المتواضعة...الجميلة....

رجعت للواقع و أخذت تتذكر لما هي هنا..و اخيرا تذكرت.....لو إنتظرت ابنها حتى يفتح لها الباب ستشيخ و لن يفعل..لذا قررت أن تفعل وضع الأم الجريئة و تهجم عليه....لم تنتظر...ذلك أنها فتحت الباب بحركة مفاجئة و دخلت....و فعلا لم تتوقع ذلك

............

" ماذا تقصد بأنك كنت تريد تقبيله؟ "

" اليس صديقي الوسيم الرائع؟..يستحق ذلك.."

كان ذلك الغراب يستند على كتف نالا_والدة نايز_ يتحدثان بينما نايز يغطي وجهه بالكتاب و هو يجلس على الكنبة يسند رأسه للخلف...

" و انت نايز.."

" ماذا؟.."

" الن تفسر.."

تقصد نالا بذلك ان يفسر سبب المشهد الذي رأته حين دخلت غرفته.....و الذي هو المشهد الذي يفترض ان يخبأ في اقصى نقطة من الأرض....ذلك انها ذاك الغراب معلقا في الحائط من كلا جناحيه و يصرخ،بينما نايز يضع قطنا داخل اذنيه ختى لا يسمع صراخه و هو يقرأ كتابه....

" كان يريد تقبيلي.."

قالها مشيرا للغراب .

" هيا لتتناول العشاء.."

" لا"

" لما؟.."

" ذلك الرجل هناك.."

" بربك نايز...إنه ليس الوقت لتتصرف كطفل..لأننا سنذهب بعد مدة للقصر الرئيسي و لن تفعل هذا في العشاء مع جدك.."

" لما لا استطيع؟...ارجوك لا اريد المناقشة.."

"كما تريد.....لكن هل تعلم أنني اجمل أم في العالم؟"

" اجل....سمعت هذه الجملة في حياتي اكثر من إسمي.."

" اووووه هذا جميل...هل سمعت زافيير نايز أصبح يجاملني.."

اومأ الغراب إيجابا بلمعة في عينيه...

" و الآن...لما كنت تريد تقبيله..؟"

سألت نالا زافيير بحاجب مرفوع..

" لأنه وسيم.."

" هاه؟...لا اظنك تقول الحقيقة.."

" حسنا....ربما لأنه دعاني بالوسيم.."

اطلقت الأخرى ضحكة ثم ربتت على رأس الغراب و نبست..

" معك حق...."

ضرب بجناحيه الهواء إتجه ناحية نايز ...همس بشيئ في أذنه و طار خارجا...اما نايز فقد بقي صامتا لبرهة ثم إعتدل في جلسته و قد قابلته إمرأة أخرى...شخصية ثانية لنالا..حسنا لو قلتم لي من اين ورث موريان الإنفصام سأشير لكم لها....

" نايز.."

" لا اريد الحديث في الموضوع ...."

هنا قطع عليها اي سبيل للحديث كأنه يعلم مسبقا ما ستقوله...لكنها اصرت على الإنطلاق في الحديث معه...

" والدك كان مضطرا..."

" يكفي...."

برهة صمت حلت بينهما...فقط بنظران لبعضهما...قطعها نايز يقف من مكانه يخرج قطعة بودينغ من مخزنها...و لكن الشيئ الذي كان مفاجئا أنه و بكل إرادته....لم يكن يهدده أحد....

إقتسم معها قطعة البودينغ.... الوحيد الذي كان نايز يقتسم معه البودينغ هو شخصيته المرحة ..ما الأمر معه...عليها توثيق ذلك نايز اليوم على غير عادته، ماذا حل بإبنها؟

نظرت له ثم للقطعة له ثم للقطعة مرة اخرى و نبست..

" هل هي مسمومة؟.."

" لما سأسممك؟"

" منتهية الصلاحية؟"

" لا...طازجة "

"لم تعجبك؟"

" لا آكل سوى نوع واحد و انت تعلمين هذا.."

" هل انت مريض؟ هل اصابتك حمى ؟"

" خذيها قبل ان أغير رأيي"

" حقا؟"

تنهد و جلس مقابلا لها يأكل....حسنا لقد لاحظتم انه يأكل البودينغ في اي وقت في اي زمان و مكان و لو قدمنا له حمولة لا تحصى من البودينغ لن يمتنع عن أكلها..

o(╥﹏╥)o

تم و اخيرااااا🐬🐬😭

هذا الفصل اقصر من الذي قبله👈👉

رايكم😭🔥

نالا حبيبة القلب الجديدة🎀

زافيير و ظهوره الفخم الكوميدي😭🫦

هو و بيرتا و عائلة الذئاب اخذو لقب كوميديا الرواية🤣

إيمي سجلت ظهور💃

جاك الكيوووت🥹

بيرتا و كايوون.😭

تالين و بيرتا💀

لسان بيرتا لا يمكن إمساكه🤣

انجيلينا و والدهااا 🤭💓

حكاية موريان مع تالين🙂

ريكاردو واسطة🤣

ثيودوور شرايكم فيه😀

نايز و زافيير الثنائي المرح😭🤣

مريم و الذئاب🤭

اريد ان اصبح قطعة بودينغ😔🤏🏻

ملاحظة:

فضلا من الكاتبة، كل من يعرف البطل (رغم انه لم يظهر بعد بطل محدد ) رغم ذلك هناك قراء للرواية قبلا، لذا فضلا اسم البطل ممنوع التفوه به، انطقوا اسمه نعم لكن ليس في سياق بطل الرواية حتى لا تحرقوا على القراء الجدد، حين يظهر البطل سأخبركم بإسم ستنادونه به من ذلك الفصل وصاعدا..

و شكرا❤

🌸فلاد دراكوليا تلمع بكم🌸

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

FLAD DRACOLIA

المؤلف Felina
2025/06/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة