9- بين النبض و الوصية

9- بين النبض و الوصية

3 0

خرج إلى الشرفة و عقله شارد في نشوة مؤقتة ، استند إلى السياج الرخامي و أخرج علبة تبغ فاخر من الجيب الداخلي لمعطفه ، لف سيجارة رقيقة فقط لردع للرغبة و أشعلها كأنه يغازل.

أخذ نفسا طويلا و أفرغه ببطء ، متأملا خيط الدخان الانسيابي الذي وجد طريقه من أنفه . أخذ نفسا أطول و و نفخه " ما أشهاك.." قال مخاطبا سيجارته ، و مرر أصابعه في شعره الأشقر ثم أرخى ربطة عنقه بسبابة و إبهام.

قاطع نشوته الممتعة صوت انثوي ماكر معتاد من خلفه " يا لحظي التعيس ، زوجي المستقبلي سكير ؟"

التفت إليها بابتسامة صغيرة، استند بظهره إلى السياج و تأمل السيجارة " بل منتشي " رد ثم نظر لها بأعين شبه شاردة " أوه ، هذه انت؟ .. آخر لقاء بيننا ..لم يكن وديا تماما" لتلوي فمها و ترفع حاجبها و قبل ان ترد رمى لها علبة التبغ المعدنية " جربي ، لكن لا تخبري أحدا"

تلقت العلبة بانسيابية ، فتحتها و شمتها و رفعت حاحبها " لا أخبرهم بماذا ؟ أنك تحرضني على التدخين؟"

لينفي بتحريك سبابته في الهواء و ابتسامة رضا صغيرة على وجهه " بل لا تخبريهم أني مدخن " تابع" تعلمين ، سيلفان سيمنعني.. فأنا من منعته عن الخمر"

فردت باستغراب " كان مدمنا هو الآخر" ليرد بأسى " كان يشربه كأنه ماء" ثم أدرك أنه تحدث بالكثير " لا تخبري أحدا عن هذا أيضا"

اقتربت منه ، ناولته العلبة مترددة " لف لي واحدة " رفع حاجبه باستغراب من جرأتها ، فأكملت " أريد أن أجرب"

ليقول هو " النساء لا تدخن " فعاندته عاقدة ذراعيها " و هل هذا قانون؟" ليرفع كتفيه و يلوي حاجبيه " لا أعلم.. هذا ما اعتدت عليه"

ثم أخرج سيجارته من بين شفتيه و ناولها لها " جربي هذه ، لن ألفّ غيرها " ، أخذتها منه و تاملتها مستغربة ،قلبتها بين أصابعها يمنة و يسرة ثم وضعتها بين شفتيها و حاولت تقليده فاختنقت بها " اللعنة !" صرخت و السيجارة تقع من يدها و هي تسعل بعنف.

داس العقب حتى انطفأ و ضحك منها " في صحتك ، آنستي" و بينما كانت تسعل احضر لها كوب ماء من المنضدة المجاورة " صوفيا.." خاطبها ، فأخذت الكأس من يده و شربته دفعة واحدة " يا الهي! كيف يشرب الرجال هذا السم"

" نستنشق" صحح مقاطعا

لترد " أيا كان اسمه! لم كل هذا؟" فضحك " أتكترثين بي؟"

لتنظر له بطرف عينها " بالطبع لا" و تمتمت " مازلت أكرهك ، بالمناسبة"

نظر لها مطولا ثم تبسم ، ليست ابتسامة حقيقية بالفعل ، بل مجرد ارتفاع في شفتيه لردع الصمت المحرج " قاسية كلماتك ، آنستي"

لترد بغرور " تستحقها"

حافظ على تلك البسمة و اخرج علبة التبغ من جديد و لف عقب سيجار .

أخذ نفسا طويلا منه " لكن إلى متى؟"

التفتت له و قد لامس سؤاله شيئا في داخلها ، لم ترد في البداية ، ثم قالت و هي تضم قبضيتها على فستانها " إلى أن تقتنع أن تفسخ هذه الخطوبة"

زفر خيط دخان و نظر لها " يا عزيزتي ، الامر ليس بيدي" و تابع بعد نفس واحد " أنا مجبر مثلك تماما ، فلماذا ترينني عدوا ؟"

سكتت ، فتابع هو " عاجزة عن الرد؟ لا بأس " اخذ خطوة نحوها " لكن صوفيا ، لو استمررنا بهذه الوتيرة سنخسر أنفسنا.."

شدت فكيها على بعضهما ، و لمعت دموع في عينيها ، فمسحها قبل أن تنزلق " نحن صغار على هذا ، و هم لا يفهمون ذلك . أنا لست عدوك ، أنا أكثر من يفهمك ، صوفيا."

نظرت له " هل كنت تحب فتاة قبل خطبتنا؟" ليتبسم " لا ، اطمئني"

فاحمرت محرجة" لا ! الأمر ليس أني أغار ! مجرد سؤال عابر اقسم!"

أضحكته.. أمسك بيدها و قبل ظهرها بنبل لبق " من حقك أن تغاري .." ثم اكمل " أعني.. تعرفين ، حتى أنا احيانا أغار على نفسي"

فضربت كتفه بلكمة خفيفة " متعجرف للغاية ،ارثر " ثم التفتت نحو النوافذ ، لترى أن الفالس قد بدأ ، لاحظ نظراتها فسأل" تريدين الرقص مع شاب وسيم؟"

نظرت له بطرف عينها " بعد شجارنا السابق؟" ليرفع ارثر كتفيه " مجرد محاولة لتلطيف الجو" و نظرت ليده الممدودة نحوها ، و ترددت قليلا قبل أن تضع يدها في يده " لكن إن سقطت ،سأتهمك بمحاولة اغتيالي" قالت بمحاولة الحفاظ على غرورها.

فشد على يدها و قادها نحو الداخل

و على المنصة كان سيلفان واقفا ، و بجانبه فرانسيس الذي قدم لتوه ، مزج شرابه ثم سخر" إذا ، ماذا فاتني؟" ليرد عليه سيلفان " ثلاث ايام من الاحتفال و الشرب و رقص الفالس " ثم تابع " كيف حال عائلتك؟"

ليرد فرانسيس " بخير ، الحمد لله. أسميت الفتى غابرييل و الفتاة أورورا . لاريسا أصرت عليه "

"أورورا.." كرر سيلفان" جميل اسمها ، مبارك لك بهما " فتبسم فرانسيس" و لك أيضا ، صديقي .." ثم ألقى نظرة سريعة على الحشد ليرى رأسين مالوفين ، آرثر و صوفيا ، يحاولان الرقص و صوفيا تتعثر بحافة فستانها كل ثلاث خطوات ، و دون أن يسمعا آرثر عرفا جيدا أنه يسخر منها.

أشار فرانسيس لسيلفان متعجبا" و هذان؟" فضحك سيلفان" هما الأصعب هنا ،و يبدو أن ارثر وقع في كيد تلك الماكرة" ليكمل فرانسيس الضحك حتى كاد يسكب كوبه " انظر إليهما! كعصفوري حب صغيرين يحاولان تعلم الطيران"

تثاءب سيلفان وسط ضحكه ، اعتذر من فرانسيس و غادر القاعة.

كان قد أمضى الايام الثلاثة الفائتة بنوم متقطع ، لان بعض من النبلاء كانوا لا يكفون عن الشرب حتى ساعات متأخرة.

و ترك خلفه فرانسيس يراقب العاشقين كمن يرى مسرحية سخيفة.

أخذ سيلفان خطواته إلى غرفته ، فتح الباب و نزع قميصه منهكا ، مرر أصابعه على الندبة المشوهة في كتفه ، كان حوض الحمام الساخن قد أعد له ، فأغرق نفسه و سمح لجسده أن يسترخي في الماء المنعش.

دلك عنقه بزيت عطري ، و عيناه بدأتا تسترخيان بفعل الإضاءة الخافتة للشموع.

بدأ يراجع في عقله الأحداث السريعة التي حصلت في هذه الآونة ، كان قد تعرف على اليرا و تعلق قلبه بها ، قد قام باختبار العائلة و نجح به ، ليونهارت مرض ، آرثر خطب ، و الآن ، بعد شهر كامل من الازدحام قد ارتاح عقله.. مؤقتا.

و هذه السكينة بالطبع لن تدوم ، فالحقيقة مرة..حين يموت ليونهارت سيستلم ثيودريك الحكم ، سيضطر سيلفان للعودة إلى برافيا لحكمها ، و سيتزوج إليرا ، و من يدري ما قد يحصل بعدها ، ربما يكمل إرث والده في المجلس الاستشاري.

لم يشعر بالوقت..كانت مجرد رمشة تقريبا ، رمشة واحدة نقلته من مراهق يتسكع مع اصدقائه إلى أمل مملكة كاملة.. و هذا ثقيل عليه.

تنهد و ملأ راحة كفه بالصابون ، فرك كفيه ببعضهما ثم مررهما في شعره ، تنهد ، و أسند رأسه على حافة حوض الاستحمام ، ليفقد نفسه في غفوة مؤقتة.

و في ذلك المكان بين الحلم و اليقظة ، ماذا كان يسمى ؟ نعم ، الخاطرة.

هناك أيا كان ذلك المكان ، رأى والده واقفا أمامه ، يرتدي لباسا أبيض و وجهه نضر بابتسامة بشوشة ، كان يمد ذراعه له و يتبسم ، يهمس لسيلفان بحنو ، كلمات لم يفهمها سيلفان ، لكن تلك النبرة كانت حلوة حنونة ، كشعاع منساب بين غيوم عاصفة ثقيلة.

شعر سيلفان بدفئ يغمره ، و مد يده حتى كادت تتلامس أطراف أصابعهما ، و حين شد سيلفان يده على كف والده عاد لواقعه ، في حمامه الذي برد.

شعر بالسخف من نفسه.. فتظاهر أنه قد رفعها لفرك شعره لمسه فشعر بالصابون قد تيبس عليه فغسل رأسه بسرعة ثم نهض من الماء الذي كان قد برد بالفعل.

اخذ منشفة جفف بها نفسه و لف واحدة حول وسطه تاركا صدره و ندباته عارية ، أطفأ الشموع ثم عاد لغرفته بخيبة تثقل كتفيه.

و حين اقترب من الخزانة لاحظ مغلفا ابيض حديثا على مكتبه ، ارتدى فستان نومه بسرعة و أخذ المغلف بفضول.

قلبه بين أصابعه ، الخاتم غريب ، خامة التغليف غير مألوفة ، مزقه بسلاسة و حرص ، فتح الرسالة.. و بدأت عيناه تتدحرجان على المكتوب:

( عزيزي سيلفان ، تحية طيبة من شخص قصر في حقك.. و أما بعد:

سمعت أنك قد أقدمت على اختبار العائلة ، بل و اجتزته ، هذه بطولة منك يا فتى. أخي الراحل حين عبر ذلك الإختبار عاد لنا شبه حي ، و بقي مقعدا في الفراش لشهر كامل ، أنا فخور بك يا فتى...نلت فخر الأسرة ، و التي يخزيها أن أكون جزءا منها

و بصراحة مطلقة: يؤسفني بقاؤك تحت كنف الخائن لأخي ، فآمل من كل قلبي أن تعود لنا ، سيلفان. دعك من التحقيق ، فالخائن ليونهارت و اتباعه لن يقدموا لك نتيجة ، أعدك بحياة كريمة هنا ، معي ، مع ابن عمك ، على الأقل سأضمن وجودك تحت حمايتي،

قرر ثم راسلني.

عمك المحب ، كارلفان فالستون )

قرأ الرسالة بضعة مرات ، قلبه آلمه ، أخذ نفسا طويلا ، كان قد رأى والده في الحلم قبل دقائق.. ماذا كان يحاول قوله..؟

فكر ، فكر ، و من بين كل كلمة في معجم لم يخطر له سوى جملة واحدة 'اتبع حدسك ، بني'

فتنهد و مد يده للحبر و الريش..و كتب دون تردد ، دون أن يشطب خطأ إملائيا واحدا :

( عمي العزيز كارلفان ، وصلتني تحيتك القيمة .

سرتني رسالتك ، انا بخير ، و جلالته أحسن لي طويلا ، هو الآن يحتضر و لن أتخلى عنه.

و يؤسفني اخبارك أني قد أوقفت التحقيق.. أريد المضي قدما و أن أكون أسرة.

اللجوء لدوجا؟ لا ، أفضل الموت على الاحتماء بالعدو.

شكرا على تذكرك لي بالتحية .

ابن أخيك ، سيلفان )

قرأ ما كتب مجددا..بثقل. هل حقا يجب إيقاف التحقيق ؟ تنهد ، لكن تذكر وعده لليونهارت فتابع ، و تبع حدسه فأغلق المغلف و ختمه ، ثم سلمه للخادم أمام الباب.

عاد لسريره و اخرج من تحت وسادته ساعة كانت لوالده ، عقاربها متوقفة ، لكن جلدها مازال متينا و أنيقا ، ضمها لصدره حتى غفى و العبارة تتردد في رأسه..

'اتبع حدسك ، بني '

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

و في إحدى صباحات الصيف المبكر شهد القصر الفاجعة.

استيقظ سيلفان على صوت خبط عنيف على باب غرفته و المقبض يرتفع بعنف كأن شخصا يحاول الدخول غصبا ، و صوت من خلف الباب " سموك سيلفان! ارجوك ،افتح فورا! جلالته ليس بخير!"

اندفع سيلفان نحو الباب ، وضع قميصه عليه بالكاد لستر بدنه و هو بواجهة الخادم امامه ، الذي أخذ يرتعش و يبكي و يلطم خدوده " جلالته يحتضر! جلالته يموت! يا ويلتاه ماذا سيحصل بنا!"

و فور أن استوعب سيلفان الكلمات حتى انطلق كالشرارة و قلبه يخبط كالطبل.

ركض عبر الممرات كالمجنون ، و الكلمات تتردد في عقله.

رأى خادم آخر كان قد اندفع لغرفة النوم الرئيسية ، طرق بقوة ليفتح له ثيودريك و الغضب على وجهه " أيها الوقح ! أتعلم كم الساعة؟-" و قاطع ذلك أنه لاحظ بكاء الخادم.

تمتم " جلالته.." اصفر وجه ثيودريك ، حنكه ارتجف " جلالته ماذا؟" لم يرد الخادم.. فزعق ثيودريك و هو يهز كتفيه " أجب!"

اثر الضجيج كانت اليانور قد استيقظت ، حملت ليونارد - الذي قد اتم العام من عمره - و خطت للباب ببطء متوجس و همست " ماذا هناك ، سموك؟"

عض ثيودريك على أنفاسه " على ما يبدو فوالدي يحتضر".

شهقت اليانور و شعرت بضيق في صدرها ، اصفر وجهها و جحظت عيناها.

سرعان ما حملت صغيرها و اندفعوا صوب غرفة ليونهارت.

فتحوا الباب على عجل ، و قلوبهم تكاد تخرج من صدورهم من هول الرهبة.

كان ليونهارت متمددا ، و اصطبغ وجهه باصفرار كأنه الموت نفسه ، لكن سكينة الطمأنينة تجلت في ملامحه ، لا يبدو عليه الألم.. بل هدوء نقي بريء.

فور ان ولجوا نحوه تبسم لهم دامعا ، لمعت عينا ثيودريك بالدموع بينما انهارت اليانور على ركبتيها جاثية عند سريره ، أمسكت يده بخشوع بين كفيها و قبلت ظهر كفه متوسلة " جلالتك ، أرجوك تماسك.." تمتمت و هي تبكي ، دموعها تنهار على كفه و رأسها راكع هناك بتوقير جلي.

نظر لها ليونهارت بحنو أب لا ملك ، سحب كفه. و وضعها على رأسها كأنه يباركها ، يده الضعيفة و الثقيلة كانت تمسد رأسها ، و صوته المتحشرج خرج مبحوحا " انهضي يا ابنتي .. كفاكِ دموعا على شخص سيموت و يفارق " لتزعق " لا! " ثم تابعت " لا أرجوك! لا تموت ! جلالتك! لا تقلها! "

دموعها تسيل على خدودها دون انقطاع ، و الخدم حولها يعضون على مناديلهم لكبح دموعهم. ثيودريك يراقب المشهد بعجز و سيلفان واقفا عند الباب بأقدام متصنمة لا يستطيع الحركة. تمتم للهواء حوله " أبي.."

عيناه الزجاجيتان قد تسمرتا على جسد ليونهارت المتعب و الى الباكين حوله ، على ثيودريك الذي كان يحاول كبح دموعه بغصة و ألم ، العبرة اختنقت في حلقه و قلبه يتقلص حتى آلمه.

شعر بركبتيه تخشبتا ، و الهواء ضاق حوله ، حاول رفع يديه إلى أذنيه ، لكنه كان كالمشلول.. خوفه شله عن الاقتراب و لو لخطوة.

اليانور التي تنتحب عند قدمي ليونهارت ، ثيودريك العاجز عن النطق ، الخدم الباكين حولهم ، و ليونارد الذي قد انفجر ببكاءه الطفولي حين استشعر البرودة في الهواء .

بقي شاردا إلى أن أوقظه صوت ليونهارت المنهك " بني ، سيلفان . هلم.."

عاد سيلفان لواقعه ، أطلق نفسه نحو ليونهارت لكن ركبتاه لم تحملاه، فزحف مسرعا نحو السرير زحفا و أمسك بيد ليونهارت التي مدها إليه ، يقبلها و يبكي عليها.

و قد انفجرت دموعه دفعة واحدة حين استشعر ضعف تلك اليد.

و تقدم ثيودريك و هو يحمل ليونارد ، وضعه على صدر جده و هو يهمس بغصة ، محاولا كبح دمعة لم يقدر عليها " ودع جدك يا صغيري.."

ليونهارت نظر إلى حفيده الصغير ، تبسم له و تودد لخدوده، فمسح بإبهامه المجعد الخد المنفوخ لليونارد، سكت بكاء الطفل ، نظر لجده بفضول بريء ، ثم أطلق ضحكة مناغاة فظهرت غمازاته الصغيرة ، و وسع ابتسامته لجده متوقعا أن يضحكوا له كما اعتاد. لكن لم يؤثر لعبه إلا بزيادة البكاء من حوله.

سقط ثيودريك على ركبتيه بجانب والده رفع نفسه نحو جبينه و قبله بحنو " أبتي .." همس متألما.

فتبسم ليونهارت و مسح على خد ابنه ، مد يده نحو وصيته و سلمها لثيودريك و قد سالت عيناه بأول دمعة أخيرا.. و كأنه أدرك أن هذا هو اخر عمل له في حياته ، مر شريط ذكرياته أمامه و عيناه تتحركان بين الموجودين وصولا لسيلفان ، شهق و سالت دمعة ساخنة على خده حين رأى ملامح كولت في ذلك الوجه ، حشرجة متألم خرجت من صدره ، متوسلا بشكل لا يليق بمكانته " سامحني يا فتى.. لقد قصرت معك.. قد قصرت كثيرا.."

لينظر له سيلفان منتفضا " لا! لم تفعل سوى خيرا! لم تفعل.." ، و تمسح بيد ليونهارت بدموع كاوية.

تبسم ليونهارت و تابع بصوت خشن مبحوح " والدك كان صديقي.. كان أخي.. قد مات.. بكيت عليه حتى ضعف بصري ، و الآن أنا ذاهب له..و أنا راض بقدري.." مسح على رأس سيلفان " أوصيك بنفسك ، سيلفان. قد فشلت بحمايتك في حياتي ، لا تجعل الفشل يلحقني لموتي.."

كلماته المتحشرجة زادته انهاكا ، سعل دما في منديله ثم نظر للجميع حوله " قد حكمت لاربعين عاما ، أصلحت كثيرا ، و أخطأت كثيرا ، قد عدلت كثيرا ، و ظلمت أكثر. تواضعت ثم تكبرت ، حنوت ثم تجبرت.. و الآن هنا امامكم رجل هش لم يعد له أمل للسلام سوى دعواكم الحسنة." أخذ نفسا " لا تنسوني ، و إن أخطأت في حق أحدكم فسامحوني ، إن ظلمت فاغفروا لي.. لا أمل لي سواكم ، أخطأت معكم جميعا بلا استثناء ، و الآن أنا هنا منهك من ألم الحياة.."

نظر لابنه و ربت على كتفه " أنت خليفتي ، ثيودريك. كن عادلا ، لا تظلم كما فعلت. لا تأخذ خطوة قبل أن تفكر بها مرتين. خطاي كانت شائكة فلا تمش عليها .. شق لنفسك و شعبك طريقا جديدا"

همس ثيودريك بألم " لا تقل ذلك ،قد كنت ملكا عظيما! " هز ليونهارت رأسه " و ستكون أعظم ، بني. أرى بك نسخة أفضل من نفسي ، و أملي بك أن تكمل ما تركته ها هنا ، لا تبك طويلا.. أنا رجل مرتاح بالموت كما لم أرتح من قبل بالحياة. " التفت و ألقى نظرته الأخيرة على الصبي الذي استقر على صدره، و مسد على ظهره الذي كان يرتفع و يهبط بهدوء " اعتنوا به ، و نشئوه بحكمة..هو المستقبل إذا صلح ، و الهلاك إذا فسد.. " انهكه الكلام ، فأخذ يلفظ كلمات متقطعة ، و يسعل دما بين كل جملة و تاليتها " اعتنوا بانفسكم .. اعدلوا.. الحكم مسؤولية لا شرف.. لا تظلموا أحدا.. افدوا بأرواحكم .. ثيودريك .. احكم بعدل.. كما ربيتك..سيلفان.. كن بخير.."

و كانت تلك آخر كلماته قبل أن يشرد في السقف و تجمد عيناه إلى الأبد .

----

اشتقت للرواية جدا، و ان شاء الله التزم بالتحديث بعد اصلاح التطبيق

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عــرش الـــدم || Throne of blood

المؤلف ELEEN
2026/07/08 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة