7-مارس-1416
تردد وقع خطواته في ارجاء القصر بعد عودته من أمسية مع زملاء أكاديميته و توجه بخطوات سريعة إلى ممر جناح أسرته من القصر .. الجناح الغربي.
صوت ممازح مألوف عرقله قبل وصوله للبوابة " أيها الوغد المزعج ! أصبحت في السادسة عشرة و لم تتعلم إلقاء التحية على عمك ؟ انتظر حتى أخبر كولت "
فاستدار نحو مصدر الصوت ، كان عمه كارلفان يستند على حافة الأدراج. لم يعتذر..فقط ابتسم واستدار بسرعة نحو وجهته وهو يهتف " ذكرني في المرة القادمة!".
عبر الممرات التي شهدت طفولته و وزع ابتسامة مغرورة على من رأى من العمال في الممر ، وهم كانوا يردون بكلمات مثل "أهلا بعودتك سيدي" وما يشابه ذلك.
ركض نحو بوابة مزدوجة في نهاية الرواق ليدفعها ببطء منهك و مازالت ابتسامته الشبابية على وجهه الشاحب .شهدت غرفته حضوره و نزع معطفه ليضعه على علاقة ملابس خشبية بجانب السرير المرتب بعناية ، و مازال يحمل تلك الابتسامة الحمقاء متذكرا طرفة رواها صديقه فرانسيس في الأمسية.
و قبل دخوله الحمام بعثر شعره الأشقر ليصبح في وضع أكثر راحة له عوضا عن تلك التسريحة الكلاسيكية ، و رش من عطره المفضل.
اخيرا هو في غرفته بعد أمسية ملأها بالضحك و السخرية هو و اصدقاؤه الذين عجز والده عن فصله عنهم.. حسنا هم مسبووا متاعب لكنهم اوفياء!
رغم أنه لم يكن متحمسا للحضور و فضل البقاء في المنزل - لسبب يجهله - الا انه لا ينكر انه استمتع الليلة و أنها و بلا شك أفضل ليلة عاشها حتى الآن.
عاد إلى ممر الجناح متجهاً إلى غرفة راحة والديه ، فتح الباب ببطء حريص و ولج برأسه " أمي ، أبي. ها أنا ذا " لفظ كلماته بتلك الابتسامة الخرقاء و التي مازال يحتفظ بها لكن سرعان ما تراخت ابتسامته عندما استدرك كآبة الغرفة و برودتها ، لا أثر لوالديه على غير العادة و الجو غير مريح نسبيا .
اندفع داخل الغرفة "أمي؟ أبي؟ ..." ، لم يكن من عادتهما أن يغادرا في وقت متأخر كهذا ، انقبضت قصيباته الهوائية و تصبب العرق على جبينه الأملس عندما استشعر أنفه رائحة سيئة ، كالبول المختلط بالدم .
وتسلل القلق إلى قلبه بأفكار سوداوية ، فالتفت يمنة إلى ساعة الحائط ليلاحظ صندوقا خشبيا ضخما لم يكن هنا سابقا ، منحوت بشكل غير دقيق و خشبه اكثر تواضعا من أن يحتفظ به والده وسط اكوام من التحف تغطي الجدران
وجوده كان غريبا وشكله أغرب بطريقة مقلقة ، أحس بثقل في بطنه من الرعب تجاه المجهول ؛ تجاه صندوق قذر غريب لم يظهر إلا مع اختفاء والديه ، من رائحة سيئة تلوث الجو ، ومن تخيلات مظلمة تسللت إلى قلبه.
جذبه شيء نحو الصندوق ؛ شعور عدم الارتياح أجبره على الاقتراب ، فشد قبضته مستجمعا شجاعته و أخذ أول خطوة ، تبعتها الثانية بتزامن مع صوت عقارب الساعة ، و كل خطوة شعر بها تمتص روحه بشكل غريب .
خطوة تسحب خلفها خطوة...و ارتعشت يداه عندما اقترب من الصندوق المغلق بمسافة لا تزيد عن اربعين بوصة ، و عندما لاحظ متأخرا أن الصندوق مصدر تلك الرائحة الكريهة توجس داخله وارتعش كيانه بقشعريرة ملحوظة ..كان الصندوق مدمى! غطاؤه القذر المتهالك عليه بقع حمراء ، ويسيل من أحد الشروخ سائل لزج لا شك أنه دم يترك بقعا على الأرضية.
كل عضلة في جسده تصلبت، عيناه توسعتا ، و ركبتاه ارتعشتا ، شعر بعضلة قلبه تدق كطبول حرب بضربات ترفع صدره و تهبطه بشكل ملحوظ ثم سحب شهيقا عميقا ملأ رئتيه و بدأ يدفع غطاء الصندوق بجهد جعله يضغط جفونه ببعضها، و ارتخى ارتجافه قليلا عندما سقط الغطاء أرضا.
فتح عينيه بتردد ليستكشف محتوى الصندوق ، وفور أن ألقى النظرة الأولى تضاعفت عيناه بذعر وكتم شهقة مختنقة محملقا بمحتوى الصندوق ؛ جثتان - او ما يشبه الجثث- بشعتان مشوهتان مفقودتا الأذرع و الأسنان ، الرأس مفصول عن الجسد والأنف ممسوح من الملامح
انقبضت ضلوعه و كتمت أنفاسه ، الانفعال و الصدمة تلاعبا بجسده فصدر عنه أنين كالزئير ، أخذ خطوات هاربا للخلف و هو يلهث..
حاول التعرف
مستحيل ، هذا.. هذا لن يكون والده..وهذه ليست أمه.
هذا ليس واقعا بل كابوس ، لابد أنه شرب كثيرا فبدأ يهلوس ، والده حي.. والدته حية ، هما معه ، سيبقيان معه ! لن يتركاه ، هما يحبانه لقد وعد والده أن يفخر به وهو لم يحصل على ذلك الفخر بعد!
أمه كانت تنتظر عروسا و حفيدا ... هي حية لا بد من ذلك و ستحصل على ذلك! لو ماتت فلن تحصل عليهم
تمنى قول كل هذا لكن لسانه عجز عن النطق من هول ما رأى!
هوى راكعا على ركبتيه ، فمه مفتوح وفكه يرتعش لكن لم يقوَ على الصراخ وكأن حباله الصوتية قطعت ، تصلب ظهره منحنيا و تقيأ ، وكأنها كانت الطريقة الوحيدة لافراغ ما في داخله .
و بعد ذلك التصريف البسيط انهمرت دموعه غزيرة دون أن يشعر معيدا نظره إلى الصندوق بغير تصديق ، فشهق مجددا كما لو رآهما أول مرة ، حاول تذكر ملامح والديه متمنيا في داخله أنه اشتبه عليه فقط ، ان والديه في سفر و هؤلاء مجرد أشباه لهما.
" لا لا ، حاجبا والدي اكثف من هذا ! لقد ورثتهما من ناحيته ـ " بدأ يتمتم خادعا نفسه "و أمي ... عيونها كانت متباعدة أكثر وكانتا أكثر استدارة ، أنا واثق ... أنا أعرف ملامح والديّ" بدأ يهمس لنفسه بألم ، دموع حارقة انهمرت من عينيه " أبي! أمي! انقذاني"
استند على كفيه ضد الارض الباردة التي وقف عليها والده آلاف المرات ، وشهد ذلك لستة عشر سنة " هذا كابوس شنيع! - "
حرقة حلقه خنقته ، كل ما استطاع فعله حقا هو الصراخ المكتوم ، أعاد نظره للصندوق وارتعش فكّه مجددا .لكم الخشب بيده..مرة .. مرتين.. كل مرة كانت تزيد الدموع والألم ، براجمه تقرحت لكنه لم يأبه، كيف يأبه بخدوش بسيطة و هو يرى روحه كاملة مقطعة إلى أجزاء ؟!
أقنع نفسه أن والده سيعود بعد ساعة أو يوم و بيده تحفة غالية اشتراها بمزاد ليتباهى بها أمام النبلاء ، وأن والدته ستقبل جبينه مجددا قبل أن ينام ، أن والده سيراه وهو يفوز بكأس الفروسية و سيفخر به.
شهق مجددا ، واستطاع الصراخ هذه المرة ، " لا! ، لا! لا! .." كررها عدة مرات كل مرة اعلى من سابقتها وكأنه بتكرارها سيغير الحقيقة ، و سحب جثة والدته نحوه متمنيا أن رائحة حنانها ما زالت موجودة ، لكنه لم يحظ بفرصة لشمها.
"لماذا! .. لماذا تركتماني بأنانية! مازلت صغيرا احتاج توجيها! -" عاد لصراخه المحروق ثم انهار وقد خارت قواه . الصدمة كانت أكبر من أن يتحملها ، نشيجه تحول لما يشبه عويل ذئب جريح.
"لم آخذ كفايتي من حنانكما بعد"
اشتدت قبضته بملابس والده المدماة و أطال الشد ، وجذب الجثة نحوه ، لينتقل الدم إلى ملابسه المخملية... شاهدة على جريمة كان ضحيتها شاب لم يصل سن الرشد بعد
أعاد نظره نحو جثة هامدة مبتورة الرأس " أبي... انهض ! لقد اخبرني المعلم أن مستواي ينحدر من سيء إلى اسوء! قم و وبخني بقسوة كعادتك ثم اعتذر مساء بطبق من طعامي المفضل" ناجاه متوقعا الرد وانتظر .. لكن لا استجابة . لن يجيب أبدا
أراد النظر إلى وجه والده و لو لمرة أخيرة ، لكن الرأس مقطوع، فمد يديه إلى الصندوق ، أبعد بعض اصابع امه و بدأ يبحث تحت جزء يبدو كذراع.. ربما هي لوالده؟
ثم اخرج كتلة من الشعر الاشقر المدمى .. ها هو الرأس.
حمله بين ذراعيه كما لو كان يحمل طفلا رضيعا ، تحسس الوجه المشوه بيد مرتعشة ، وماهي إلى ثوانٍ حتى جذب الرأس إلى صدره بقوة
" لطالما كنت مثلي الأعلى! أراك بهذا الشكل؟! ليتني كنت ميتا ! ليتك أنت من قتلتني.. على الأقل.. على الأقل لن أعيش يوما بدونك، ارجوك ابي عد ، عد للحظة..لدقيقة.. أرجوك ، أنا ابنك! أرجوك لبي هذا الطلب!"
لم ينظر إلى جثة أمه مجددا ...ليس مستعدا لأن يكون مصدر حنانه الأول جزءا من كوابيس مشوهة...
ثم .. ذكرى قديمة خطرت له فجأة.
والدته وهي تضمه وتلعب بشعره ، كانت تقبل جبينه، كانت موجودة! كانت حية.. كانت بجانبه والآن لا
ثم وجد نفسه أمام الحقيقة المرّة.
والده لن يربت على كتفه بعد الآن ، و لن يحظ بعناق أمه مجددا..
زأر بألم كجريح..هو جريح بالفعل!
و دقائق معدودة حتى فتح الباب ، ثم صراخ امرأة..
ضجيج.. أصوات.. كل هذا لم يعد يعنيه ولن يهتم له.
شعر بيد عمه كارلفان تغطي عينيه و يجذبه إلى صدره بيده الأخرى
" سيلفان.. سيلفان لا تخف ، أنت قوي .. أنت قوي للغاية سيلفان" و لم يكن يميز إن كان عمه يعزيه أم يعزي نفسه ، فالصوت كان أقرب لصوت شخص مرعوب يكاد يتوقف قلبه.
ثم...ظلام دامس ، شعر و كأن روحه تطير ، لا يعرف إلى أين، لا يعرف كيف ، لكن كل الثقل في قلبه تنحى.
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
أول ما شعر به كان المخمل تحت بدنه ، ثم ترددت الأصوات المحيطة به إلى طبلة أذنه ، بكاء النساء ، ضجيج وتمتمات غير مفهومة له.
حاول فتح عينيه لكن الإضاءة باغتته فأسدل جفنيه مع انتفاضة و بعدها سمع صوتاً واضحا.. كان ليام ، ابن عمه ، يهتف " أبي! لقد استفاق سيلفان".
كان في حالة تشبه الخدر ، التنميل منتشر في جسده كاملا و بالذات ذراعيه. حاول مجددا فتح عينيه و تمكن من ذلك، أول وجه رآه كان وجه عمه كارلفان الذي استجاب لهتاف ابنه ، وضع يده على جبين سيلفان ثم إلى خده " هل أنت على ما يرام ؟"
سيلفان لم يكن يفهم ما يجري للوهلة الأولى ، لكن سرعان ما ركضت الذكريات إلى عقله تتسابق من تكون أبشع من خصيمتها.. تذكر الجثث، الصراخ، البكاء ،رحيل والديه ، و سرعان ما عادت إليه المشاعر المتلاطمة كانت تتمحور حول فكرة واحدة لا وجود لوالديه في عالمه بعد الان
استدرك سريعا ملابسه.. كانت نظيفة خالية من أي أثر للبشاعة.
" أين الصندوق؟! أين قميصي الملطخ؟!" انتفض غير مكترث لسؤال عمه ، يبحث بعينيه المرعوبتين في أرجاء الغرفة ..لم يجد أثرا!
جذبه كارلفان من كتفيه مجبراً إياه على الاستماع ، و شرع في الكلام بصوت مكسور " لقد فقدت الوعي ليومين كاملين، و تم نقل الجثث إلى المغسل يحاولون ترميم ما يمكن ليتم الدفن كما يليق "
خرجت كلمة 'جثث' من فاهه بقرف و عجز ، اخوه الآن مجرد جثة مشوهة ستنقل إلى قبر موحش..
تغرغرت الدموع الحارقة في محجري الفتى و ارتعشت شفتاه تحاولان لفظ كلام شعر به كالسكاكين " أمي و أبي ..رحلا ! سيدفنان !" كان صدى صوته مكسورا محتقنا بغضب وحقد " من فعل هذا بهما! كانا محبوبين! لم يكن لهما أعداء ، أمي لم تحمل حقدا على امرئ طوال حياتها ، أخبرني يا عمي ... ما ذنبها!"
تعالى صوته تدريجيا بحنق ، و نهض من الأريكة على عجل لكن كارلفان أعاده بصرامة " جسدك مازال منهكا يا فتى! ارحم نفسك"
سيلفان عاد إلى الأريكة محطما ، عيناه غائرتان و شفتاه جافتان ،الدموع كانت تسيل لا إراديا يشعر بها تحرق جلده .
ولج ليام إلى الغرفة مجددا بخطوات بطيئة حتى وصل إلى أريكة سيلفان و جلس على حافتها ، حاول مواساة سيلفان بكلمات رغم إدراكه أنها لن تؤثر.
هو فقط لا يريد أن يتركه وحده...
مرت دقائق كالدهر قبل أن ينطق سيلفان مجددا " متى الجنازة؟ " و زاد بكاؤه عندما استوعب ثقل الكلمة .. هو يسأل عن جنازة والديه !
لم يرد كارلفان بداية ، تذكر كولت أخاه الأكبر ، اليد التي كانت تمازحه في الطفولة ، تذكر تلك الضحكات معا ، تلك الأخوة! و الآن يشار إليه بكلمة 'الراحل' قد رحل تماما عن العالم.
كان يحاول وزن كلماته بشكل لا يؤذي سيلفان ، وحينما أدرك أنه متأذٍ لا محالة صرح ببرود ،متجنبا اي تواصل بصري مع ابن أخيه " غدا .."
كلمة من ثلاثة حروف كانت إعصارا هائجا في كيان سيلفان.
ثلاثة طرقات على الباب تبعها دخول رجلين بثياب الشرطة ، احدهما ذو لحية كثيفة و بنية ضخمة و الآخر على عكسه ؛ عجوز هزيل شاب رأسه و عرى، يتبعان ثالثا بثياب رسمية غير وظيفية فوقها معطف من القماش الثقيل .
طلب الثالث إذن محادثة سيلفان على انفراد ولم يجادل كارلفان فانسحب بصمت و جلس ذو المعطف مكان كارلفان.
" أدعى جيمي مارافال ، محقق و مدقق من فرع الأمن الجنائي، معي تقرير عن ما توصلنا إليه بشأن مقتل أبويك "
كانت نبرته جافة آلية. شخص اعتاد على الجرائم لن يكترث بمشاعر شاب خسر سنده بين عشية و ضحاها .
أومأ سيلفان برأسه معطيا المحقق الإذن بالكلام فأمسك بورقة صفراء طويت في منتصفها و سرد محتواها:
" في البداية حققنا بشأن مسرح الجريمة توصلنا للتالي: المكان كان نظيفا سوى من لطخات طين لحذاء رجالي ، قارنا ما وضح من طبعة قاعدته و بدت لنا أنه من إنتاج مصنع متواضع.
لطخات الطين حصرت في الغرفة ، أي أن التواصل بين الخارج والغرفة كان مباشرا .. وبالتالي فالصندوق تم إدخاله من النافذة الكبيرة التي تطل على الساحة الخارجية للقصر.
ولو نظرنا لذلك فالجريمة كانت خارج المبنى ، بحيث يكون القاتل استدرج أو اختطف السيد والسيدة فالستون ، نستبعد الاختطاف حاليا بحجة أن القصر كان نابضا بالحياة.
فالغالب أن السيدين كانا خارج القصر في وقت يعرفه القاتل، و اختطفهما إلى مكان ناء ثم قام بجريمته و نقل التابوت إلى الداخل بحجة أنه من العمال و أدخله.
حققنا مع بعض الخدم وكانت إفادتهم بأن عاملين ضخمين كانا ينقلان صناديق المؤونة لتنظيف المخزن ، لكنهما كانا ملثمين بحجة منع الغبار من التناشر.
سلاح الجريمة غالبا كان فأسا ، و الطب الشرعي يقول أن روح السيدة صعدت للسماء قبل زوجها بحوالي ساعة أو أكثر بقليل و أنه كان موتا مباشرا لا عذاب فيه ، بحيث قطع المجرم رأس الضحيتين أولا ثم شّوههـ .."
قطع كلام المفتش المتواصل شهقة من سيلفان ، رفع جيمي نظره عن الورقة ليرى سيلفان جاحظ العينين منقوع الوجه ، تنفسه أصبح سريعا اختلط بأنين كالزئير.. كان يتخيل المشهد !
تخيل ذاك الوغد يجر أمه ثم يضربها بالفأس ليقسم عنقها أمام ناظري والده .. يشوهها ويقسم جسدها، وعندما يفرغ منها ينتقل لوالده.
لم يستطع التحمل أكثر من ذلك فترك الغرفة و المفتش و ركض إلى الممرات صوب غرفته.
دخل على عجل و ضرب الباب ليغلقه بعنف و مازال يرتعش من هول الصدمة و القهر، تقوقع على نفسه بجانب سريره ليرى طبقا على نجعة السرير لم يلاحظه سابقا بجانبه رسالة يدوية .
تناولها و شرع يقرأها بنهم " صغيري سيلفان ، سأذهب و والدك إلى بعض مناطق ريف برافيا و قد لا نعود عند العشاء ، فحضرت لك الطعام بنفسي.تناول وجبتك كاملة ولا تنم جائعا "
كانت حية... في آخر ساعاتها ما يشغلها هو طعامه!
انهمرت دموعه لتبلل الورقة و يتبعثر الحبر بعشوائية تاركا بقعا على الورقة ، كم مرة نادته ب ' صغيري سيلفان '
عندما يلوث ملابسه بالطين .. صغيري سيلفان
عندما يحصل على درجات تفوق.. صغيري سيلفان
قبل نومه.. بعد استيقاظه.. في استراحات تدريباته..
ألف مرة بل ربما أكثر ، والآن يتمنى أن تعود لحظة واحدة من هذه الألف.
مد يده للطبق ، كانت وجبة أرز بالخضار تماما كما يحبها . كانت باردة و حبات الأرز الأبيض ملتحمة مشكلة كتلات كبيرة .
أمسك الملعقة بأصابع مرتعشة و ملأ أول لقمة ، كانت خانقة.
شعر بالطعام كالشوك في حلقه ، لكنه بلعها وملأ غيرها .. سيأكلها كاملة كما أوصته.
بدأ يشعر بملوحة دموعه التي تساقطت في بعض اللقمات ، جسده كان يرتجف بقهر و عجز.
تخيلها تقف في المطبخ بابتسامة تشق وجهها ، تسكب له الطعام و تضعه في غرفته ثم تكتب له الرسالة دون أن تدرك أن هذا آخر ما سيخطه قلمها.
فكرة أن هذه آخر وجبة من تحت أناملها حتى نهاية حياته كادت تقتله اختناقا..
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
رائحة الرطوبة فاحت مخترقة الأنوف و الضباب بدأ يهبط عندما اقترب المغيب ، و شهدت القبور الرخامية بين أشجار السنديان اقتراب جمع جديد يشهد موتا جديدا.
وُضِع تابوتان أنيقان من خشب البلوط على التراب الرطب ، و كان سيلفان يرقبهما دون أن يرمش ، ما زالت الصدمة تحمل أثرها المؤلم عليه.
شعره أشعث مبعثر و ربطة عنقه مرتخية ، بجانبه كان ليام ، وجوده كان كالشبح و عيناه حمراوتان بوجه شاحب و رغم ذلك كان أفضل حالا من ابن عمه.
الحشود من النبلاء طوقوا القبر ، أغلبهم أتوا كواجب اجتماعي ليس مواساة حقيقية و لكن لابد من وجود اصحاب القلوب الصافية.
و من بين المتجمعين وقف شابان بعمر سيلفان تقريبا ، أحدهما بشعر بني محمر و آخر اضخم بنية بقليل ذو ملامح رمادية.
كان ذو الشعر الأشقر الرمادي ينظر صوب سيلفان بأسى و تعزية جلية ، يصعب عليه تصديق أن هذا هو نفسه سيلفان الذي كان معهم في الأمسية.. بائن حتى للأعمى كم هو محطم و منهك.
و عندما وضع أول تابوت في الحفرة شهق سيلفان و حاول التخلص من يد عمه ، بكى مجددا دون اكتراث لسمعته و صورته أمام البقية فقد اعتاد على هذا خلال هذه الأيام
السمعة، الشرف ، المكانة .. كل هذا لم يعد يعنيه لإدراكه أنها قد تنتهي في أي لحظة.
و سرعان ما ركض أحد الشابين نحو سيلفان ، ضمه رغما عن مقاومته و ربت على ظهره بمواساة ، لكنه كان صارما بمنعه من الانهيار كليا.
تعالت الهمسات والأصوات المشوشة ، فقط الواضح فيها أنها لا تحمل ذرة حزن للوفاة..ربما شفقة على ذاك اليتيم المحطم
" آرثر! اتركني.. اتركني فالأمر لا يعنيك! أريد رؤيتها مجددا ، هي تناديني أنا اسمعها أريد رؤيتها!" كان يبذل قصارى جهده ليركض نحو الحفرة و قبضة آرثر وقفت حائلا أمامه ، و سرعان ما رنا الثاني إليهما وأمسك بكتف سيلفان يسحبه بعيدا عن الأنظار مكونا بعض الخصوصية و تمتم في أذنه" أرجوك يكفي. لا نريدك أن تؤذي نفسك ، يكفيك ما يجري!"
بهتت عينا سيلفان و تراخت عضلاته باستسلام تام للقدر ، جثا على العشب الموحل و ركع معه صديقه سامحا له بالاتكاء على كتفه.
" آسف . لكن لم أكن لأسمح لك بالتهاوي أكثر من ذلك" همس له آرثر ليرد سيلفان بغصة " دعني. الآن!"و قام بدفع صديقه حتى كاد يسقط الاخير.
اندفع ارثر نحوه وجذبه بقوة لفتت انتباه الحاضرين لكن سيلفان كان معميا بقهره فأكمل طريقه، زعق ارثر "اللعنة عليكم أوقفوه مالذي ينوي فعله!"
تعثر ثم نهض سيلفان و نفض التراب عنه لكن ما حصل أنه زاد بعثرة الطين على بنطاله ، ريثما كان العمال قد وضعوا التابوت الثاني و شرعوا ردم التراب عليهما.
سحب قدميه نحو الحفرتين ، ثم سحب مجرفة من يد أحد العمال بنزاقة و بدأ يغطي التوابيت بالتراب بسكون تام.
عيناه سارحتان في فراغ مظلم ، لم يكن يسمع شيئا من الهمسات ولا حتى يدرك ما حوله ، وكلما اقترب أحد الحرس منه ليأخذوا عمله كان يدفعهم بعنف و يكمل.
كل حبة تراب كانت تسقط في الحفرة كانت تدفن جزءا من براءته ، تدفن ذكرى حلوة لم يكن يدركها ، تدفن سندا لطالما اعتزّ به ... سندا لن يرجع مهما توسل له أن يعود.
كان في موقف لا يتمناه حتى لألد أعداءه ، باستثناء ذاك المجرم الذي حرمه من والديه ، هذا وحده كان يريده أن يشهد موت أحبابه شخصا تلو شخص فقط ليتعذب على خسارتهم.
"أمي.. آنا آسف لما سأفعله " تمتم بآخر كلمة مناجيا القبر و هو يوازي التراب في الحفرة مع السطح .
حمل لوحا رخاميا كبيرا وغطى به القبر فركع أمامه مودعا ، حتى الرخام أخذ نصيبا كافيا من الدموع الحارقة التي تساقطت عليه.
دنا إلى القبر الثاني و كرر ما قام به ، شعر بخزي تثقل كاهله .. هو يدفن والده الذي كان سنده منذ ولد ، اي أنه الآن بلا سند.
مجرد نكرة يتيم بأعين النبلاء ، لا أحد يسمع منه ، ولا أحد يرفع له قدرا لو كان مقدار إنش.
عندما انتهى حمل الشواهد البيضاء و رتبها على القبور ، ثم انسحب بانكسار مخلفا همسات مستغربة من سلوكه.
سمع صوت صهيل أحصنة قرب البوابة ثم تفرقت الحشود ليمر أفراد العائلة المالكة تباعا و كلمات الاحترام و الاستقبال تنهمر عليهم من ألسنة كانت تنعت الصبي باليتم و الشفقة قبل ثوان.
اقترب ليونهارت من كارلفان و عزّاه بنبرة رسمية لكنها حملت صدقا قويا ثم اقترب من سيلفان و واساه " سيلفان. هما الآن مرتاحان ، ارتاحا من مسؤولية ضخمة ورثاها إليك فلا تخذلهما"
اكتفى سيلفان بإيماءة شبه ملحوظة فحرك ليونهارت يده إلى كتف الصبي " سيلفان. أنا أفهم مدى صعوبة الخسارة لكن الحياة لا تتوقف ، ستحدّ عليهم أياما أو أسابيعا بل ربما شهور ، لكن حياتك لن تنتهي . لو كان موتهما يعني موتك لمتَّ مذ أول ثانية ..لما صمدّت حتى هذه اللحظة"
انسحب الملك يجر عباءته خلفه بعدما أدرك أن كلماته لن تؤثر سوى سلبا و تناول إزميلا رفيعا لوضع بصمة على القبور تدل أنها دفنت بشكل لائق ، لم يأخذ الأمر منه دقيقة حتى نهض ملتفتا إلى الحشود بكبريائه المعتاد ثم خطب بصوت جهوري" كما تعلمون يا سادة ؛ فينيسيا هي ابنة عمي و بمثابة أخت لي ، و كولت لطالما كان يدي اليمنى و له فضل كبير على التطور الذي تشهده البلاد. هذان الاثنان اغتيلا بشكل بشع و أعاهدكم و أعاهدهما أن جفنا لن يبات لي إلا و أنا اقتص من المذنب "
كانت الكلمات كسكاكين في أذني سيلفان ، ولأول مرة لم يصدق حرفا واحدا من ذلك الخطاب.
لم يصدق أن شخصا يشعر ..هم لا يشعرون ، هم لم يخسروا شيئا! سيتظاهرون بالبكاء والغصة هنا ثم يعودون إلى قصورهم و يجلسون بجانب المدافئ مع عائلاتهم ، كل واحد من هؤلاء المنافقين سيعود إلى ابنه و زوجته و حياته الطبيعية بعدما أمضى جنازة كاملة يحشر أنفه بتفاصيل ميراث عائلة لا تخصه.
انتظر ثانية..اثنتان..خمسة..عشرة ، كان ينتظر اليد التي ستربت على كتفه وتخبره أن الأمور على ما يرام ، و عندما أدرك أن هذا الشعور لن يعود بعد وفاة والديه حرك يده إلى كتفه و بدأ يربت على نفسه بتواتر مشابه لما اعتاد عليه
من الآن فصاعدا لن يقوم أحد بهذه الحركة له سوى هو نفسه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
استمر التحقيق دون جدوى ، لا دليل سوى أن أحد المشتبه بهم كان يتنعل حذاء متواضعا من شركة معروفة باعت آلاف القطع ، مما يعني آلاف المشتبه بهم.
مرت الأيام كالسلسلة على سيلفان ، يوم يخلفه آخر بنفس النظام المقرف الذي مقته. الاختلاف كان أنه لاحظ نزاقته ، أصبح نزقا سيء الطباع و عنيدا للغاية.
كانت هذه الصفات أشبه بقناع يرتديه ليخفي انكساره.
يهدد بفصل أحد الخدم صباحا و يدخل مكتب والده ليبكي فيه بعد نوم الأعين عنه.
كذلك كان كارلفان الذي أصبح يفوت الوجبات ، يستهتر بالأعمال ، و بالكاد يراه أحد ، كان يتحور من العم المرح الذي يرمي كرات الثلج في الشتاء إلى هالة من النكد و النزاقة تتجول و ترمي كآبتها على الجميع ، بالذات سيلفان الذي ورث ملامح أبيه ، و التي يتذكرها كارلفان في كل مرة.
لم يذهب سيلفان للأكاديمية بعد الحادثة ، فلم يكن مستعدا لتلقي أسئلة تافهة من متعجرفي الطبقة العليا عن القضية. اختار عزلته التي أوهمته بالسلام لكنها كانت تغمسه في الظلام تدريجيا.
وصل إلى بريد القصر عشرات الرسائل ، كانت غالبيتها من آرثر و فرانسيس ، أحيانا ثيودريك ، ثم تحولت إلى رسائل من المعلمين و الإدارة بإنذارات بالفصل إن لم يعد.
كأنه يكترث لتفاهة على ورق...
بادئ الأمر كان يرد على كل رسالة تصل ، لكن مع مرور الأسابيع لم يعد يهتم . يحرق خطابات المدرسة و يحتفظ بخاصة اصدقائه في درج مخفي فقط لأنه فكر بأنه قد يتخلص من كآبته و يحن لقراءتها... يوما ما
و في السابع من شهر أكتوبر لعام 1416 وصلت رسالة مختلفة عن سابقاتها بختم من وزارة التحقيق الجنائي على ورق بسيط عملي.
مزق المغلف وسحب المكتوب بينما توجهت أنظار كارلفان الجالس بجانب المدفأة إلى سيلفان.
(وزارة التحقيق الجنائي
المرسوم 2503
إلى النبيل المعني ؛ اللورد الشاب
سيلفان فالستون
تحية طيبة وبعد:
وفقا للمادة 45 من دستور التحقيق الجنائي بناء على انقطاع التطورات والخيوط لمدة نصف عام لقضية اغتيال ماركيز برافيا اللورد كولت فالستون و زوجه . يؤسفنا نقل القضية إلى الأرشيف و لن يعاد النظر فيها حتى ظهور خيط جديد.
خادم العدالة: دوفيير مارشال)
ارتعش فك سيلفان كمن تلقى صفعة حارقة ، تهاوت الورقة من بين أنامله بينما ترنح جسده إلى الأريكة ممسكا بجمجمته بين كفيه " لا.." همس بوهن غير مجيب على أسئلة عمه الذي سرعان ما حمل الورقة من الأرض و قرأها.
و فور ما انتهى من قراءة آخر سطر حتى اندفع الدم إلى رأسه و ركل أقرب طاولة منه فانكسرت مزهرية كانت عليها و زعق بصوت رجّاج " أي نوع من الخيانة هذا؟ أخي بذل عمره فداء للمملكة لتخونه !"
جمع قبضته و لكم صورة للملك كانت على الجدار لتسقط أرضا بعدما تهشم إطارها ، ركل حطام الصورة و تمتم بلهاث من الغضب و الانفعال " لن أبقى.. لن اخدم أرضه لحظة واحدة ، كوننا نبلاء يرمز لرفعتنا و كرامتنا ، ليس وأننا دمى مسرح نلعق أحذية السلطة "
ثم رفع رأسه إلى سيلفان " سأغادر ايلريث ولك حرية المجيء معي بكرامتك أو البقاء هنا كحثالة ... تماما كما يريدوننا "
ELEEN