2 - أشباح من ذكرياته

2 - أشباح من ذكرياته

19 0

رفع كارلفان رأسه إلى سيلفان " سأغادر ايلريث ولك حرية المجيء معي بكرامتك أو البقاء هنا كحثالة ... تماما كما يريدوننا "

"مم.. ماذا ؟ عمي! أنت لا تعني ذلك حقا ، صحيح؟ نحن لا نستطيع ترك برافيا " خرجت الحروف مرتجفة من ثغر الفتى ، وعيناه تبحثان عن ذرة كذب في ملامح عمه لكن لم يتضح فيها سوى جدية تامة.

أكمل بصوت خافت مكسور "عمي.. أنا هنا منذ كنت طفلا ، أنا لا أستطيع المغادرة! وأيضا دراستي كيف سأكملها؟.. أرجوك عمي تراجع"

اهتزت حدقتا سيلفان و أغرقت عيناه بالدموع بينما لاحظ زيادة تجهم عمه وخيبة أمله الواضحة " حقا سيلفان؟ لا زلت تريد أن تبقى في مكان خان والديك؟ ألا تشعر بقرف من نفسك؟ "

لكن سيلفان زعق وشد على قبضته " لا تفسر كلامي كما يحلو لك! "

عقد الآخر ذراعيه قرب صدره و تهكم ساخرا " إذا ؟ كيف تود مني أن أفسر؟ التحقيق انتهى و حق والديك ضاع قبل أن تجف قبورهما و ليونهارت خان ابنة عمه أولا ثم مستشاره الأقرب ثانيا . الجدران هنا تزيد ألمنا و تنشط ذاكرتنا للحادثة .فقل الآن ، لماذا تتمسك بمكان كهذا " وأشار بيده إلى الجدران حوله باشمئزاز.

" لا تعط تعبيرا كهذا عن منزل أبي! " صرخ سيلفان مجددا لكن سرعان ما شعر بقرص عمه لاذنه قبل أن يستوعب حركته " أرى أنك بدأت تتواقح يا فتى . تجرأ وارفع صوتك علي مجددا و سترى . ابق هنا ، لا يهمني فسأغادر في كل الأحوال".

ختم كلامه بضربة على وجه سيلفان ، لم تكن قوية لتترك كدمة لكن محسوسة لتذل و تهين ، لمعت عيناه بغضب و حقد على العالم بأسره ، أولهم كان عمه.

طوال اعوامه الستة عشر لم يلمسه والده بأذى ، والآن يضرب! ومن من؟ من عمه..عمه الذي تخلى عنه عند أول محنة.

ولج ليام الغرفة على عجل أثر الضجيج المقلق ، رأى والده يستشيط غضبا و سيلفان منفعل ، الجو مشحون بالتوتر و العصبية فاقترب من والده " أبي..ماذا هناك ؟" لكن كارلفان لم يرد و غادر فقط دون أن ينبس ببنت شفة.

فوجه نظره لابن عمه " سيلفان، ماذا حدث ؟" ليرد سيلفان بنبرة عصبية خائبة " ألم تكونوا تريدون المغادرة ؟ غادروا الآن و اتركوني وشأني "

فهم ليام من كلام سيلفان القضية ، كان والده يفكر في الرحيل منذ البداية لكنه كان متمسكا بأمل جلب حق أخيه ، وعلى ما يبدو أن الأمل تحطم .

" سيلفان ، اجلس و دعنا نتحدث " لم يرد سيلفان فدفعه ليام رغما عنه ليجلس و اتكأ بجانبه " سيلفان ، أبي أراد المغادرة ليس تخليا عنك ، أنت مرحب بك معنا لأنك منا، أبي فقط يختنق هنا.. يرى صورة عمي كولت في كل ركن من المنزل ، و يشعر أن عليه فتح صفحة جديدة مع مكان جديد"

لمعت عينا سيلفان بدموع عندما سمع ليام، بالفعل..ذكرى والديه كانت ترفض مغادرة الجدران ، إذاً لم يكن هو الوحيد الذي يراهما دوما..

" ليام.. أرجوك دعني ، لقد أخبرت والدك توا: أنا لن أغادر برافيا" زعق و دفع ابن عمه" ابتعد! ارجوك!"

دفعه وغادر الغرفة بغصة. وبعد أسبوعين ، حمّلت آخر حقيبة أمتعة خارج القصر ليُترك سيلفان وحده مع أطياف ذكرياته

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

ولج إلى غرفته و بيده زجاجة خمر ، كان والده يمنعه من تناول هذا السم لكنه الآن يشعر أن لا ملاذ لروحه كي تسكن سوى السائل القرمزي داخل هذه الزجاجة.

إحدى الخادمات لحقت به محاولة إقناعه بعدم تدمير نفسه ، لكنه صرخ بوجهها و منع أي عامل في القصر من الاقتراب من باب غرفته.

رمى كتلته على اقرب اريكة و كسر غطاء الزجاجة ، اكتفى برشفة بسيطة لكن سرعان ما أعطت أثرها على لسانه ، طعمها كان مقززا كالخل الفاسد ، و قوامه كالجمر في فمه.

بلعه فورا ليتخلص من الطعم الكريه و وضع الزجاجة جانبا..

قاومها بكل كيانه ، دفع نفسه بعيدا عنها كي لا يراها ،لم يعد يريد أن يجرب حتى ، والده منعه و هو سيلتزم بالقواعد

و لكن ما هي إلا دقائق مرت حتى عاد للزجاجة بذنب يأكله ، لكن لسبب ما أراد أن يشرب قليلا مجددا... ربما مفعول النشوة ظهر بسرعة؟ مستحيل!

شرب ما يعادل فنجان قهوة ، مازال الطعم كريها لكنه كان متوقعا. سيل أحمر خرج من حافة شفته فمسحه بكم قميصه ثم شرب كمية أكبر لم يستطع تقديرها...حوالي كوب و بضع قطرات.

دفع العبوة جانبا عندما أدرك أن تأثيرها اقتصر على تذكيره بالمرار الذي يعيشه منذ أشهر ، رمى بنفسه ليتهاوى على السرير و دفن وجهه في وسادته..كتفاه اهتزا بنشيج مكتوم ، كان قد أدرك أخيرا الصورة الكاملة لحالته : شبح شاب تخلت عنه عائلته ، و حكم عليه بالوحدة حتى مماته.

" أمي...أبي .." همس بتوسل كما لو كان طفلا في السابعة ، تقلب ليستلقي على ظهره و بدأ يرفع ذراعه في الهواء و يغلق قبضته كمن يتشبث بطيف بعيد " تعاليا وخذاني معكما، جميعهم.. جميعهم تخلوا عني ، لا أحد أحبني كما فعلتم ، لم يتقبلني أحد كما كنتم..."

" أبي... عندما كنت حيا كان الجميع يحترموننا ، يهابوننا ، أتعلم الآن بماذا ينعتوني؟ يتيم بلا سند .. أيرضيك هذا يا أبي! أيرضيك أن ملكك الذي فنيت حياتك لخدمة أرضه تخلى عنك كما لو كان الميت دجاجة ؟ أيرضيك أن أخاك تخلى عني عند أقرب فرصة..بالطبع لا يرضيك ، لكنني أعيشه أبي.."

سكت قليلا مختنقا بغصته ، شهق شهيقا متقطعا و أنامله ارتعشت ، فرك جفنيه حتى احمرت عيناه " ماما .. ابنك جائع ، جائع لحنانك..لوجودك..لرائحتك ، لماذا تركتيني ماما.. أنا أخاف كل ليلة ، أخاف أن أبقى حيا لأعيش يوما جديدا بدونك "

كان يشعر أن الكون كان ينهار به أن الحياة بكل مقوماتها ترفضه ، و أن الموت يناديه و يترقب لحظعاىة ضعفه

قواه خارت و لم يعد لديه سبب واحد ليعيش ، ليس بعد ان تخلت المملكة عن قضية و الديه و بعد أن تخلت عنه أشلاء عائلته المتبقية و كأنه نكرة لا يملك حقا للدفئ.

كان يريد أن ينتزعه أحد من المه ، لكن لم يكن مستعداً لإظهار جانبه المتألم لاي شخص كان مهما كان ، حتى اصدقاؤه. هم بالذات لا يريد منهم أن يروه.

كان سابقاً شخصية قوية ، مرحة ،طائشة .. كان روح مجموعة أصدقاءه والآن هو جثة بلا روح

مع مرور الدقائق ازدادت الذكريات والخواطر تهاجمه ، لكنها كانت بلا تأثير.. تبلد رهيب أصابه ، بدت الذكريات في عقله كما لو عزلت عنه بجدار زجاجي سميك .. يراها جيدا لكن دفئها لا يصل لقلبه.

كان يرى نفسه كطفل يلعب بين أحضان والدته ، يركض لوالده بعد عودته من العمل و يثرثر طويلا عن ما يرغب بالقيام به عندما يصبح بالغا.

سرعان ما تغير الشعور إلى شيء مثل الخدر ، رأسه كان ثقيلا..منتشيا..مستنقعا بسم قاتل كان يستنزف مشاعره و يحشو رأسه بذكريات سترسخ هناك حتى موته .

مد يده للزجاجة وشرب نصفها ثم رماها لتنكسر ، نغزة قوية أصابت بطنه كانت أول شعور يشعر به منذ نصف ساعة مرت .

حاول الوقوف فتعثر و سقط ، رفع رأسه ليرى والده يمد يده له..عندما وضع يده في يد أبيه تلاشت الأخيرة تاركة ذراعه معلقة في الهواء تنتظر من يمسكها.

زحف على بطنه ليصل إلى كأس الماء لكنه انزلق من بين أصابعه المرتعشة و سقط أرضا ليتحطم إلى شظايا أصيب بأحدها في كتفه.

رأى والدته تضمد الجرح ، وعندما حاول لمس الضماد تلاشى ولم يجد سوى الدم .. كل هذه الهلوسات كانت تذكره كم هو وحيد.. وحيد تماما.

زحف لمكتب والده وفتح الباب ، رائحته سبقته.. أول ما رآه كان رسمة متقنة لأسلاف العائلة.

التفت يمنة ليرى قميص والده مازال على نفس وضعه طوال الستة أشهر ، جذبه إليه وضمه و أنهار في البكاء والصراخ..شم القميص آلاف المرات محاولا تذكر رائحة عطره فيه ، صدره صعد و هبط بعنف و بدأ يزيد شهيقه لعله يستلقط رائحة ولو كانت خفيفة..لكنه لم يشتم سوى الغبار.

بدأت أعراض الانسحاب تظهر عليه عندما لمح زجاجة عطر أبيه ، اندفع نحوها كتائه في صحراء ووجد نبع ماء ، امسكها بانامله المرتعشة ... فقط بضع ثوان وسيشم رائحة أبيه. لكن ارتعاش أنامله جعلت قبضته غير محكمة فسقط العطر و تهشم لتفوح رائحته قوية للمرة الأخيرة.

ضاقت حدقتاه و بدأ يتمتم لاهثا " لا لا لا لا ! لااا.." أنامله المرتعشة مدت بتوتر إلى العطر..لمسه وأحس بقوامه المائي ، ثم استلقى على الأرض بجانب حطام الزجاجة يشتم ذلك السائل ذو الرائحة القوية طغت على رائحته المخمورة حتى فقد وعيه.

مرت الايام على نفس الروتين المؤلم ، زجاجات الخمور المحطمة كانت تستنقع تحت سريره ، بدأ يعجب بالطعم المقزز و يشرب بكميات هائلة و في احدى المرات حاول أحد عجائز الخدم إيقافه فتلقى صفعة ردت رأسه للجانب.

لم يعد ذلك الفتى الوسيم الذي كانت تبتسم له بنات الخدم خجلاً. عيناه غائرتان، شعر متشعث كالتبن، وملامحه شاحبة، و رائحة الكحول واليأس تفوح منه حتى من على بعد.

أصبح صراخه باسم أبيه معتادا ، و تحطيمه للأشياء كان جزءا لا يمكن استثناؤه من يومه.. استطاع كل خادم في القصر الشعور بالتوتر الذي يلحق هذا الشاب ، وكيف كان مجرد وجوده بجانب أحدهم كفيل بسلب السعادة من الجو.

تقيؤه واغماؤه تكرر كثيرا ، كانت الطريقة الوحيدة التي يستنفر بها جسمه تجاه العنف الغذائي الذي يتلقاه.

الألم كان جليسه الأوحد على مدار ستة أشهر ، ستة أشهر من الألم والخذلان و الوحشة بين جدران باردة زال دفؤها برحيل سكانها.

وفي توقفت عربة فاخرة أمام القصر ، نزل منها شاب بشعر أشقر رمادي و دنا من الباب " افتحه.." أمر الحارس بنبرة آلية لكن الحارس سرعان ما اعترض محتجا بأوامر سيده

سحب الشاب نصل خنجره وثبتها على ذقن الحارس " سيدك هذا سيقتل نفسه بغبائه .افتح الباب قبل أن أمزق عنقك بضربة واحدة!"

الحارس الذي ارتعش تحت برودة معدن الخنجر فتح الباب بذعر ليدخل الشاب يجر عباءته السوداء خلفه.

مشى على رصيف الحديقة التي تهالكت ويبست أغلب مزروعاتها ، ثم دخل الباب الرئيسي

استوقفته برودة الجو و السكون الذي يخيم المكان ، كان القصر شبه مهجور و كاد يجزم بذلك لولا مرور خادمة تتعثر بخطواتها أمامه " أوه ، لورد بيلامي.. ماهذه الزيارة المفاجئة " قالت بصدمة عجزت عن اخفائها.. أول زائر يدخل منذ عام كامل.

لكن سرعان ما تشبثت بالصينية التي في يدها كما لو كانت درعا و أكملت بتردد " لكن يؤسفني قول أن السيد قد لا يكون في مزاج جيد لاستقبال أحد.."

هو لم يعلق فقط أمرها بأخذها إليه ، مشى خلفها في الأروقة و يتفحص مدى تهالك المكان بعينيه الرماديتين ، حتى وقف أمام باب محطم جزئيا فترددت الخادمة بالنطق همسا " لكمه سيدي عدة مرات.."

هز رأسه بيأس و فتح الباب لتستقبله رائحة قذرة. فغطى مخرجي التنفس في وجهه بمنديل قطني ، و اصفر وجهه عندما رأى سيلفان..بل طيف سيلفان يستلقي على أريكة و حوله أنواع الكحول من الرديئة حتى الأفخر .. لم يكن الشاب الذي رآه منذ عام

عيناه منتفختان باحمرار دموي ، أسفلهما هالات زرقاء و وجه كما لو كان عظما مجردا من أي جلد يكسوه. ملابسه قذرة ملطخة ببقع تبدو قديمة ، و ظهر قليل من الشيب يخط شعره الأشقر .

لم يكلف سيلفان نفسه بالنظر إلى زائره ، أو ما سماه 'المتطفل على عزلته' ، لكنه تمتم بنبرة مشمئزة ناقدة تشبه الزئير الغاضب" لا أذكر أني سمحت لك بالدخول ، آرثر"

دنا ارثر إلى منتصف الغرفة ومازال يغطي أنفه بالمنديل ، خرج صوته مكتوما منفعلا "ماذا تظن نفسك فاعلا! أتنسب هذه الهيئة لشاب في السابعـ.."

" لا أذكر أني طلبت رأيك ، آرثر "

قبض الثاني على براجمه بعجز و غضب عارم ، تمنى لو أنه ينهال على سيلفان ضربا .. ربما هذا يعيده لرشده.

لكنه تمالك نفسه و زفر في المنديل ببطء "سيلفان ، ارجوك دعنا نساعدك ، توقف عن تدمير نفسك ببطء . هذه المشروبات لن تفعل شيئا، فقط ستجعلك تكمل حياتك في غم لا متناهي "

" لا أذكر أنني استقبلتك ،آرثـ.."

قاطعه الآخر بنبرة حازمة صدت في المكان " أتظن والدك سيكون فخورا بهيئتك هذه! انظر إلى الجثة التي تحولت إليها!"

لم يرد سيلفان هذه المرة، عيناه شردتا في الفراغ و توسعت حدقاته وتراخى جسده، فبدأ آرثر يسير نحوه بخطوات حذرة كمدرب يحاول كسب رضى وحش مفترس و عندما و صل إليه أمسك بيده ، أصبحت نبرته حنونة نسبيا" سيلفان ، ما أنت فيه ليس حدادا على والديك ، بل تشويها لذكراهما . لم يظهر شيب في شعر كولت طيلة حياته ، لكنه غزا رأسك. والدك كان يصمد و يحيا ، أما أنت فما تفعله هو قتل نفسك دون دفن "

بغتة انزلقت أنظار آرثر إلى ذراع سيلفان..تحديدا معصمه ، كان مليئا بالندبات والجراح بعضها سطحي والآخر أعمق قليلا ، ظهر الاستهجان في عينيه و لفظ بقرف "مم.. ماذا تسمي هذه!" أمسك بمعصم سيلفان و بدأ يحركه في الهواء ، سيلفان امتعض و دفع آرثر ، أسلوبه كان لا يمد للبشرية بصلة ، حيوانية مطلقة ، لكنه لم يقف حتى ظن آرثر أنه شل

" تجرأ و المسني مجددا و سأكسر ذراعك. لقد كسرت أنف خادم منذ يومين..لي كامل الاستعداد لجعلك تجرب.."..حتى نبرته كانت حيوانية

تراجع آرثر بحيث يضمن سلامته فتهديد سيلفان كان جادا ، رغم أنه اتقد غضبا من سيلفان إلا أنه لم يفقد الأمل ، ولم يرد تخييب سيده الذي أرسله.

حاول إسكات صوت صرخ كي يصفع هذا المعتوه.

بقي الصمت سيد المكان عندما سكت آرثر ، بدأ يتفحص هذا الجثمان المستلقي ، الرأس المخطط بالأبيض ، العيون المتقرحة ، الخدود الغائرة ، والجسد الهزيل المرتعش من فرط الإدمان.

و اخيرا نطق سيلفان من تلقاء نفسخ بعد صمت بدا كالدهر ، كان صوته متلعثما خافتا شبه مفهوم ، لكن المغزى وصل لارثر " الآن تكترثون؟ بعد..بعد عام كامل! أتعلم كم انتظرت اليد التي ستربت علي ..التي ستخبرني أنني حي .."

قاطعه "و أنت تعرف جيدا، كل المعرفة ، بانني و فرانس أتينا أكثر من مرة! في كل عطلة شهرية كنا نحاول الدخول لكن ذلك المتبجح على الباب لا يسمح لنا برؤيتك . رغم انشغالاتنا بتخصصاتنا الأكاديمية كنا نأتي ، قلقنا عليك عندما بدأ الفصل الدراسي ولم نجدك! "

لم ينطق سيلفان بحرف ، دمعة ثقيلة انزلقت من عينه و تركها تنساب بحرية.

دفع كتلته وحاول دفع ارثر خارجا

.لكن الشيء الوحيد الذي ترنح كان جسده الهازل ، اختنق بدموع ثم صرخ كطفل رضيع جائع. اسنده ارثر وطوق كتفيه موصلا اياه لسريره

ثم تردد إلى أذنيه صوت خطوات تتراجع إلى الباب " لا أنتظر منك تجاوبا ، سيلفان. فقط تذكر أنني لن أتركك حتى لو رفضتني ألف مرة" ... ثم صمت ثقيل خيم على المكان

•~•~•~•~•~•

نزع عباءته السوداء وسلمها للخادم على يساره ، ثم رفع نظره للواقف أمامه بإجلال.

"كيف رأيته ، آرثر؟" قال ليونهارت بصوت أشبه بالهمس دون أن يلتفت إلى الواقف خلفه ، لكنه سمع صوته الآسف " كان سيئا ، جلالتك. بل أسوء مما نصفه بالسوء .."

عندها التفت ليونهارت و أمسك بحافة كرسي العرش بجانبه " فصّل أكثر " نبرته كانت آمرة قاسية ، و مشوبة بقلق حاول إخفاءه.

خفض ارثر رأسه قليلا " معذرة مولاي.." ثم حمحم " كان هزيلا أصفر الوجه ، عيناه غائرتان ، الهالات تطغى على ملامحه.. إنه مدمن يعامل الخمر معاملة الماء و يبدو كما لو بلغ الأربعين..خاصة بذلك الشيب الخفيف .. و قد حاول الانتحار.."

ابتلع ليونهارت شهيقه كي لا يبدو عاطفيا أمام اتباعه ، لكن تصبب العرق من جبينه ، سأل السؤال التالي بصوت أقل حزما وكبرياء " ماذا عن طباعه ؟ لا بد أنه يشمئز مني.."

" سيء للغاية ، جلالتك. طوال تواجدي معه في الغرفة أبى أن يوجه نظره إلي. اتهم الجميع بخذلانه..ولم تكن استثناء... شخصيته نزقة صعبة النقاش ، روحه محطمة و يحاول التشبث بآخر ما يملك من كرامة "

تنهد ليونهارت وأكمل تحقيقه متشبثا بذرة أمل" و هل أخبرته بما اوصيتك؟"

حنا الآخر رأسه كما لو اقترف جرما لا يغفر " آسف مولاي. لكني واثق أنك لو رأيته لعذرتني ، أرجو العفو.."

هز ليونهارت رأسه بتفهم و عقد ذراعيه خلف ظهره ملتفتا للحاجب " جهز عربة فورية إلى برافيا . وأنت آرثر ، بإمكانك الانصراف ولا تخبر سيلفان عن لقائنا هذا"

و بعد نصف ساعة غادرت العربة القصر باتجاه برافيا ، تحمل ملكا أثقل قلبه صوت الضمير ، هو الذي ألقى خطابات لا تحصى أمام حشود شعبه كان الآن عاجزا عن ترتيب كلماته بشكل سليم.

وعندما وصل للقصر المهجور شعر بتجمد ساقيه وكأنها ترفض الدخول ، لكنه خطى بتوتر لم يعشه منذ أربعين عاما و تجاهل وجود الحارس أمام البوابة.

لم يحتج للبحث عن سيلفان ففور ما دخل عتبة المنزل رآه وهو ينزل من الأدراج مترنحا و يحمل زجاجة خمر نصف ممتلئة.

" أوه! الحاكم المبجل في قصري؟ ليتك اخبرتني لاستقبلك في مكان أسوء يليق بعظمة خيانتك" كان صوته عاليا ممزوجا بسخرية واضحة استخدمها كقشرة خارجية ليمنع مشاعره من الانفجار.

ليونهارت لم يرد.. الكلمات تجمدت في حلقه عاجزا عن الدفاع و تبيين موقفه ، واستمر بسماع كلمات سيلفان التي انهمرت كسيل أثناء ترنحه و تعثره على الادراج " كان أبي لينحني لك لو كان مكاني ، و قد رباني هكذا..لكن صوته كان أعلى عندما أمرني بإحكام عقلي ، و عقلي يقول أنك مجرد حشرة صغيرة تتظاهر بالبراءة! " كانت كلماته وقحة.. ليس وكأنه يتعامل مع ملك ، نظراته مشمئزة ولسانه يبصق الكلمات بصقا.

" والدي كان يراك قدوته.." تحول صوته لغصة مكتومة " كان فخورا لأنه تابع لملك 'عظيم' مثلك.. لم يعرف أن أول من سيخذل حقه كان هذا الملك الحثالة!"

ليونهارت نظر لسيلفان " سيلفان.. اسمعني أولا ثم احكـ.."

"أسمع ماذا؟! خطابا مملا كالذي القيته في جنازتهما؟ مليء بالنفاق و الكذب و الخداع وانعدام الشرف ؟"

" سيلفان! الزم حدك '' صرخ ليونهارت هذه المرة " لم أكن من أصدر القرار! كنت في الحدود الشمالية ولم أعد إلا خلال أسبوع..عرفت بالأمر حديثا و أرسلت آرثر ليتبين وضعكـ.."

"وترى كارثة أليس كذلك؟ " قاطعه سيلفان بتهكم " تظنني أصدقك؟ "

هنا اقترب ليونهارت من سيلفان و أمسك بكتفيه.. والآن حتى لاحظ سيلفان بنظره المشوش إثر الكحول أن ليونهارت كان يبكي " أقسم يا سيلفان أنني لم أكن أعرف.. أقسم أنني نفيت كل من ساهم بالقرار.. أعلم أنك تكرهني و تدعو علي بأسقم الأقدار في داخلك ، لكنني هنا لأبين وجهتي .. لطلب المغفرة تجاه تقصيري ، لأعتذر"

أخذ نفسا طويلا بعدما تحدث دفعة واحدة "فينيسيا كانت في مقام أختي ، و كنت أحب والدك لدرجة أنني زوجته إياها.. وعندما احضرك كولت إلى القصر أتعرف من رأيت ؟ رأيت ادموند.. رأيت فتاي الراحل إدموند وما زلت أراه فيك ،سيلفان."

" سيلفان ، دع أفكارك السوداوية جانبا ودعنا نتحدث رجل لرجل. وبعد الحديث إن اقتنعت بكلامي سوف تخرج نفسك من هذه الحالة ، وإن كنت المجرم فسوف اتنحى عن السلطة ، موافق؟ الملك يجب أن يكون عادلا و إن لم أكن فأنا لا استحق ولو تاجا ورقيا"

سيلفان لم يستطع إخفاء صدمته تجاه موقف الملك ، فأومأ برأسه وأشار لكرسيين في إحدى الزاويا .

" سأبدأ أنا.." صرح ليونهارت و انتظر إيماءة من سيلفان " والدك كان بمثابة أخ لي ، كان ضلعا و سندا وروحا ، لكن شاءت الأقدار أن اخسره بشكل بشع ، والدك شعر باقتراب أجله قبل وفاته باسبوع ، زارني يومها و أودع عندي بعض الوصايا و المفكرات.. و أوصاني بك ، مازلت أذكر كيف استند إلى سياج الشرفة و تحدث بكلمات كانت آخر ما سمعته منه : ' جلالتك ، أنت تعرف أنني لم أطلب منك شيئا في حياتي كاملة..لكنني أوصيك الآن بابني سيلفان ، أتوسل إليك أن تحميه و ترعاه ، أشعر أنني لن أطول في هذا العالم..وكما تعرف فهو متعلق بي كثيرا' "

سيلفان بكى عندما سمع كلمات ليونهارت ، لكنه أشار له أن يكمل " لم أفهم كلمات والدك يومها، ظننته مجرد قلق أبوي وأخذت الأمر كطرفة عابرة ، لكن شيء ما كان ينبهني..كولت كان دائما ذا رأي سديد ، ماذا لو أصاب هذه المرة أيضا ؟ عندها قطعت عهدا على نفسي أن أبقى يقظـ.."

"وفشلت في هذا" قاطعه سيلفان مجددا لكن ليونهارت أكمل " وعند وفاتهما اجهشت في مكتبي ، أعترف..قد بكيت كثيرا بعيدا عن الأعين ، ثم كلفت القضية لأكثر من أعرفهم حذقا و بديهة..لم أعرف أنهم سيعاملون قضية كهذه كما لو كانت مجرد كيس طحين مسروق ، فقمت بإقالتهم.."

سيلفان أبى النظر إلى ليونهارت ، وانتظره حتى أنهى كلامه لينفس غصته " لا دليل لديك.." ، لكن ليونهارت نفى بسرعة " بل لدي ، ألم أقل لك أن والدك أعطاني مذكراته..كانت آخر صفحة قد دون فيها لقاءنا ثم أعطانيه ، وبالطبع ستتعرف على خط يد والدك"

ثم وضع يده على خد سيلفان " و الآن أنا هنا لأنفذ وصية والدك ؛ كفالتك حتى تبلغ عمرا تستطيع الوقوف وحدك و تمثل أرضك و عائلتك ، و أيضا لتستعيد حق والديك " حاول سيلفان الاعتراض ، لكن ليونهارت أوقفه و رغم ذلك لاحظ أن نظراته أصبحت ألطف.. ربما لذكر والده.

" صغيري سيلفان .." تمتم متعمدا لقبا لطالما كررته فينيسيا "والدك سيكون خائبا لو رآك هكذا ، و سيغضب مني إن عرف أنني تركتك هكذا و لم أحاول مساعدتك...لذا أرجوك لا كملك بل كأب أن تاتي معي "

" مستحيل!" قاطعه سيلفان و عيناه تدمعان لكنه لم يبكي ، أصبحت مهارته ترك البكاء داخله.

ليونهارت مسح على وجنة سيلفان الخشنة لكثرة الدموع و أصر على رأيه و مع كل كلمة كان صوته يطرى " لماذا ؟ وماذا عساك تفعل إن بقيت هنا؟ فقط ستكثر الشرب و كأنك ناسي كم مقت والدك هذا الشراب.. ماذا ستكون ردة فعله تجاه إدمانك له في عمر الزهور؟ بل ماذا عن والدتك التي كان همها أن يبقى غذاؤك متوازنا؟ أتضرب اهتمامهما بك عرض الحائط ؟"

تنهد سيلفان " ماذا يجعلني أصدق نيتك ؟ لم تبرهن لي أنك بريء ..ماذا لو كنت قد تعمدت أيقاف التحقيق؟ " كان عنيدا رغم انكسار صوته ليرده صوت ليونهارت الحازم " تظنني فرحا بخسارة غصن يحمل دما ملكيا ؟ تظنني أنام برخاء وأنا أعرف أن هناك مجرما طليقا يستطيع قتلي ببساطة؟! مشكلة ذلك القاتل مع المملكة كاملة و ليس فقط عائلتك ، لو كانت المشكلة أنتم فلماذا أبقى عليك و أجرم بحق والدتك؟"

تحليله المنطقي لامس صميم سيلفان ، لم تعد لديه أي حجة تمنعه من عدم المجيء ، خاصة أن هذه وصية والده و أبسط حقوق الميت أن تنفذ وصيته... رغم كرهه لها إلا أنه سيطيع.

تنهد طويلا " حسنا ربما...سآتي" ثم أردف بنزاقة " لكن إن لم يعجبني شيء سأعود هنا!" زعق متجاهلا فكرة أن أي خرابة أفضل من ال'هنا'

نهض بخطوات متثاقلة مرتجفة نحو ممرات الجناح الغربي ، حيث كان قد جمع كل لوحة رسم فيها والداه ولو بتلميح.

رتبها كلها بشكل يليق بذكراهما و بدأ ينظف الجناح من الغبار و القاذورات.. حتى عاد ذا مظهر حي ، كجثة تم تزيينها بالحلي.

ألقى نظرة طويلة للغرفة..كانت بهذه الرتابة و الجمال قبل ذلك اليوم المشؤوم ، رؤيتها بهذا الشكل هيجت فيه مشاعر حنين و ذكرى جميلة لن تعود.

أراد رؤيتها هكذا ولو لمرة قبل رحيله .. خرج و أقفل الباب ثم ربط على المقبض شريط حرير أسود ، وقبل أن يغادر القصر أحضر من حاجاته شيئا واحدا : صندوق الرسائل.

•~•~•~•~•~•

السابعة صباحا :

نزل ثيودريك إلى قاعة الجلوس في الطابق السفلي ، لم يعد ذلك الطفل ذو الاثنتي عشرة سنة بل شابا يافع الطول كثيف الحواجب ، فوق شفته شارب خفيف محفوف بتناسق رهيب.

لم ير والده منذ أن غادر القصر البارحة بعد لقائه مع نجل عائلة بيلامي.. لم يقلق من طول الغياب بقدر ما أقلقه السبب.

بالكاد استغرق في تفكيره حتى قاطعه صريك البوابات الضخمة و صهيل الأحصنة فذهب للمدخل الرئيسي ليستقبل والده.

لكن ما رآه تركه في بهتة، فمه انفتح لا إراديا و حاجباه ارتفعا " سيلفان!" همس بصوت مشبع بالصدمة، لم يكن متأكدا إن كان هذا سيلفان أصلا.

ليونهارت نظر إليه " ثيودريك ، سيلفان يحاول بدء صفحة جديدة ، لذا عليك مساعدته. أليس كذلك سيلفان؟" أنهى كلامه بتربيتة على ظهر سيلفان ووجه نظره لأقرب خادم " خذه لغرفة مجهزة و أعطه ملابس نظيفة ، و احرص على أن لا تكون هناك أي زجاجة خمر من حوله"

وبالفعل أطاع الخادم ، سيلفان لحق به برأس منخفض ذليل و عينان غائرتان ، 'أعطه ملابس نظيفة' عبارة كانت كفيلة بإثبات كم القذارة التي وصل لها، لكنه لم يعلق ومشى بصمت حتى وصل لغرفته الجديدة.

غرفة تطل على الفناء الخلفي ، وتحديدا ذاك الذي التقى فيه مع ثيودريك للمرة الأولى ، الغرفة كانت مشمسة و الهواء النقي كان يطهرها من أي رائحة سيئة أو جو كريه.

لم تكن تقل أو تزيد فخامة عن غرفته السابقة ، سرير من خشب البلوط الثقيل ، مرآة طويلة مستندة على إحدى الواجهات ، و مكتب متوسط الحجم مزدحم الأدراج بين النافذة العريضة و رف الكتب مما أعطت جوا دافئا للأعمال السريعة.

أخذ حماما سريعا لكنه كان كفيلا بتطهيره من النجس الذي كان يعيش فيه .. وبدأت رحلته للتأقلم على حياة جديدة لم يخترها ، بل فرضت عليه بشكل قاس و بشع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عــرش الـــدم || Throne of blood

المؤلف ELEEN
2026/07/08 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة