8 - ستورم (عاصفة)

8 - ستورم (عاصفة)

4 0

وقف آرثر أمام مرآته يعدل شعره و الدبوس على قميصه ، و يتمتم بين حين و آخر بكلمات لا تشي سوى بكرهه لهذه المهزلة الكونية.

فتح باب غرفته ، والده.. نظر له و نطق " تبدو جيدا.. أو على الأقل مقبولا" ليرد آرثر و هو يربط ربطة عنقه " أبدو كمن سيعدم "

لم يرد والده على السخرية ، و تذمر " ايقظناك منذ الفجر و لا بد أن تتأخر كالعادة! ما مشكلتك مع المواعيد"

تنهد ارثر " هل يمكنك أن تتركني لحظة ؟ أرجوك.." فزفر والده و تابع" حين تدخل، لا تنطق بحرف حول أنك لم تكن تريد أو تخطط لمشاريع و سفر و ما إلى ذلك "

" إذا ؟ ماذا احدث عروسي؟"

" فقط قل أنك تود الاستقرار باكرا و تكوين أسرة " رمى تلك الكلمات و غادر ، نظر آرثر الى الباب حيث كان و تمتم " أنا أخطط للاستقرار ؟ لم أخطط لغذائي اليوم بعد"

ثم غادر الغرفة لاحقا بأبيه.

دخل قاعة الضيافة بابتسامة متكلفة ، ألقى التحية على الرجال هناك ثم جلس .

على الأريكة المقابلة كانت خطيبته جالسة ، عيناها شاردتان في المحبس التي ترتديه ، و يبدو عليها التوتر و الخجل.

كانت ترتدي فستاناً أزرق بسيط التطريز من حرير ثقيل ، وشعرها الأسود تركته منسدلاً على كتفيها بسيطا دون أي زينة او تكاليف ، حتى وجهها بدا خاليا تقريبا من أي مستحضرات تجميل

لم يعتقد آرثر أن عمرها اكثر من سبعة عشر عاما ، ربما ثمانية عشر ، لا بأس بجمالها .. ليس ذلك الجمال الملفت لكن لها هالة كبرياء النبلاء تلك.

كان والده و والدها يتناقشان حول تفاصيل الزواج و التكاليف و ما إلى ذلك ، و اقترح والدها تأجيل الزواج حاليا حتى تعتاد ابنته على خطيبها.. و هذا الشيء المنطقي الوحيد الذي رآه آرثر.

عادت أنظاره نحو الفتاة ، صوفيا ، كانت تتهامس مع أمها حول شيء ما ، بدت قلقة. و حاول أن لا يهتم كثيرا ، هو لم يعجب بها أصلا رغم أنه لم يسمع صوتها حتى ، لكن ذلك الهدوء الممل لم يرق له بتاتا .

حين لاحظت أنه ينظر لها حصل بينهما تواصل بصري للحظات ، قطعه كلاهما بالنظر إلى زاوية مختلفة من الغرفة ، و بين حين و حين ؛ كانا يسترقان نظرات سريعة تقييمية لبعضهما البعض ، بدوا كطفلين يحاولان التعارف.

و طوال الجلسة هو كان صامتا ، و والده هو من كان يتناقش و يجادل مع والد صوفيا كأنه هو الذي سيتزوج ، ثم سمع والدها يضع كفيه على ركبتيه و ينهض و هو يقول " ربما من الأفضل تركهما ليتعارفا وحدهما ، لا بد أنهما خجولان من وجودنا"

نظر آرثر للرجل بطرف عينه ، أراد ان ينطق " تقصدني بالخجول يا عجوز؟" لكن رأى أن الصمت خيار أنسب ، و بالفعل غادر والداها و إخوتها ، و غادر بالمقابل والده و تركاهما بصمت غير مريح و نظرات تقييمية بطرف عينيهما.

نظرت له هي من رأسه إلى أخمص قدميه: شعره الأشقر الرمادي ، طوله اليافع ، بنيته متناسقة مقارنة بأي شاب في سنه ، لكن لم يعجبها لون بشرته لسبب ما ، و لا حتى عينيه الرماديتان .. تجعلانه كتلة من درجات الرمادي.

هو لاحظ نظراتها التي لم تعد خجولة البتة ، كسر رتابة الجو " صوفيا، أليس كذلك؟"

لترد باقتضاب "أجل" و تدير وجهها عنه

رفع حاجبه لكن لم يعلق، فك قدميه عن بعضهما البعض و سأل مجددا " بالمناسبة.. كم عمرك؟"

لترد دون أن تنظر له ، بل و وضعت ساق فوق الأخرى " سأتم الثامنة عشرة الشهر المقبل"

و لم يستطع اخفاء تعابير وجهه تجاه أسلوبها النزق معه ، فوضع يديه في جيوبه و استرخى في كرسيه " و لماذا هذه الفظاظة يا آنسة؟" فحركت رأسها بسرعة لتنظر له " و ما تعريفك للفظاظة؟"

لوى فمه و رفع حاجبيه ، ثم نظر لها " قد كنت طوال الوقت صامتة و لا تريدين التحدث معي ، لا تنظرين لي و تديرين وجهك عني ، بل و تجلسين بشكل مخالف للعادات في جلسة رسمية.. هذه أسميها فظاظة ، أو جهلا ، لكني لا أعتقد أننك جاهلة آنستي"

لترد و هي تبصق الكلام " ليست 'آنستك' بل آنسة. " ثم عقدت ذراعيها عند صدرها " لست حتى راضية عن هذا! و أنت تتصرف كما لو كنت رجلا و أنت مجبر كالنساء تماما!"

صدمه انقلابها فجأة من فتاة رقيقة خجولة إلى شخص لا يمكن تمييزه عن الصبيان ،هي لم تكن خجولة. كانت تمسك بفستانها بقوة كي لا تنفجر. كانت عيناها تبحثان عن مخرج. كانت تتظاهر بالخجل لأنه متوقع منها، لكنها كانت تكره كل ثانية.

ضرب بكفه على مسند الاريكة الخشبي و هدد " راقبي ألفاظك يا آنسة. لا تنسي أنك في مجلس أسرة محترمة!"

لتجعد تعبيرها كما لو شمت رائحة كريهة " تحمس قليلا و انهض و اضربني ، أو حتى اصرخ و وبخني سيد بيلامي لو كنت ترى نفسك قويا!"

مستفزة؟ نعم ، لكن حاول تمالك اعصابه ، وقف " ما مشكلتك! نعم أنا هنا لأن عائلتي قالت ، لكني لم أشعرك كم أنا أمقتك و أمثالك بل عاملتك باحترام !"

لتقف هي الأخرى "أصبحت المذنبة إذا لأنني أرفض الارتباط برجل لست مقتنعة به!"

ثم نظرت له نظرة حادة ، مشبعة بشيء من الحقد " لو كان فيك ذرة من الرجولة لما وافقت على الارتباط بشابة لا تريدك!"

لينحال عليه شيء من الهدوء المتوتر ، نظر لها بشيء من الاستحقار و الكره " للمرة الأخيرة : راقبي ألفاظك و إلا فلدي الاستعداد و القدرة لبتر لسانك أمامك هنا!"

لتقطب حاجبيها بتحد " و كأنك تجرؤ؟ لو كنت شجاعا لماذا لم تقف في وجه عائلتك و تقول لهم هذه العبارات التهديدية القوية ؟ أم أنك فقط تنتظر امرأة حتى تستقوي عليها!"

كانت العبارات تتوالى بينهما من صد و رد ، كان يحاول هو أن لا يضربها ، ليس من ذلك النوع النذل ، لكنها تدفعه خارج نطاق صبره! و لا تتعب حتى من كثرة الجدال و العناد!

و هي؟ بدت فخورة بما تفعل ، تتعمد ذلك ، تريده أن يكرهها كما لم يكره أحد من قبل ، فكرت..لو كرهها سيرفض الارتباط بها ، و سيزيد موقفه الحاد ضد عائلته و تنجو. حتى لو كان ذلك يعني أن تصبح حديث الألسنة في البلاط لثلاث سنوات على الأقل.

في النهاية أحس باليأس منها ، جف حلقه من كثرة جدالها ، نظر لها للمرة الأخيرة ، تجهم و نطق بصوت واضح " اسمعيني جيدا ، لو كنت تظنين أني لست قادرا عليك فأنت غبية ، بل و جاهلة أيضا. قلت ما لدي ، سأغادر الآن و فكري فيما قلتي ، و آمل أيضا أن يصلني اعتذارك عبر البريد قبل نهاية الأسبوع. نهارك سعيد ، آنستي." رمى كلماته و استدار مغادرا تاركا إياها خلفه.

رمت نفسها على الأريكة و شدت على منديلها " غبي غبي غبي!" صرخت الكلمات و تمنت لو أنها تستطيع تمزيقه لألف قطعة و رميه في النهر .

نزعت خاتمها و رمته على الطاولة و وضعت وجهها بين كفيها منهارة " ما خطيئتي يا رب حتى أعاقب بهذا الشكل! أهذا إنسان أم كابوس!"

أما هو فقد ذهب للاسطبلات ، امتطى خيله و اندفع متجها إلى صديقيه في كورين.. على الأقل هناك سيشعر أنه حي .

وصل إلى كورين مع وقت الظهيرة ، و عبر الشوارع المعبدة وصولا إلى مركز المدينة حيث القصر الملكي. استوقفه الحرس بسؤال " هل لديك دعوة رسمية ، سيدي؟" ليرد آرثر " ليس تماما ، لكني ارغب برؤية صديقي ، الأمير سيلفان."

ليرد الحارس " سموه متعب و جريح ، لم يقف على قدميه مذ عشرة أيام و ليس مستعدا لاستقبال ضيوف."

توقف تنفس آرثر للحظة و سأل" ماذا جرى بحق الخالق ؟" ليهز الحارس رأسه" ليس لدي الصلاحيات للبوح ، سيدي .. إنها أوامر ولي العهد "

فضرب آرثر كفيه ثم نظر للحارس مجددا " حسنا ..هل أتى فرانسيس قبلي؟" فرد الحارس " السيد سيلوار مقيم هنا منذ أسبوع -"

" دعني أره.."

لينظر الحرس لبعضهم ثم تنهد أحد منهم كان يستمع " بإمكانك الدخول سيدي" ثم رفع ذراعه إشارة لفتح البوابة.

دخل آرثر على عجل و سلم عباءته للخادم على يمين المدخل الرئيسي ، استقبله فرانسيس على الادراج " اوه ، ارثر! لقد سأل سيلفان عنك و قلت أنك في سيراديس"

ليرد آرثر بشيء من الضجر " عدت اليوم" ثم رفع يده اليمنى التي فيها خاتم الخطوبة دون أن ينبس بكلمة ،

" مبارك ..اعتقد؟" قال فرانسيس بسخرية " من تعيسة الحظ؟"

فزفر ارثر " لنتحدث في الأعلى.." ثم استدرك " ماذا جرى لذلك الغبي! ما إصابته؟ " فتنهد فرانسيس " لحسن الحظ قد نجا ، كدنا نصبح ثنائيا." ثم أشار له ليلحق به.

وصلا لغرفة سيلفان ، لم يطرق آرثر الباب بل فتحه بعنف أفزع سيلفان النائم و الضمادات تقوم بعمل البطانية .

نظر له ارثر باستنكار " ماذا حدث!" ليرد سيلفان ببساطة كأنه مخدوش " تقليد عائلي.."

" تقصد تعذيب عائلي! و أنا الذي كنت أظن عائلتي الأكثر غرابة!" ثم اقترب من السرير " يا الهي .." تمتم لنفسه و هو يرى شحوب سيلفان الشديد.

همس " هل يمكنك على الاقل أن تشرح لي؟ " فرفع سيلفان كتفيه بصعوبة " ليس بيدي ، إن قرر الملك إعلام الجميع ستفهم معهم.."

ثم جلس بصعوبة " أين كنت هذه الفترة؟" و قبل أن يجيب نطق فرانسيس بنبرة ضاحكة" اتعلم أن أول جملة قالها لي 'أين آرثر ؟' . لم يعبر حتى وجودي! أتصدق؟"

فتبسم الآخر بامتنان و برر " أقسم أنه لم يكن قراري.." ثم رفع يده اليمنى .

ليصفر سيلفان" مبارك.. و أنا ظننتك تنوي التطوع للكنيسة! " فلكمه آرثر برفق " غبي مزعج حتى في مرضك"

ثم تابع " خطبوا لي صوفيا فاندور" و قاطعه فرانسيس بتقطيب حاجبيه و وضع يده على خصره " و لم يجدوا غير المغرورة التي تظن أن الكون يدور حولها!"

فضحك آرثر" كنت على وشك الحديث عن هذا!"

و اصغيا الآخران باهتمام و هو يسرد بانفعال كل حرف جرى بينه و بين صوفيا في اللقاء الأول..

" ثم أدرت ظهري و غادرت بعد أن سئمت منها! لا تطاق!"

فهمس سيلفان لفرانسيس" قدر وجد غطاءه" و سمعه ارثر بالطبع و قرصه بقوة حتى ازرق موضع أصابعه.

ضحك فرانسيس قليلا و حك مكان القرصة. ثم نظر لارثر " أعرفها تلك الصوفيا ، تزور لاريسا أحيانا ، مغرورة بشكل مستفز ، لكني لم أتوقع منها هذا التطاول و الوقاحة! ظننتها فتاة هادئة على الأقل!"

تمتم آرثر بين أنفاسه" مستفزة.." فتبسم فرانسيس " يبدو أنك تعيس الحظ يا صديقي"

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

و بعد فترة بدأ سيلفان يتعافى ، يستطيع النهوض على عكازات للمهام البسيطة ، و وجود صديقيه بجواره طوال الوقت ساعده كثيرا على التحسن .

كانوا يخرجونه احيانا للحديقة ، يلعبان معه الورق أو الشطرنج ، و يقلدون تلك المسرحيات السخيفة التي كانت في كتبهم المدرسية.

عاد فرانسيس إلى دراسكو بعد مكوثه في القصر الملكي لعشرة ايام ، فزوجته على وشك وضع طفليها ، بينما آرثر بقي ، أحيانا يغادر لساعات في النهار لكن سكنه المؤقت كان في البلاط الملكي

لم ير الذئب بعد ، انطفأ حماسه لرؤيته ، او حتى قد نسي الأمر بوجود أحد يؤنسه.

لكن كان يشعر بشيء غير طبيعي ، خلف الأبواب المغلقة. و مع الوقت سرعان ما فهم الأمر من الخدم و العائلة..الملك ليونهارت في انتكاسة مرضية شديدة.

دخل غرفته مرة مستندا على عكازين ، ليرى الرجل الذي كان أباه لأربع سنوات طريح الفراش و أصابعه أشبه بالعصي الهشة.

سحب نفسه نحو الكرسي القريب و رمى نفسه رميا ، فأن الكرسي تحت ثقله مصدرا صوتا أوقظ ليونهارت.

نظر بعينين متعبتين لسيلفان و شد على يده " لماذا أنت هنا ؟ أنت منهك .." ليرد سيلفان بنبرة حنونة أكثر مما توقع " ليس أكثر منك "

فضحك ليونهارت ضحكة لم تكن من أعماقه..ضحكة شخص يخاف الموت " لقد صارعت في معارك قبل أن تولد حتى يا فتى ، لن تذبحني حمى موسمية !" .

فهمس سيلفان و هو يمسك يد ليونهارت بكلتا يديه " اتمنى ذلك ، أبي."

تبسم ليونهارت ، ثم تجمدت ابتسامته حين استدرك ، لمعت عيناه بدموع أبت إلا أن تنزل " لا يا فتى..لا تجبر نفسك على قولها " تمتم متوسلا فدمعت عينا سيلفان هو الآخر و نطق كالحشرجة " لم أجبر نفسي .. كلا .. أنت أبي ، يستحيل أن أنسى معروفك ابي ، لولاك..لولاك لكنت ميتا منذ سنوات!"

سالت دمعة على خد ليونهارت ، فمسحها سيلفان بحنو " لم أدرك يوما كم كنت مهما لي بقدر ما أدركت الآن. كم كنت احمقا! و لو رحلت قبل أن أعبر لك عن امتناني سأكون نذلا .. "

ثم تابع سيلفان و هو يتبسم رغم دموعه " سأحاول فتح صفحة جديدة ، لن أبقى عالقا في الماضي و أهلوس بعائلة قد رحلت ، بل سأفعل ما كان سيسعدهما..." لفظ غير متأكد ثم تابع " أعلم أنه صعب ، أعلم أنني لن أسامح نفسي على خذلان حقهما، لكن على الأقل سيخف شعور التقصير عني. على الأقل سأكون قد حاولت اكمال حلمهما بي"

فبادله ليونهارت ابتسامة صغيرة و ربت على كفه " تفعل الصواب، بني . امض ، مهما كلفك الثمن امض و لا تلتفت خلفك . الخلف للجبناء ، ينتظرك مستقبل ، اسع له"

و هز سيلفان رأسه و جفف عيناه من الدموع ثم مسح بابهامه عينا ليونهارت " لا تبكِ ، لا أريد أن يزداد تعبك ، يكفيك ما نلته بسببي.." فهز ليونهارت نافيا " لا تعلم كم كنت أتوقع لتلك الكلمة منك.. و الآن ، أشعر بها هنا" و أشار بيده لصدره " أشعر بها دافئة ، و يستحيل لشيء دافئ كهذا أن يزيد من تعبي.. يستحيل ، سيلفان"

رفع ذراعه بصعوبة لامسا خد سيلفان الخشن ، و تبسم " لديك وجه والدك..نفس النظرة ، نفس الجلسة ، نفس الأعين " ثم أنزلها لصدره " لكن هنا؟.. عاطفة أمك ، حبها ، حنانها ، و حس المسؤولية خاصتها " و تبسم سيلفان ابتسامة شاردة ، و تذكر لوهلة طبق الأرز الذي أكله يوم وفاتها.

ثم رفع ذراعه مجددا إلى رأس سيلفان و أطلق ضحكة " لكن هنا ؟.. شيء يخصني"

تبسم سيلفان بشيء من الغرور " ذكاؤك؟ حكمتك؟ نباهتك؟"

ليضحك ليونهارت بصوت مدوي و يوخز بإصبعه جبين سيلفان" لا! .. " ثم نطق" حماقتي"

ليرمش سيلفان" حماقتك؟"

و يضحك ليونهارت " كنت شابا في يوم يا فتى! و كنت احمق اسعى خلف المغامرات مع الجميلات! مثلك تماما مع إليرا.."

فرفع سيلفان حاجبه ، غير متأكد لو كان أخبر ليونهارت او حتى ثيودريك عنها ، لينطق ليونهارت " اظن أن عليك التفكير في أمر الثقة بفرانسيس كحافظ لاسرارك"

فقال سيلفان بين ضحكاته " ذلك الخائن! سأقتله حين أراه!" و ضحك ليونهارت أعلى ، ثم قاطعه سعال عنيف باغته ، سعال كان كفيلا بإعادة الجدية القاتمة للجو ، نظر له سيلفان بعجز و تمتم " آسف .. ربما كان علي المغادرة " و قبل أن يهم للنهوض أمسك ليونهارت بمعصمه و نظر له بتعب " انتبه على نفسك ، سيلفان. و لا تنجرف خلف غرورك..تذكر كلماتي "

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

في أحد أيام الجمعة تم العزم على إعلان الخبر لبقية نبلاء البلاط ، و شهد القصر حالة استنفار قصوى ، الخدم يتراكضون في الممرات و الطهاة تقرحت ايديهم من كثر تعرضهم لبخار الطعام.

تم تزيين قاعة الاحتفالات الرئيسية و تجهيزها ، المنصة الملكية كانت العنصر الأكثر حضورا ، طوقت بأكاليل من الورد و بموازاتها تم توزيع الكراسي بمجموعات حول طاولات مستديرة.

و في نهاية القاعة اصطفت الموائد الطويلة و أفخر أنواع اللحوم تكتظ فيها و بينها كؤوس الشراب.

و في غرفته ، كان واقفا و خادمه يعدل له بدلته و يصفف شعره.

فتح الباب ليطل ثيودريك برأسه و على محياه بسمة بشوشة على محياه "متوتر ؟"

ليتمتم سيلفان مع زفيره " بالطبع أنا كذلك!"

فدخل ثيودريك و ربت على كتفي سيلفان " بحقك يا فتى! قاتلت ذئبا و الآن ترتعش من اجتماع مع النبلاء ؟"

ليزفر سيلفان و هو يحرك مروحة أمام وجهه " أول حضور رسمي لي بعد وفاة والديّ ... لا أعلم إن كان المجتمع يذكرني أصلا!"

لينظر له ثيودريك في عينيك مباشرة " و هذه فرصتك لتثبت نفسك ، فقط اضمن لنفسك موضع قدم في البلاط ثم ستستطيع أن تنسل بينهم كما يعبر الماء شقوق الصخر " و ربت على خد سيلفان " و من يعلم ؟ ربما تكون أنت من سيقود التيار"

تنهد سيلفان و وضع كفه على كف ثيودريك " ستكون معي ، صحيح ؟" ليرجع ثيودريك كتفيه للخلف بفخر" بل أنا من سيقدّم الحفل. انظر إلي ، أول حفل أقدمه و لست ارتعش في بنطالي كأحدهم!" فقرصه سيلفان و زمجر ضاحكا " تبا لغرورك" فبداله ثيودريك الضحكة " عيب عليك! هذه إهانة عظمى!"

ليطلق سيلفان ضحكة قال وسطها " من حضر حتى الآن ؟" فرد ثيودريك " كثيرون ، آل فاندور و آل ريكس و آل فيرالد" ثم غمز سيلفان الذي احمر و أدار وجهه " و آل بيلامي كلهم .. الأب و الستة البقية ، و سيلوار؟ أتوا جميعا عدا فرانسيس ، زوجته ولدت تؤاما و هي في حال مأساوية. قام بإرسال خطاب اعتذار "

بدت خيبة طفيفة على سيلفان ، لكن لم يجعلها تزيد توتره ، تابع ثيودريك " بالمناسبة ، أتى من آل لوكافورد فرد واحد ، فانسير لوكافورد" فتمتم سيلفان "لا ينقص سوى آرثر و فانسير في مكان مغلق " فرفع ثيودريك حاجبيه " لا أظنهما على وضعهما القديم.. أعني مجرد مشاكل مراهقين و في المدرسة ؟ اعتقد أنهما تجاوزاه"

ليغمغم سيلفان " حتى أنا لا أحبه ، آخر مرة رأيته في جنازة أبي و كان متأنقا كأنه في حفل زفافه"

فرد ثيودريك " دعك منه أظنه أتى لأجل النبيذ لا أكثر ، فقط ركز على نفسك و لا تتوتر. قد حان وقت النزول ، من غير اللائق ترك إليرا ملهوفة"

فاحمر سيلفان مجددا " تبا ، ثيودريك!" و ضحك ثيودريك بقوة و غادر مسرعا.

لحق به سيلفان . نزل إلى الفناء الأمامي و اتجهت عيناه لا اراديا إلى تلك البوابة الضخمة.. إلى الساحة خلفها. علم أن الذئب لازال هناك ، راودته نفسه .. لا مانع أن يتأخر بضع دقائق ، غير اتجاهه إلى الساحة ، دفع الباب بجهد كبير و سل نفسه عبر الشق الضئيل الذي أحدثه .. ليرى الذئب يعوي بحداد على بركة دم جاف.

"صديقي.." همس بصوت بالكاد مسموع ، فنظر له الذئب ، و ما أن تلاقت اعينهما حتى احمرت الرؤية في عيني سيلفان ، فعرف أن الأمر قد تكرر .

اقترب الذئب منه بخطوات صغيرة لا تليق بحيوان ضخم مثله.

و جثى حانيا رأسه للاسفل كما لو كان ينحني لسيلفان ، فجثى سيلفان هو الآخر ليصل إلى مستوى الذئب و ربت على رأسه " لا عليك يا صديقي ، ارفع رأسك.."

و بالفعل أطاع ، رفع رأسه و نظر لسيلفان ، ثم بدأ يحرك أنفه كما لو كان يشتم شيئا..شم الدم المتخثر على جروح سيلفان .

فخفض نظره كما لو كان يأسف و بدأ يتمسح بأماكن الجروح .

مسح سيلفان على رأس الذئب ، رغم أن الدهشة كانت تأكله من الداخل ، لكن كان يسعى أن لا يتصرف بشكل مفاجئ يفزعه . فهمس له بحنو " سمعت أنك عنيد مثلي.. لماذا لم تأكل شيئا ؟" فأطلق الذئب أنينا صغيرا شاكيا ، فهمس سيلفان " أنت طفل بالنسبة لاقرانك، صحيح؟ رغم أنك قوي كالكبار لكنك صغير.."

تبسم سيلفان و مد يده لاقرب قطعة لحم مرمية و قدمها للذئب " خذها .." فانتشلها الذئب فورا وأخذ ينهشها و هو يطلق انينا جائعا .

وقف سيلفان بتأوه بسيط ، و قبل أن يستدير نظر له آخر مرة" سأسميك ستورم ، ففروك كلون الغيم المثقل بالمطر . علي الذهاب ، ستورم .. لا تجوع نفسك "

و استدار تاركا خلفه الذئب الذي هرع ينهش كل قطعة رميت له من الحرس على مر الأيام الماضية.

عاد الى طريقه ، إلى القاعة، وقف أمام الباب و يداه ترتعشان..

طوال سنينه التي مضت لم يشعر انه جزء من المجتمع النبيل ، لم يسمع عنهم ، و قد نسي معظم أسماءهم ، و الان يعود..يعود ليكون مركز الحدث.

شعر بقلبه ينبض في معدته ،لكن اقترب أكثر و أشار للحارس أن يصرح لدخوله.

و بالفعل ، فور أن دوى صوت الحارس دخل القاعة متجها إلى منصة العرش.

شعر بكل الأنظار تتجه حوله ، رجال لم يرهم منذ سنوات ، شباب الآن يحملون على الاقل طفلا واحدا ، و عائلات تضاعف عدد أفرادها.

الحياة توقفت عنده فقط..لكن في الخارج ؟ لم يحدث أي تأثير ، استمر الجميع بالزواج و الطلاق و المشاكل و الوقوع في الحب و التربية و التمتع بالرفاهيات.

و من بين جميع الأنظار ، وقت عيناه عليها. شعرها الكستنائي ملموم بتسريحة مرتفعة ، و أذنيها مثقلتان بأقراط كبيرة تبرز عنقها الممشوق ، و نظراتها تلمعان بشوق و دمع خفيف.

توقف زمنه للحظة... تمنى أن ينظر لها للأبد ، لكن هنا في مجالس النبلاء ؟ كل خطوة محسوبة ، لذا أخذ نفسا و تابع إلى المنصة و قلبه يصرخ أن ينظر لها مرة أخرى.

مرت الحفلة بمزيج من الأوركسترا الملكية و رقص الفالس الذي لم يشارك به و لا حتى هي و إلقاء التحية على من زعموا أنهم اصدقاء قدامى لوالده.

رآه آرثر و اتجه نحوه ، فصافحه سيلفان بحرارة و عانقه " لم أتوقع رؤيتك..تعلم ، لا بدّ من أنك مشغول مع صوفيا"

ليضحك آرثر بعصبية " لا تذكرني رجاء" ، فضحك سيلفان لأول مرة في هذه الأمسية بحرية " أنت تتحدث كما لو كانت طاعونا"

فرد الآخر " الطاعون أسهل " ثم نظر له بطرف عينه " لا تتحدث عنها أنت "

رفع سيلفان حاجبه " تغار؟" ليلكمه آرثر في كتفه " لا أغار! فقط من غير اللائق قول هذا !"

فضحك سيلفان حتى كاد يوقع كأس شرابه " أنت مستحيل ، آرثر! تتذمر منها طوال الوقت و يمنع أن نتحدث عنها؟"

" هي إنسانة في النهاية ، أرى تعاملها مع اسرتها..لكن أنا و هي؟ مستحيل! لا أتقبلها البتة، هناك شيء بيننا سيڤ ، شيء عجزت عن فهمه"

و قبل أن يرد سيلفان كان ثيودريك قد نهض من عرشه و تقدم إلى الحشد.

" أيها السادة الكرام! باركتم أمسيتنا الجميلة بوجودكم الكريم ، و لعل أفراحنا تزيد و يدوم السلم و الأمان على ايلريث و شعبها "

و رفع الجميع نخبهم و آخرون صفقوا لكلام ثيودريك.

تابع " و بعد هذه المأدبة الكريمة ، يشرفني و يعزني أن أعلن لكم عن مجد ايلريث! عن أن هذه الأرض الطيبة انتفضت لنفسها و أنبتت لنا محاربا سيكون الرادع لأي عدو سيعصف بنا!"

و بينما كانت الوجوه متباينة بين متحمس و مستغرب ، مد ثيودريك ذراعه مشيرا بكفه إلى سيلفان " يعز مملكتنا الغالية أن تقدم لكم أعظم ما أنبتت ، سيلفان فالستون!"

عم الصمت للحظة ، ثم انتشرت الهمهمات حين صعد سيلفان للمنصة ، و العيون ترصد كل حركة منه.. مرت سنوات منذ قد ظهر فالستون للعلن ، و حدث كهذا لا يفوته سوى احمق.

تابع ثيودريك " لطالما أذهلتنا ايلريث ببنيها ، و لطالما كانت الأقدار لصالحنا! و الآن أعظم قدر حصلنا عليه هو ظهور الفارس الذي تنبأت به هذه الأرض العظيمة ! قد ظهر الرجل الذي سيخلص ايلريث من الخراب! "

ثم رفع نخبه " أعلم أن هذا غريب أيها السادة! لكن لطالما كانت ايلريث تفاجؤنا باختياراتها..و هذه المرة قد وقع الاختيار على شاب أرى فيه مستقبل ايلريث! من الآن فصاعدا! سيلفان كولت فالستون أخي و دمي! و من انتهك عرضه انتهك عرضي ، و من أهانه أهانني ، و من طعن فيه طعن في! هذا هو ملاذ المملكة للنجاة في يوم ستتشابك فيه السيوف و تتطاير الرماح! هو من سيقف مقداما كما فعل جده و يرفع سيفه صارخا للمجد!"

و وسط هذه الكلمات التبجيلية ، وقف سيلفان عاجزا عن النطق ، يداه ترتعشان و قلبه ينبض بعنف حتى كاد يخترق صدره ، ثم أشار له ثيودريك أن يتقدم..

فعل ، خطا خطوات بطيئة نحو العرش و جثى على ركبة واحدة ، عباءة النبالة التي نقش عليها شعار فالستون انسدلت خلفه ، و رأسه منحن و يداه ترتعشان.

تقدم خادمان يحملان على وسادة طويلة سيفا عريقا ، سله ثيودريك أمام الحشد " هذا هو سيف الكساندر.. أقدمه هنا الآن لمستحقه و حامله ، حفيده و وريثه ، سيلفان فالستون!" و أعاد السيف لغمده بوقار و وضعه بين يدي سيلفان الذي تناوله بخشوع و نهض ببطء ، ربت ثيودريك على كتفه و أومأ ايماءة رضا.

و رفع سيلفان نظره للحشد ، و لوهلة اختفى كل خوف فيه..و استبدل بفخر عميق ، باستحقاق لهذا الشرف. و الآن و هو ينظر في أعين تحسده لكن لا تجرؤ على النظر في عينه ، شعر أخيرا بقدرته.

و في زاوية أخرى من الحفل ، حيث كان آرثر واقفا ، شعر بخطوات رجل تقترب نحوه .

نظر له ، ذلك الشعر الاصهب ، الاعين التي تشبه أعين الثعالب ، و الابتسامة المتملقة ..فانسير

" آه ، ارثر! مر وقت طويل" و مد يده للمصافحة ، صافحه آرثر ببرود " مر بالفعل ، منذ أن كدت أموت بسبب مقلبك السخيف."

ظهرت ملامح أسى على وجه فانسير " أوه ..ما زلت تذكر ذلك ، أنا حقا آسف...تعرف ، طيش مراهقة "

دحرج ارثر عينيه ثم تابع " إذا ، ماذا تريد الآن " فرد فانسير " لا شيء ، بناء علاقات..تقريبا؟ تعرف ، عائلاتنا متجاورة ، و لا مانع من بعض التحالفات"

ليرد آرثر بسخرية " ستزوجني أختك ؟"

عض فانسير خده الداخلي و تبسم بصعوبة" لا لا بالطبع ، اعلم أنك قد خطبت بالفعل، لكن أقصد صفقات تجارية.. أشياء كهذه.."

" أها.." تمتم آرثر" ليس مكانا مناسبا، لوكافورد.. ترى : صديقي يكرم هنا "

فاتجه فانسير بعينيه نحو المنصة" أرى.. لكن ألم يبالغوا قليلا ، لم كل هذا؟"

رفع آرثر حاجبه و هو ينظر لفانسير الذي أخذ رشفة من شرابه و تابع " أعني هناك ألف فارس افضل من سيلفان و هم لم يخبرونا حتى ما إنجازه العظيم ذاك ليكرم!" ثم برر " لن نبتعد.. أنت مثلا! حتى مع إصابتك مازلت أفضل منه بالكثير! أليس من الجور أن يكرموا سيلفان لسبب لا نعرفه حتى؟"

فهم آرثر ، هذا النقاش يؤدي لنهاية معروفة ، فقرر انهاءه " فانسير ، سيلفان صديقي و لن أحسده ، كما أنني أثق بالملك ، و أدرك أن لديه نظرة مختلفة للأمور ، و إن لم ار ذلك؟ فالمشكلة فيّ بلا ريب"

ثم غادر تاركا فانسير خلفه يشد قبضته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عــرش الـــدم || Throne of blood

المؤلف ELEEN
2026/07/08 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة