6 - ذئب ارتوريس

6 - ذئب ارتوريس

9 0

في غرفته كان الهواء ثقيلا، مشبعا بهالة مظلمة يحاول التأقلم معها..

كل مصائب الكون تنهار عليه دفعة واحدة..

بداية تعسر تحقيق والديه ، ثم قصة عمه الهارب ، اللجوء لعدو المملكة الأول دوجا ، و الآن ؟ هذا الاختبار اللعين الذي انبثق كحمم ساخنة من بركان ظنه خامدا.

و في هذه اللحظة يفصله عن الاختبار الدموي ثلاثة أيام و بضع ساعات .

مرر يده عبر شعره و تقلب في سريره ، هو يحاول النوم منذ المغيب ، و لكنه يرى خيط الفجر يكاد يظهر!

طوال الليل كان يفكر في ما قد يجري ، هل سيموت ؟ هل سيكون بخير؟

أمسك منديلا قديما كان يخص والده و شمه بشغف كما لو كان تميمة حظ ، ثم زفر طويلا " هل عانيت ما أعاني يا أبي ؟ هل لو كنت حيا لسمحت بهذا أن يجري؟ هل كنت لتربت علي و تسهر بجانبي ؟ أم كنت لتقول 'كن رجلا! عائلتنا تناقلت هذا الشرف جيلا عن جيل!'.." تنهد طويلا و فتح النافذة و اخذ نفسا عميقا...عبير الفجر بدأ يفوح ، الهواء النقي..الحياة!

" و أنت يا أمي ؟ كنت بلا شك ستبكين و لم تكوني لتفارقي سريري لحظة؟ أتعلمين كم أنا وحيد يا أمي ؟ أتدركين أنني قد أموت بعد ثلاثة أيام و رغم ذلك وحيد تماما؟ أتعلمين أن ابن عمك زف الخبر لي كأنه يقول 'لقد ذُبحت دجاجة للعشاء؟' ..كم كنت لتكوني خائبة.. أتعلمين أن ابن عمك يرميني للموت بنفسه ؟"

استدار بتثاقل و فتح الباب متجها إلى المطبخ ، خطواته ثقيلة ، و البرد يبدو كأنه كيان له جسم يثقل على مشيته ، و رغم فخامة و جمال الأرستقراطية في هذا القصر.. هو لأول مرة يشعر أن هذه الأرستقراطية سجن قاتل.

لماذا بحق الخالق عليه أن يرمي نفسه لوحش؟ لأجل ملك؟ بشر ؟ مثله تماما في التكوين و بالبنية؟ أحقا حين يندب و ينزف سيشعر بالفخر لأنه خدم ذلك الملك؟

تزاحمت أفكاره التي توسوس له بالانسحاب ، إلى أن ارتطم جبينه بباب خشن..لقد وصل المطبخ بالفعل

أنّ الباب حين فُتح ، دخل برأسه ليكتسف أنه ليس المستيقظ الوحيد.. فقد كانت هناك خادمة توقد النار في السخان.

استدارت فورا بفزع ثم زفرت منحنية " اه كم ارعبتني يا سموك! أنا امرأة عجوز و قلبي بالكاد يحتمل ! "

ثم رفعت رأسها و سألت بحنان " ما الذي يؤرق سمو الأمير ؟" ليتنهد و يجلس على كرسي رث شعر أنه سينكسر تحته " مشاغل.." قال باقتضاب ثم أردف " بل لماذا تعملين وحدك في وقت كهذا"

لترد و هي ترتب بعض الصحون" معتادة على هذا يا سيدي ، فأنا اكره ازدحام المطبخ ، و بعض الخادمات غير الكفؤات يجلسن فقط لاثبات وجودهن و يرمين أعمالهن على كاهلي" و زفرت بضيق " و كل ما يؤثرن به هو أنهن يضيقن المطبخ .." ليرفع رأسه " و لماذا لم تقدمي بهن بلاغا؟ أندفع الرواتب للتقاعس؟" لتمسح يديها بمئزرها و تضرب على خدها بندب " اقسم أنني أقرر ذلك أحيانا...لكن اتذكر انهن لربما خلفهن عائلات فقيرة..ربما يحتجن الدرهم..و ألف ربما تخطر لي فأتراجع "

ليقول هو بغير اقتناع " لو كن يكترثن لحال عوائلهن لما تركن واجباتهن على عجوز مثلك " ثم أمر بنبرة أصبحت لينة " قهوة بالحليب ، دون سكر "

لتبسم هي و تردف بشيء من المزاح التهكمي " أقول له اخ يزيد اوامره.. يا لحظي التعس" و الغريب أن سيلفان لم ينزعج بل ضحك " اسرعي بصمت و إلا لطلبت خروفا مشويا"

لترفع يديها باستسلام و تضحك و تشرع في تحضير الطلب. و بعد أن انتهت منه أخذه و استدار ، لم ينطق بحرف

لكن في داخله ؟ كان هناك شعور رقيق يشبه الأُنس هدّأه.

ارتشف رشفة من كوبه أثناء صعوده الأدراج نحو غرفته ، زفر بتعب مدركا أنه لا يشعر بأي طعم.. و كأن عقله قرر تجاهل الحياة و يتفرغ للذئب.

كيف سيفعلها؟ هل يستطيع ؟ هل هو من انتظرته المملكة أعواما ؟

و لوهلة رأى نفسه يغير مساره متجها إلى مكتبة القصر ، فتح الباب بهدوء خشية ازعاج ذلك السكون بين الكتب ، و اغلقه خلفه بالرفق ذاته.

مشى بخطوات بطيئة نحو الرفوف ، وضع الكوب على طاولة مطالعة قريبة ، و انتشل اول كتاب سقطت عليه عيناه: 'أساطير ايلريث - بين الجبال و الغابات"

قلبه بسرعة مستكشفا فهرسه ، ثم أركنه على الطاولة ، بحث في الرف ذاته عن شيء مشابه و استخرج ثلاثة كتب إضافية.. كافية لهذا اليوم.

شعر أن الوقت يداهمه و كم هو بحاجة لدليل يبدأ منه ، لخيط يمسكه ، ارتشف رشفة من الكوب و فتح الكتاب الأول؛ كان اضخمهم ، و أوراقه البالية تشي أن العائلة المالكة قرأته حتى أنّ.

" الكتب تحتاج إلى استنساخ...ما هذا الإهمال" تمتم لنفسه بضيق حين قلب صفحة فتمزقت بين يديه كما لو كانت بلورة ثلج.

قلب بين العناوين ، فتح على قسم 'الذئاب' تنقلت عيناه بين الأنواع المذكورة حتى توقفت على الصورة التي استوقفته: وحش مرعب الشكل قوي المتن ، يقف منتصبا كما لو يستعد للصيد ،انيابه الضخمة تبرز من فمه كالخناجر، مخالبه اكبر من مخالب اي مخلوق سبق و أن رآه.

فغر فاهه برهبة ، و مرر أنامله على ذلك الرسم ، على تلك العيون الحادة ، على تلك الانياب ، و لم يستطع إلا أن يرتجف.

قرأ ما دون تحتها رغم ان قلبه يتوسل أنه لا يريد معرفة المزيد: 'ذئاب ارتوريس ، معروفة بين العامة بالذئاب السوداء.

تعيش في الغابات المطيرة خاصة غابات دراسكو ، حيث تكون النوع الوحيد من الذئاب الذي تكيف مع تضاريسها الوعرة.

طولها يتجاوز الخمسة أقدام و عضتها تعادل ستمائة رطلا-"

أغلق سيلفان الكتاب بعنف و مسح عرقا وهميا عن وجهه ، شعر بمعدته تنقلب و سرعان ما أخذ الكتاب و أعاده إلى مكانه بعنف .

كانت أنامله ترتجف حين أخذ الكوب الفارغ مغادرا من المكتبة هرولة و هو يتمتم " قرأت كفايتي.."

عاد لغرفته ليجد أن الشمس قد بزغت ، رمى نفسه على مكتبه و بدأ يفكر في وسيلة للنجاة من هذا الوحش القاتل ، تمنى لو أنه يستطيع إخبار آرثر أو فرانسيس.. لكن الملك أوصاه أن الأمر سري تماما.

آرثر كان ليساعده.. ربما سيتحدث له ، يحاول طمأنته، سيتكلم ، او على الأقل سيصف له نوع اعشاب يخفف عنه!..

أغمض عينيه و أخرج نفسا طويلا ، لتتراود له صورة مختلفة.. إليرا

تذكر ضحكتها ، نظراتها له في الحفلات ، حين أمسكت يده ، و حين قبلها في شرفة غرفتها كلص.

بدأ يفكر .. هل خطرتُ لبالها أنا أيضا ؟ ولو لمرة واحدة؟

شيء من العزيمة ظهر داخله ليحيا ، من أجلها ، ليثبت أنه يستحقها ، ليثبت لها أنه شخص مثالي يستحق حبها ، أنه بطل..

تمنى اخبارها بكل شيء ، بكل ما يجري و ما جرى ، بأنها كانت بديلا لإدمانه..

لكن الآن ؟ هو هنا في القصر الملكي عاجز عن رؤيتها و عن بوح ما يريد لها.

شعر بغيرة من ذلك البستاني الذي يراها كل يوم ، كل صباح.

و انتفضت في باله فكرة قبل أن يختبر.. عليه رؤيتها!

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

لم يكن يعرف إن كان الجنون أم الحب أم أن اليأس من يجرّه نحوها، لكنه الآن هناك... أمام بوابة القصر.

وحده هذه المرة ، لا آرثر ، لا فرانسيس ، لا ظلام يخيم و يستر ما سيفعل.

بل هو في وضح النهار..مجردا نفسه من أي حماية ممكنة.

شعر برهبة أكبر من تلك التي كانت أول مرة ، المرة الماضية كان مع أصدقائه ،كان طائشا، خاليا من الجدية.

أخذ نفسا طويلا و اقترب من الحارس الذي يقف على أحد مصراعي البوابة ، نزع قبعته مسندا قاعدتها لصدره و خاطب الحارس بثقة " هل الآنسة الشابة هنا؟"

ليرد الحارس باستغراب "أيهن تقصد؟" فأجاب سيلفان مستدركا " إليرا... إليرا فيرالد.."

ليقطب الحارس حاجبيه و ينظر لسيلفان بشيء من التشكيك " و ما غايتك منها ؟ من غير المعتاد أن يزورنا نبيل دون موعد سابق أو إبلاغ.."

ليعض سيلفان باطن خده و تشتد قبضته على القبعة ثم قال كاذبا " كنت أمر هنا صدفة ، حين تذكرت أنها أسقطت شيئا في الحفل الماضي من حوالي أسبوع و أتيت لاعادته.."

شعر الحارس بشيء من الركاكة في تلك الرواية ، فألح " و ما هو ذلك الشيء؟"

ليرد سيلفان "قرط ..قرط ياقوتي.."

"سأرسل لسؤالها حوله ، و إن كانت روايتك صحيحة ساخذه و اوصلها.."

ليشحب وجه سيلفان فاستدرك مسرعا متعلثما " لا! اعني.. لا بد أن صندوق الآنسة ممتلئ و قد لا تميز ضياع قطعة أو قطعتين.. إن رأته معي ستتذكر بلا شك"

فعقد الحارس يديه عند صدره " سلمني القرط و أنا ساوصله"

ليرد سيلفان" و ماذا يؤكد أنك لن تسرقه؟ هذا ياقوت ليس ترابا.."

تنهد الحارس و فرك بين حاجبيه ثم قال بنفاذ صبر " سأستأذن الآنسة ، و إن سمحت لك ستدخل العتبة فقط.."

ليعقد سيلفان حاجبيه " من تظن نفسك يا هذا؟! أنا نبيل و ثروة عائلتي تشتريك أنت و نسلك !" و كاد أن يضربه لولا أن تدخل الحارس الآخر "اعذرنا يا سموك فنحن لم نشكك في نواياك! فقط إنه اللورد الأب قد أكد علينا أن اللقاءات مع الآنسة إليرا ممنوعة! مخالفة أمر من أوامره سيوقعنا و أنت في تحقيق ممل و عنيف منه.. إنه رجل صارم و متشدد يا سيدي!-"

"من هو الصارم؟" قاطع الحارس صوتا انثويا رقيقا ..كانت إليرا.

التفت الحراس لها "سيدتي! لقد أوصانا السيد أن لا تتجاوزي البوابة الداخلية! لو عرف سيقص رقابنا!"

لكن إليرا لم تكن مركزة مع الحارس ، بل سيلفان..

أول مرة تراه هكذا.. تحت نور الشمس ، ليس أضواء الصالات، ليس نور القمر..بل الشمس التي جعلت شعره الأشقر يشع بهالة صفراء ، و عيناه تلمعان و تبدوان شفافتين تقريبا..

سرعان ما حمحمت و استجمعت ربطة جأشها " يا لوقاحتكم! كم وقف اللورد في الشمس ؟ اسمحوا له بالدخول"

و لم يستطع الحراس إلا أن يفسحوا له.

مشيا عبر الحديقة إلى ركن هادئ ، إليرا كانت ترشده ، هي أمامه و هو يمشي خلفها.. يتأمل انسياب شعرها على ظهرها ، وهجه الكستنائي ، و مشيتها الناعمة التي تشبه إلى حد ما مشية القطط الكسولة.. مشية امرأة تعرف جيدا مكانتها في هذا القصر.

فور أن أصبحا معزولين عن الأعين التفتت له " هل أنت مجنون؟! أبي كان ليقتلك لو عرف! لماذا أتيت!"

ليحمر هو و يعض شفته عاجزا عن الرد ، ثم يطئطئ رأسه " فقط أردت رؤيتك ... إليرا..افتقدتك حقا!"

لترد هي بحذر " سيلفان ، أنا لم اعطك كلمة أكيدة..قلت أنني اعطيك فرصة..هذا لا يعني أنني خطيبتك لتزورني في وضح النهار!"

ليشعر هو بشيء من الحرج ، بل تمنى ان تبتلعه الأرض! لم يتوقع ردا صريحا هكذا " أترفضينني؟" تمتم لترد هي مستنكرة " لم أقل هذا أيضا! "ثم اردفت و هي تمسح على كتفه " أنت بالفعل شاب مذهل سيلفان ، قوي ، صامد ، و وسيم.." اردفت الاخيرة بصوت خافت خجول ، ثم أكملت " أنت نموذج مثالي لأي امرأة ، و أنا أقدر ذلك و معجبة به ..لكن.."

" لكنني لم اعطك الوقت الكافي" اكمل عوضا عنها

فهزت رأسها إيجابا " انت لم تعطني وقتا لاعرفك تماما ، سيلفان . أنت عجول للغاية!" ثم تبسمت " لكنني أستطيع رؤيتك.. أولست أنا من اختلست الأنظار لك في الولائم و الاحتفالات؟"

ليدير رأسه محمرا ثم يعود مكملا النظر لها ، و هي تابعت " أنا أحبك سيلفان ، لكنني احتاج بعض الوقت لاعتاد على كوني محبوبة!"

لم يسمع شيئا من كلامها سوى أول ثلاثة كلمات ، شعر أن كونه توقف عندها.. قولها بهذه الصراحة ، بهذه البساطة ، كأن الكلمات تنساب منها كقافية موسيقية.

و تمنى ان تتجمد هذه اللحظة و للأبد .

أخذ شهيقا طويلا لكن رغم ذلك كانت عيونه تتدمع بفرح.

حتى أنه نسي سبب قدومها " قلتها.. أخيرا قد قلتها! أتعلمين كم تألمت في هذا الشهر من التفكير؟ أتعلمين كم تخيلت هذا اليوم؟ أيأتي بهذه السرعة"

و لم يستطع كبح نفسه إلا و عانقها بل و دفن رأسه في منحنى عنقها ، أذرعه كانت تضيق عليها و زفر بين دموعه " يا الهي ...إيلي.."

لتمسح هي على كتفه مبتسمة ، و حين رفع رأسه رآها هي الأخرى قد شرعت بذرف الدموع ، مسحت بعضها بكم ثوبها ثم همست مبتسمة " منذ تلك الليلة في الحفل..شعرت بشيء غريب.. تجاهلته..ظننته مجرد نزوة .. لكن حين اتيت مع اصدقائك..حين قبلت جبيني..بقيت أفكر اياما! تذكرت كل لحظة كانت عيناي تتجهان إليك..لم أكن أعرف السبب .. لكن الآن.. حين رأيتك هنا..لم استطع..و أخيرا استطعت فهم نفسي.."

هو كان ينظر لها و هي تتعثر بكلماتها ، و هي تشهق ، تبادلا النظرات فضحك كلاهما من سرعة ما جرى، ثم حين هدأت أخيرا و لاحظت نظراته الشاردة فيها..انحنى نحوها بسلاسة حتى شعرا بانفاسهما تلفح اوجههما..

شهقت ثم اغمضت عينيها ، يداها تلقائيا أمسكتا بقميصه.. كان يقترب بحذر ، يراقب رد فعلها.

و حين لم يفصل بينهما سوى بضع سنتمترات ، غير مساره متجها إلى زاوية خدها حيث طبع قبلة ثم عاد لاستقامة ظهره مبتسما.

هي تجمدت ، فتحت عينيها كمن تفاجأت بشيء لم تتوقعه ، صرخت لا اراديا " ماذا!" ثم تمالكت نفسها و نظرت له كأنه الشخص الأكثر شرا في الكون.

هو لم يستطع تمالك ضحكته تجاه رد فعلها الغريب و الذي بدا ظريفا.. ذلك التقطيب الطفيف لحاجبيها نال اعجابه لدرجة أنه تمنى رسمها هكذا.

تبسم بشقاوة و أردف " ماذا توقعتِ؟" لتتلعثم هي " لا..لم أتوقع.. أعني.. ظننت..لكن..استعددت..و أنت-"

اصمتها نقرة بسبابته على جبهتها دفعت رأسها للخلف قليلا ، و صوته الممازح " فتاة وقحة.."

لترد هي" لست وقحة!"

ليصر " وقحة و شقية و جريئة أيضا.. أوصاف اخرى ؟"

فلكمت كتفه و استدارت عائدة بشيء من الغضب .

رآها و هي تبتعد ، ابتسم ببلاهة متذكرا شكلها حين قبل خدها ، و كيف استطاعت تعديل مزاجه في أقل من نصف ساعة.

زفر أنت تدمرينني ،اليرا. لكنك تعيدين بنائي بشكل أجمل بألف مرة"

تمنى ان يستوقفها و يقول لها: قد لا أراك مجدداً. لكنه ابتلع الكلمات. لماذا يخيفها؟ لماذا يجعل أيامه الأخيرة (إن كانت أخيرة) مليئة بالدموع؟ فابتسم بدلاً من ذلك. ابتسم كذبة جميلة ، و عاد ادراجه هو الاخر

•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

في صباح ذلك اليوم الذي ترقبه هو و كل فرد في العائلة المالكة ، استيقظ مبكرا على غير العادة.

كانت السماء رمادية كأنها اعلنت الحداد في ذلك اليوم ، و الرياح تعصف بقوة قد تكسر الاشجار العارية الهشة.

يوم كئيب عديم اللون ، رمادي ، مظلم، و خانق.

توتره جعل نومه متقطعا و منهكا ، نهض من سريره و رتبه كمن يحاول أن يجعل الصورة الأخيرة له حسنة، ثم بدل ملابسه إلى الزي العسكري ،و أخذ خنجرا و سهاما و سيف والده.

قبل أن يغادر الغرفة سمع طرقا على الباب تبعه دخول الخادم " سمو الأمير سيلفان ، جلالته يدعوك إلى مكتبه بعد تناول افطارك " ثم مد له بالصينية لكن سيلفان دفعها" لا شهية لي.."

" لكن اليوم أنت بأمس الحاجة -"

فزعق سيلفان " قلت لا شهية لي! ألا تفهم! "

و غادر الغرفة مهرولا نحو مكتب ليونهارت ، نزل الادراج مسرعا و كاد يتعثر عدة مرات ، تجاهل تحية الخدم ، أصبح كل تفكيره صوب المكتب و الاختبار.

فتح الباب بسرعة ليرى ليونهارت واقفا بحلته العسكرية، نطق " لم تفطر." قال كحقيقة لا سؤال ، ليرد سيلفان " لا شهية لي.."

اقترب ليونهارت منه و ضرب على كتفه " ستنجو يا فتى..لا تخف.." فصر سيلفان اسنانه و تكلم بجرأة"الكلام سهل عليك"

ليونهارت لم يؤنبه ، بل أخرج من جيبه الداخلي كبسولة ة قدمها لسيلفان " إن عجزت عن ترويض الذئب و لم تستطع قتله و النجاة بنفسك..فاكسرها، ستطلق دخانا يعمي الذئب أمامك و ثم سيقتحم ساحة الاختبار خمسون من نخبة عساكرنا ، سيقتلون الذئب في لحظات"

ارتعشت يدا سيلفان و هو يأخذ الكبسولة منه كما لو كانت أثمن شيء ، و لمعت عيناه بدموع خفيفة، و لكن ليونهارت خفف من حدة الموقف - أو زاده سوءا- بتربيته على كتف سيلفان مجددا " لن أخاطر بابن صديقي ، بابن كولت . أنت فتى في التاسعة عشرة، سيلفان. لا بأس أن تخاف ، لا بأس أن تبكي ، لكن الأهم: أن تثبت نفسك و تجلب الفحر لأسرتك.. اتفقنا ؟"

هز سيلفان رأسه و غادر المكتب متجها إلى البوابة.

يداه ترتعشان تحاولان الثبات على الخنجر ، و ركبتاه بالكاد تحملانه ، أخذ شهيقا ثم زفيرا محاولا تخفيف اصفرار وجهه لكنه لم يكن يؤثر سوى للأسوأ.

عند البوابة كان ثيودريك واقفا مع اليانور ، يحمل بين ذراعيه ليونارد الذي أتم الثمانية أشهر من عمره. يسند الطفل رأسه على كتف ابيه و لعابه يسيل على بزته الفاخرة .. كأنه يعرف أنه مميز جدا لدرجة أنه يفعل هذا و دون أن يعاقب.

اليانور كانت تمسك منديلا تمسح به دموعها ، و قبضة ثيودريك اشتدت على ليونارد حين اقترب سيلفان منهم

أول من تكلم كانت اليانور ، ذرفت دمعة ثم شهقت " عد سالما .. أرجوك...ليونارد يحبك كثيرا.." و لم تقل اكثر ، عرفت انها ستنهار لو نطقت حرفا إضافيا.

اعطى ثيودريك ليونارد لأمه ، و فتح ذراعيه لسيلفان ، عانقا بعضهما بقوة ، و سمح سيلفان لنفسه بالبكاء اخيرا على كتف اخيه.

" لا تمت.. أرجوك..لا اريد ان اخسر اخي مجددا" شهق ثيودريك و قد بللت دموعه لحيته الخفيفة ، لكن سرعان ما جففها.. و نظر لسيلفان ليرى أن دموعه سالت هو الآخر ، تمتم محاولا الابتسام " سأحيا..من أجلكم ..من أجل من أحب.." و سرعان ما خطرت لباله إليرا.. ألمه قلبه متذكرا اعترافها..لماذا اعترفت؟ لماذا تزيد ألمه ؟ لكنه حاول تصفية ذهنه.

ليونارد كان متشبثا بياقة فستان أمه ، عيناه الزمردتيتان كخاصة والده تنتقل بين الموجودين دون أن يفهم حقا سبب هذه الدموع.. او حتى لم يميز أن هذا دليل على الحزن.

و حين نظر له سيلفان.. ضحك باسنانه اللبنية الحديثة و فتح له ذراعيه طالبا أن يُحمل أو أن يرمى في الهواء.

انتشله سيلفان و ضمه لصدره بقوة ، استنشق رائحة البراءة فيه ، ذلك الحنان الطفولي، ذاك الحب غير المشروط ، ذلك التعلق البريء..شد عناقه لليونارد ..كان العناق الأطول..و ليونارد كان يضحك ببراءة مؤلمة دون أن يدرك أنها قد تكون آخر مرة يعانق فيها عمه سيلفان.

حين دقت الطبول أعاد سيلفان الطفل لذراعي أمه ، استدار دون أن يلتفت ماضيا الى البوابة الضخمة للساحة و التي تشبه إلى حد ما خاصة السجون.

فور أن خطت قدمه أول خطوة داخل البوابة شعر باختلاف الجو.. كأن الطبيعة نفسها تقدس هذه اللحظة ، القى نظرة شاملة للمكان.. ساحة دائرية بأرض رملية على حوافها منصات مرتفعة اكتظت بالرماة و الشهود و كتاب العهد ، و في منتصفها قفص فيه أضخم كائن رأته عيناه..كان أكثر رعبا مما رآه في الكتاب بحوالي مئة مرة.

أراد التراجع.. أراد الهرب..لكن التفت ليرى أن البوابة اوصدت خلفه.

فات الاوان للجبن.

الان إما الشجاعة المطلقة او العار ، تخيل والده في هذه اللحظة...و تمتم لنفسه " سأكون قويا.. لأجلك .."

و أخذ خطوة اخرى مقتربا من القفص متأكدا ان الكبسولة في مكان قريب من متناول يده.

انطلق صوت البوق و فتح القفص من قبل ساحر كان على المنصة ، اقترب منه الذئب خطوتين..سرت قشعريرة في سيلفان فأخذ خطوة للوراء.

تمتم " جدي نجا.. أبي نجا..سأنجو.."

و بدأ الذئب يدور حوله بشكل دائري ، متفحصا وجبته الجديدة بعدما جوعوه لاسبوع ، فروه الأسود الكثيف يزيد من ضخامته ، يجعله بحجم الجياد تقريبا.

زأر أول زأرة ، فانتفض جسد سيلفان عندما رأى تلك الأنياب.

أخذ شهيقا و هرول للخلف لكن ركبتاه خانتاه فسقط أرضا.

ليرى الذئب يركض نحوه بسرعة جنونية و أنيابه تبرز بين فكيه.. صرخ سيلفان برعب و بدأ يزحف للخلف لكن الذئب كان أسرع فقفز فوقه..

بنيته الضخمة كانت تتناقض مع نحافة سيلفان ، حاول سحب نفسه من تحت الذئب الذي بدا يتلذذ بتعذيب ضحيته..

أول ضربة من مخالب الذئب أحرقت كتفه ، صرخ متألما " أرجوك لا! لا استطيع ، ارجوكم أنهوا هذا بسرعة!" دفع الذئب عنه بجسده و زحف من تحته مادا يده لجيبه ، محاولا الوصول للكبسولة..لكن أصابعه المدماة أبت أن تكسرها فكانت تنزلق.

حتى طارت من يديه إلى بعد امتار حتى تلاشت عن نظره.

صرخ بخوف متوسلا " أرجوك...لا لا لا !"، ثم اندفع راكضا إلى حيث رأى الكبسولة تطير ، أمسك بها ، لكن الذئب مر بجانبه فرماها مذعورا ، ليراها تسقط في فجوة بعيدة، و الذئب يلحق به بسرعة في سباق للحياة.

مد ذراعه المدماة إلى السيف و نصله في وجه الذئب ، محاولا أن يبدو صلبا ، لكن يداه كانتا ترتعشان..فوجه ضربة واحدة له أعاقت حركته لثواني.

استجمع قواه و وجه طعنة اخرى للذئب بسيفه ، و لم تخترق جلده السميك فانكسر النصل دون جدوى.

فقط جرح صغير سال من الذئب.. كخدش

" يا الهي.. لا أريد الموت.." دعا خائفا ،مذعورا ،صوته مبحوح من شدة الصراخ و بلل الدم قميصه ، قلبه يخفق حتى شعر أنه قد يتوقف من الارهاق.. و هو يرى الذئب يخطو واقفا فوقه و يفتح فمه لينقض عليه بعضة واحدة.

صرخ سيلفان " أبي! أرجوكم الرحمة! لا أريد الموت هكذا.." اختلط دمه بدمعه ، أغمض عينيه متوقعا الألم..متوقعا الموت.. لكن لا شيء من هذا حصل .

فتح عينيه ليرى الكون كما لم يره ، بلون احمر.. صرخ هلعا " هل أنا في الجحيم!" التفت نحوه ليرى الذئب لونه احمر .

سيفه احمر.

الرمل احمر

ثم الصمت..لا شيء.. فقط قوة غريبة مرت في جسده كأن برقا صعقه، كأن جنيا استلبسه.

و دون ارادة منه ، خرج بين شفتيه صوت خشن لا يشبه صوته، كأن روحا تجسدته تتكلم عبره ، نطق ذلك الصوت المريب" أنا سيدك. اخضع!" ليتراجع الذئب ، فصرخ سيلفان بإرادته هذه المرة ناظرا بقزحيتين اصطبغتا بالاحمر نحو الذئب المذعور كالجرو ، صوته ممزوج من صوت سيلفان و ذلك الصوت الآخر" قلت لك أنا سيدك! اخضع لي!" و نهض مترنحا متعكزا على سيفه و أخذ خطوة نحو الذئب..و دفع رأسه الاسفل بكفه مجبرا إياه على الانحناء بخضوع.

زفر زفير راحة و بكى بحرقة و بدأ يهمس" فعلتها..فعلتها.. أبي...هل تراني؟"

و ما هي إلا دقائق و دخل ليونهارت الساحة و عيناه تذرفان دموعا..يهلهل و يبارك بوجه مرتعش الملامح كمن لا يصدق " هذا هو سيلفان! هذا هو المختار! ليسإادموند! أنه سيلفان فالستون! إنه سليل الكساندر المنتظر "

كان يحتفي كما لم يفعل من قبل ، لا في زواج ثيودريك ، و لا في ولادة ليونارد . حتى أن أصابعه العجوزة كانت ترتجف في الهواء.

نقل سيلفان نظراته بين الملك والذئب ، عيناه الحمراوتان عادتا للونهما الأزرق ، و عادت الرؤية لطبيعتها .. ثم سقط أرضا من الاعياء في دمه.

و الأهم، و الذي شهده كتاب العهد : ذئب ارتوريس يركع بين قدمي شاب من نسل الكساندر فالستون..محققة نبوءة فيرمان المنتظرة . أخيرا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عــرش الـــدم || Throne of blood

المؤلف ELEEN
2026/07/08 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة