كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً، لكن الفجر كان يبدو عاجزاً عن اختراق جدار الضباب الكثيف الذي يخيم على أطراف إدنبرة الشرقية. تقف دار أيتام "سانت جود" كأثارة قديمة وموحشة من القرن الماضي؛ المبنى المصنوع من الحجر الأسود يبدو كقاطرة منسية وسط الشجيرات الميتة، ونوافذه المكسورة تشبه حدقات عيون فارغة.
توقفت سيارة أدريان على بعد مسافة قصيرة من البوابة الحديدية الصدئة التي كانت تتأرجح مع هبات الريح الباردة، تصدر صريراً يبعث القشعريرة في الأبدان.
خلع أدريان حزام الأمان، ونظر إلى إيلينا بجانبه. كانت عيناها العسليتان تتأملان الواجهة الكئيبة للمبنى برهبة مكتومة. سحب مسدسه وتفقد ذخيرته بمهارة، ثم التفت إليها وقال بصوت هادئ ولكن يحمل نبرة حماية قاطعة:
"المكان كبير ومهجور منذ سنوات يا إيلينا. لا تفترقي عني خطوة واحدة. أي تفصيل غريب، أي رائحة حبر... أبلغيني فوراً."
نظرت إليه، وأومأت برأسها وهي تشد على مقبض مسدسها الصغير. "ليام كان يقضي ساعات طويلة في القبو السفلي لهذا المكان قبل وفاته... كان يقول إن الظلام هنا يساعده على التخيل. لم أكن أعلم وقتها أنه كان يزرع بذور كابوسنا الحالي."
هبطا معاً، وقدميهما تغوصان في الثلج المخلوط بالطين. شقا طريقهما عبر البوابة والحديقة الميتة وصولاً إلى المدخل الرئيسي. الباب الخشبي الضخم كان مخلوعاً عن مفصلاته ومتروكاً بفجوة تسمح بالدخول.
عندما وطأت أقدامهما الردهة الرئيسية، استقبلتهما رائحة الرطوبة والعفن، ممزوجة بتلك الرائحة النفاذة المألوفة... رائحة البلادونا والحبر الأسود.
كانت الصالة الكبرى لدار الأيتام تغرق في ظلام دامس باستثناء بقع الضوء البيضاء التي يرسلها كشاف أدريان اليدوي. أسرة حديدية صغيرة مصفوفة بجانب الجدران، ألعاب أطفال قماشية ملقاة ومغطاة بالغبار، ورسومات أطفال باهتة معلقة على الحوائط.
توقف أدريان فجأة، وسلط ضوء كشافه على الجدار الرئيسي للصالة.
كانت هناك لوحة جدارية ضخمة رسمها أطفال الملجأ قديماً، لكن القاتل قام بتشويهها بعناية. طُليت أوجُه الأطفال بالكامل بالحبر الأسود النازف، وفي المنتصف، رُسمت بقعة دم كبيرة على شكل قلب مشقوق إلى نصفين.
"إنه لا يكتفي بقتل أجساد ضحاياه يا أدريان..." همست إيلينا وهي تقترب بحذر من الجدار، وعيناها تمسحان الحروف المكتوبة بالأسود أسفل الرسم. "إنه يريد تشويه كل ما هو نقي في ذاكرتي وذاكرتك."
اقترب أدريان وققف خلفها تماماً، حتى شعرت بدفء جسده يغمر ظهرها وسط هذا الصقيع. امتدت يده لتمسك بيدها المرتعشة، وسحبتها قليلاً للوراء.
"لن نتركه يفعل ذلك يا إيلينا. نحن نقترب منه، وهذا التشويه دليل على أنه بدأ يفقد سيطرته ويرتبك بسبب مطاردتنا له."
تلاقت أعينهما في ضوء الكشاف الخافت. كان التوتر والترقب يمتزجان بلمسات العاطفة التي أصبحت تعبر الحدود بينهما دون استئذان. كان أدريان يرى في عينيها القوة التي افتقدها في حياته، وكانت هي ترى فيه السند الحقيقي الذي يحميها من أشباح ماضيها.
فجأة، تردد في أنحاء المبنى المهجور صوت غريب... صوت صندوق موسيقى قديم يعزف لحناً جنائزياً بطيئاً، ينبعث من قبو المبنى.
"صوت الموسيقى يأتي من القبو..." قال أدريان وهو يسحب مسدسه ويجعله في مستوى رؤيته.
تحركا بخطى حثيثة ونزلا السلم الحجري المتهدم المؤدي إلى الأسفل. الرائحة كانت تزداد كثافة مع كل خطوة، وصوت موسيقى الصندوق الخشبي يزداد وضوحاً.
عندما وصلا إلى القبو، انفتح المكان على مرسم قديم متهدم. كان المشهد في الداخل يبدو وكأنه مسرح لجريمة طقوسية مرعبة.
في منتصف القبو، معلقة من السقف بسلاسل حديدية، كانت هناك جثة رجل يرتدي زي خادم دينياً قديماً—إنه **"الأب راين"**، مدير دار الأيتام المتقاعد الذي كان راعياً للدار خلال طفولة ليام وإيلينا!
كانت جثته هامدة، وثيابه ملطخة بالحبر والدم، وعلى صدره ثُبّتت المذكرات الجلدية السوداء الثامنة بواسطة خنجر استقر في قلبه.
صرخت إيلينا صرخة مكتومة ووضعت يدها على فمها، بينما أسرع أدريان وفحص المكان بسرعة متأكداً من عدم وجود أي فخاخ حركة حول الجثة.
تقدم أدريان وسحب الخنجر بحذر باستخدام قفازه، وفتح المذكرات الثامنة. وتحت ضوء كشافه، قرأ السطور المكتوبة بالحبر النازف:
"الفصل العاشر: أرواح 'سانت جود' الضائعة...
نصف الطريق قد انقضى، والأقنعة بدأت تتأكل.
الأب راين كتم السر لسنوات، فكان يجب أن يصمت إلى الأبد.
يا دكتورة إيلينا... هل بدأتِ تشمين رائحة أخيكِ في هذا الحبر؟ أم أنكِ ما زلتِ تفضلين عمى الحب في حضن المحقق؟
اللغز القادم يناديكما في المكان الذي وُلدت فيه أول قطرة دم... حيث تنتظركم الصفحة الحادية عشرة."
اتسعت عينا إيلينا برعب لا يطاق. تنفست بعنف ونظرت إلى أدريان، وشعرت وكأن الأرض تميد بها.
أمسك أدريان بكتفيها بقوة وثبات، واحتضن وجهها بين يديه الباردتين، مجبراً إياها على النظر في عينيه الرماديتين التائمتين:
"إيلينا! انظري إليّ! لا تدعيه يلعب بعقلكِ! مهما كان السر الذي يخفيه هذا المكان، سنواجهه معاً."
نظرت إليه، وشعرت بدفء يديه على وجنتيها يمتص ذعرها. أومأت برأسها بصعوبة وقالت بصوت خفيض: "إنه يتحدث عن ليام... القاتل يعرف شيئاً عن أخي لم أكن أعرفه."
"وسنعرفه نحن فقط صدقيني وثقيل بي وبنفسك،ايلينا ارجوكي" قال أدريان بنبرة حاسمة ومظلمة، وهو يشد على يدها ليخرجا معاً من قبو الموت، متجهين نحو النصف الثاني من هذا المكان الدموي... حيث تنتظرهم الحقيقة المعتمة.
وهج ✨