عقارب الموت

عقارب الموت

15 0

كانت السيارة تشق شوارع إدنبرة التاريخية كقذيفة سوداء، تتلاعب بالإطارات فوق الحصى المبتل لشوارع المدينة القديمة. الضباب كان قد بلغ ذروته، ليتحول إلى جدار رمادي سميك يبتلع أضواء الشوارع الصفراء الخافتة.

عقارب الساعة في لوحة قيادة السيارة كانت تتحرك بلا رحمة: الحادية عشرة والأربعون دقيقة. عشرون دقيقة فقط تفصلهم عن منتصف الليل.

كان أدريان يركز كل حواسه على الطريق، يداه تقبضان على المقود بقوة جعلت عظام مفاصله تبيضّ.

وإيلينا بجانبه، كانت تحدق في الأوراق التي أخذتها من القبو تحت ضوء هاتفها، تحاول قراءة ما بين السطور في الأبيات الشعرية التي تركها القاتل.

"القاتل قال: 'وينزف الحبر من قلب يظن نفسه ناصع البياض'..." تمتمت إيلينا وهي تفرك جبينها بإرهاق، لكن عينيها كانتا تشتعلان بالتركيز. "إنه يقصد القاضي هارينغتون.

القاضي معروف بنزاهته وأحكامه الصارمة، لكن القاتل يرى فيه زيفاً. إنه لا يريد قتله فحسب، بل يريد 'محاكمته' وفضح سر ما أمام الجمهور."

"هارينغتون كان القاضي الذي تولى ملف قضية القاتل المتسلسل قبل خمس سنوات،" قال أدريان بصوت متحشرج وهو يتجاوز سيارة أجرة بسرعة خطيرة. "هو من أمر بحفظ القضية وإغلاقها لعدم كفاية الأدلة بعد مقتل شريكي. كنت غاضباً منه وقتها، وظننت أنه يتستر على شيء ما."

التفتت إيلينا إليه، ونظرت لملامحه الجانبية الحادة التي يضيئها نور العدادات الخافت. "إذاً، القاتل يعيد فتح الملف بطريقته الخاصة. إنه يجمع كل أطراف الحكاية القديمة: أنت، وأنا، والقاضي... والمسرح القادم هو البرج."

انعطف أدريان بالسيارة انعطافاً حاداً لتدخل إلى الساحة الرئيسية للمدينة. في منتصف الساحة، كان يرتفع "برج الساعة القديم"، وهو بناء قوطي شاهق يعود للقرن الثامن عشر، يرتفع في السماء كإصبع أسود عملاق يهدد الغيوم. واجهته الزجاجية الدائرية الكبيرة للساعة كانت مضاءة بنور أبيض شاحب، وعقاربها الحديدية الضخمة تقترب من اللقاء عند الرقم اثني عشر.

أوقف أدريان السيارة في زاوية مظلمة خلف الساحة. ترجلا فوراً وسط الصقيع الذي بدأ يتحول إلى ندف ثلج صغيرة تتساقط ببطء. كان الضابط مارك بانتظارهما خلف أحد الجدران الحجرية، ومعه أربعة من رجال الشرطة المدججين بالسلاح.

"سيدي،" همس مارك وهو يتقدم نحوهما وعلامات الرعب واضحة على وجهه. "لقد طوقنا المخارج الخلفية. البرج مغلق من الداخل، ولم نلاحظ أي حركة. لكن... هناك صوت غريب يخرج من مكبرات الصوت الداخلية للبرج."

أصاغ أدريان وإيلينا السمع. عبر النوافذ الضيقة المرتفعة للبرج، كان ينبعث صوت موسيقى كلاسيكية هادئة... معزوفة تشيلو جنائزية حزينة، تمتزج مع صوت دقات الساعة الضخمة التي كانت تبدو كدقات قلب عملاق يحتضر.

"إنه في الداخل،" قالت إيلينا وهي تنظر لأدريان، وشعرت بيده تمسك بمرفقها بلطف ليجعلها تقف خلفه.

"مارك، ابقوا هنا ولا تتحركوا إلا بإشارتي. الدكتورة ستكون معي،" أمر أدريان بنبرة لا تقبل الجدال، ثم سحب مسدسه وتقدم نحو الباب الخشبي الصغير للبرج.

بلمسة واحدة من يد أدريان، انفتح الباب الخشبي الذي كان موارباً عمداً، وأصدر صريراً حاداً تردد صداه في ثنايا البرج.

دخل أدريان وتبعه إيلينا، ليجدا أنفسهما في الطابق الأرضي للبرج. المكان كان يغرق في ظلام دامس، باستثناء ضوء أحمر خافت ينبعث من السلالم الحلزونية الخشبية التي ترتفع نحو الأعلى، نحو غرفة الآلات وخلفية الساعة الكبيرة.

كانت رائحة الحبر المصنوع من "البلادونا" قوية هنا أيضاً، تمتزج مع رائحة الزيت الميكانيكي القديم الخاص بالتروس.

تسلقا السلالم ببطء شديد، خطوة بخطوة. صوت الموسيقى الجنائزية كان يزداد صخباً كلما صعدا، ودقات الساعة أصبحت تصم الآذان.

وصلا أخيراً إلى الطابق العلوي، وهو الغرفة التي تقع خلف واجهة الساعة الزجاجية الضخمة مباشرة. كان النور الأبيض الشاحب القادم من خلف الأرقام الزجاجية يعكس ظلالاً هندسية عملاقة للتروس الحديدية الراكضة على الأرض والجدران، مما جعل المكان يبدو كداخل آلة زمنية مرعبة.

وفي منتصف الغرفة تماماً، ومربوطاً إلى التروس المعدنية الكبيرة التي تحرك العقارب، كان يجلس القاضي "روبرت هارينغتون". كان فمه مكمماً بشريط لاصق، وعيناه مليئتين بدموع الرعب وهو يرى أدريان وإيلينا يدخلان.

ولكن...الشيء الأكثر رعباً، هو أن القاتل قد صمم آلية خبيثة: ذراع حديدية حادة متصلة مباشرة بالترس الرئيسي لعقرب الدقائق، ومع تحرك العقرب ليقترب من الثواني الأخيرة قبل منتصف الليل، كانت الذراع الحادة تتقدم ببطء نحو عنق القاضي المستلقي على ظهره وسط التروس.

"تباً!" صرخ أدريان وهو يركض نحو القاضي محاولاً إيجاد طريقة لإيقاف التروس.

"أدريان، لا تلمس التروس العشوائية! قد تسرع الآلية!" صرخت إيلينا وهي تلحق به، وعيناها تمسحان البيئة المحيطة.

فجأة، انقطع صوت الموسيقى الكلاسيكية، وحل محله صوت جهير ومضخم عبر مكبر صوت مخفي في زاوية الغرفة. صوت تم تعديله إلكترونياً ليكون ناعماً، بارداً، وواثقاً لدرجة مستفزة.

"أهلاً بكم يا أبطالي... لقد وصلتم في الوقت المناسب تماماً للمشهد الرئيسي"

قال الصوت، وجعل إيلينا تتجمد في مكانها بينما التفت أدريان والمسدس في يده يبحث عن مصدر الصوت.

"اظهر أيها الجبان!" هدر أدريان بغضب.

"الجبن هو تنكر العدالة في ثياب النزاهة يا مقدم فانس،" أجاب الصوت ببرود. "القاضي الذي تحاول إنقاذه، قاضٍ فاسد. قبل خمس سنوات، قبض ثمن إغلاق قضيتي من جهة نافذة لا تريد للفضيحة أن تظهر. الحبر الذي بين يديك الآن، هو نفس الحبر الذي وقع به أمر حفظ القضية. أنا لا أقتل عشوائياً... أنا أصحح مسار التاريخ."

"أنت لست إلهاً لتصحح شيئاً! أنت مجرد مريض نفسي نرجسي يبحث عن الانتباه!" صرخت إيلينا وهي تتقدم خطوة نحو مكبر الصوت، محاولة إشغاله بالحديث بينما كان أدريان يدرس الآلية الحديدية بسرعة.

ضحك الصوت، ضحكة خافتة ومرعبة. "دكتورة إيلينا... دائماً تحللين الأمور بشكل سطحي. شقيقكِ الراحل كان فناناً، لكنه سرق فكرتي ونسبها لنفسه، فكان يجب أن يصبح هو اللوحة. والآن، أمامكم عشر ثوانٍ فقط. القاضي سيموت، ما لم يقم المقدم أدريان باتخاذ القرار الحقيقي: هل تنقذ الرجل الذي خان شريكك المتوفى، أم تتركه ينزف الحبر الذي لطخ به العدالة؟"

تطلع أدريان إلى القاضي الذي كان يترجاه بعينيه، ثم تطلع إلى الترس الكبير. عقرب الثواني كان يتحرك: 5... 4... 3... الذراع الحادة بدأت تلامس جلد عنق القاضي، وظهرت قطرة دم صغيرة.

في تلك اللحظة، لم يفكر أدريان كشرطي يبحث عن الانتقام، بل فكر كقائد. لمح يداً حديدية يدوية مخصصة لإيقاف الساعة اضطرارياً في حالات الصيانة، كانت تقع في الجانب الآخر خلف ترس عملاق يدور بسرعة.

بدون تردد، ألقى أدريان بمسدسه على الأرض، ودفع يده بقوة وسط التروس المتحركة، متجاهلاً خطر بتر ذراعه. قبض على الرافعة الحديدية بكل قوته وسحبها للخلف بعنف.

أصدرت الآلة صريراً معدنياً مرعباً، وتطايرت الشرر في كل مكان، وتوقفت التروس فجأة قبل أن تخترق الذراع الحادة عنق القاضي بمليمترات قليلة. لكن القوة الارتدادية والتوقف المفاجئ جعل أحد التروس الصغيرة ينكسر ويتطاير ليصيب ذراع أدريان بجرح قطعي عميق، قبل أن يسقط على الأرض متأوهاً.

"أدريااان!" صرخت إيلينا باندفاع لم تحسب له حساباً. ركضت نحوه وجثت على ركبتيها بجانبه، ممسكة بيده المصابة.

سحبت شالها الصوفي بسرعة ولفته حول ذراعه التي تنزف بغزارة، وضغطت عليه بكل قوتها لإيقاف النزيف. كانت عيناها العسليتان تفيضان بقلق وخوف حقيقيين لم تظهرهما لأحد من قبل. تلاقت أعينهما في تلك اللحظة وسط الفوضى وصوت الشرر المتطاير؛ كان وجه إيلينا قريباً جداً منه، وأنفاسها المتسارعة تلامس وجهه. شعر أدريان في تلك اللحظة الجليدية بدفء غريب يجتاح صدره، جاذبية مغناطيسية لم يستطع مقاومتها رغم الألم.

"أنا بخير... أنا بخير يا إيلينا،" قال بصوت منخفض، وعيناه الرماديتان تثبتان عينيها لتطمئنها.

في تلك اللحظة، انطلق صوت القاتل مجدداً عبر مكبر الصوت، لكن هذه المرة بدت النبرة وكأنها نبرة إعجاب خبيث.

"تضحية رائعة يا مقدم. لقد اخترت العدالة على الانتقام الشخصي. هذا يجعل بطل روايتي أكثر نبلاً مما توقعت. هذا الفصل ينتهي هنا بنجاحكما في الاختبار الأول... لكن تذكرا، الرواية ما زالت في بدايتها، والحبر لم يجف بعد."

انقطع الصوت تماماً، وعاد السكون ليلف البرج، باستثناء أنفاس أدريان وإيلينا المتسارعة.

اقتحم مارك ورجال الشرطة المكان بعد سماعهم للضجيج، وبدأوا في فك وثاق القاضي المذعور. وقف أدريان ببطء بمساعدة إيلينا التي رفضت ترك يده، وسارا معاً نحو النافذة الزجاجية الكبيرة للساعة، ينظران إلى شوارع إدنبرة المغطاة بالثلوج والضباب.

أدركا معاً أن القاتل لم يكن في البرج؛ بل كان يراقبهما من مكان ما في هذه المدينة الباردة عبر الكاميرات، وأنهما صارا الآن رسمياً داخل اللعبة التي لا مفر منها....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبر ودم

المؤلف وهج ✨
2026/06/12 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة