كانت السيارة تلتهم الطريق السريع المتجه جنوباً نحو ضواحي لندن، تاركةً خلفها صقيع إدنبرة وضبابها، لتستقبل ليلة أخرى أكثر حلكة. الفجر لم يشرق بعد، والظلام يلف الحقول الممتدة على جانبي الطريق ككفن أسود. رذاذ المطر كان يضرب الزجاج الأمامي بإيقاع رتيب يشبه عداداً تنازلياً للحياة.
داخل السيارة، كان الجو مشحوناً بصمت من نوع آخر؛ صمت المواجهة القادمة. أدريان كان يضغط على المقود، وعيناه الرماديتان ترصدان الطريق بدقة محترفة، بينما كانت إيلينا تستند برأسها على نافذة السيارة الزجاجية، تراقب قطرات الماء التي تنزلق كدموع باردة.
"هل أنتِ مستعدة لمواجهة هذا المكان؟" سألها أدريان بصوت منخفض، مخترقاً سكون الغرفة الضيقة للسيارة.
لم تتحرك إيلينا من وضعيتها، وظلت تحدق في الفراغ الخارجي وهي تجيب: "المرء لا يستعد لمواجهة مقبرة ذكرياته يا أدريان. أنا فقط مضطرة، ذلك المنزل... أغلقته بيدي بعد مقتل 'ليام'. ظننت أنني تركت الذكريات وحياتي كلها خلف بابه المقفل،بدأت حياة جديدة هنا في هذه المدينة، لكن يبدو أن القاتل كان يحتفظ بنسخة من المفتاح."
التفت إليها أدريان للحظة، ورأى الشحوب الذي يكسو وجهها الكستنائي تحت ظلال الليل. مد يده اليسرى ببطء، وتجاوز المسافة الفاصلة بين مقعديهما ليضع كفه الدافئة فوق يدها المرتعشة،ليواسيها أنه يعلم تماما هذا الشعور شعور الضيق والحزم الذي لا علاج لهما الا النسيان أو بمعني أدق التناسي.
بعد أن اقتربا من محطتهما قال أدريان بنبرة حاسمة لا نقاش فيها "لن تدخلي هناك بمفردكِ، أنا معكِ. والوحش الذي يختبئ في ماضيكِ، سأضع رصاصة في قلبه قبل أن يلمس شعرة منكِ."
نظرت إليه إيلينا، ولأول مرة تلاقت أعينهما دون قناع الطبيبة أو صرامة المحقق. كانت هناك جاذبية مظلمة وعميقة تنمو بينهما، جاذبية ولدت من رحم الخوف والموت المشترك، جعلت الخطر المحيط بهما يبدو ثانوياً أمام حرارة تلك اللحظة.
انعطفت السيارة نحو طريق ترابي فرعي يحيطه شجر الصفصاف الكثيف والمتدلي كأشباح باكية. في نهاية الطريق، ظهر المنزل القديم. كان بيتاً ريفياً من طراز فيكتوري، جدرانه المغطاة بنبات اللبلاب الجاف تبدو متآكلة، ونوافذه المظلمة كانت تشبه عيوناً عمياء تحدق في القادمين.
توقفت السيارة، وهبطا معاً وسط هدوء الريف المريب. سحب أدريان مسدسه وتفقد جرح ذراعه الذي بدأ يلتئم بفضل ضمادة إيلينا المحكمة. تقدمت إيلينا بضع خطوات نحو الباب الخشبي الضخم الذي كان يرتفع أمامهما.
صدمة خفيفة أصابتهما عندما وجدا الباب موارباً... القاتل كان ينتظرهما، أو يريد تذكيرهما بأنه يسبقهما دائماً بخطوة.
دفع أدريان الباب ببطء بماسورة مسدسه، وأخرج كشافه اليدوي ليشق بقعة الضوء البيضاء ظلام الردهة الداخلية. الغبار كان يغطي كل شيء، والأثاث مغطى بأقمشة بيضاء ضخمة جعلت المكان يبدو كغرفة مليئة بالأشباح الجالسة.
"رائحة البلادونا..." همست إيلينا وهي تغطي أنفها. الرائحة هنا كانت مكثفة، مخلوطة برائحة العفن والأوراق القديمة.
"تحركي خلفي يا إيلينا،" أمرها أدريان وهو يسير بحذر فوق الأرضية الخشبية التي كانت تصدر صريراً حاداً تحت أقدامهما.
توجها نحو عمق المنزل، وتحديداً نحو المرسم القديم لشقيقها "ليام" في الطابق العلوي بناءً على إشارة إيلينا. عندما فتحا باب المرسم، انبعثت رائحة الحبر الطازج بقوة صدمت حواسهما.
المكان لم يكن مهجوراً كبقية المنزل. في منتصف المرسم، كان هناك حامل لوحات ضخم ، وعليه لوحة جديدة مغطاة بقطعة قماش سوداء. وعلى الجدران المحيطة، كانت هناك رسائل مكتوبة بخط اليد المنظم والمثالي، ممتدة من الأرض حتى السقف، وكلها كُتبت بالحبر الأسود النازف.
تقدم أدريان بحذر، ورفع يده ليجذب القماش الأسود عن اللوحة.
عندما سقط القماش، تراجعت إيلينا وهي تطلق صرخة مكتومة، وأسرع أدريان يحيطها بذراعه القوية ليتلقى صدمتها.
اللوحة كانت عبارة عن رسم دقيق ومذهل لـ أدريان وإيلينا وهما في قاعة برج الساعة في المرة السابقة لهما عندما دخلا معا البحث عن القاتل ، اللحظة التي كانت إيلينا تضمد فيها جرح أدريان ووجهيهما قريبين من بعضهما. الرسم كان تفصيلياً لدرجة مرعبة، تظهر فيه ملامح القلق في عيني إيلينا والجاذبية في عيني أدريان.
وفي أسفل اللوحة، كُتبت عبارة باللون الأحمر القاني:
"صدى الجدران الباردة... المشاعر هي الحبر الأكثر لزوجة، وعندما تتشابك الأيدي، يسهل صيد الضحايا معاً."
بجوار اللوحة، كان هناك جهاز تسجيل قديم يعمل بالشريط المغناطيسي. تقدم أدريان وضغط على زر التشغيل بيده المضمضة. انبعث صوت القاتل البارد والمعدل إلكترونياً، ليملا أركان المرسم الصامت.
"مرحباً بكِ في بيتكِ القديم يا دكتورة إيلينا... ومرحباً بك يا مقدم أدريان في المواجهة النفسية. شقيقكِ 'ليام' لم يكن ضحية بريئة كما تظنين؛ لقد سرق لوحة العمر مني، فكان يجب أن يدفع ثمنها وثمن سرقته من دمه. والآن، أنتما هنا في عريني، تعتقدان أنكما تلاحقاني، بينما انا من يراقبكما و أنكما ليس الا تتبعان السطور التي كتبتها لكما بدقة."
توقف الصوت للحظة، ثم تابع بنبرة أكثر خباثة:
"انظرا أسفل حامل اللوحات... هناك مذكراتي ستجداها، وفيها ستجدان اسم الضحية القادمة... ضحية ستموت بعد 24 ساعة في قلب لندن، ما لم تفككا شفرة الحبر التي تركتها على جدران هذا الغرفة."
انقطع التسجيل مع صوت ضحكة خافتة سخرت من محاولاتهما.
نظر أدريان إلى الجدران المليئة بالكتابات المشفرة، ثم نظر إلى إيلينا التي كانت تقف قريبة منه، وعيناها تشعان بالإصرار رغم الرعب.
شعر أدريان برغبة عارمة في حمايتها، ليس فقط كشرطي، بل كرجل بدأ يرى في هذه المرأة أمله الوحيد وسط هذا السواد.
"سنفك هذه الشفرة يا إيلينا،" قال وهو يمسك يدها مجدداً، ويشد عليها بثبات. "وسننقذ الضحية القادمة، حتى لو كان هذا القاتل يعتقد أنه يكتب النهاية... نحن من سيضع نقطة السطر الأخير لا تقلقي."
وهج ✨