كانت سيارة أدريان تقطع طريق العودة شمالاً نحو إدنبرة ببراعة كأنه يتحدى بها هذا الصقيع الشتوي المتساقط كشظايا جليدية على الزجاج.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً، ولم يتوقف المطر ولا الثلج منذ أن غادرا لندن.
داخل السيارة، كان الصمت أشدّ دسامة من الضباب المحيط بهما. أدريان كان يحكم قبضته على المقود، ووجنتاه الحادتان تتصلبان مع كل دقيقة تمر. مارك لم يكن مجرد ضابط مساعد بالنسبة له؛ كان الشاب الصغير الذي ذكره بنفسه عندما دخل مسلك الشرطة أول مرة، والوحيد الذي أظهر ولاءً مطلقاً له بعد حادثة مقتل شريكه القديم.
"سيتدبر أمره يا أدريان، مارك ليس ذكياً بالقدر الذي يجعله يقع في الفخ بسهولة، لكنه حذر،" قطعت إيلينا الصمت، وصوتها الناعم يخترق الهواجس السوداء التي تلتف حول عقله.
التفت إليها أدريان للحظة خفيفة. كانت تحاضن معطفها حول جسدها، لكن عينيها العسليتين كانتا ثابتتين عليه، تفيضان بقدر غير محدود من الدعم الذي لم يعهده من أحد منذ سنين.
"القاتل يختار ضحاياه بناءً على مكانتهم في قصته يا إيلينا،" قال أدريان بصوت خشن يحمل تعباً لم يستطع إخفاءه. "مارك بالنسبة له هو 'البيدق' الذي يحرك البيادق الأخرى. إذا أطاح به، فإنه يكسر ساقي اليمنى في هذه اللعبة."
مدت إيلينا يدها برفق فوق يده الممسكة بنقل الحركة. لم تقل شيئاً، بل اكتفت بوضع يدها علي يده. شعر أدريان بشعور غريب في قلبه لم يشهده من قبل هو لا يعرف لماذا هي.
"نحن لسنا بيادق في روايته،" همست وهو ينظر إلى الطريق. "نحن الكُتّاب المشاركون الآن. وهو يعلم أننا قادمون."
تلاقت أعينهما في المرآة العاكسة، وكانت تلك اللحظة خاطفة لكنها محملة بكهرباء ساكنة، رباط مظلم ومعقد يزداد وثوقاً مع كل خطر يواجهانه معاً.
وصلت السيارة إلى المبنى القديم لمديرية شرطة إدنبرة وهو بناء قوطي مهجور تم إغلاقه ونقل المقر منه منذ ثلاث سنوات عقب حادثة مقتل شريك أدريان. كانت ندف الثلج الباردة تتساقط ببطء لتغطي درجات السلم الحجري المتهدم.
كان المبنى يبدو كشبح مظلم في وسط إدنبرة.
المظاهر الخارجية تحوّلت إلى أطلال، لكن الداخل كان يحتوي على أشباح ماضي أدريان بأكملها.
سحب أدريان مسدسه وتفحص ذخيرته، وقبل أن يفتح الباب، التفت إلى إيلينا وقال بنبرة قاطعة: "هذا المكان ملغم بالأسرار. لا تلمسي أي شيء دون قفازات، وابقي خلفي تماماً."
أومأت إيلينا برأسها، وسحبت مسدساً صغيراً كانت قد استعارته من مكتب الملحق الجنائي في لندن، مما جعل أدريان يبتسم ابتسامة خفيفة وساخرة وسط الجدية: "يبدو أن الطبيبة النفسية بدأت تحب حمل السلاح."
"الشارع فرض أحكامه يا مقدم،" ردت بابتسامة خافية.
دفعت أقدامهما الباب الصدئ، لتنبعث رائحة الرطوبة والأوراق المحترقة. كانت الأروقة المظلمة صامتة كالمقبرة. سلط أدريان ضوء كشافه اليدوي على الجدران المقشرة؛ صور الضباط القدامى كانت ما زالت معلقة، لكن عين كل ضابط في الصور كانت قد طُعنت أو أُحرقت بأطراف سجائر... لمسة سيكوباتية مألوفة.
سارا بخطى حثيثة نحو المكتب القديم للمحققين في الطابق الثاني—المكتب الذي شهد طلقة الموت لشريك أدريان قبل خمس سنوات.
عندما بلغا الباب الخشبي الثقيل، وجداه مفتوحاً جزئياً. كان ينبعث من الداخل ضوء خافت بلون أحمر قانٍ.
دفع أدريان الباب بكتفه ومسدسه مثبت للأمام.
المشهد في الداخل كان يوقف الأنفاس.
في منتصف المكتب القديم، كان الضابط مارك مقيداً إلى كرسي خشبي، ومكمم الفم بشريط لاصق عريض، وعيناه متسعتان برعب قاتل وهو يشير برأسه نحو الأعلى.
أسفل الكرسي مباشرة، كانت هناك مكتبة خشبية مائلة، وعلى الطاولة المجاورة، كان هناك خيط رفيع متصل بذراع قنبلة يدوية قديمة مثبتة تحت الكرسي. أي حركة عشوائية من مارك كانت ستسقط المكتبة وتفجر المكان بالكامل.
وعلى الجدار العريض خلفه، كُتبت عبارة بدم طازج وحبر البلادونا:
"العودة إلى المسرح الأول، ويالها من مسرحية لا تُنسي مهما ذهب الزمن ... حيث تباع الأرواح الرخيصة في سوق الانتقام."
"لا تتحرك يا مارك!" صرخ أدريان وهو يتقدم بحذر شديد، عيناه ترصدان الخيط الممدود.
هرعت إيلينا إلى الجانب الآخر، تدرس الآلية بعينيها الثاقبتين. "أدريان، الخيط متصل بالترس السفلي للكرسي، إذا رفعت مارك فجأة سينفجر المكان. يجب فك السلك من القاعدة أولاً!"
اقترب أدريان وجثا على ركبتيه فوق الأرضية المبللة بالحبر والماء. كانت يداه ثابتتين رغم الخطر، وأصابعه الجلدية تبحث عن نقطة تثبيت السلك. كانت إيلينا بجانبه تمسك بالكشاف وتسلط الضوء بفتحة ضيقة، وتقول بصوت هادئ ولكنه متوتر يتردد بالقرب من أذنه.
"لماذا أنت ثابت جداً يا أدريان؟" همست وهي تحافظ على ثبات الضوء رغم ارتجاف يدها الخفيف.
"لأنني أثق بكِ في تغطية ظهري،" قالها دون أن يلتفت، وقبض بمهارة على السلك ونزعه بضغطة واحدة دقيقة من أداة حادة أخرجها من جيبه.
تنفست إيلينا الصعداء، وفي نفس اللحظة قطعت الشريط عن فم مارك الذي أجهش بالبكاء متأوهاً: "سيدي... دكتورة... إنه كان هنا منذ نصف ساعة! قال إنه ينتظركم في السقف!"
قبل أن يستوعبا الجملة، انبعث صوت صرير حاد من السقف الخشبي أعلى رأسيهما، وسقطت قطعة كبيرة من الجبس المتهالك لتكشف عن فتحة قبو علوي معتم.
سحب أدريان إيلينا خلفه فوراً، ورفع مسدسه نحو الفتحة، ليتلقى صفعة هواء باردة محملة برائحة الحبر النفاذة، وصوت خطى سريعة تبتعد في ظلام السطح.
"إنه على السطح!" صرخ أدريان، ونظر إلى إيلينا ومارك. "مارك، اخرج فوراً واستدعِ الدعم! إيلينا... ابقي هنا!"
"لن أبقى!" ردت إيلينا بصرامة وقوة لا تقبل النقاش، وسحبت مسدسها الصغير. "لقد وصلنا إلى منتصف الكابوس، ولن أدعك تصعد إلى ذلك السطح بمفردك في هذا الصقيع!"
تلاقت أعينهما لثانية واحدة، وسط الظلام والأخطار الداهمة، ليقرأ كل منهما في عين الآخر الإصرار نفسه... حتمية المواجهة، وبداية النهاية لأسطورة حبر البلادونا.
وهج ✨