حبر الندبة الأولى

حبر الندبة الأولى

19 0

البرد في إدنبرة لا يكتفي بملامسة الجلد، بل يتسلل كإبر رفيعة لينغرس في العظام. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً عندما توقفت سيارة الدفع الرباعي السوداء بعنف أمام البوابة الحديدية الصدئة للمسرح المهجور في ضواحي المدينة. انبعث صوت صرير المكابح ليمزق سكون الليل الممطر، قبل أن يفتح "أدريان فانس" الباب ويهبط إلى الأرض الوحلية.

أغلق الباب خلفه بقوة، ورفع ياقة معطفه الصوفي الطويل ليتقي حبات المطر التي كانت تتساقط كشظايا زجاجية صغيرة. كانت أضواء سيارات الشرطة الزرقاء الحمراء تعكس ظلالاً راقصة ومشوهة على الجدران الحجرية القديمة للمسرح الذي هجره الجمهور منذ عقود. الشوارع المحيطة كانت خالية تماماً، والضباب الاسكتلندي الكثيف يلف المكان بهالة من الكآبة والترقب.

"مرحباً بك في الجحيم يا مقدم أدريان،" قالها الضابط الشاب "مارك" وهو يركض نحوه مظللاً رأسه بملف بلاستيكي، والأنفاس تخرج من فمه كثور هائج في طقس صقيعي.

لم يلتفت أدريان إليه، بل واصل سيره بخطوات واسعة وثابتة نحو الداخل. عينان حادتان كشفرتي موس، رماديتان كأجواء المدينة، وملامح وجه صلبة بدت وكأنها نُحتت من صخور القلاع المحيطة بهم. قال بصوت أجش وعميق:

"ما الذي لدينا هنا يا مارك؟ ولماذا استدعيتني في هذا الوقت بالتحديد؟"

"إنها ليست جريمة قتل عادية يا سيدي،" أجاب مارك وهو يفتح الباب الخشبي الضخم للمسرح ليدخلا معاً إلى الردهة المظلمة. "الضحية هو السير 'أليستر برينس'، عضو البرلمان السابق ورجل الأعمال المعروف. وجدوه في الصالة الرئيسية، والوضع... الوضع غريب جداً."

تجاوز أدريان الشريط الأصفر العازل، ودخل إلى قاعة العرض الرئيسية. كانت الرائحة في الداخل خليطاً مقززاً من العفن القديم، رطوبة الخشب، ورائحة الموت الطازجة التي يعرفها أدريان أكثر مما يعرف كف يده. كانت كشافات الإضاءة المحمولة لرجال المختبر الجنائي تسلط أشعتها البيضاء الحادة نحو خشبة المسرح.

هناك، في منتصف المسرح تماماً، وتحت بقعة ضوء وحيدة هابطة من السقف المتهالك، كان السير أليستر يجلس على مقعد خشبي ذي ظهر مرتفع. كان يرتدي حلة رسمية كاملة، لكن رأسه كان مائلاً إلى الخلف، وعيناه الجاحظتان تحدقان في الفراغ برعب أبدي. لم يكن هناك الكثير من الدماء المتناثرة، بل طعنة واحدة نافذة في الصدر، استقرت بدقة جراح في قلبه.

خطا أدريان فوق خشبة المسرح، منحنياً ليتفحص الجثة عن قرب دون أن يلمس شيئاً. ارتدى قفازاته الجلدية السوداء ببطء، وعيناه تمسحان التفاصيل. ما جذب انتباهه لم يكن الطعنة، بل ما كان يمسكه الضحية في يده اليمنى.

لقد كانت يده متصلبة حول ريشة كتابة قديمة، ريشة طيور داكنة، غُمست في محبرة موضوعة على طاولة صغيرة مجاورة. والأكثر غرابة، أن القاتل لم يكتفِ بذلك؛ بل استخدم دماء الضحية ليرسم رموراً مشفرة على طول ذراع المقعد الخشبي، وبجوارها كلمة واحدة كُتبت بخط يدوّي منظم ومثالي كأنه لوحة فنية:

"البداية"

"تباً،" تمتم أدريان وهو يضيق عينيه. "هذا ليس دافعاً عشوائياً، ولا هي سرقة. هذا القاتل يستعرض مهاراته. إنه يكتب رواية، وضحيته هي السطر الأول."

"سيدي، انظر إلى هذا،" أشار مارك نحو الطاولة الصغيرة.

كان هناك غلاف ورقي سميك، كتاب قديم فارغ الصفحات (مذكرات)، ولكن على صفحته الأولى، كُتبت رسالة قصيرة بالحبر الأسود المخلوط بالدم:

*"إلى المحقق الذي يظن أنه يرى كل شيء... انظر خلف الجدار، فالقصة قد بدأت للتو."*

شعر أدريان ببرودة غريبة تسري في عموده الفقري، ليست بسبب الطقس، بل لأن الخط كان مألوفاً بشكل مرعب. خط يعيد إلى ذهنه ذكريات حاول دفنها في أعمق زوايا عقله طوال خمس سنوات. سحب نفساً عميقاً، واستقام في وقفته، ثم التفت إلى مارك قائلاً بنبرة صارمة:

"أغلقوا المكان تماماً. لا أريد لقطة واحدة أن تتسرب للصحافة. هذا المختل يريد جمهوراً، ولن نعطيه ما يريد."

في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان مكتب أدريان في مقر شرطة إدنبرة يغرق في فوضى عارمة. الأوراق متناثرة، أكواب القهوة الباردة تملأ الزوايا، وصور مسرح الجريمة معلقة على اللوح المغناطيسي الكبير. كان أدريان يقف ووجهه للنفاذة الزجاجية الكبيرة، يراقب المطر الذي تحول إلى رذاذ خفيف، ويمسك بكوب قهوة سوداء ثقيلة لم يذقها بعد.

طُرق الباب ثلاث طرقات منتظمة وقوية.

"ادخل،" قالها دون أن يلتفت.

انفتح الباب، لكن بدلاً من خطى مارك السريعة والمترددة، سمع صوت كعب حذائها الثابت والواثق وهو يصطدم بالأرضية الخشبية. التفت أدريان ببطء، لتسقط عيناه على امرأة لم يرها من قبل في المديرية.

كانت ترتدي معطفاً شتوياً طويلاً باللون البيج، ممسكة بحقيبة جلدية أنيقة. شعرها الكستنائي كان ملموماً بعناية، وعيناها العسليتان الواسعتان كانتا تشعان بذكاء حاد وهدوء يثير الأعصاب. لم تكن تبدو كشخص أتى إلى مركز شرطة في الصباح الباكر؛ كانت تبدو وكأنها تسيطر على المكان بمجرد دخولها.

"المقدم أدريان فانس؟" سألت بصوت هادئ، رخيم، وخالٍ من أي توتر.

"نعم، ومن أنتِ؟ وكيف دخلتِ إلى مكتبي دون إذن؟" رد بنبرة جافة وخشنة، واضعاً كوب القهوة على مكتبه.

"أنا الدكتورة إيلينا روجرز. تم تعييني من قبل الإدارة العامة كمستشارة نفسية جنائية وخبيره في تحليل السلوك لهذه القضية،" قالتها وهي تتقدم بخطوات واثقة، وتمد يدها لمصافحته. "وقد دخلت لأن الباب لم يكن مغلقاً بالكامل، ولأن وقتنا ضيق."

نظر أدريان إلى يدها الممدودة لثانيتين كاملتين، ثم وضع يديه في جيبي بنطاله، متجاهلاً المصافحة تماماً. ضاقت عينا إيلينا قليلاً، لكنها لم تفقد هدوءها، بل سحبت يدها بسلاسة وضعتها على ظهر المقعد المقابل له.

"لا أحتاج إلى أطباء نفسيين يحللون العقد النفسية للمجرمين من خلف المكاتب يا دكتورة،" قال أدريان وهو يتقدم نحوها، مستغلاً طوله الفارع وبنيته الضخمة لمحاولة فرض سيطرته. "الشارع هنا له قوانين أخرى. القاتل الذي واجهته بالأمس يمسك بسكين، لا بكتاب نظريات."

ابتسمت إيلينا ابتسامة خفيفة، لم تصل لعينيهما، وقالت وهي تحدق في عينيه مباشرة دون تراجع:

"القاتل الذي واجهته بالأمس يا مقدم أدريان، لا يمسك بسكين فقط. إنه يمسك بريشة حبر، ويكتب رسائل مشفرة موجهة إليك شخصياً. إنه لا يريد فقط القتل، هو يريد تدميرك نفسياً. وإذا استمررت في الاعتماد على عضلاتك وغضبك الذي تحاول إخفاءه خلف هذا البرود المصطنع، فستكون الضحية القادمة في روايته."

ساد الصمت في الغرفة لدرجة سماع صوت قطرات المطر على الزجاج. شعر أدريان بضيق شديد؛ هذه المرأة اخترقت جدار حمايته في أقل من دقيقة. لقد قرأت لغة جسده بدقة أثارت حنقه.

"أنتِ تخطين حدودكِ،" قال بصوت منخفض يحمل نبرة تهديد واضحة.

"أنا أقوم بعملي فقط،" ردت إيلينا وهي تفتح حقيبتها وتخرج ملفاً، ثم تضعه على مكتبه. "هذا هو التحليل المبدئي لسلوك القاتل بناءً على الصور التي أرسلها لي مارك ليلاً. القاتل مصاب بالنرجسية السوداء، لديه هوس بالسيطرة، ويرى في نفسه أديباً يصحح أخطاء المجتمع بالدم. والأهم من ذلك... هو يعرفك جيداً، ويعرف نقطة ضعفك."

اقترب أدريان من المكتب، ونظر إلى الملف ثم إليها، والشرر يتطاير من عينيه الرماديتين. كان هناك خط أحمر يفصل بين مهنيته وبين ماضيه الذي لا يريد لأحد العبث به، وهذه الطبيبة كانت تقف الآن على هذا الخط تماماً.

رغم الرفض الداخلي الشديد الذي شعر به أدريان تجاه إيلينا، إلا أن احترافيته منعت من إقصائها، خاصة بعد أن جاء أمر مباشر من رئيس المديرية بضرورة التعاون معها. جلس الاثنان حول الطاولة المستديرة في غرفة الاجتماعات الصغيرة، والإضاءة الصفراء الخافتة تضفي جوًا من الجدية والغموض.

"حسناً يا دكتورة، دعنا نرى ما لديكِ،" قال أدريان وهو يشبك أصابعه ويستند بمرفقيه على الطاولة. "لماذا تعتقدين أن الرسالة موجهة لي شخصياً؟ القاتل كتب 'إلى المحقق الذي يظن أنه يرى كل شيء'، وهناك خمسة محققين في هذا القسم."

سحبت إيلينا صورة مكبرة للرسالة المكتوبة بالدم والحبر، ووضعتها أمامه. أشارت بإصبعها السبابة على طريقة كتابة الحروف.

"انظر إلى طريقة كتابة حرف الـ 'V' في كلمة (Venom) المستترة في السياق، وانظر إلى الرمز المرسوم بجانب كلمة 'البداية'. هذا ليس مجرد رمز عشوائي. هذا وسم الميزان المكسور. ألا يذكرك هذا بشيء؟"

تجمدت ملامح أدريان تماماً. الميزان المكسور كان الشعار الذي استخدمه قاتل متسلسل آخر منذ خمس سنوات في قضية أُغلقت وقُيدت ضد مجهول، القضية التي خسر فيها أدريان شريكه وصديقه المقرب، والتي كانت السبب في تحول حياته إلى هذا السواد والبرود.

"هذا مستحيل..." تمتم أدريان، وعروق جبهته برزت فجأة. "ذلك القاتل اختفى، القضية طُويت."

"القتلة من هذا النوع لا يختفون يا أدريان، هم يدخلون في فترة سبات فقط، أو ينتظرون اللحظة المناسبة لإعادة العرض،" قالت إيلينا، ولأول مرة تحولت نبرتها إلى شيء من التعاطف المهني، لكنها حافظت على قوتها.

"لقد اختارك لتكون القارئ الأول، والضحية الأخيرة."

"وما دوركِ أنتِ في هذا كله؟" سألها فجأة، وعيناه تخترقان عينيها محاولاً البحث عن أي دافع خفي. "طبيبة نفسية مشهورة مثلكِ، لماذا تقبل قضية معقدة وخطيرة كهذه في مدينة باردة مثل إدنبرة؟"

أخذت إيلينا نفساً عميقاً، ولأول مرة منذ دخولها، ظهرت لمحة خاطفة من الحزن أو ربما الخوف في عينيها العسليتين قبل أن تختفي سريعاً وراء قناعها الصارم. شبكت يديها فوق الطاولة وقالت:

"لأنني أنا أيضاً لدي حساب قديم لأصفيه مع صاحب هذا الخط. الحبر الذي يكتب به... قد سال من أجله دم يخصني."

نظر إليها أدريان مطولاً. في تلك اللحظة، أدرك أن خلف هذا المظهر الأنيق والهدوء المستفز، هناك روحاً مكسورة ومطاردة مثل روحه تماماً.

لم تعد مجرد مستشارة فرضتها الإدارة؛ لقد أصبحت شريكة في رحلة غامضة ومظلمة.

قطع صمتهما دخول مارك مسرعاً، وهو يلهث حاملاً ورقة مطبوعة.

"سيدي، دكتورة إيلينا... لقد وصلنا اتصال للتو من مختبر التحليل الجنائي. الحبر الذي استخدمه القاتل لكتابة الرسالة على المذكرات..."

"ما به؟" سأل أدريان وإيلينا في وقت واحد.

"إنه ليس حبراً عادياً، ولم يُشترَ من أي متجر. إنه حبر صُنع يدوياً بمواد كيميائية معينة، ومخلوط بنوع نادر جداً من مستخلصات زهرة 'البلادونا' السامة.

والتحليل الكيميائي يقول إن هذا الحبر تم إعداده في مكان معزول ورطب... مثل قبو قديم أو... مستشفى مهجور."

استقامت إيلينا في جلستها، ونظرت إلى أدريان قائلة:

"إنه يعطينا الخيط التالي. يريدنا أن نبحث عن مكان صنع الحبر."

وقف أدريان، وسحب مسدسه من الجراب الجلدي وتفحصه، ثم نظر إلى إيلينا بنظرة تحدٍ قائلة:

"إذاً، استعدي يا دكتورة. يبدو أن نظرياتكِ ستخضع للاختبار في الشارع أسرع مما توقعتِ. سنذهب لزيارة بعض الأماكن المهجورة في هذه المدينة."

أومأت إيلينا برأسها، ونهضت وسارت بجانبه. وبينما كانا يخرجان من الغرفة، تلاقت أعينهما للحظة قصيرة؛ شرارة خفية من الجاذبية الممزوجة بالخطر والشك ولدت في تلك اللحظة وسط أجواء الصقيع، معلنةً عن بداية التحقيق من لعبة الموت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبر ودم

المؤلف وهج ✨
2026/06/12 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة