انفتح الباب الحديدي المؤدي إلى سطح المبنى القديم بصوت صرير حاد يمزق سكون الليل. دفع أدريان الباب بكتفه ومسدسه مثبت للأمام، ليواجه عاصفة ثلجية مصغرة تعصف بأعلى المبنى. كان الثلج يتساقط بكثافة، ليرسم غطاءً أبيض ناصعاً فوق الحجارة السوداء، بينما الضباب يلتف حول حواف السطح كستائر من الدخان الرمادي.
دفعت إيلينا الباب خلفه، وجاءت لتجلس بجانبه تقريباً، مسدسها الصغير بين يديها المنتفضتين من الصقيع. كان الهواء هنا شديد البرودة لدرجة تحبس الأنفاس، ورائحة البلادونا كشأنها دائماً... تلوّث الطقس النقي بنكهتها المسمومة.
"أدريان... انظر هناك،" همست إيلينا وهي تشير بسبابتها نحو منتصف السطح.
تحت ضوء الشارع المبتل القادم من الأسفل، كان هناك حزز زجاجي ضخم يغطي فتحة إضاءة قديمة للسطح. وبجانبه، كان يربض هيكل خشبي لشخص يرتدي معطفاً صوفياً داكنًا، يولي ظهره لهما ويجلس على مقعد مرتفع، وممسكاً بيده ريشة كتابة طويلة.
تقدم أدريان بخطى حثيثة ومحسوبة، وحذاؤه يترك أثراً عميقاً في الثلج الطازج. "ضع سلاحك واعثر على نقطة نهائية لهذه المهازل! الشرطة تطوق المبنى بالكامل!"
لم يتحرك الجسد. لم ينبس بكلمة.
اقترب أدريان أكثر، وعيناه الرماديتان ترصدان أي حركة خفية، حتى أصبح على بعد أمتار قليلة. بضربة خاطفة وحذرة من يده اليسرى، أزاح قبعة المعطف الداكنة ليتبين المفاجأة.
لم يكن القاتل.
كانت مجرد مانيكان (تمثال عرض ملابس) من الخشب، تم إلباسه المعطف بعناية، ورُبطت في يده الريشة المغموسة بالحبر. وعلى حجر التمثال الخشبي، كانت تقبع مذكرات جلدية سوداء جديدة... "المذكرات السابعة".
"إنه مجرد فخ بائس لإلهائنا،" زمجر أدريان بغضب مكتوم وهو يخفض مسدسه قليلاً، وشعور بالفشل ينساب في جسده كالسُم.
اقتربت إيلينا بخطوات متهالكة، وتطلعت إلى التمثال الخشبي. لكن عينيها لم تقعا على المذكرات أولاً، بل وقعتا على التفاصيل الصغيرة المجلوبة خصيصاً على حافة الريشة. كانت الريشة مزينة بشريط حريري أحمر... شريط حريري مطابق تماماً للشريط الذي كان يُلَف به طرد هدايا عيد ميلاد شقيقها "ليام" القديم.
تجمدت الدماء في عروق إيلينا. شعرت بركبتيها تعجزان عن حملها، وتراجعت خطوة للخلف مستندة على جدار الإضاءة الزجاجي.
"إيلينا؟" التفت أدريان إليها فوراً عندما لاحظ شحوبها المفاجئ. ألقى المسدس جانباً في جيبه الكبير، وأسرع نحوها ليمسك بكتفيها بقوة وينقذها من التهاوي.
"هذا الشريط..." همست بصوت مخنوق ومتقطع، والدموع تتجمع في عينيها العسليتين لتلمع تحت أضواء الضباب. "هذا الشريط لا يعلم بوجوده أحد يا أدريان... كان في صندوق ألعابي أنا وليام في منزلنا القديم. كيف حصل عليه هذا القاتل؟"
نظر أدريان إلى الشريط الأحادي اللون، ثم نظر في عينيها المليئتين بالذعر والارتباك. سحبها ونشلها ببطء نحوه ، ولف ذراعيه حول جسدها المرتعش ليحمياها من البرد ومن الأفكار السوداء التي بدأت تنهش عقله وعقلها.
استندت إيلينا برأسها على صدره، وشعرت بنبضات قلبه القوية والمنتظمة، النبضات الوحيدة التي كانت تمنحها الشعور بالأمان وسط هذا العالم المليء بالدماء والرسائل المشفرة.
"لن يدع هذا المختل يمسك بكِ أو بذكرياتكِ يا إيلينا،" قال أدريان بصوت منخفض وعميق، ويده تداعب شعرها المبلل بقطرات الثلج. "سأعرف من أين أتى بهذا الشريط، وسأنهي هذا الكابوس قريباً جداً."
رفعت وجهها إليه، وتلاقت أعينهما على مسافة أنشات قليلة. كان الصقيع يحيط بهما، لكن حرارة المشاعر التائهة بينهما كانت كفيلة بإذابة الجليد، قام بقطع هذه اللحظة السعيدة علي نفس ايدريان صوت خطى سريعة صاعدة نحو السطح.
انفتح الباب مجدداً، ودخل الضابط مارك وهو يلهث ويحمل جهاز لاسلكي، ووجهه يفرز العرق رغم البرد الشديد.
"سيدي! دكتورة إيلينا!" قال مارك بصوت متقطع. "القوات أغلقت الشوارع المحيطة بالكامل، لكن القاتل لم يخرج من المدخل الرئيسي... يبدو أنه هرب عبر شبكة أنفاق الصرف القديمة أسفل المبنى."
تراجعت إيلينا ببطء عن أدريان، واستعادت تماسكها بصعوبة، وقامت بمسح دموعها الخفيفة قبل أن ينتبه مارك.
انحنى أدريان وسحب المذكرات السابعة من فوق حجر التمثال الخشبي. فتح غلافها الجلدي؛ كانت هناك أبيات جديدة كُتبت بالدم والحبر النازف:
**"الفصل السابع: أطياف فوق السطح المبتل... القارئ الذكي يبحث عن الظل، بينما الكاتب يختبئ في الصفحات القديمة. الأخت تقرأ أثر أخيها، والمحقق يلاحق سراباً من الدم.
الضحية القادمة لا تملك حبراً لترد به... إنها تنتظركم في دار الأيتام القديمة حيث تُحرق الأسرار."**
تطلعت إيلينا إلى الأسطر، وشعرت برعشة غريبة تسري في جسدها. "دار أيتام 'سانت جود'... هذا المكان هو المؤسسة الخيرية التي كان يتبرع لها والدي قبل وفاته، والتي أقام فيها ليام معقلاً لرسم لوحاته الأولى!"
"إنه ينسج شباكه حول عائلتكِ بأسلوب منظم جداً يا إيلينا،" قال أدريان وهو يغلق المذكرات بحزم وعيناه الرماديتان تشتعلان بإصرار متجدد. "كل طعنة وكل حرف يوجهنا نحو اسم واحد ونحو ماضٍ واحد."
التفت أدريان نحو مارك وقال بصوت صارم: "مارك، أمّن هذا المكان وأرسل المذكرات للتحليل الجنائي فوراً. الدكتورة وأنا سنتحرك فوراً نحو دار أيتام 'سانت جود'."
نظر مارك إليهما بأعين مليئة بالتسائل، لكنه أومأ برأسه ومشى لتنفيذ الأوامر.
سار أدريان بجانب إيلينا نحو السلم، وشبك أصابعه بأصابعها مجدداً برفق ودون كلام، معلنين عن بداية مرحلة جديدة وأكثر خطورة في رحلتهما لنبش أسرار الماضي وتفكيك أحاجي هذا القاتل اللعين الخفي الذي لا يريد أحد أن يعرف من هو ياله من قاتل محترف يخفي نفسه بإحترافيه من كل شرطة اندبرة.
وهج ✨