كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة صباحاً، والمرسم القديم يغرق في أجواء خانقة. تلاشت برودة الليل خلف رائحة حبر البلادونا النفاذة التي بدت وكأنها تتبخر من الجدران. كان أدريان يقف في منتصف الغرفة، يسلط كشافه اليدوي على الخطوط المنظمة الممتدة من السقف إلى الأرض، بينما كانت إيلينا تتحرك كطيف هادئ بين الجدران، عيناها العسليتان تقرآن الكلمات المكتوبة ليس كأحرف، بل كإشارات نفسية.
"الكلمات تتكرر يا أدريان،" قالت إيلينا وهي تلمس بطرف إصبعها حرفاً جافاً على الجدار الحجري. "إنه لا يكتب نصاً عشوائياً. هذه الأسطر مأخوذة من مسرحية (ماكبث) لشكسبير، وتحديداً المشاهد التي تتحدث عن غسل الدماء من الأيدي الفاسدة."
"وما هي الشفرة في ذلك؟" سأل أدريان وهو يتقدم نحوها، وخطواته تصدر صريراً مألوفاً فوق الخشب. كان جرح ذراعه يؤلمه بشكل خفيف مع كل حركة، لكنه أصر في نفسه أن يقاوم هذا الالم ليحل هذا اللغز اللعين.
"الشفرة ليست في معنى الكلمات، بل في الحروف المفقودة،" التفتت إليه، واكملت شرحها ونظريتها في فك هذه الشفرة مع ادريان"انظر هنا... في كل سطر، هناك حرف ناقص في الكلمات الإنجليزية الكلاسيكية. إذا جمعنا هذه الحروف المفقودة بالترتيب، سنحصل على إحداثيات جغرافية دقيقة."
ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة، ظهرت كخط دافئ على ملامحه الصلبة والمرهقة. "أنتِ مذهلة يا دكتورة. أظن أنني بدأت أعتاد على وجود هذا العقل العبقري بجانبي."
ابتسمت علي استحياء وقالت بصوت واثق"اشكرك سيد ادريان"
تلاقت أعينهما في تلك اللحظة؛ كانت الجاذبية بينهما تتصاعد كالنار في العش الهش، صراع صامت بين الرغبة في الاقتراب وبين الخوف من الموت الذي يتربص بهما خلف كل زاوية.
"الإحداثيات تشير إلى مكان في قلب لندن،" قالتها إيلينا وهي تحاول البحث عن اي شئ اخر ليثبت افتراضها و قالت وهي تمشي في الغرفة "منطقة 'وستمنستر'... وتحديداً بالقرب من قاعة العرض التابعة للجمعية الملكية للفنون."
انحنى أدريان وسحب المذكرات الجلدية السوداء الخامسة التي كانت موضوعة أسفل حامل اللوحات. فتح غلافها السميك؛ في الصفحة الأولى، لم تكن هناك دماء هذه المرة، بل كان هناك كارت دعوة رسمي لافتتاح معرض فني شخصي مصمم بأسلوب مخملي فاخر.
الاسم المكتوب على الدعوة كان: "لورد تشارلز ديفينبورت".
وهو واحد من أكبر نقاد الفن وأكثرهم نفوذاً في بريطانيا، ورئيس مجلس إدارة صندوق دعم الفنون الكلاسيكية.
"ديفينبورت..." زمجر أدريان وعيناه تضيقان. "إنه الرجل الذي موّل معرض شقيقكِ 'ليام' الأخير قبل مقتله، وهو نفس الرجل الذي شهد في التحقيقات أن ليام لم يكن صاحب اللوحات الأصلية."
شعرت إيلينا بضربة قوية في صدرها. تراجعت واستندت على الطاولة الخشبية، ووجهها شاحب تماماً. "هذا يعني أن القاتل يستهدف تشارلز لأنه يعلم أن شهادته كانت مزورة. القاتل يعتبر تشارلز شريكاً في 'سرقة الإبداع' التي تحدث عنها في التسجيل."
"لدينا أقل من عشرين ساعة قبل موعد الافتتاح الذي أشار إليه الكارت،" قال أدريان وهو يغلق المذكرات بقوة ويضعها في جيب معطفه. "الافتتاح سيكون الليلة في الثامنة مساءً. تشارلز سيكون هناك وسط مئات الحراس والشخصيات المرموقة، لكن هذا المجرم أثبت أنه يستطيع اختراق أي حصن."
اقترب أدريان منها مجدداً، وأمسك بكتفيها برفق ليعيد إليها ثباتها. "إيلينا، اسمعيني جيداً. هذه المرة لن نتحرك كشرطة اسكتلندية خارج نطاق اختصاصنا. سأتصل بالملحق الجنائي في لندن لتأمين المكان، لكننا سنكون هناك في الصفوف الأولى. القاتل يريدنا أن نشهد هذه الخطة ويتلذذ بعجزنا وانا لم تسمح بهذا، ولذلك نحن سنعطيه العرض الذي يستحقه."
نظرت إليه، وشعرت بأن البرد الذي سكن روحها لسنوات بدأ يتلاشى تماماً في وجوده. "أنا معك يا أدريان. حتى نعرف من القاتل..."
في تمام الساعة السابعة والنصف مساءً، كانت قاعة الجمعية الملكية للفنون في لندن تشتعل بالأضواء البيضاء الحادة. السجاد الأحمر ممتد على طول المدخل، وسيارات الفاخرة تتوقف لتنزيل النخبة من المجتمع المخملي ونقاد الفن.
كان أدريان يرتدي حلة رسمية سوداء رسمت بنيته القوية وضخامته بهيبة واضحة، بينما كانت إيلينا بجانبه تبدو كأمرأة هابطة من عالم من السحر؛ فستان أسود طويل بسيط وأنيق، وشعرها مرفوع بعناية يبرز عقدها الناصع الذهبي.
رغم المظهر الاحتفالي، كانت عيونهما تتحرك بدقة لرصد كل زاوية، ومسدس أدريان كان مخفياً بعناية تحت سترته.
دخل الاثنان إلى القاعة الرئيسية حيث كان لورد تشارلز ديفينبورت يقف في المنتصف، محاطاً بالمعجبين والصحفيين، وهو يبتسم بكبرياء ونرجسية واضحة.
"إنه لا يشعر بالخطر إطلاقاً،" همس أدريان بسرية تامة في أذن إيلينا حتي لا يسمعها أحد .
"القاتل يعشق هذا النوع من الضحايا،" ردت إيلينا وهي تراقب لغة جسد تشارلز. "كلما زاد كبرياء الضحية، كلما كان سقوطها أكثر دراماتيكية في قتله."
فجأة، انطفأت الأضواء الرئيسية للقاعة بالكامل، ليسود ظلام دامس للحظات، وارتفع صوت همهمات الذعر بين الحضور. قبل أن يتمكن أدريان من سحب مسدسه، اشتعل كشاف ضوء واحد أحمر، مسلطاً نوره مباشرة على الشرفة العلوية للقاعة.
هناك، معلقاً من الحبال الكبيرة التي تحمل النجفة الرئيسية، كان لورد تشارلز ديفينبورت يتأرجح في الهواء كدمية مكسورة، ورقبته ملفوفة بحبل متصل بتروس السقف. وفي يده الميتة، كان يمسك بريشة كتابة ضخمة مغموسة بالكامل في الحبر الأسود الذي بدأ يتساقط كقطرات مطر داكنة فوق السجاد الأحمر وسط صرخات الحضور المذعورين.
وعلى الجدار الأبيض الكبير خلفه، ظهرت عبارة كُتبت بخط يده المثالي والمنظم:"شفرة البيلادونا المميته... الفن المزيف يموت تحت الأضواء، والجمهور يصفق دائماً للنهايات الدامية."
وسط الفوضى العارمة وركض الحضور نحو المخارج، شعر أدريان بيد إيلينا وهي تقبض على يده بذعر، لكن عينيها كانتا تحدقان في زاوية الشرفة العلوية المظلمة... حيث لمحا لثانية واحدة ظلاً لرجل يرتدي معطفاً صوفياً طويلاً، ينظر إليهما بابتسامة خفية قبل أن يختفي في الضباب.
وهج ✨