كانت عجلات السيارة تقطع الطريق الريفي المعزول المؤدي إلى المستشفى العسكري المهجور في ضواحي إدنبرة الشمالية. المطر خفّت حدته ليتحول إلى رذاذ يلتصق بنوافذ السيارة، بينما الضباب أصبح كثيفاً لدرجة أن كشافات السيارة الأمامية بالكاد تخترق جدار السواد بمقدار أمتار قليلة.
كان الصمت داخل السيارة ثقيلاً، لا يقطعه سوى صوت ماسحات الزجاج المنتظم. أدريان كان يضغط على المقود بقوة، وعيناه مركبتان على الطريق، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً... كان مع ذلك الميزان المكسور، رمز كابوسه الذي ظن أنه انتهى.
"أنت تقود بسرعة كبيرة يا مقدم،" قطعت إيلينا الصمت بصوتها الهادئ وهي تنظر إلى مؤشر السرعة. "الاندفاع لن يعيد شريكك الراحل، ولكنه قد يلحقنا به."
شدّ أدريان على فكه، ولم يخفف السرعة. قال بنبرة جافة: "إذا كنتِ خائفة يا دكتورة، كان يمكنكِ البقاء في مكتبكِ الدافئ. الشارع ليس مكاناً للمحاضرات النفسية."
"لست خائفة،" ردت إيلينا وهي تلتفت برأسها وتنظر إليه مباشرة. "أنا فقط أقرأك. أنت لست غاضباً مني، أنت غاضب لأن هذا القاتل استطاع سحبك إلى حلبته المفضلة في بضع ساعات. أنت تشعر بالتهديد لأنني أرى ما تحاول إخفاءه."
أوقف أدريان السيارة فجأة بعنف أمام بوابة المستشفى المهجور، مما جعل الإطارات تصرخ على الأرض الموحلة. التفت إليها، واقترب بوجهه قليلاً لتلتقي عيناه الرماديتان الحادتان بعينيها العسليتين المتحديتين. أنفاسه الباردة كانت قريبة منها وهو يقول بصوت منخفض أشبه بفحيح الأفعى:
"أنتِ لا تعرفين شيئاً عني يا إيلينا. لا تظني أن قراءة بضعة كتب تمنحكِ الحق في تشريح عقلي. نحن هنا في مهمة عمل، ابقي في خطكِ وسأبقى في خطي."
لم ترمش إيلينا، بل حافظت على نظرتها الثابتة، وقالت بنبرة خفيضة ومثيرة للاهتمام: "الخطوط تداخلت بالفعل منذ أن كتب القاتل اسمه بدم السير أليستر، يا أدريان. دعنا نهبط، فلدينا عمل لنقوم به."
تركت القفاز المشحون بالتوتر في الهواء، وفتحت باب السيارة وهبطت وسط صقيع الليل. زفر أدريان بضيق، وضرب المقود بيده، ثم سحب مسدسه وتفقد ذخيرته، وتبعها فوراً.
المستشفى المهجور كان أشبه بهيكل عملاق لحيوان ميت. النوافذ محطمة، الجدران الرمادية متآكلة بفعل الرطوبة، والهدوء هنا كان مرعباً.
أخرج أدريان كشافه اليدوي القوي، وسلط ضوءه الأبيض على المدخل الرئيسي.
"حسب تقرير المختبر الجنائي، المواد الكيميائية وزهرة البلادونا تحتاج إلى بيئة رطبة ومظلمة،" قالت إيلينا وهي تسير بجانبه بحذر. "القبو هو المكان المثالي."
تحركا عبر الممرات الطويلة، حيث كانت الظلال تتراقص على الجدران مع كل حركة لكشافهما. وصلا إلى سلم هابط نحو الأسفل، تنبعث منه رائحة قوية... رائحة مواد كيميائية نفاذة ممزوجة برائحة عشبية غريبة ومسكرة.
"إنها البلادونا،" همست إيلينا وهي تضع يدها على منديل لتغطي أنفها. "أو كما يُطلق عليها... ست الحسن السامة."
نزلا السلم ببطء، أدريان في المقدمة ومسدسه موجه للأمام، وإيلينا خلفه مباشرة. في نهاية السلم، انفتح المكان على قبو واسع كان يُستخدم قديماً كمشرحة للمستشفى. كان المشهد في الداخل يبدو وكأنه مختبر لساحر من القرون الوسطى.
طاولات معدنية صدئة، زجاجات كيميائية ملقاة في كل مكان، أوانٍ فخارية تحتوي على سوائل داكنة، وباقات من زهور البلادونا المجففة معلقة من السقف كجثث صغيرة مقلوبة. وفي منتصف القبو، كان هناك مِرجل معدني كبير، ممتلئ بسائل أسود لزج... إنه الحبر الذي كُتبت به الرسالة.
"لقد وصلنا إلى المكان الصحيح،" قال أدريان وهو يمسح المكان بكشافه.
فجأة، تحرك ضوء كشافه ليسقط على الجدار المقابل للمِرجل. تجمد كلاهما في مكانهما. على الجدار، كانت هناك لوحة ضخمة مليئة بالصور والخيوط الحمراء.
صور لـ "أدريان فانس" في مناسبات مختلفة، صور لمسارح جرائمه السابقة، وصور لـ "إيلينا روجرز" مأخوذة من مسافات بعيدة في لندن قبل انتقالها إلى إدنبرة. وفي منتصف اللوحة، كُتبت عبارة كبيرة بالحبر الأسود:مِرجل الساحرة... حيث يمتزج الحبر بالدم لإنتاج الحقيقة.
اقتربت إيلينا من اللوحة بخطوات متهالكة، ووجهها شاحب كالموت. رفعت يدها المرتعشة لتلمس إحدى صورها الشخصية المعلقة. كانت الصورة مأخوذة لها وهي تخرج من عيادتها القديمة في لندن، وبجانبها خيط أحمر يتصل مباشرة بصورة أدريان.
"إنه يراقبنا... منذ أشهر،" همست بصوت مخنوق، محاولة استجماع شتات نفسها وقوتها التي تظاهرت بها دائماً.
خطا أدريان نحوها، ولأول مرة اختفت نبرته القاسية، وحل محلها اهتمام حقيقي.
وضع يده على كتفها بلطف، وشعر بارتعاش جسدها تحت المعطف.
"إيلينا... أنتِ لستِ مجرد مستشارة عشوائية في هذه القضية، أليس كذلك؟ قلتِ في غرفة الاجتماعات إن لديكِ حساباً قديماً معه. ما الذي يخفيه هذا الماضي؟"
التفتت إليه، وكانت عيناها العسليتان تلمعان بالدموع المحبوسة، لكنها أخذت نفساً عميقاً واستعادت قناع الصلابة سريعاً. سحبت يدها من تحت يده، وقالت بنبرة متحشرجة:
"منذ خمس سنوات، في نفس الوقت الذي خسر فيه شريكك حياته هنا في إدنبرة... خسر شقيقي الأصغر حياته في لندن. كان طالباً في كلية الفنون، ووُجد مقتولاً في مرسمه. القاتل استخدم دماءه ليرسم لوحة على قماش الرسم، وترك رسالة كُتبت بنفس هذا الحبر ونفس هذا الخط.
القضية قُيدت ضد مجهول، لكنني نذرت حياتي لدراسة علم النفس الجنائي فقط لأصل إليه."
نظر إليها أدريان بصدمة. الخيوط لم تكن تتقاطع الآن فحسب، بل كانت تلتف حول رقابهما معاً كحبل مشنقة واحد.
"إذاً، هذا المختل يجمعنا معاً عمداً. إنه يعتبرنا أبطال روايته، ويريدنا أن نكتشف هذا المكان."
"بالتأكيد،" قالت إيلينا وهي تلتفت مجدداً للوحة وتحاول تحليلها بمهنية رغم مشاعرها الثائرة. "انظر إلى طريقة ترتيب الصور. إنه لا يضعنا كأعداء له، بل يضعنا كـ 'أدوات'. القاتل النرجسي يرى نفسه إلهاً يوجه الشخصيات. إنه يريدنا أن نتبع الخيوط التي يتركها بدقة. هذا المكان ليس مخبأه السري؛ هذا 'معرض' أعده لنا خصيصاً."
"وما هو الخيط القادم في هذا المعرض؟" سأل أدريان وهو يتقدم ويتفحص الطاولة الموجودة أسفل اللوحة.
كان هناك كتاب آخر موضوع بعناية. مذكرات جلدية سوداء، مشابهة تماماً لتلك التي وُجدت في مسرح الجريمة الأول. فتح أدريان الكتاب بحذر باستخدام قفازه. في الصفحة الأولى، كانت هناك بقعة دم طازجة، وإلى جانبها كُتبت أبيات شعرية قديمة بخط اليد المنظم:
"عندما تدق الساعة منتصف الليل في برج الساعة القديم،سيسقط القناع عن وجه العدالة،وينزف الحبر من قلب يظن نفسه ناصع البياض."
"برج الساعة القديم في وسط المدينة،" قال أدريان وعيناه تضيقان. "إنه يحدد مكان الزمان والمكان للجريمة القادمة."
"ليس الجريمة القادمة يا أدريان،" قاطعته إيلينا وهي تنظر إلى بقعة الدم الطازجة. "انظر إلى الدم... إنه لم يجف بالكامل بعد. هذا يعني..."
قبل أن تكمل إيلينا جملتها، رنّ هاتف أدريان فجأة بحدة. الصوت كان صاخباً ومفزعاً في هدوء القبو. سحب الهاتف بسرعة؛ كان المتصل هو الضابط مارك من مقر الشرطة.
"سيدي! أدريان!" جاء صوت مارك مرتجفاً وملهوفاً. "لقد حدث ذلك مجدداً! اختطاف... لقد اختُطف القاضي 'روبرت هارينغتون'، رئيس محكمة الجنايات في إدنبرة، من منزله منذ ساعة واحدة فقط!"
شعر أدريان بصدمة كهربائية تسري في جسده. نظر إلى إيلينا التي كانت تستمع إلى الصوت الصادر من الهاتف.
"القاضي هارينغتون؟" قال أدريان لمارك بصوت جهوري. "هل ترك القاتل أي شيء خلفه؟"
"نعم يا سيدي... ترك رسالة كُتبت بالحبر الأسود على سرير القاضي، تقول: 'موعدنا في منتصف الليل تحت عقارب الساعة، لتبدأ المحاكمة الحقيقية'."
نظر أدريان إلى ساعته؛ كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلاً. بقي لديهم ساعة واحدة فقط قبل منتصف الليل.
"مارك، اجمع كل القوات المتوفرة وتحرك فوراً صوب برج الساعة القديم في ساحة المدينة. طوقوا المكان بالكامل، لكن دون إطلاق صفارات الإنذار. لا نريد إثارة ذعره."
أغلق الهاتف، ونظر إلى إيلينا. كان التوتر والجاذبية والخطر يمتزجون في الهواء كخليط لزج.
"لقد بدأت اللعبة الحقيقية يا دكتورة. القاضي هارينغتون هو الضحية الثانية، والوقت يداهمنا."
"أدريان، انتظر،" خطت إيلينا خطوة نحوه، وأمسكت بذراعه بقوة. شعر بدفء يدها رغم برودة الطقس، وتلاقت أعينهما في نظرة طويلة تملؤها الرهبة والترقب. "برج الساعة هو فخ. القاتل يعرف أننا سنفك الشفرة وسنأتي إلى هناك. إنه يريدنا أن نشهد الجريمة، أو يريد أن يجعلنا جزءاً منها. إنه يتلاعب باندفاعك."
نظر أدريان إلى يدها الممسكة بذراعه، ثم نظر في عينيها وقال بنبرة هادئة ولكنها حاسمة:
"أعلم أنه فخ يا إيلينا. وأعلم أنه يريد تدميري. لكنني فضلت دائماً مواجهة الوحوش في عقر دارها على الانتظار في الظلام. إذا كنتِ تثقين بي... فلتأتي معي. وإذا كنتِ تخافين على حياتكِ، فهذا هو الوقت المناسب للتراجع."
صمتت إيلينا لثانية واحدة، ثم شددت على مسكتها لذراعه وقالت بثبات:
"أنا لا أتراجع أبداً يا مقدم فانس. لقد انتظرت خمس سنوات من أجل هذه اللحظة، ولن أسمح لك بأن تأخذ كل المتعة بمفردك."
ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة ونادرة، حملت في طياتها بداية قبول حقيقي لـ إيلينا كشريكة في هذه القضية الملعونة، أو ربما شيء أكثر عمقاً في المستقبل.
خرجا معاً من القبو المظلم، تاركين مِرجل البلادونا خلفهما، وانطلقت السيارة بسرعة جنونية في شوارع إدنبرة الضبابية، متجهة نحو برج الساعة القديم، حيث كانت عقارب الزمن تتحرك ببرود نحو منتصف الليل....
وهج ✨