ظلال فوق الرصيف

ظلال فوق الرصيف

13 0

وهم بين أزقة لندن

لم يكن هناك وقت للتفكير أو ممارسة التحليل النفسي. بمجرد أن اختفى الظل عن حافة الشرفة العلوية، كان أدريان قد اتخذ قراره. أفلت يد إيلينا برفق وضغط عليها لثانية قائلًا بصوت هادر وسط صرخات الذعر التي تملأ القاعة:

"ابقِ هنا مع رجال الشرطة يا إيلينا، لا تتحركي!"

"أدريان، انتظر! إنه يسحبك!" صرخت محذرة، لكنه كان قد اندفع بالفعل كالسهم، يشق حشود الحاضرين المذعورين الذين كانوا يتدافعون نحو مخرج الطوارئ.

صعد أدريان درجات السلم المؤدي إلى الشرفة ثلاثًا بثلاث، مسدسه في يده وعيناه الرماديتان مسلطتان على الباب الحديدي الخلفي المخصص لعمال الصيانة. دفع الباب بعنف ليجد نفسه على درج حديدي خارجي معلق في الهواء، يطل على زقاق خلفي ضيق ومظلم خلف مبنى الجمعية الملكية.

المطرفي لندن كان يهطل بغزارة، ليغسل أرصفة المدينة الحجرية.

لمح أدريان معطفًا صوفيًا داكنًا يركض في نهاية الزقاق، مختفيًا خلف جدار الضباب الكثيف.

اندفع أدريان خلفه، والحلة الرسمية السوداء تقيد حركته قليلاً، لكن غضبه وإصراره على إنهاء هذا الكابوس كانا المحرك الأقوى.

كانت أنفاسه تخرج متلاحقة في الهواء البارد، وصوت حذائه يصطدم بالماء الراكد على الرصيف المبتل.

"توقف! شرطة!" هدر أدريان وهو يرفع مسدسه، لكن الظل لم يلتفت، بل انعطف فجأة يمينًا ليدخل إلى منطقة مستودعات قديمة ومهجورة على ضفاف نهر التايمز.

عندما وصل أدريان إلى زاوية المنعطف، شعر ببرودة مفاجئة لم تكن بسبب المطر. لم يكن هناك أحد. الزقاق كان مغلقًا بنهاية مسدودة، ولا يوجد سوى حاويات شحن قديمة وصدئة. سار ببطء، والمسدس موجه للأمام، يلتفت حوله حذرًا من أي كمين.

وفجأة، سمع صوت خطوات هادئة ومنتظمة خلفه.

التفت أدريان بسرعة، واضعًا إصبعه على الزناد. لكنه لم يجد القاتل؛ بل وجد إيلينا تقف هناك، معطفها مبلل بالكامل، وشعرها الكستنائي ملتصق بوجهها بفعل المطر، لكن عينيها العسليتين كانتا تشعان بإصرار لا يقل عن إصراره.

"ألم أخبركِ أن تبقي في الداخل؟" قال أدريان بغضب مكتوم وهو يخفض مسدسه قليلاً، متقدمًا نحوها بسرعة ليمسك بذراعيها. "هذا خطير جداً يا إيلينا! إنه يلعب معنا، وكان يمكن أن يقتلكِ!"

"وأنا أخبرتكَ أنني لن أتركك تواجهه بمفردك!" ردت بصوت مرتجف من البرد ولكن بنبرة حادة وقوية. "القاتل لم يكن يهرب منك يا أدريان، إنه هو من قادك إلى هنا. انظر حولك... هذا المكان ليس عشوائيًا."

تراجع أدريان خطوة ونظر إلى الحائط الحجري للمستودع القديم الذي يقفان أمامه. كان هناك انعكاس لأضواء لندن البعيدة على الماء، وتحت كشاف ضوء الشارع المكسور، كانت هناك لوحة خشبية قديمة معلقة على بوابة المستودع: "مستودعات ليام روجرز للفنون".

شعر أدريان بصدمة كأنها تيار كهربائي. هذا كان المستودع الذي احتفظ فيه شقيق إيلينا بلوحاته قبل مقتله.

"إنه يعيدنا دائمًا إلى نقطة الصفر،" همست إيلينا وهي تتقدم نحو البوابة الحديدية الصدئة التي كانت، كالعادة، مفتوحة بفجوة صغيرة تسمح بالمرور.

نظر أدريان إليها، ورأى رعبها الكامن وراء شجاعتها. تحرك ليقف في الصدارة امامها مجددا بعد أن ابتعدت قليلا عنه، ممسكًا بمسدسه بيد، وباليد الأخرى أخذ يد إيلينا، ليشعرها بالطمأنينه أنه موجود معها ولن يتركها واردف: "إذاً، دعنا ندخل ونرى ماذا يخبئ لنا هذا القاتل الوغد."

دخلا إلى المستودع الواسع، حيث كانت رائحة الخشب القديم والبلادونا تمتزج برطوبة النهر. كان المكان مظلمًا تمامًا، لكن في العمق، كان هناك ضوء شمعة واحدة موضوعة على أرضية خشبية مرتفعة.

تقدما بخطى حذرة حتى وصلا إلى مصير الضوء. بجانب الشمعة، لم تكن هناك جثة هذه المرة، بل كان هناك صندوق خشبي صغير مفتوح. وفي داخل الصندوق، كانت تقبع مذكرات جلدية سوداء جديدة، وهي "المذكرات الخاصة بي".

سحب أدريان المذكرات وفتحها، وتحت ضوء الشمعة المرتعش، قرأ السطور الأولى المكتوبة بخط اليد المنظم والمثالي:

"ظلال فوق الرصيف المبتل... المطاردة ممتعة، ولكن الأمتع هو عندما يدرك الصياد أنه طريدة لشخص آخر. المحقق والطبيبة يعتقدان أنهما يقتربان من الحقيقة، بينما هما يغرقان في حبري. الضحية القادمة لن تكون غريبة عنكما... الضحية القادمة تنتظر في مكان بدأ فيه كل شيء بالنسبة للمقدم أدريان."

اتسعت عينا أدريان الرماديتان، وسقطت المذكرات من يده لولا أن إيلينا التقطتها بسرعة.

"أدريان؟ ما الأمر؟" سألته بقلق وهي تضع يدها على كتفه العريض وشعرت بأنفاسه المتسارعة بعنف وغضب شديد الممزوج بالقلق.

"ما هو المكان الذي بدأ فيه كل شيء بالنسبة لك؟"

نظر إليها، وكانت ملامحه الصلبة تبدو وكأنها تحطمت لأول مرة.

قال بصوت منخفض ومتحشرج:

"مقر الشرطة القديم في إدنبرة... القسم الذي قُتل فيه شريكي قبل خمس سنوات. الضحية القادمة... هي الضابط مارك."

انطفأت الشمعة فجأة بفعل لفحة هواء باردة قادمة من النهر، ليسود الظلام الدامس مجدداً، معلنةً عن بداية سباق جديد وأكثر رعباً وخطفاً الأنفاس نحو الشمال، حيث ينتظرهم هذا الذين لا يعرفون اي شئ عنه....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبر ودم

المؤلف وهج ✨
2026/06/12 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة