في تمام الساعة الثانية فجراً، كان المقر الرئيسي للشرطة قد تحول إلى ما يشبه خلية نحل مشلولة. القاضي هارينغتون كان في غرفة التحقيق الخاصة يخضع للاستجواب من قِبل لجنة وزارية عليا، بعد أن فجّرت تسجيلات القاتل فضيحة الفساد القديمة.
أما أدريان، فقد رفض الذهاب إلى المستشفى رغم إلحاح الضابط مارك. كان يجلس في مكتبه المعتم، يرتدي قميصاً أبيض بفتحة عنق واسعة بعد أن خلع معطفه وسترته الملطخة بالدماء. كان يحاول بيده اليسرى لف ضمادة طبية جديدة حول ذراعه اليمنى المصابة، لكن السيطرة على الشاش بيد واحدة كانت شبه مستحيلة، مما جعله يطلق زفرة غاضبة ومكتومة.
انفتح الباب ببطء، ودخلت إيلينا. كانت قد خلعت معطفها الثقيل أيضاً، وظهرت بسترة صوفية سوداء تبرز ملامحها الهادئة. كانت تحمل في يدها علبة إسعافات أولية جديدة.
"قلتُ لكِ إنني بخير يا دكتورة، لا داعي لهذا،" قال أدريان بنبرة جافة وهو يحاول إبعاد الشاش.
لم تجبه إيلينا، بل تقدمت بخطوات ثابتة وجلست على حافة مكتبه الكبيرة، قريبة منه لدرجة جعلت عطرها الهادئ يطغى على رائحة الموت والحديد التي سكنت أنفاسه طوال الليل. سحبت ذراعه المصابة برفق ولكن بحسم، وبدأت تفك الشاش الذي لفه بطريقة خاطئة.
"أنت عنيد جداً ايها القائد أدريان، وهذا العناد سيقودك إلى التهلكة قريباً،" قالت بصوت منخفض وناعم، وعيناها مركزتان بالكامل على الجرح القطعي في ذراعه.
امتدت أصابعها الدافئة لتمسك بالجرح، وهي تطهر الجرح بمادة معقمة. شعر أدريان بلسعة الألم، لكن ما أشعل جسده حقاً لم يكن المعقم، بل كانت تلك الأفكار التي تغزو رأسه وعن من وراء هذه الافعال. كان يراقب وجهها عن قرب؛ خصلات شعرها الكستنائي المتمردة التي سقطت على جبينها، وهدوء عينيها العسليتين التي كانت تخفي وراءها محيطاً من الأحزان المشتركة.
"لماذا أنقذتِني في البرج؟" سألها فجأة بصوت أجش وعميق، عينيه الرماديتين تخترقان ملامحها. "لو تركِتِني للتروس، لربما انتهت اللعبة وتخلصتِ من هذا الكابوس."
توقفت يد إيلينا عن الحركة لثانية واحدة. رفعت عينيها لتلتقي بعينيه الحادتين، وقالت بنبرة صادقة وخالية من أي قناع مهني:
"لأنني لا أستطيع خسارة شريك آخر يا أدريان. ولأنني... عندما رأيت يدك بين تلك التروس، شعرت لأول مرة منذ خمس سنوات أن قلبي ما زال ينبض، حتى لو كان ينبض بالرعب. نحن نشبه بعضنا أكثر مما تعتقد؛ كِلانا يختبئ خلف جدار من الجليد، لكن جدارك بدأ يذوب."
ساد الصمت الغرفة..
بعد أن أنهت ضمادة الجرح وداوته تقريبا ،ابتعدت إيلينا ببطء بعد أن انتهت من ربط الضمادة بإحكام، وقالت وهي تجمع أدواتها وتحاول استعادة هدوئها المصطنع: "الآن، بما أن بطلنا أصبح قادراً على القتال مجدداً، دعنا نرى ما تركه لنا هذا الأديب المختل."
جلس أدريان خلف مكتبه، بينما وقفت إيلينا بجانبه تشير إلى الخريطة الكبيرة لمدينة إدنبرة المعلقة على الحائط.
"القاتل يتبع نمطاً دقيقاً ومحسوباً،" قالت إيلينا وهي تضع علامات حمراء على المواقع الثلاثة: المسرح المهجور، مستشفى البلادونا، وبرج الساعة. "إنه يتحرك في دائرة جغرافية تحيط بوسط المدينة. وإذا قمنا بتوصيل هذه النقاط الثلاث، سنحصل على مثلث ناقص ضلع واحد."
"والضلع الناقص هو المكان القادم،" أضاف أدريان وعيناه تلاحقان حركة إصبعها على الخريطة. "لكن ما هو الدافع القادم؟ في المرة الأولى استهدف السياسة (عضو البرلمان)، وفي الثانية استهدف القضاء (القاضي هارينغتون). ما هي المؤسسة الثالثة التي يراها فاسدة ويريد محاكمتها؟"
"الفن،" قالت إيلينا بوعي حاد. "تذكر ما قاله عن شقيقي في البرج؛ قال إنه سرق فكرته ونسبها لنفسه. القاتل يرى نفسه الفنان الحقيقي الوحيد، ويريد معاقبة من يسرقون الإبداع أو يزيفونه."
في تلك اللحظة، رن هاتف المكتب الرئيسي. سحب أدريان السماعة؛ كان صوت الضابط مارك مجدداً، ولكن هذه المرة كان الصوت يحمل نبرة من الذهول التام.
"سيدي المقدم... عليك أن تأتي إلى 'المعرض الوطني الاسكتلندي للفنون' فوراً. الحراس وجدوا البوابة الرئيسية مفتوحة، وهناك شيء بالداخل... شيء تم إعداده خصيصاً لك وللدكتورة."
التفت أدريان إلى إيلينا، وأومأ برأسه دون كلام. سحبا معاطفهما وانطلقا فوراً نحو وسط المدينة حيث يقع المعرض الفني العريق وسط الثلوج التي بدأت تكسو الشوارع برداء أبيض ناصع.
عندما دخلا إلى القاعة الرئيسية للمعرض، كانت الأضواء مطفأة بالكامل، باستثناء كشاف إضاءة واحد يسلط نوره على لوحة ضخمة معلقة في نهاية الممر الطويل. القاعة كانت خالية من الحراس، والهدوء فيها يشبه هدوء المقابر.
تقدما ببطء، وأحذيتهما تصدر صوتاً منتظماً فوق الأرضية الرخامية المصقولة. عندما اقتربا من اللوحة، شعرت إيلينا ببرودة تجتاح أطرافها.
اللوحة لم تكن عملاً فنياً كلاسيكياً؛ بل كانت لوحة بيضاء ضخمة، تم سكب الحبر الأسود المخلوط بالبلادونا عليها بعشوائية مرعبة، ليرسم شكلاً يشبه امرأة مصلوبة. والأكثر بشاعة، أن القاتل استخدم دماءً طازجة ليكتب على إطار اللوحة الذهبي:"حبر العاطفة المُصَلبة... القلوب التي تخفق في الظلام، هي أول من يحترق."
وأسفل اللوحة، على طاولة عرض زجاجية مخملية، كانت هناك مذكرات جلدية سوداء ثالثة... الفصل الجديد.
تقدم أدريان وسحب المذكرات بحذر، وفتح الصفحة الأولى تحت نظرات إيلينا المترقبة. هذه المرة، لم تكن هناك أبيات شعرية، بل كانت هناك صورة قديمة عائلية ممزقة الأطراف.
كانت الصورة لـ إيلينا وشقيقها الراحل "ليام" وهما في مرحلة الطفولة، يلعبان في حديقة منزل قديم. وفي خلفية الصورة، كُتبت عبارة بخط اليد المنظم والمثالي:
"الماضي لا يموت يا إيلينا... إنه ينتظر فقط في المنزل القديم، حيث بدأت أول كذبة."
نظرت إيلينا إلى الصورة، واتسعت عيناها برعب حقيقي. تراجعت خطوتين للخلف، وكادت أن تسقط لولا أن أدريان أسرع وأمسك بخصرها بيد، وبذراعها باليد الأخرى، ليثبتها بقوة ويمنعها من السقوط علي الارض.
"إيلينا! ما هذا المكان؟ ما هو المنزل القديم؟" سألها بنبرة مليئة بالتساؤل والإصرار، وهو ينظر إلي عينيها ويري الرعب الذي ساد فيهما.
قالت بتلعثم:"هذا... هذا منزل طفولتنا القديم في ضواحي لندن المعزولة،" همست بصوت مرتجف، والدموع نزلت من عينيها أخيراً لتسقط على وجنتيها:
"المنزل مهجور منذ وفاة والديّ ومقتل شقيقي. القاتل هناك... إنه يدعوني للعودة إلى المنزل الحقيقي."
نظر أدريان إلى الصورة ثم إليها. أدرك أن القاتل لم يعد يلعب في إدنبرة فحسب؛ إنه يسحبهم إلى رحلة طويلة وخطيرة خارج حدود المدينة، رحلة نحو منبع الألم والأسرار.
"لن تذهبي إلى هناك بمفردكِ يا إيلينا،" قال أدريان بصوت حاسم وقوي، ورفع يده ليمسح دموعها برفق عن وجنتيها، في حركة حملت الكثير من المشاعر الدافئة التي تولدت بينهما وسط هذا السواد. "هذه لم تعد قضيتكِ بمفردكِ. إنه يريدنا معاً، وسنذهب معاً. سننهي هذه الرواية بطريقتنا نحن."
نظرت إليه إيلينا، وشعرت لأول مرة بالأمان الحقيقي وسط العاصفة. أومأت برأسها بالموافقة، بينما كانت أضواء المعرض تعكس ظلالهما المتشابكة فوق اللوحة النازفة، معلنةً عن بداية رحلة عاصفة ومظلمة نحو جنوب البلاد، حيث يتربص بهما الفصل الخامس في المنزل القديم.
وهج ✨