ـ الفَصـل السَّابعْ

ـ الفَصـل السَّابعْ

19 0

      أن أصنع لونًا، أن أبدأ بخطوة صغيرة، ثم أحوّل الفكرة إلى لوحة من الإبداع.

سديم

......

في صباح اليوم التالي...

رفع تشارلز ستائر الغرفة، فتسللت خيوط الشمس البرتقالية عبر النافذة الكبيرة لتلامس وجه إيفلين النائمة على السرير. ففتحت عينيها فجأة وانتفضت من مكانها بفزع.

ــ صباح الخير أيتها الفنانة!

قالها تشارلز بصوت هادئ حتى لا يزيد من ارتباكها، لكن ما إن وصل صوته الرجولي الخشن إلى مسامعها حتى انتبهت لوجوده في الغرفة، فتراجعت قليلًا وهي تحدق به بدهشة.

اقترب منها بخطوات هادئة وقال بمرح:

ــ لست شبحًا يا سيدتي، أنا تشارلز... زوجكِ الجديد!

تلونت وجنتاها بحمرة خفيفة، فسارعت إلى إخفاء ارتباكها بالسؤال بغضب:

ــ وكيف تدخل غرفتي دون إذن؟!

رفع حاجبه الأيسر وأطلق ضحكة ساخرة قبل أن يقول متعجبًا:

ــ غرفتكِ وحدكِ؟ إنها غرفتنا معًا، ألسنا متزوجين؟ أم أنكِ نسيتِ ذلك بالفعل؟

اتسعت عينا إيفلين فجأة وكأنها انتبهت لأمر مهم، فسألته بذهول:

ــ هل نمت بجانبي الليلة الماضية؟

ــ بالطبع. وأين تتوقعين أن أنام؟ يبدو أن نومكِ كان عميقًا جدًا حتى أنكِ لم تشعري بوجودي.

صمت للحظة ثم عقد حاجبيه وأضاف بنبرة متذمرة متعمدة:

ــ وبالمناسبة، لقد أزعجني شخيركِ كثيرًا!

اشتعل وجه إيفلين غضبًا هذه المرة أكثر من خجلها، وقالت بحدة:

ــ بما أن شخيري أزعجك، كان بإمكانك مغادرة الغرفة أو النوم على الأريكة بعيدًا عني لتحظى بليلة هادئة!

التقطت أنفاسها ثم أضافت وكأنها حسمت النقاش لصالحها:

ــ ثم إنني لا أستطيع التوقف عن الشخير، لذا ابحث لنفسك عن مكان آخر تنام فيه يا سيدي!

حدق بها تشارلز بدهشة، فقد بدت منفعلة أكثر مما توقع لمجرد مزحة عابرة. فابتسم قائلًا:

ــ كنت أمزح فقط... أردت استفزازك قليلًا، فقد كنتِ هادئة جدًا.

استقامت إيفلين في جلستها، وقد خف غضبها قليلًا بعد اعترافه. همّت بالرد عليه، لكن طرقات خفيفة على الباب قاطعتها.

اتجه تشارلز نحو الباب وفتحه، لتظهر الخادمة قائلة:

ــ سيدي، الفطور جاهز.

في تلك اللحظة قررت إيفلين تجاهله تمامًا. نهضت من السرير وبدأت تستعد ليومها وللتدريس، فذلك أفضل بكثير من البقاء عالقة في جدال جديد مع شخص مخبول مثله!

ــــــ

      بعد مدة جلسَ كل منها  متقابلين على  مائدة الفطورِ  كزوجين مثالينْ ، و بينهما الصمت يلف الأرجاءَ،

    كانت إيفلين تحدق بعينينِ غائرتينِ في تشالرز  'الذي كان يتشرفُ قهوتهُ بهدوء ِ و شرودِ  كأنهُ في عالم آخر ،  و كأنه ليسَ ذاك المستفز في صباحِ'

ربما للـأول مرة منذ لقائها تتمعنُ فيه مستفسرة كانتْ سحنتهُ  تشعُ بغموضِ، أو ربما فقط بدا لها ذالك لأنه لم يفصح لها عن أي شيء  يخصهُ ، وبدأ فضول يسحبها لتعرف مايخبأه ، للحظة حاولت قراءة شيء ما ملامحه من لكنها لم يظهر شيء ' إنه ليس لوحة إيفلين حتى تفسيره بهكذا طريقة ' همست داخلها بسخرية وأكملت تحديقها فيه ..

  وبينما هي على هذه الحالِ داهمتها لحظة إدراك متأخرة- كما يحدث معها دوما - في أنهُ مجهولُ بالنسبة لها ماعدا إسمه ولقبهِ ، فهو لم يخبرها عن أي شيء يخص حياته ولا ماضيه ولم تسأله هي عن أي شيء هي أيضا  حتى عن سبب هروبِ عروسهِ الذي بدا لها الآن فقط أمرا مريبـًا ، في تلك اللحظة أحست أنها مغفلة بعد ماراجعت في ذاكرتها كل الأحداث التي جرت قبل يومينِ في القطارِ وخارجهِ ،  هي أخبرتهم بكل شيء عن' محلها، عملها، حريق و حتى قريتها ' ،  في حينِ أنهم لم يشاركوها شيء سوى هروبِ العروسِ لكي توافق على عرضهم، كادت أن تصفع وجهها لشدة غبائها.

   وبينما هذه الأفكار تغلي في دماغها تذكرت قول أخته سابقا ' أخي شاعر ' ، صحيح فقد بدا مهتما جدًا في تلك المرة بداويين الشعر التي كانت بحوزتها ، كيف لم تنتبه في ذالك الوقت وتسأله كما فعل !

   وضعت يدها على خدها  تحاول إيقاف تسربَ مجرى الذكرياتِ التي تفضحُ غبائها وتسبب لها الدوارَ ،  زمت شفتيها فجأة مستغربة في أن  يمتلك شخصُ مثله روح الفنِ ثم لعنت نفسها داخلها على غرورها وتكبرها لِـأنها إصتنقصت منه ، فمن تكون هي حتى تحكم عليه أو على غيرهِ من أولِ نظرة ،

     في تلك اللحظة رفع عيونه بغتةً فإصطدمت بنظراها أجلفت في مكانها و  كردِ فعل لأدركها  أنه لاحظ أنها  تراقبه منذ مدة ، حتى بردت قهوتها دون أن  ترشف منها رشفة !

ــ أخضروا فنجانَ قهوة ساخنة  لعزبزتي إيفلين !

جاء صوته مفرقا  لردة فعلها  فسرته إيفلين على أنه إستهزاء ، شعرت بالحرج فسعلت بقوة  بسبب القهوةِ التي علقت في حلقها  والتي تظاهرت بشربها بصعوبة استردت أنفاسها تحت ضرباتِ خفيفة منه على ظهرها .

ــ إبتعد عني أحذرك للمرة الأخيرة!

بصوتها المبحوحِ قالت وهي تدفعه بنفورِ ..

ــ أشْ إيفا من حولنا  يسمع !

   رد عليها ثم عاد لمكانه وهي لم تعلق شربت كوب الماء الذي قدمه لها دفعة واحدة .

ــ فيما كنت شاردة ؟ أو بأحرى لما كنت شاردة في بتلك الطريقة !

سكتت و لم تجب وكأنها لم تسمعه .

ــ أخفتني نظراتكِ تبدين شرسة إيفا .

ــ صدقت أنا شرسة جدًا فإحذرْ !

أطلق ضحكة قصيرة خافتة وقال :

ــ شراسة قطة غاضبة فقط !

   ضغطت على أسنانها بنفاذِ صبرِ ، لم تدري ماتفعل ولا ما تقوله فقد بعثر كيانها و خلف في داخلها مشاعر غريبة لم تستطيع تفسيرها ، وبسبب هذه خلبطة النفسية التي لم تستطع فرزها أثارت تجاهله لمدة قصيرة حتى تستعيد توازن تفكيرها  ،

    في تلك الأثناء دخلت الخادمة ومعها القهوة لم تتبنبه لها حتى وضعت فينجان بجانبها :

ــ بصحةِِ والهناءِ سيدتي ! 

ــ أي خدمات أخرى .

   نفى تشالرز برأسه أما إيفلين فانتظرتها حتى خرجت وقد قررت أخذ منحى الصراحة التي دائما تتعامل به أوليفيا في حالِ كرر السؤالْ وهذا ما فعلهُ حقا  :

ــ إشربي القهوة الساخنة الجديدة .

قالها بإبتسامة مصطنعة ،

ــ أحبها باردة !

ردت عليه بنبرة حاسمة،

ــ كفي عن هذه التصرفاتِ العدوانية، لستُ عدوكِ إيفي .

قاطعته قائلة :

ــ وأنت كفَ عن إستفزازي لست صبيا سيد تشارلز.

ــ متى حدث ذالك أنتِ من كنت تحملقين فيا بغرابة آنسة إيفلين ولم تجيبي عندما سألت عن سبب ؟ 

ـ أنتَ تبدو غامض بشكلِ مريب و أنا محتارة في أمرك هل سأكون بخير معك ؟

قطب حاجبه مستغربا ورد بهدوءِ :

ــ لا تقلقي لن أفعل شيء يؤذيكِ عزيزتي!

   نهض من مكانه، وطبع قبلة على خدها إشمئزت  جدا بسبب وقاحته ، كانت ستردُ عليه بضربةِ على عنقهِ لكنها سمعت الخادم يتأسف  ، فخمنت سبب فعلته ربما الخادم إلتقط بعضا من كلـَامها  الذي يفضح زيف زواجهم .

ــ لا تقلقي حبيبتي، هنا لن تتأذي إطلاقًا وخاصة  وانا معكِ .

جهر بهذه الكلمات بصوته  هادئ ، وهمسَ الأخرى  :

ــ كدتِ تفضحين أمرنا ، لاداعي لأن أنبهكِ كل مرة .

وخرج تاركا إياها في حيرة .

---------

               

       وراء القصرِ وفي باحة واسعة ، جلست إيفلين مع أطفالِ الثلاثِ فوق بساطِ أبيض ناصع ، تحطيهم مجموعة من الأدوات و الانياتِ والفرشاتِ و طاولات قصيرة ،

بدا الأطفال في غاية السعادةِ والحماسِ بهذا مشهدِ حولهم ، ربما لأنه كان  كمتنفسِ خارج جدرانِ القصرِ فلـَاهم تحت المراقبة الابوية ولا التدريسية ! أوربما لأنهم أحبوا هذا التجديد فالدروس التي كانت تقدم لهم كانت مكررة جافة مجردة من المشاعر ، صارمة تتعلق فقط بأدبِ ومعملات ،

    كان درس الأول الذي خططت له إيفلين بيسطا لكنه مفتاحُ الذي سيدخلونَ به عالم الرسمِ ،  'صناعة الألوان من الصفر أي الكيمياء الفيكتورية ' كما تسمى ولعل سرَ إختيارهِ له يعود  لسببينِ هما  أن الألوان لم تكن متوفرة ولا تُشترى جاهزة بسهولة لذالك عليك صنعها   يدوياً ، والسبب الثاني هو أن يستمع أطفال بعملِ فهو أشبه بلعبة تنسطُ دماغِ و تخرجُ عبقرية أطفالِ و أيضا ليتقربوا منها أكثرو  يألفوها !

     كانت قد حضرت أصباغاً خاماً (بودرة)، وزجاجات من زيت الكتان، ومواد طبيعية من حديقة القصر (أوراق شجر مطحونة، طين، رماد من الموقد ، زهور جافة بألوان متعددة ). ليتعلم الأطفال سحق المواد وخلطها لصنع ألوانهم الخاصة و المضلة عندهم ، جلست في وسطهم وأخذت علبَ تريهم كيف يتم صنعها وهم كانو يقلدون حركاتها بشغفِ ؛

    من أحد الشرف كان تشارلز يراقبها بإنتباهِ وهي تقوم بعملها ، فتاة جادة ونشيطة هكذا وصفها داخله ، فجأهُ ذكائها جدا الفكرة كانت  رائعة فدرس حسي بامتياز  'ملمس البودرة، رائحة الزيت، واتساخ أيديهم الصغيرة بالرماد والطين يساعد على إعادة تدوير الألم  وتحويل الطين والرماد إلى فن جميل أي يفتحُ مجالَ لهم ليستطعوا تعبير عن مشاعرهم بدلَ الكلماتِ ..، سرَ بذالك كثيرًا لأنها لن تحرجه أمام الدوقِ فعاد إلى عمله بضميرِ مرتاح .

--------

       

       بعد ساعاتِ من الصبرِ و العمل إنتهوا من صناعة ألوان و كل واحد منهم متحمس ليرسم به -خاصة عندما أرتهم لوحاتها الجميلة لتحفزهم على التقدم في هذا المجالِ و عدم التراجع-

لكن إيفلين أخبرتهم بأن عليهم أن ينتظروا حتى تجف الألوان بعد أيام قصيرة ليبدأوا بتطبيقِ الفعلي للدروس ، ولكي لا يفقدوا حماسهم من الانتظار ناولتهم أقلام رصاصِ وألوان خشيبة و أوراق ليرسموا بها ، ودفترها الصغير لي يقلدوه، راقت لهم الفكرة كثيرا و أخذوهم من عندها ليجربوا الرسم لأولِ مرة .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝓜𝓲𝓼𝓼 𝓟𝓪𝓵𝓮𝓽𝓽𝓮

المؤلف سديم 'ے
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة