-الفَصْلُ الـأَوَلْ

-الفَصْلُ الـأَوَلْ

31 0

"لَــمْ تـَكـُــنْ مـُـجـَـرَد لـَـوْاحَــاتِِ تــسـتـمـع بـِـرَسـْمـِـهَا وَقْــتَ فـَـرَاغِـــهَـا بَــلْ كـَـانَــتْ سِـيـــرَتُهَـا الـــذَاتِــيَـة..الــتِـي لَــمْ تَــكـْـتُـبهَا فِي مـُـذَاكَــرَتـِهِـا ..بـَـلْ رَسـَــمَـتْــهَا بِــأَلْــوَانـِـهـَا بِــرُمُــوزِهَا وَظـِــلَـالـِـهَـا كَالــشـِـفــْرة لَـا يَـفْــهَمُــهَا العَـــادِيـُـونَ حَــوْلـَـهَـا ..

لـِـذَالِـكَ عـِــنـْدَمَا قـَـرَأَهَــا بِــعُــيُــونِــهِ مُــحَوِلـًا فــَكَ شـِـفْرَتـِهـَـا ..أَحـَـسَـتْ بـِـأَنَـهُ يُــعَــرِيــهَا وَأَدْرَكـَـتْ أَنَّ الـِذي يـَـقِـفُ الـآن يـُـحَــدِقُ فـِي دَواخِــلِـهَا الــمُعَــلَقـَـةِِ لَيــْسَ شَــخـْصََــا عـَــادِيـََـا سـَــطـْـحـِـيََا.. "

~~~~~~🦋~~~~~~

"علقوا بين الفقرات هذا يشجعني نكمل "

.....

|بريطانيا 1889|

------

إحتقـن الليل السّماء بسـواده المألوف و ظلامه الدامس ،وهبت معه نسمات هادئة ومنعـشة ككل يوم في جـمـيع ليِال الـصيف تقريبا في هذه الـقـريـة المنـعـزلة مـتواجدة بين أشجار الجبال الـعالية .

  بين ثـنايا هذه القرية تواجد منزل خشبي بسيط متوسط الحجم خلف أشجار طويلة على مما جعله خفي على الأنظار وغامضا بشكل مريب .

كان السكون يطغى على مكان إلا من أنفاس ذات الشعر البني القصيرِ -إيفلين-  الجالسة على الكرسي الخشبي شاردة في اللوحة الفنية المعلقة أمامها ..

يبدو أنها انتهت لتوّها من رسمها بعد وضعت اللمسة الأخيرة توقيعها الفريد '𝑴𝒊𝒔𝒔 𝑷𝒂𝒍𝒆𝒕𝒕𝒆'

كأنه يُخبرك أن خلفه روحًا لم تأتِ إلى الدنيا لتعيش فقط، بل لتترك أثرًا، -كضوءٍ يسقط على لوحةٍ داكنة فيضيئها إلى الأبد-

لهذا أطلقت زفيرا طويلاً كدلالة على نهاية عمل متقنِِ وشاقِِ !

حدّقت مليًا صوب اللوحة أمامها بملامحها الوادعة التي كان يتخللها بعض العبوس والحزن بين الفنية والأخرى ، تزامنا مع تقليب عينها على ما خطت ريشتها كإستجابة لا إرادية لإضطراب دواخلها كونها أفرغت فيها كم كبيرا من مشاعرها وأحاسيس كانت تختلجها :

'حزن ؛فرح ؛ألم؛أمل '

فإنعكست على ملامحها .

ثم وقفت و وضعت يدها على خصرها فرُسمت إبتسامة جانبية على ثغرها كتعبير منها على فخرها بإنجازها كيف لا فهذه ماهي إلا لوحةٌ فنية أخرى تنبضُ دهشةً وتفرُّدًا، تُبهر بها العيون قبل القلوب.

رفعت رأسها نحو السماء، تتأمل القمر الأبيض المكتمل، يسبح في عتمة الليل كجوهرةٍ أضاءت السواد من حولها ، كان في تلك اللحظة متفرّدًا بجماله، كلوحتها التي لم يشبهها شيء.

بينهما خيطٌ خفيّ من التشابه؛ فكلٌّ منهما جميلٌ بطريقته، متفرّدٌ عن سواه، لكن معظم الناس مرّوا بهذا المشهد دون أن يتوقفوا أمام روعته، غير مدركين لقيمته الجمالية.

الجميع يعرف أنها فنانة، لكنهم يجهلون ما تحمله لوحاتها من روحٍ وإبداع، ويحسبون الرسم مضيعةً للوقت، لأنهم لا يرون فيه ربحًا ماديًا.

هكذا كان أهل القرية؛ يقيسون الأشياء بما تدرّه من مال، لا بما تتركه من أثرٍ في القلب .

إستمرت في تقليب نظريها نحو القمر ونحو لوحتها فكما القمر الان يتوارى خلف السحب كانت تتوارى دُنْيَاهَا خلف لواحتها دُنْيَاهَا التي كانت مزيجا من الألوان كل له رمز ودلالة لوحتها هذه كانت سيرتها الذاتية، مكتوبة بالألوان لا بالكلمات كانت ترسم كأنها تحاول صنع جمال بسيط في مكانٍ فيه كل شيء موحش بشظايا أحلامها التي تحطمت وتناثرت حولها إضافة إلى ذكرياتها المؤلمة .

---

     كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل ،

الفنانة إيفلين لـَازلت في مكانها .

ساكنة كسكون المكان، هزيلة كقلم الرصاص الذي تمسكه و قد بدأت في رسم رسمةِِ جديدة على دفترها الصغير بعد أن شعرت بشيء يهبّ في داخلها شغف ممزوج بالوَحي والالهام يدفعها لرسم 'رغبة مفاجئة، حادة، صادقة'

رسمت أول خطٍ على الصفحة البيضاء لم تكن تعرف ماذا سترسم كانت تخط على ما تمليه عليها سليقتها .

وكان هذا مصدر إبداعها 'ألم فرح حزن أمل يقين بسمة ..كلها صارت ألونا '

"سأعبر عنك كما أراك أنا ، سأحكي لعالم عنك بلون وظلّ ، لا بكلماتٍ قد تخونني."

حركت يدها، لمسة هنا، ظلّ هناك ، ثم توقفت.

أمالت رأسها قليلاً،

كانت تنظر للعتمة التي تحيط بها كأنها تحادثه بعينيها، ثم تتابع رسم متجاهلة التعب الذي ينهكها ،

كان الليل هو الوقت المناسب للرسم في هذا لأنها في صباح تكون منشغلة بالعمل .

لم تكن تعرف أنها مراقَبة.

رجلٌ ما، يقف عند سور ، يراقبها بصمت مريب ..

يبدو مترددًا، لم يكن يدري أَيَقتربُ منها أم يختفي ، فقد رآها غارقة في شغفها بالرسم، تشبهه في ولهه بالألوان، وربما لذلك جاء إلى هنا.

شدّ انتباهه أنّها تبدو مميّزة، مختلفة عن أهل القرية لم تكن المشكلة فيها، بل في المكان الذي لا يليق بها ، كانت مناسبة في عالمٍ لا يناسبها

القرية تسرق من المواهب ألوانها، وتُطفئها كما تُطفأ الفوانيس آخر الليل .همس بينه وبين نفسهِ .

كان ينظر لها من بعيدعيناه لا تفارقان حركتها.،

تمسك قلمها بإصبعين دقيقين، ترسم شيئًا لم يكن يراه، لكنه يستطيع أن يشعر به

'ربما ورد ، ربما ملامح وجه، ربما مشهد من ذاكرة أرادت أن تُرممه باللون'

كان غارقًا في تفاصيلها ..

كيف تنحني برفق، تؤخذ نفسا عميقًا ، ترفع رأسها للسماء، وتبتسم ابتسامة صغيرة، ثم تعود لرسم.

لم يكن المشهد يعبر عن فتاة ترسم كما يبدو للبعض بل كانت روحًا تتكلم لا كلمات بل بألوانها الخشبية.

هو لم يعرف من تكون ، ولماذا هي ترسم في هذا الوقت ؟ نعم وكيف سيعرف ولم يمضي على مجيئه للقرية إلا بضعة أيام ؟!

لكنه شعر بشيء غريب يشده إليها :

هل هو هدوؤها؟ أم تلك الطقوس التي بدت له مألوفة بشكلٍ مؤلم؟

وفي داخله، بدأت ذكرى قديمة تتسلل إليه ببطء، و تطرق بابًا حاول إغلاقه منذ زمن

أدخل يديه في جيبه، وانسحب خطوة إلى الوراء ، لعل تلك الذكرى تتوقف على إجتياح حصونه..

أما هي ففي تلك اللحظة، شعرت بنعاسٍ شديدٍ يخالط عينيها، فنهضت من مكانها ببطء، جمعت أدواتها ودخلت منزلها 

       بعد دقائق معدودة، كانت تتقلّب في فراشها؛  لم تستطع، رغم محاولاتها المتكرّرة، أن تُغمض عينيها؛ فالأفكار التي تدور في رأسها كدوّامة هائجة .

أسئلة مبهمة لم تجد لها إجابة، وشيء من الماضي عاد يزاحم ذاكرتها ويطرق منامها كمتطفل على حاضرها ..

'خذلانٌ قديم وخيبةُ أملٍ أنهكاها، لكنها لم تشتكِ منهما يومًا.'

حزن دفنته تحت طبقات النسيان، ظنّت أنه تلاشى، لكنه كان لا يزال حيًّا، ساكن يتنفّس في أعماقها.

     ورغم أنها اعتادت على هذا الاضطراب قبل نومها، إلا أنّها ما زالت تنزعج منه وتستاء، كأن كل ليلة تجبر على إعادة فتح الجرح ذاته.

حاولت إزاحة تلك الأفكار التي تمنعها من النوم لتصفّي ذهنها، أغمضت عينيها، تنفّست بعمق، وعدّت الأرقام في ذهنها كما تفعل حين تحاول الهروب من التفكير.

لكنها لم تتخلّص منها كما كانت تعتقد، بل أخذت تلك الأفكار منحًى آخر للظهور ، فتحوّلت إلى صورٍ تتسلّل بين وعيها ونومها.

صار نصفها نائمًا متعبًا، ونصفها الآخر مستيقظًا، كأنه يحاول حفظ المشهد أمامه.

غيمة من الصور الخيالية تجمّعت في رأسها؛ لوحات فنية أكثر منها رموزًا:

'ألوان باردة قاتمة، هالة من حزن تحيط بالمكان، رياح تعبث بالأوراق اليابسة،

امرأة في مرآةٍ بنصف وجهٍ دامع،

أمطار تتساقط في عتمةٍ زرقاء لا نهاية لها...'

كانت تشعر أنها تصرخ، تصرخ بصوتٍ أعلى من أي صوت، لكن لا أحد يسمعها.

كانت تدرك، في قرارة نفسها، أن الرسم هو الخلاص الوحيد من هذه الدندنة المزعجة التي تدور في رأسها،

وأن الفرشاة وحدها قادرة على أن تُخرس هذا الضجيج، وتحوّل وجعها إلى ألوانٍ تنطق بما لا تستطيع هي قوله.

كان، كمعادلٍ موضوعيٍّ لكلِّ مواجعها، هو الملاذ الوحيد الذي يخفّف من وطأة ألمها في زوايا حياتها المظلمة.

لم تكن تلك مجرّد تخيّلاتٍ عابرة، بل كانت عالمها الخفيّ، عالمًا يتنفّس في أعماق اللاوعي، ينتظر لحظة الميلاد.

كانت تلك المشاعر ككائنٍ صغيرٍ يستنجد بالخروج إلى النور، يطرق جدار القلب برجاءٍ خافتٍ، علّه يُرى، علّه يُسمَع.

ولم تجد سوى الرسم طريقًا لنجاته، فكان هو الجسر الذي عبرت به روحها من الغياب إلى الحضور، من الصمت إلى الحكاية.

فكلُّ إنسانٍ، مهما بلغ صبره وقوّة احتماله، يحمل في داخله صرخةً مؤجّلةً تبحث عن مخرجٍ كريم.

نحن لا نحتاج أن نغرق في الدموع والنحيب لنُفهِم العالم وجعنا، بل نحتاج أن نتكلّم بلغة الكبرياء،

لغةٍ لا تنحني، لكنها تُعبّر بعمقٍ وسكينة، كأولئك العظماء الذين حوّلوا ألمهم إلى فنٍّ خالدٍ، وصمتهم إلى موسيقى ؛ كل عظيم له لغة خاصة من الكبرياء...

وفي كلّ محاولةِ شكوى من خلال هذه اللغات، يبدعون..

فالكتابة، والشعر، والموسيقى، والرسم...

ليست مجرّد وسائل تعبير، بل محاولات نجاةٍ نبيلة..

وفي كلّ مرةٍ يبوح فيها الفنّ بمعاناتهم،

يولد من بين أنينهم إبداعٌ جديد،

.

.

.

.

.

.

.

أشرقت الشمس من جديد ترسل أشعتها الذهبية المتوهجة، معلنة على بداية يوم صيفي طويل آخر ..

تسلّلت خيوطها الأولى من بين ستائر غرفتها ، لتلامس الأثاث بلمعةٍ دافئة ونكهة صيفية خاصة تعشقها ..

إسيقظت إيفلين بنشاط رغم تعب الأمس الذي أنهك عينيها وقلبها ، لقد بذلت مجهودًا كبيرًا، جسديًا ونفسيًا في العمل والرسم .

أضف إلى ذالك انها لم تحظى بنومة هنيئة .. بفعل الأفكار التي تحوم في رأسها فتجعلها نصف مستيقظة...

قامت من على سريرها وفتحت نافذتها ليمتلئ المكان بالضوء،

واستنشقت هواءً لطيفًا من نسماتٍ عطرةٍ تغمر الجو وتنعش قلبها، كأنها تتهيأ لنهارٍ طويل.

رتبت فراشها كما تفعل دائمًا، ثم ارتدت ثيابًا بسيطةً خفيفة، عبارة عن فستانٍ أصفرَ لا يحمل من الزينة شيئًا سوى زهرةِ دوّارِ شمسٍ صغيرةٍ في أعلاه من الجهة اليمنى.

ثم جلست ترتشف قهوتها وهي تراقب حركةَ الغبار العالق في الهواء، الذي بدا وكأنه ذراتُ ذهبٍ صغيرة تتراقص بفعل أشعة الشمس.

ــ لونٌ أصفرُ ذهبيّ ــ كانت تحدّق به وكأنه مصدرُ إلهامٍ لها، طال تحديقها فيه حتى تأثّرت، ونسيت أمر فنجان القهوة بجانبها، كأنها تريد أن تحتفظ بهذا المشهد في ذاكرتها، ذاك المشهد الذي تجسّد على هيئة مكنوناتٍ نفسيةٍ ستترجمها في لوحتها، لأنها لا تستطيع أن تعبّر عنها بالكلمات.

استفاقت لوهلةٍ من شرودها على وقع الواقع،

وضبّت أغراضها بسرعة، ومنها اللوحةُ الفنية التي أكملت رسمها، لأنها ستعلّقها على جدار المحل.

وسارت بخطًى مسرعةٍ كي لا تتأخر عن عملها.

.

.

.

.

.

فتحت إيفلين باب محلها الصغير الأنيق،

كان بابه ذو لون بني فاتح يزيّنه إطار خشبي بلون داكن كلاسيكي ، في الأعلى علقت لافتةٌ مكتوب عليها :

"ليست الوردة جميلة لأنها وردة... بل لأنها تحمل معنى لمن تُهدى إليه."

في مدخل مزهرية طويلة تحمل باقة من الزهور البيضاء النقية تبعث راحة وهدوء ، كأنها تحيي كل من يمرّ لقد أحسنت الإختيار فهذا زاده جاذبية ..

دلفت إلى الداخل، وأنارت الضوء ذي الإضاءة الصفراء الدافئة، ليست بقوية ولا باهتة، تعكس أجواءً راقية وهادئة كأنها لمسة من شخصيتها ..أرضيته مرصوفة بمربعات بيضاء وسوداء

الأرفف الخشبية مرتبة بعناية، عليها ورود مقطوفة بألوان متناسقة: الأحمر القاني ، الأبيض الناصع، الوردي متفتح، والأصفر المشرق. ..وأخرى بنفسجية وأرجوانية، تضيف لمسة أناقة مختلفة...

وغيرها كلها مصطفة بإنتظام تجعل كل زهرة تأخذ حقها من الجمال..

وأكثر مايميز المكان ويُجَمِلُه هي لوحات فنية ذات إطارات خشبية مزخرفة بخيوط ذهبية التي تزيّن الجدران .. الذي بدا و كأنّه يحتفظ بذكرى زمن راقٍ عالقِِ في الوسط..

.

.

.

بدأت في تجهيز المكان، ترتّب الزهور وتلمّع الزجاج وتفتح النوافذ ليدخل هواء وأشعة الشمس ..

كان بيع الورد لا يجني لها ما يكفي لقضاء حاجاتها، لكنها لم تستطع تركه...

فالمحل لم يكن مجرد مصدر رزق، بل إرث أمها، ومهنتها قبل أن تكون مهنتها هي.

كانت أمها تقول دائمًا:

"الوَرْدُ يُبقي القلب حيًّا؛ لأنه دلالة على الاهتمام.."

وربما لهذا السبب، كانت كل صباح تفتح الباب وهي تشعر أن أمها ما زالت هناك، بين رائحة الورد والياسمين، وبين تلك المزهريات القديمة التي رفضت استبدالها..

أحيانًا تفكّر في إغلاق المحل، ثم تتراجع.رغم كل شيء رغم صعوبة الحصول على الورود وبيعها والاهتمام بها ، لم يكن يهمها الأمر لأن فيه شيء يسعدها و يجعلها تشعر أن حياتها ما زالت تحمل شيئًا جميلاً يستحق البقاء..

وبينما كانت تضع آخر باقة في المزهريّة الزجاجية، دوّى صوت لجرس الباب المعلّق عند المدخل.

التفتت بخفّة، ، وقالت بصوت رقيق:

ــ  صباح الخير، تفضل !

دخل ثلاثة أشخاص الواضح أنهم غرباء عن القرية..

رجل في الخمسينات من عمره أنيق يرتدي بدلة رمادية وقبعة، فتاة تبدو في السابعة عشرة من عمرها ترتدي ثوب صيفي أزرق ، تحدق في مكان منبهرة ممسكة بيد السيدة المسنّة التي ترتدي تنورة داكنة مظرهم يوحي أنهم من طبقة نبيلة ،

تبعهم بعد ثوانِِ دخول رجل في الثلاثينيات من عمره ،شعره المتموّج ينسدل على جبينه في فوضى أنيقة،

وقد شد انتبهها قميصه الأبيض المفتوح عند العنق يحمل آثار ألوانٍ متناثرة، التي ليست غريبة عنها ..

خاطبته الفتاة قائلة وهي تزم شفتيها :

ــ مارْك أي نوع من الورود تفضل ..

فأجاب بإختصار كأنه غير مهتم

ــ التي تفضلين ..إيملييا.

بدا كأنه لم يأتي من أجل شراء ورود بل من أجل مشاهدة اللوحات ..

فمنذ أن وقعت قدماه بلاط المحل وهو واقف هناك صامتًا، يضع يديه في جيبه، يتأمّلها كما لو كان يقرأ سطرًا طويلًا من روحها بعينيه التي تحملان بريقًا هادئًا، ذلك النوع من النظرات التي توحي بأن صاحبها يرى ما لا يراه الآخرون تفاصيل المخبأءة خلف الألوان والظلال..وكانت إيفلين قد أدركت ذالك ..

مرّ بإحدى اللوحات، اقترب منها حتى كاد يسمع أنفاس اللون عليها، وكأن بينه وبينها حديثًا خفيًّا لا يسمعه أحد. عيناه تلمعان بتلك اللمعة التي لا يعرفها إلا من جرب أن يُسكب على قماشٍ أبيض شيئًا من وجعه...

من خلف الطاولة، راقبته إيفلين بصمتٍ مشوبٍ بالريبة والانزعاج. شيء في هدوئه أربكها، وفي سكونه ما جعلها تشعر كأنها عارية أمامه، كأن نظراته تفكّ رموزها دون إذن... لم تُحبّ ذلك. الفن بالنسبة لها كان عالمها الخاص، لا تطيق أن يُقتحم بهذه البساطة..

لكنها لم تتوقع أن يرى أحد لوحاتها على هذا النحو. اعتادت أن يمرّ الناس بجانب أعمالها كما يمرّون قرب نافذةٍ جميلة في شارعٍ مزدحم، يلقون نظرة عابرة ثم ينشغلون بانتقاء الورد. لكنّ هذا الرجل لم يكن عابرًا.

كان يقف أمام كل لوحة كما لو كان يُنصت إليها. عينيه لا تكتفيان بالنظر، بل تتوغّلان في العمق، في تفاصيل اللون وارتجافة الفرشاة

نفذ صبرها وهو طال جموده خاصة وأن الذين كانو معهم غادروا و طلبوا منهم الا يتأخر في اللحاق بهم ..

فتقدّمت منه لتسأله إن كان يبحث عن نوعٍ معين من الزهور، فابتسم بخفوتٍ وأجاب بصوتٍ دافئٍ لكنه مراوغ:

ــ المكان جميل ، يشبه متحف لوحاتِِ فنية أكثر من محل ورد..

ثم اقترب منها بخطوات مترددة أربكتها ، ثم سألها وهو يقلب إحدى الباقات:

ــ أنت رسمت هذه اللوحات ؟آنسة باليت .

قال كلماته الأخيرة وهو يضغط عليها.

آنسة باليت تردد صدى هذه الكلمات في ذهنها ربما لأنه أول شخص يناديها بهذا الاسم التي يكون توقيعها الفريد ..

هزّت رأسها بإيجاب، وقالت بحدّةٍ وهي تزيح خصلة عن وجهها:

ــ هل جئت لتشتري الورد أم لتحلل لوحاتي؟

ــ أريد أن أشتري هذه.

قال وهو يضع يده في جيبه، ناظرًا إلى لوحةٍ كبيرة تتدلّى قرب الزاوية.

رفعت حاجبها باستغراب ممزوج وردت بنبرة غاضبة:

ــ هذه ليست للبيع.

ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه توقّع الرد، ثم قال بهدوء:

ــ كل لوحة تُعلّق أمام الناس تصبح جزءًا منهم. كأنها تنادي من يفهمها وأنا أظن أنها نادتني.

ارتبكت، فإستدارت للوراء تتظاهر بالانشغال بترتيب باقةٍ من الزهور البيضاء، وقالت بنبرةٍ تحاول أن تكون حازمة:

ــ إن كنت تحبها لهذا الحد، يمكنك أن تعود لتراها متى شئت، لكنها ستبقى هنا.

اقترب خطوة أخرى، حتى صار على بعد نفسٍ منها، وقال بنبرةٍ منخفضةٍ لكنها صادقة:

ــ أحيانًا لا يكفي النظر. بعض الأشياء يجب أن ترافقنا، نعيش معها لا أمامها.

رفعت عينيها إليه، وفيها مزيج من الغضب والفضول:

ــ أنت تتحدث كرسام.

تجمّد لوهلة، ثم قال وهو يشيح ببصره:

ــ ربما أو ربما فقط كمن يعرف الوجع المختبأ وراء الفن.

لم يقل إنه رسّام. لم يذكر أنه يعرف جيدًا كيف تُولد هذه الألوان من صراعٍ بين الروح والفرشاة.

ساد بينهما صمتٌ ، كسرته هي بصوتٍ أكثر هدوءًا، وقد خفّت حدّة الاندفاع في نبرتها:

ــ ولِمَ تريدها تحديدًا؟

أجاب بعد تفكيرٍ قصير، وكأنه يبحث عن كلماتٍ لا تفضحه:

ــ لأنها تشبهني فيها محاولة نجاةٍ لا تنجح تمامًا، وفيها بعض الأمل تشبه ما لم أعبر عنه .

نظرت إليه طويلًا، كأنها تحاول أن تفكّ شيفرة هذا الغريب الذي يتكلم عن لوحتها كما لو أنه رسمها بنفسه. ثم قالت، بابتسامةٍ صغيرةٍ حملت بعض التحدي:

ــ حسنًا، إن كنت تراها تشبهك... فاثبت أنك تستحقها.

رفع حاجبيه، مستمتعًا بغموض عبارتها، وقال بخفوتٍ أقرب إلى الوعد:

ِــ سأثبت لكن ليس الآن.

قطع حديثهما دخول شابة في مثل عمر إيفلين كانت هذه صديقتها أوفيليا

إرتبك مارك قليلاً

أما إيفلين تقدمت تعانقها وإبتسامة رسمت على ثغرها لكن أوليفيا بدت وكأنها مهتمة بأمر الزبون الغريب أكثر من مبادلة صديقتها العناق .

وهو خرج بهدوءٍ بعدما إشترى باقة من الاوركيد البنفسجي ، تاركًا خلفه هالة من الغموض..

كلـَاهما صوبت نظرتها على ظهره وهو يغادر المحل كأنها ينتظران مغادرته ليبدأ الحديث عنهُ .

وما إن أغلق الباب خلفه حتى رمقت أوليفيا صديقتها بنظرة تفحصية من الأعلى إلى الأسفل و خاطبتها قائلة وهي تضيق عينيها مبتسمة..

ــ آنسة إيفلين يبدو أنك وقعت في الحب  ، مبارك!

ضربت إيفلين بيدها جانب رأسها بخفة ..كأنها توقعت كلام صديقتها الذي لن يختلف عن أحاديث أهل القرية بعد أن طال مكوثه عندها..

ــ أوليفيا ماهذا السخف!

ضحكت أوليفيا ، وأضافت تتعمد إزعاج صديقتها .

ــ على كل حال أحسنت إختيار إنه رسام مثلك ومن الطبقة النبيلة..

ــ مااااذا ؟! آقلتي أنه رسام ؟!

صرخت إيفلين متعجبة عاقدة حاجبيها إستغربت أوليفيا من ردة فعلها وقالت:

ــ غريب ألم يخبرك ؟! ظننت أنه أخبركِ بهذا لأنه شغوف بالفن مثلك .

بقيت إيفلين تحدّق في الأرض غاضبة و يداها معقودتان على صدرها :

ــ كنت أشك أنه فنان كان هذا واضحا بداية من بقع على قميصه ..و تحديقه في لوحات وكلامه الغامض كل شيء يدل على ذالك .

سألته وأنكر .

قالت كلماتها الأخيرة وهي ترفع يدها ، تخاطب أوليفيا التي أمسكت بيدي صديقتها كمحاولة لتهدئها :

ــ ألم يخبرك أي شيء عن حياته ولا على سبب مجيئه للقرية..؟

حركت رأسها نافية تاهت قليلًا وأكملت :

ــ لم يخبرني وانا لم أسأله ؛ ولم نتحدث كثيرًا لكني متأكدة سألته إن كان رسما لكنه أنكر .. كاذب ..

أفلتت أوليفيا يدي صديقتها وقالت بصوت متردد:

ــ لا تقولي عنه كاذب ..

ــ ولما ألم يكذب ؟.

ــ بلا ؛ لكنه وسيم !

و لم تكمل نطق الكلمة حتى أكلت ضربة على ظهرها من عند إيفلين ؛ تابعتها أخرى..

ــ متى ستتوقفين عن مثل هذه السخافات .

ــ أرجوك إيفلين توقفي سأخبرك ما أعرفه عنه ..وبإمكانك أن تذهبي عنده تفضحي أمره وتصرخين في وجهه وتنعتنيه بالكاذب وانا سأرافقك و لن أدافع عنه..

ــ أخبرني أيضا المصدر الذي أتت منه أخبار ..

ضحكت أوليفيا وأجابت :

"السيدة مذياع.. صوفيا "

وضحكت إيفلين لإيجابتها وقالت :

ــ أظن أن الأنسب السيدة متطفلة

أراهن على أنها زارتهم لكي تجمع من عندهم أخبار .. ورأته يرسم بصدفة أو أن أحد ما أخبرها دون قصد ..

ــ هههه.. نعم زارتهم مرتين وفي مرة ثالثة لم يستقبلوها و غضبت جدا حتى كادت أن تنفجر وهي تشتكي لي منهم .

ــ حقا لم أسألها كيف عرفت بأمره ولن تخبرني لأنه هذا سر من أسرار مهنتها ..

ــ تستحق راتبا شهريا على الاخبار التي تجمعها ..

ضحكت أوليفيا لتعليق صديقتها ثم حركت يدها و مطت شفتيها كي تبدا في سرد ما تعرفه عنه

ــ أولا أنا أخبرتك عن مجئ غرباء للقرية و أنهم سكنوا ذاك القصر القديم المغلق ل آرثر فينسنت..واخبرتك عن إحتمالات أنه ربما إشتروه ..لكنك لم تهتمي كعادتك ..

سكتت برهة وأضافت :

ــ آرثر فينسنت هو جدهم وقد ورثوا قصره عنه  سيقيمون فيه هذا الصيف ثم سيرحلون مرة أخرى وربما بعد عامين سيستقرون فيه لأبد إيملييا هي أخت مارك الصغرى عمرها سبعة عشر عامًا و مارك عمره ثماني وعشرين سنة أي أنه أكبر منك بسبع سنوات..كاثرين عمتهم في العقد الرابع من عمرها لديها ولد أصم وأبكم..

و مارغريت و كاسبر هم من أقاربهم لم تتذكر صوفيا الرابطة بينهم جيدًا.. وأخير الخادمة مادلين ..

أغمضت عيونها محاولة تذكر شيء قد تكون نسيته ..

ــ صحيح والدة مارك متوفاة..و مارك علاقته متوترة مع والده ..

فغرت إيفلين فهها وقالت:

ــ آه يا صوفيا عرفت حتى طبيعة علاقته مع والده ..لا ألومهم لانهم طردوكٍ ..

ــ لحسن الحظ طردوها..

قالت كلامها تبعه إهتزاز جسدها من مكانه مقتربة من إيفلين وأكملت كأنها تشحنها :

ــ نحن علينا أن نذهب لتواجهي السيد مارك ..الذي كذب عليك ..

ردت إيفلين بصوت منخفض:

ــ لا تختلفين عن صوفيا كلاكما فضوليتان ،أعتقد أنك سترثين مهنتها مستقبلا. ..

تجاهلت أوليفيا تعليقها ولم ترد لكي توافق على طلبها بالذهاب إليهم فالفضول كان ينهشها ..

ــ ستذهبين صحيح لن تسكتي على أمر كهذا..

ــ أوف من ثرثرتكِ أوليفيا لدي عمل كثير تعالي ساعدني .

ــ نعم بكل تأكيد على الأقل لنكمل أعمال .

لنسرع ونكملها اليوم لنتفرغ غدا و يسنى لنا الذهاب لمنزل مارك  لمواجهته..

ــ كفي عن هذا أوليفيا..من قال إني سأذهب.."

ــ ستذهبين  ، ستذهبين في نهاية أعرف كيف أقنعك...

نجمة صغيرة أعزائي..☆🪄

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝓜𝓲𝓼𝓼 𝓟𝓪𝓵𝓮𝓽𝓽𝓮

المؤلف سديم 'ے
2025/09/21 مستمرة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة