"من يرسم يبدع، وأنت مبدع بما ترسم. "
سديم.
------
بعد يومين..
مـَع بزوغِ الفجرِ كَـانت إيفلين قد حزمت حقائبها و إستعدت للمغادرة ؛ تاركةً كل شيء خلفها إلـَا من عبقِ ذكرياتها 'الجميلةِ في القريةِ' و السيئةِ التي لا تأبى تركها وحيدة ' حملتها معها.
بدمُـوعِ عزيِزة وقلبِ مفـْطورِ ودعت بيـتها التي عاشت فيه مع أمهـًا ومـَحَلِ وردهـَا 'الذي ورثـتهُ عنهـا ' و عملتْ فيه بجدِ وسعـَادة ، لطالما بثت ورودهَـا السعـادة في قلبِ كل من إشتراها أو تلقاها هدية أو حتى مر بجانبها لكن اليوم هي غير موجودة ،همست بصوت خفيض داخلها :
"السعادة لا تدومُ طويلًـا ، دائمًـا يأتي ما يسرقها ! "
الحقيقةُ أن فكرة الرحيل كانت تراودُ إيفلين منذ زمانِ لكنَ الرهبةَ من المجهولِ كانت تقيدها ، والحريقُ كان القطرة التي أفاضت الكأس فقد سرق آخر إنشِ من سبب بقاءها 'محلها الهادئ '، وجعلتها تعزمُ على الرحيلِ أخيـرًا بعد أن بـَدد هذا خوفَها .
مسحت دموعها من على خديها و إستجمعت أنفاسها قليلًـا و خاطبت نفسها قائلة :
ــ علي التوقف عن البكاءِ الذي لن يجدي نفعا أنا مقبلةُ على حياةِ جديدة وعلي أن أتماسك وأكون قويةَ .
شحنت نفسها بهذه الكلمات لكي لا تتراجع عن الرحيلِ و بناء حياتها الجديدة فوق حطامُ القديمة وتحقيق حلمها في أن تصبحَ رسامةُ مشهورة و تري العالم كلهُ لواحتها الآخذةَ ربما الفراق صعب ومخيفُ في بدايةِ ، لكنه يفضي لبدايةِ مشرقةِ غالبا .
------
مع حلولِ الساعة السابعة صباح ، شق القطـار الأزرقُ البخاري طريقـًا ريفـيَا متجها لمدينة 'لنوكن ' ، كان يطلق سحبًا كثيفة من الدخان الأسود من مدخنته العالية و كانت عجلاته الفولاذية تدور بقوة فوق القضبان، مصدرة إيقاعًا منتظمًا: تك... تك... تك... تك... يتردد صداه عبر الحقول والغابات. وفي كل مرة يطلق صفارته الحادة كانت الطيور تفزع من الأشجار وتطير مذعورة في السماء الرمادية وكان يزعجُ الركابَ أيضا .
جلست إيفلين في مقصورة رباعية تحتوي على ثلاثةِ أشخاصِ هِي و شابُ ذو ملابسَ داكنة يرتدي قبعة سوداء كبيرة تحجبُ ملامحهُ و معهُ فتاةُ ترتدي تنورة خضراءَ بأكمامِ منفوخةِ مطرزةِ بورودِ بيضاءَ جميلة ، يبدوا أن كلاهما يعرف الآخر جيدًا لأن الفتاةَ وضعت رأسها بدلالِ على كتفِ الرجلِ و أخذت تعبث بحلقةِ خاتم بين أصابعها ، لم تهتم إيفلين بأمرهم كثيرًا ولم تستمر في تمرير عيونها نحوهم ربما خشية أن يحدث بينهم أمرُ عاطفي مما سيسبب لها الحرج و لن تجد وقتها أين تدفنُ رأسها !
صوبت إهتمامها لنافذة حدقت شاردة في الأفق البعيد لم تكن ترى التلـَال ولا الـَأشجار ولا البيوت البعيدة كما هو واضح للبعضِ -وماأقصد بالبعضِ هو الجالسُ أمامها - بل كانت غارقة في أفكارها و أسئلتها الخاصةُ المتنوعةِ في' ما ستفعلهُ عند وصولها للمدينةِ و ما سيحدثُ لها '، تنفست بعمقِ تطرُد شبكةَ تساؤلـَاتها مقنعةً نفسها انها ستتدبرُ أمرها عند الوصول ، فأخرجت ديوانا من الشعرِ وقلما لتستمعَ بقراءةِ و الرسمِ بعيدًا عن ضجيج أفكارهَـا وإهتزازتِ الكرسي الخشبي الصلبٍ الذي تجلسُ عليهِ .
------------
إبتسامة عريضة إرتسمت على وجـهها وهي تطالعُ ما رسمتهُ بيدها ليحاكي مشهد المذكور في القصيدة فجأة تلـَاشت ، وفغرت فاهها كدليلِ على الدهشةُ و إستغرابُ ، فالشابُ أمامها أخذ الكتابَ منها و بدأ يتمعنُ في الرسمةِ من ثمَ تمدى أكثر فراحَ يقلبُ الصفحاتِ و هي بقيت جامدة كتمثالِ فالصدمة شلتها و لم تدري ماتفعلهُ !
ــ دعْ الفتاة وشأنها من تقتربُ منها تهربْ !
قالت الفتاةِ بسخرية مفاجئةِ رمقتها إيفلين بنظرة تعجبِ دون أن تفهم مقصدها ؛ أما الرجل فقد تجاهلَ كلـامها ورفع نظره نحوها و سألها بنبرةِ عفوية :
ــ أأنتِ رسامة أم شاعرة ؟ أو كلـاهما ؟
في تلك اللحظة إلتقت عيونها البنية بعيونهِ الخضراءِ سرت رعشةُ غريبة في جسدها و أجابت كالبلهاءِ :
ــ رسامة !
ثم لعنت نفسها داخلها لأنها أجابتهُ ' لماذا الرهبةُ والخوف تصرفي بحزم خذي كتابك من بين يدهِ أيتها الحمقاء ' شحنت نفسها بهذه الكلمات لكنها لم تجدي نفعا في تحريضها عليهِ.
وبالرغمِ من أنها أدركت فداحة ما تفعله إلـَا أنها لم تبدي أي ردة فعل قويةِ بل إلتزمت صمتِ وتركته يعبث بمحتوياتِ الكتابِ فكرت لوكانت اوليفيا هنا لأخذتهُ منه و أوسعتْهٌ بسيلِ من الشتائم على وقاحتهِ 'عكسها هي بقيت ساكتة تجيبُ عن أسئلتهِ وهذا إن دلَ على شيء فإنه يدل على شخصيها الخجولةِ التي تفاقمت حالتها حتى أصبحت ضعيفة '، همست داخلها وعبست وهي تتذكرِ صديقتها العزيزة :
ــ ياترى ماذا تفعل أوليفيا الـَآن هل قرأت الرسالة ؟!
قطع خيط أفكارها صوتُ الرجلِ مرة أخرى ركزت في محياهُ هذه المرة لم تكن ملامحهُ تنذرُ بأي شر كان يغلبُ عليها طابع البساطةُ حتى فتاة بجانبه كانت تبدو عفوية ؛ لذالك إرتاحت لهم قليلـا ربما تطلب منهم مساعدة لـَاحـِقا هكذا قررت في أعماقها .
ــ رسمكِ متقن هل أنتِ طالبة فنون ؟
ــ شكرا على الإطراء لست طالبة فنون ، أهوى الرسم فقط !
وبينما كانت تجيبه بأرياحية شعر بشيء يجذبهُ إليها و ينقرُ في صدرهِ أن لا يتركها وشـأنها .
ــ ذوقكِ مميزُ في إختيارِ قصائدِ شعرِ أيضا !
أومأت برأسها شاكرة ، دون أن تخبره أنها رفعت الكتاب من حقيبتها بصدفةِ و إحتفظت بهذا السرِ الصغيرِ لنفسها .
كان سيعيدُ لها الكتابَ لكن الفتاةَ بجانبه طلبت منه أن يعيطها إياه لم يستشر إيفلين وقدمهُ لها ربما لـأنه واثقُ من أنها لن تعترض ، بعد مدة وجدت إيفلين الفتاة مبهورة بمارستمهُ وتمدحها بكلِ حماسِ :
ــ فنانة مثلكِ يحقُ لها الشهرة ! رائع متقنْ يماثلُ كلاماتِ القصيدة خيالكِ جذاب أيضا !
إبتسمت إيفلين على الإطراء كانت تحب كثيرًا سماعَ كلماتِ لإطراء والثناءِ على رسمها فهذا يشجعها على رسمِ المزيدِ .
--------
بعد ساعات تبدلت الطريق من أشجار عالية إلى انهارُ جارية على ضفافِ التلالِ خضراء في منظرِ بهيجِ يسرُ الناظرينَ..
ــ هل قربنا الوصول 'لمدينة لنوكن ' ؟
سألت إيفلين بتلعثم الجالسين أمامها رفع كل منهما رأسه في لحظة واحدة وقال الرجل بصوت هادئ:
ــ نعم دقائق معدودة ويتوقف القطار .
سكت برهة وأضاف:
ــ يبدو أن وجهتنا واحدة إلى اينَ أنتِ ذاهبة ؟!
حدقت إيفلين فيه بغرابة ولم تجب تداركت آلتي بجانبه الموقف وقالت بصوت متأسفِ :
ــ إنه لا يقصد التطفل عليكِ يعرف كل إنشِ في مدينة لنوكن و ربما الوجهة التي ستذهبين إليها هي أحد معارفه !
إقنعت إيفلين بكلـامها و قررت سرد قصتها عليهم لعلهم يستطعون مساعدتها فهي بحاجة ماسةِ إليها :
ــ في الحقيقة لا أعلم كيف أبدأ ولكن طريقي مجهول لاأعرف أي أحدِ في لنوكن ،
سكتت برهة تستجمع قواها وأكملت :
ــ إحترق محلي وغادرت قريتي و جئت لهذه المدينة لأبدأ حياةَ جديدة.
تبادلا كليهما نظرات مبهمة وقال معا في لحظة واحدة :
ــ لـَا تقلقي نحن هنا وسنا ساعدكِ !
إنفرجت عن ثغرها إبتسامة عريضة وقالت بصوت بهيجِ عالي :
ــ حقا ! شكرا لكما !
ــ لا شكر على واجب عزبزتي فقط لأخبركِ أدعى إليانور و هذا أخي تشارلز وانتِ ؟
قالت إليانور ومدّت يدها تصافحها أمسكت إيفلين بيدها و قالت :
ــ تشرفت بمعرفتكِ إليانور أنا أدعى إيفلين .
ــ وأنا أيضًا عزبزتي تشرفت بكِ صديقة لي .
لم تكد تنهي جملتها حتى توقف القطار في المحطةِ وبدأ الركابُ بالنزولِ .
سديم 'ے